الأحد، 7 يناير 2018

حول طبيعة المعرفة العلمية


حول طبيعة المعرفة العلمية
فهد راشد المطيري

في منطقتنا العربية، حيث عدد دور العبادة أكبر بكثير من عدد المراكز العلمية، من المستهجن أن نسأل: ما هو الدين؟ لكن من الطبيعي جداً أن نسأل: ما هو العلم؟ لنتأمّل الجمل التالية، حيث ترد الإشارة إلى كلمة "العلم" في كل جملة على حدة:

(1) نأمل أن يصل العلم إلى علاج لهذا المرض. 
(2) لا يخضع ما يسمى العلاج بالطاقة إلى شروط العلم.
(3) تحرص الدولة على دعم العلم.
(4) بإمكان العلم أن يعمّرَ الأرض أو أن يدمّرها!

في (1)، هناك إشارة إلى العلم بوصفه أداة معرفية تنطوي على قدر كبير من الجهد العقلي المُنظّم لحلّ مشكلة ما، في حين أن الإشارة في (2) هي إلى العلم بوصفه معيارا يحدّد ما ينبغي أن يندرج ضمن حصيلة الأفكار المقبولة والمدعومة بأدلة تجريبية. عندما ننتقل إلى (3)، فإن الإشارة هنا متعلقة بالعلم بوصفه مؤسسة اجتماعية لها أفرادها ومبانيها ومجلّاتها الدورية، والعلم بهذا المعنى لا يختلف عن باقي مؤسسات المجتمع المدني. أخيرا، يشير مفهوم العلم في (4) إلى قائمة من التطبيقات التقنية أو ما يعرف بتكنولوجيا العلم، وبذلك تنطوي الإشارة هنا على تطابق بين العلم من جهة، ونتاج هذا العلم من جهة أخرى. على ضوء هذه الاستخدامات المختلفة لكلمة "علم"، أصبح لدينا أربعة معان مختلفة لمفهوم العلم:

(*1) أداة معرفية تتضمن جهدا ذهنيا مُنظّما.
(*2) معيار معرفي يحدد ما هو مقبول من الناحية التجريبية.
(*3) مؤسسة اجتماعية ضمن مؤسسات المجتمع المدني.
(*4) قائمة من التطبيقات التقنية.

من الضروري عدم الخلط بين هذه المعاني المختلفة لمفهوم العلم، ولعلّ أغلب النقد الذي يُوجه للعلم يقع في شرك هذا الخلط، فالقول – مثلا – إنّ العلم جلب الهلاك لملايين الأرواح البشرية ينطوي على خلط بين معنى العلم في (*1) و (*4)، فالعلم بوصفه أداة معرفية مسؤول (ابستمولوجيا) عن إنتاج نوع محدد من المعرفة، في حين أنّ المسؤولية (الأخلاقية) تقع على عاتقنا عند التفكير بأوجه الاستفادة من تلك المعرفة. 

لا تهدف القائمة أعلاه إلى حصر كل المعاني الدالة على مفهوم العلم، بل إنّ الهدف منها يقتصر فقط على التنبيه إلى وجود استخدامات متعددة لهذا المفهوم، كما لا ندّعي هنا أنّ الإحاطة بمعنى أي مفهوم يكفي لتحديد ماهيته، ومفهوم العلم ليس استثناءً من هذه القاعدة.  لهذا، ولكي نتعرّف على ماهية العلم، لا بدّ لنا من التوقف عند هذا النوع من المعرفة والذي نسميه "معرفة علمية".

تكمن إحدى الوسائل للتعرف على طبيعة شيء ما في محاولة تحديد السمات التي يمتاز بها هذا الشيء، وهذه هي الوسيلة التي سنتّخذها هنا للتعرف على طبيعة المعرفة العلمية، حيث سنستعرض بعضا من أهم سمات هذا النوع من المعرفة، متوقّفين عند كل سمة تِباعاً.

أولى سمات المعرفة العلمية هي أنها معرفة تراكمية، أي أنها تزداد من حيث الكم مع مرور الزمن، فلا ريب في أنّ ما يعرفه اللاحقون يفوق بمراحل ما يعرفه السابقون، ولهذا فإنّ من الطبيعي القول إنّ الطلاب البارزين في أي ميدان من ميادين المعرفة العلمية في وقتنا الحاضر يفوقون الخوارزمي وابن الهيثم وجاليليو ونيوتن في درايتهم بعلوم الفيزياء والرياضيات والفلك وغيرها، ومن الملاحظ أنّ النقيض من ذلك ينطبق على المعرفة الدينية ذات الطبيعة التناقصية، حيث كمال المعرفة مرتبط بمدى القرب الزماني من مصدرها، وحيث يفوق ما يعرفه السابقون ما يعرفه اللاحقون، ولعلّ أهمّ ما يميز الطبيعة التراكمية للمعرفة العلمية هو إتاحة الفرصة أمامنا لطرح أسئلة لم يكن من المنطقي أن تخطر في بال السابقين، مثل: هل بلوتو كوكب أم مجرد كويكب؟ أو كم من الوقت يلزم للقضاء على مرض الإيدز؟ أو ما هي الدلائل على وجود ظاهرة الاحتباس الحراري؟

ثاني سمات المعرفة العلمية هي أنها معرفة نسبية، والنسبية هنا لها وجهان، أحدهما متعلق بمدى صحة المعرفة العلمية، والآخر مرتبط بمدى حجم هذه المعرفة، فمن جهة، المعرفة العلمية نسبية، بمعنى أنها ليست يقينية، إذ لا مكان في العلم لليقين المعرفي بصحة أي فكرة، وإنما تزداد درجة الاحتمال مع كل دليل إضافي يدعم صحة الفكرة، ومن دون أن نصل أبداً إلى درجة اليقين،وهذه هي الفكرة التي عبّر عنها الفيزيائي الأميركي الشهير ريتشارد فاينمان بقوله: " "لن يكون بوسعنا أبداً أن نكون على يقين من أننا على صواب، لكن بوسعنا أن نكون على يقين من أننا على خطأ"من جهة أخرى، المعرفة العلمية نسبية، بمعنى أنها ليست تامة، فالعلم يكافح الجهل مع كل زيادة في مقدار التراكم المعرفي، لكن الجهل لا حدود له، وبالتالي من المنطقي أن تظل المعرفة العلمية منقوصة مهما تعاظمت، فالعلماء أبعد ما يكونون عن ادعاء امتلاك الكلمة الأخيرة!

عدم قدرتنا على التقين من صحة أي فكرة لا يعني عدم قدرتنا على تبنّي صحتها، وبالأخص عندما تكون هذه الفكرة مسنودة بأدلة، وهنا تكمن السمة الثالثة للمعرفة العلمية بوصفها معرفة تجريبية، بمعنى أنها معرفة متعلقة بمعطيات الواقع من جهة، وقابلة لاختبار مدى صحتها استناداً إلى نتائج التجربة من جهة أخرى، ومن الضروري هنا أن نتذكر بأن مفهوم التجربة يقتضي منطقيا قدراً من الشك في صحة الفكرة الخاضعة إلى التجربة، وإلاّ لما كان هناك معنى لإجراء التجربة من الأساس، كما أن من الضروري أيضا ملاحظة دور الشك الإيجابي في تعزيز المعرفة العلمية من جانب، والتذكير بنسبيتها من جانب آخر، ذلك أن الشك يقي من فرط السذاجة المتمثلة بقبول صحة فكرة قبل خضوعها للاختبار، ويقي كذلك من فرط الثقة المتمثلة بالتقيّن من صحة فكرة حتى بعد اجتيازها للاختبار.  

السمة الرابعة للمعرفة العلمية تشير إلى كونها معرفة موضوعية، أي أنها معرفة لا ترتكز على أهواء شخصية أو اعتقادات روحية، بل على حقائق ملموسة، والموضوعية بهذا المعنى لا تستمد قوتها من إخلاص العلماء ونزاهتهم عند قيامهم بالبحث العلمي، بل هي مستمدة من طبيعة البحث العلمي نفسه، ذلك أنه بحث يتصف بقدر من الشفافية بحيث يستطيع الجميع التحقق من نتائج التجربة من خلال إعادة إجرائها، وهذا ما يسميه كارل بوبر "الشخصية العامة للعلم"، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذه الخاصية تؤدي دور صمام الأمان ضد القصور الأخلاقي للنفس البشرية في ميدان العلم، فهي أشبه بإنذار لكل باحث، ومفاد هذا الإنذار رسالة تحذير، من قبيل"لا تعبث بنتائج البحث، لأنك ستُكتشف إنْ لم تكن نزيها"!

نأتي أخيرا إلى السمة الخامسة للمعرفة العلمية، وهي أنها معرفة منهجية، وذلك بوصفها نتاج طريقة تتصف بالتنظيم والدقة، وما يجعل هذه الطريقة منظمة هو استفادة العلم من لغة المنطق، وما يجعلها دقيقة هو استفادة العلم من لغة الرياضيات، ولهذا فإن هذه الطريقة هي أفضل الطرق المتاحة لتراكم المعرفة العلمية، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الطريق إلى الحقيقة لا يمرّ إلا من بوابة العلم، ولكنه يعني أن الطريق إلى اختبار مدى صحة هذه الحقيقة لا يمرّ إلا من بوابة العلم، أو كما يقول فيلسوف العلم الأرجنتيني ماريو بُنخي: "العلم لا يحتكر الحقيقة، ولكنه يحتكر الوسائل التي من خلالها نفحص مدى صحة تلك الحقيقة". 

من المعيب ألاّ يتجاوز عدد الكتب المترجمة إلى العربية، والتي تتناول ميدان فلسفة العلم، أصابع اليد الواحدة، ولعلّ هذه الحقيقة المؤلمة تقف وراء ظاهرة سوء الفهم لمبادئ العلم والتوجس من نتائجه، ومهما يكن من أمر فإنّ إحداث ثورة في التفكيرسيبقى بعيد المنال حتى ينال العلمُ منّا ما يستحق من إعجاب وتقدير.

الاثنين، 27 نوفمبر 2017



هل من صرخة أخرى يا غرفة؟

بعد أحداث ليل الأربعاء الموافق 16 نوفمبر من عام 2011، والتي يحلو للبعض تسميتها بأحداث "اقتحام المجلس"، أصدرت "غرفة تجارة وصناعة الكويت" بياناً حمل عنوان "صرخة كويتية من مؤسسة وطنية"، وكان مما جاء فيه أنّ الغرفة التي "شهدت ولادة الدستور وساهمت في بلورة رؤاه وتطلعاته ، وعاصرت ارتفاع صرح مجلس الأمة وشاركت في رفع قواعده ، ثم عاشت بفخر فصول تألقه ونجاحاته ، كما عايشت بحزن فترات انتكاساته ... لم تستطع أن تحبس دمعها ليلة انتهاك حرمته" .

قبل أنّ نقف قليلا عند هذا الكلام الكبير، لا بدّ من إشارة سريعة لمفهوم "الاقتحام" الذي روّجت له أطراف قريبة من الحكومة، فإذا كان دخول المواطن بيته يعدّ اقتحاماً، فإنّ كل بيوت المواطنين تُقتحم ليل نهار، ومجلس الأمة بيت لكلّ أفراد الأمّة، أضف إلى ذلك حقيقة أنّ دخول بعض المواطنين إلى المجلس لم يكن خياراً، بل تمّت محاصرتهم من قبل رجال الأمن بطريقة تجعل من دخول المجلس أمراً حتميّا، وهذا ما شهد به شهود عيان ممن كانوا هناك ولم يشاركوا في أحداث تلك الليلة.

نأتي الآن إلى الكلام الكبير الذي تضمنّه بيان الغرفة لنتساءل: هل استطاعت "الغرفة" حبس دمعها على مدار الشهور الماضية، حيث جرى التعدّي السافر على الدستور، وقمع المسيرات السلمية، واعتقال الناشطين السياسيين، وتكميم الأفواه عن طريق الترغيب حينا، ومن خلال الترهيب أحيانا كثيرة؟ أم أنّ كل هذه الأحداث المؤسفة أخفّ ضررا وأقلّ خطراً من حادثة "اقتحام" المجلس، وهي الحادثة التي وصفها بيان "الغرفة" بأنها تشكّل "أحد المنعطفات بالغة الخطورة"؟!

وصفت "الغرفة" بيانها بأنه "شهادة حق دفاعاً عن الوطن"، مؤكدة في الوقت نفسه على أنها لم "تاخذ حساباً للثمن والتكلفة لأنها تؤمن أن خطيئة من حضر الواقعة وكتم الشهادة طمعاً أو إتقاء، لا تقل عن خطيئة من حضر الواقعة وشهد زوراً"! حسناً، هل نفهم من ذلك أنّ صمت "الغرفة" إزاء ما يجري في الوقت الراهن يشير إلى حقيقة أنها أخذت حسابا للثمن والتكلفة هذه المرّة؟!

لتتفاخر الغرفة بالماضي الذي لم يُؤرّخ بشكل صحيح حتى هذه اللحظة، لكن لن يكون بمقدورها أن تتفاخر بموقفها الحالي في المستقبل، فتوثيق أحداث اليوم يتم بطريقة أكثر شفافية من أحداث الماضي، ولن يرحم التاريخ كلّ من تخاذل في الدفاع عن كرامات الناس وحرياتهم!

الخميس، 16 نوفمبر 2017

من الأسطورة إلى الفلسفة

من الأسطورة إلى الفلسفة

لا تحظى كلمة "أسطورة" بدلالة إيجابية من الناحية المعرفية، فعادة ما يشير المعنى الدارج لهذه الكلمة في كثير من اللغات الحيّة إلى ما هو غير حقيقي في أفضل الأحوال، أو إلى ما هو تلفيق وكذب في أسوئها، ولا تقتصر هذه الدلالة السلبية على وقتنا الحاضر، بل تمتدّ إلى قرون طويلة، وليس أدلّ على ذلك من موقف الفلاسفة الإغريق الأوائل من ملحمتيْ هوميروس أو أشعار هيسيود. لكن ما هي الأسطورة من حيث معناها العميق؟

الأسطورة هي حكاية بغرض التفسير، وأما موضوع التفسير فعادة ما يرتبط بالظواهر الكونية وأصل الموجودات وعلاقة الإنسان بالطبيعة من حوله. الأسطورة، بمعنى آخر، هي استجابة لحاجة الإنسان إلى التكيّف الذهني مع محيطه المادي، وقد عبّر عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم عن هذه الفكرة بقوله إنّ "ما يكمن في جوهر الأساطير لا يعبّر عن حاجة عَمَليّة، بل عن حاجة عقلية للفهم"، هي حاجة "عامة وإنسانية في جوهرها". لو نظرنا إلى تاريخ الحضارات القديمة، فسنلاحظ أن لكلّ حضارة أساطيرها الخاصة بها، أي منظورها الخاص عن الكون وما يحتويه من كائنات وأشياء، وقد حفظ لنا التاريخ بعضاً من أساطير المصريين والبابليين والصينيين وغيرهم من الشعوب القديمة، كما انتقلت بعض أساطير الشرق إلى آسيا الصغرى (الأناضول) لتشكّل جانبا مهما من الثقافة الإغريقية القديمة وتلهم لاحقاً أشهر شعراء تلك الثقافة من أمثال هوميروس وهيسيود.

اتصفت آلهة جبل الأولمب في أساطير الإغريق بالخلود والقوة الخارقة، غير أنّ تلك الآلهة لها من الصفات الأخرى التي تجعلها إلى الإنسانية أقرب منها إلى الألوهية، فهي آلهة تفرح وتغضب، تُحبّ وتكره، تضحك وتبكي، تصحو وتغفو، تعفو وتنتقم، تساعد وتتآمر، تفي وتخون، تتصالح وتتخاصم، تتزاوج وتُنجب، وإلى غير ذلك من الصفات الإنسانية المألوفة. بل إن كبير الآلهة، زيوس، لم يكن ليفطنَ، وهو ما هو، إلى الحيلة التي حاكتها له زوجته الإلهة هيرا، فبعد أن تبيّن لها محاباة بعلها زيوس للطرواد في حربهم ضدّ الإغريق، لجأت هيرا إلى هيبنوس (إله النوم) تسنجده في أن يُعينها على إنجاح حيلتها، فكان لها ما أرادت وغلب على زيوس النعاسُ لِتنتهز هيرا الفرصة في ترجيح كفة الإغريق ضد الطرواد، وقد صوّر هوميروس مشهد تلك الحيلة في ملحمة "الإلياذة" التي ترجمها سليمان البستاني إلى العربية:
                      فارتأت مُذْ أعملت فكرتَها         لَتعُدّنّ له زينتها
فإذا ما جاءها مُفتتنا                بسناها أنفذت حيلتها
وعلى عينيه إن تلق السبيل       سكبت روح السبات المستطيل

لم يكن كبير الآلهة زيوس خالقاً للكون في الأساطير الإغريقية، فبالنسبة إلى هوميروس يُشكّل الكون المسرح الكبير الذي تدور فيه أحداث الأسطورة، ولكننا لا نجد عند هوميروس أدنى إشارة إلى كيفية نشوء الكون، وأما الشاعر الإغريقي هيسيود فاكتفى في "أنساب الآلهة" بالإشارة إلى أن بداية الكون كانت فراغاً، ومع ظهور الآلهة ازداد مقدار الفوضى في الكون جرّاء الحالة المزاجية التي اتصف بها سلوك الآلهة فيما بينهم ومع بني البشر!

لم تكن "الإلياذة" وغيرها من الملحمات الشعرية سوى بداية عملية تدوين لتراث شفهي امتدّ إلى قرون من الزمن، وقد دأبت الطبقة الأرستقراطية الإغريقية على دعم رواة الأساطير والاعتناء بهم، فالنظام الطبقي لآلهة الأساطير فيه تعزيز للنظام الطبقي بين البشر، كما اعتنت الطبقة التجارية الصاعدة في أثينا إلى العناية بأشعار هوميروس على وجه الخصوص لما لها من منافع مادية، فإلقاء أشعار هوميروس في المناسبات الدينية والاجتماعية كان له جمهور عريض بين الإغريق القدماء، والنقوش التي تصّور آلهة "الإلياذة" وأبطالها كانت تزخرف المباني والجدران والأواني المنزلية، وبهذا شكّلت أشعار هوميروس الوعي الإغريقي لقرون طويلة، وهذا ما يعترف به أفلاطون نفسه بالرغم من بغضه الشديد للأثر الذي تركه هوميروس على حياة الإغريق، حيث نجد في كتاب "جمهورية أفلاطون" إشارة إلى هوميروس بوصفه "مُعلّم اليونان".     

إنّ الأسطورة، وبصرف النظر عن بُعدها الخُرافي، تنطوي على تأمّل الإنسان في الظواهر الكونية وأصل الموجودات وعلاقة الإنسان بمحيطه المادي، وبهذا فإن أشعار هوميروس وهيسيود بوصفها بداية الأدب الإغريقي القديم لم تُساهم في تخليد التراث الأسطوري الشفهي وحسب، بل ساهمت أيضا في تمهيد الطريق أمام التأمّل الفلسفي الذي عبّر عنه فلاسفة عصر ما قبل سقراط، وقد اتّخذ معظم أولئك الفلاسفة من نظرية "العناصر الأربعة" نقطة الانطلاق نحو تصوراتهم حول العالم الطبيعي،  وتشير هذه النظرية، كما يدلّ على ذلك اسمها، إلى أن أصل الأشياء كلها يعود إلى عناصر أربعة، كما تُعدّ أقدم نظرية فيزيائية موثّقة عرفتها البشرية، إذْ يرجّح الباحثون تاريخ ظهورها إلى منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، كما أنها نظرية عرفتها الحضارات القديمة مثل المصرية والهندية، ثم انتقلت لاحقاً إلى الحضارة الإغريقية، وأمّا ماهية العناصر الأربعة فتختلف في تفاصيلها بين حضارة وأخرى، ولكن القائمة السائدة هي تلك التي تُشير إلى العناصر التالية: الماء، والنار، والهواء، والتراب (أو الأرض). لقد اقتصر معظم فلاسفة عصر ما قبل سقراط على عنصر واحد من هذه العناصر الأربعة بوصفه الأصل الذي انبثقت منه كلّ الأشياء. على سبيل المثال، أصل الأشياء هو الماء عند طاليس، وهو الهواء عند أنكسمانس، وهو النار عند هيراقليطس.

لم تكن الفلسفة الإغريقية في بداياتها سوى امتداد طبيعيّ للأسطورة، فكلاهما عبّر عن نظرة الإنسان التأملية في مُحيطه، وكلاهما جسّد استجابة عقلية لتلك النظرة التأملية، لكن الاختلاف بين الأسطورة والفلسفة يكمن في طبيعة هذه الاستجابة، فالأسطورة لجأت إلى عالم الآلهة لتفسير عالم الطبيعة، بحيث أضحى عالم الطبيعة محكوما بقوانين تعتمد على مزاج الآلهة، وبهذا اتّسم النّسق الأسطوري بأنه نسقٌ مفتوح لا يُميّز بين ما هو خارق للطبيعة وما هو طبيعي، في حين اقتصرت الفلسفة في بداياتها على الاشتغال داخل حدود الطبيعة، وبهذا اتّسم النسّق الفلسفي بأنه نسقٌ مغلق لا يقبل إلّا ما هو طبيعي. بل حتى عندما نعثر على الأصل الأسطوري لفكرة فلسفية، فإنّ هذا لا ينفي حقيقة أن الفلسفة في بداياتها دأبت على استبعاد أي دور للآلهة في تفسير الظواهر الطبيعية. فعلى سبيل المثال، أشارت نظرية طاليس حول ظاهرة الزلازل إلى أن الأرض تطفو فوق الماء وأنّ السبب وراء نشأة الزلازل يعود إلى حركة الماء العنيفة من تحت الأرض، ويرجع أصل هذه الفكرة إلى أساطير بعض الحضارات القديمة، ومن ضمنها أساطير الحضارة الإغريقية التي تُرجع السبب في حدوث زلزال معيّن إلى غضب إله البحر "بوسيدون"، ومع ذلك فإن تفسير طاليس لظاهرة الزلازل، وبصرف النظر عن مدى صحته أو عمق جذوره الأسطورية، كان تفسيراً خُلواً من أي إشارة إلى دور الآلهة في هذه الظاهرة الطبيعية.

من جهة أخرى، اعتمدت الفلسفة الإغريقية منذ نشأتها على الحجة العقلية كوسيلة إقناع، ولعلّ المثال الأبرز هو زينون، وتحديدا في إشارته إلى عدد من المفارقات الناتجة عن الوثوق بحواسنا كمصدر للمعرفة، والهدف من هذه المفارفات هو إثبات أنّ ظاهرة التغير في المكان أو الحركة الفيزيائية ليست إلاّ وهماً، وإحدى أشهر المفارقات تلك التي تُعرف باسم "أخيل والسلحفاة"، وهي في جوهرها تجربة ذهنية تقوم على افتراض إجراء سباق بين البطل الأسطوري "أخيل" والمعروف بسرعته الفائقة، والسلحفاة المعروفة ببطء حركتها، بحيث يبدأ السباق بعد أن تُمنح السلحفاةُ مسافة متقدمة على أخيل، وإزاء هذه المعطيات، يؤكّد زينون أنه بالرغم من أن حواسنا تشير إلى أنّ أخيل سيلحق لامحالة بالسلحفاة ويسبقها، فإن هذا مع ذلك مجرّد وهم، فلو تأملنا الأمر من الناحية العقلية الصرفة، فإنّ السباق يبدأ عندما يكون أخيل عند نقطة معينة، ولنسميها "س"، وأما السلحفاة فستكون عند نقطة متقدمة من السباق، ولنسمّيها "ص"، وفي الوقت الذي يصل فيه أخيل إلى النقطة "ص"، تكون السلحفاة قد تخطّت تلك النقطة إلى نقطة أخرى، ولنسمّيها "ع"، وعندما يصل أخيل إلى النقطة "ع"، تكون السلحفاة قد وصلت نقطة متقدمة، وهكذا دواليك، فمهما حاول أخيل لن يستطيع اللحاق بالسلحفاة، فبصرف النظر عن التناقص التدريجي للمسافة بين نقطة وأخرى على طول السباق، هناك دائما عدد لا متناه من النقاط بين نقطتين! الجدير بالذكر هنا هو أن مفارقة "أخيل والسلحفاة" لم يكن من الممكن حلّها قبل اكتشاف حساب التفاضل والتكامل في القرن السابع عشر، وقد مثّلث مفارقات زينون أحد مظاهر مشكلة اللامتناهي التي تعامل معها فلاسفة الإغريق.


أخيرا، شكّلت الروح النقدية التي اتسمت بها آراء فلاسفة ما قبل سقراط علامة فارقة بالقياس إلى النزعة السردية التي اتسمت بها الاساطير والحكايات الخُرافية، فقد خالف أنكسمندرس أستاذه طاليس وقال إن "اللامتناهي"، لا الماء، هو أصل الأشياء، وخالف أنكسمانس أستاذه أنكسمندرس وقال إنّ الهواء، وليس "اللامتناهي"، هو أصل الأشياء، وكذلك هي الحال مع الآراء المغايرة الأخرى التي نادى بها فلاسفة مدرسة فيثاغورس وفلاسفة مدرسة برمنيدس وغيرهم الكثير، وهو ما يعكس إدراك الفلاسفة الأوائل للحقيقة التالية، وهي أنّ الرؤى الفلسفية، وإنْ كانت تتناول الموضوع نفسه، فإنها مع ذلك تعبّر عن رؤى متنافسة من الناحية الإبستمولوجية، أي أنها رؤى لا يُمكن أن تكون جميعها صحيحة في الوقت ذاته، وهذا تحديدا ما تفتقر إليه الأساطير والحكايات الخرافية بشكل عام، فعندما يصف الشاعر أو الرّاوي أمراً ما، فإنه لا يجد في وصف غيره من الشعراء أو الراوة للأمر نفسه تنافسا معرفيا للوصول إلى الحقيقة، ولهذا فإن معيار عدم التناقض بين الروايات والأوصاف غير وارد على الإطلاق عند شعراء الأساطير ورواة الحكايات الخرافية.



الاثنين، 30 أكتوبر 2017

منارات

برنامج منارات

السبت، 18 مارس 2017

محاضرة: الأسس الفلسفية للسانيات التشومسكية - نادي القصيم الأدبي

محاضرة: الأسس الفلسفية للسانيات التشومسكية - نادي القصيم الأدبي

الجمعة، 17 مارس 2017

محاضرة: لغة العلم وعلم اللغة

محاضرة: لغة العلم وعلم اللغة

الأحد، 19 فبراير 2017

محاضرة العقل الإنساني و المسؤولية الأخلاقية

محاضرة العقل الإنساني و المسؤولية الأخلاقية - دار الآثار الإسلامية