السبت، 5 نوفمبر، 2016

لقاء حول القراءة عبر منصة تكوين للكتابة الإبداعية

لقاء حول القراءة عبر منصة تكوين للكتابة الإبداعية

الثلاثاء، 2 أغسطس، 2016

أسئلة القراء وإجازة مفتوحة

وصلني عدد من الأسئلة التي تفضّل بعض القُراء بإرسالها إليّ، وهي أسئلة تدور في مجملها حول مقالاتي الأخيرة، وتحديدا حول "الإسلام السياسي"، وقد وجدت أنّ من المناسب الإجابة عن بعضها هنا، ولم يجبرني على انتقاء بعض هذه الأسئلة سوى ضيق المساحة هنا، كما ألتمس العذر من القارئ في التوقف عن الكتابة لفترة قد تطول لأسباب خارجة عن إرادتي.

لماذا لا تستطيع أن تكون محايدا في مقالاتك عند التطرّق لموضوع "الإسلام السياسي"؟
لست أدري ما المقصود بمعنى "الحياد" في هذا السؤال، ولكن ما أدريه هو أنّي بدأت ألاحظ أمرا يسترعي الانتباه، فعندما كتبنا أنا وغيري قبل سنوات عدة مقالات دفاعا عن حركة "حماس" في مقاومتها للاحتلال، تقاطرت الرسائل شكرا وثناء على "موضوعية الطرح"، ثم ما لبثنا أن أصبحنا غير محايدين في أعين البعض بعد أحداث مصر، ولهذا يبدو لي أن مفهوم "الحياد" على الطريقة "الإخوانية" يعني أن تكون معي على طول الخط، وإلا فإنك تخلع ثوب الحياد! ثم إن الحياد موقف لا يتعلق بأطراف الصراع، بل بموضوعه، فالوقوف موقف الحياد من موضوع معين يعني رفض اتخاذ موقف من هذا الموضوع، وعندما يتعلق الأمر بمشروع فاشي باسم الدين، فإن الحياد في هذه الحالة يعبّر عن موقف لا أخلاقي.

إذا كانت الديمقراطية على الطريقة الإسلامية لا تعجبك، فهل تعجبك الديمقراطية على الطريقة العلمانية؟
ليست المسألة مسألة إعجاب بل اقتناع، فالديمقراطية متعلقة بهوية الحاكم، والعلمانية مرتبطة بكيفية الحُكم، وإذا كانت الديمقراطية تضمن الوصول السِلمي إلى السلطة، فإنّ العلمانية تحاول الإبقاء على سلمية المجتمع الخاضع لتلك السلطة، ومن المؤسف أن يتعرّض مفهوم "العلمانية" إلى عملية تشويه وصلت إلى الحدّ الذي يعتقد فيه الكثيرون باستحالة أن يكون المرء مُسلما وعلمانيا في الوقت نفسه، ذلك أنّ العلمانية ليست أيديولوجية منافسة للدين، بل مجرّد خيار عقلاني حول كيفية حُكم مجتمع متعددّ الطوائف بطريقة تنأى به عن الصراع الطائفي. لنفترض أنك وصلت إلى مطار حاملا معك خمس حقائب، ثلاث لونها أحمر، واثنتان لونهما أسود، ثم رأيت أمامك بوابتين للخروج: إحداها مكتوب عليها "مسموح بعبور الحقائب الحمراء فقط"، والبوابة الأخرى مكتوب عليها "مسموح بعبور كلّ الحقائب"، فأيّ بوابة تفضّل الخروج منها؟ الأمر نفسه ينطبق على مشكلة تنظيم مجتمع متعدد المذاهب والمشارب، فالعلمانية تقول: ليحافظ الجميع على دينه أو أي معتقد يحلو له، لكن دعونا نستخدم العقل في تحديد قائمة الحقوق والواجبات التي تسمح في تعايش الجميع على بقعة جغرافية محددة، ومن دون أن تفرض فئة منا رؤيتها للدين على الجميع، وعلى النقيض من ذلك، تسعى الأيديولوجية الدينية إلى إقامة حُكم لا يتفق الجميع على ماهيته، فالطوائف الدينية تتقاتل حتى قبل أن تصل إلى الحُكم، فكيف لو وصلت إحداها إلى حيث تستطيع تقرير مصير الطوائف الأخرى؟ كما أنّ المساواة بين المواطنين مستحيلة في ظلّ رؤية دينية لا تهب الناس حقوقهم بوصفهم بشرا، ولا تفرض عليهم واجباتهم بوصفهم مواطنين، بل تقيس الحقوق والواجبات بمقياس البعد أو القرب من "دين الدولة"!

كيف بإمكانك أن تجزم باستحالة الإطاحة بحزب "العدالة والتنمية" عن طريق صندوق الاقتراع في الوقت الذي عانى فيه هذا الحزب في انتخابات يونيو من العام الماضي بعد فشله في الحصول على أغلبية برلمانية؟
لم أجزم باستحالة حدوث ذلك، بل أشرت إلى حقيقة أن الإطاحة الديمقراطية بالزعيم الأوحد باتت "شبه مستحيلة"، كما  أنّ حزب "العدالة والتنمية" لم يعانِ معاناة ديمقراطية حقيقية منذ وصوله إلى السلطة قبل 14 عاما، وأما بخصوص انتخابات يونيو من العام الماضي، فقد اتهمت أقطاب المعارضة الرئيس بإفشال الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة ائتلافية وتدبير "انقلاب مدني" من خلال دعوته إلى الإسراع بإجراء انتخابات جديدة، وهو ما تمّ فعلا ليحصد حزب الرئيس على الأغلبية البرلمانية مستفيدا من سوء الأوضاع الأمنية والنزعات القومية، بالإضافة أيضا إلى مساهمة شخص الرئيس في الدعاية الانتخابية البرلمانية، وهو أمر غير مسبوق في الديمقراطية التركية الحديثة التي طالما وقفت فيها الرئاسة موقف الحياد من الانتخابات البرلمانية، وهذا كله يدلل على حقيقة أن العبث بالديمقراطية بهذا الشكل يجعل من الإطاحة بالحزب الحاكم عن طريق صندوق الاقتراع أمرا شبه مستحيل.

كيف لنا أن نصدق من يدافع عن الديمقراطية ثم يقف مع "الانقلاب" على الشرعية في مصر؟
هذا سؤال استنكاري، والاستنكار هنا مشروع بشرط أن يصحّ النظر إلى مظاهرات "الثلاثين من يونيو" بوصفها انقلابا، وإذا كانت هناك مساحة للاختلاف في وجهات النظر حول وصف تلك الأحداث بالثورة، فإنّ وصفها بالانقلاب يفتقر إلى الدقة، ذلك أنّ أبرز ما يميز أي انقلاب هو عامل السرّية، لا أن يخرج الناس بمئات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بتنحي الرئيس، ثم يحدد الجيش بعد ذلك مهلة على الهواء مباشرة لحث الرئيس على نزع فتيل الأزمة والدعوة إلى انتخابات مبكرة! ثم إنّ دفاعنا عن الديمقراطية يعني رفضنا "حُكم العسكر" بالقدر الذي نرفض فيه الديمقراطية على الطريقة "الإخوانية"، فالنظام الديمقراطي الحقيقي لا يسمح أساسا بأن يخوض حزب فاشي الانتخابات إلا بعد أن يتخلى عن فاشيته، ولكن ما زلنا – مع الاسف – عاجزين عن تعلّم الدرس الذي لم تتعلمه أوروبا إلا بعد أن عانت كوارث الحرب العالمية الثانية!

الثلاثاء، 26 يوليو، 2016

حول رومانسية «الإسلام السياسي»

ما زال تيار "الإسلام السياسي" يجيد القيام بدور "الضحية"، ويبدو أنّه نجح نجاحا منقطع النظير في كسب تعاطف المتعاطفين مع حالة "المظلومية" التي يعيشها هذا التيار، فالصورة التي في أذهان الكثيرين تشير إلى تيار تخلّى عن خيار العنف لينخرط في العمل السياسي السلمي، وبمجرّد وصوله إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع، تثور ثائرة "أدعياء الديمقراطية"، فلا يعترفون بنتيجة جاءت على غير ما يشتهون، ثم تُدبّر المكائد ضد هذا التيار بغرض الإطاحة به والانقلاب عليه، حسدا وحقدا وغيظا من نجاحه! 
إنّ أول ما يلفت الانتباه في هذه الصورة الرومانسية حول "الإسلام السياسي" هو ابتذالها المثير للشفقة، فهي صورة تستند إلى العاطفة لحشد المؤيدين من جانب، ولتفسير سلوك المعارضين من جانب آخر، والابتذال سلوك لا يتطلّب جهدا أكثر من إثارة الغرائز، وهو لذلك ابتذال منسجم مع تيّار سياسي لا يحتاج إلى أكثر من الاستفادة من البنية الثقافية الممتدّة لقرون طويلة كي يحظى بالشعبية المطلوبة. 
هناك تفسير أقلّ ابتذالا وأكثر منطقية لاعتراض المعترضين على وصول أي تيار إسلامي إلى سدة الحكم، وهو أنّ التمييز بين الناس من حيث معتقداتهم لا يتيح إمكانية التعايش السلمي والعادل بين أفراد المجتمع الواحد، وكلّ تيار إسلامي جدير بهذا الاسم يميّز بين الناس من حيث معتقداتهم، ولهذا فإنّ التعايش السلمي والعادل بين أفراد المجتمع الواحد غير ممكن في ظلّ أيّ تيار إسلامي.
بالطبع، هناك من يستشهد بتاريخ الحضارة الإسلامية للدلالة على إمكانية التعايش السلمي والعادل بين مختلف الأديان والمذاهب، ولكن شتّان بين سلمية التعايش المستمدة من عدالة القانون وتلك المستمدة من عدالة المنتصر، كما أنّ تعددية المجتمع الحديث لا تقتصر على الأديان والمذاهب، والعدالة بمفهوهما الحديث لا تنحصر في القاسم الديني بين فئات اجتماعية، بل هي عدالة تستند إلى القاسم المشترك بين جميع أفراد المجتمع، ونعني به القاسم الإنساني، وإذا كان لنا أن نتخيل وجود تيار إسلامي يبلغ من التسامح حدا بحيث لا يفرّق بين البشر من حيث قربهم أو بعدهم عن "دين الدولة"، فإنّه في هذه الحالة لا معنى لوصف مثل هذا التيار بالإسلامي!
في بلد مثل الكويت، حيث نشهد الاحتقان الديني بين المتطرفين في كلا الجانبين، يبدو السؤال التالي مستحقاً: إذا كان وجود مثل هذا الاحتقان الطائفي ممكنا حتى في ظلّ تساوي أفراد الطائفتين أمام القانون، فكيف سيكون مصير الطائفة التي يدفعها حظها العاثر في المستقبل إلى أن تكون خاضعة خضوعا تاماً إلى سلطة المتطرفين في الطائفة الأخرى؟ إنّ الحُكم المدني هو الوحيد القادر على استيعاب جميع أفراد المجتمع الواحد، ليس لأنه حُكم يخلو من عيوب، وليس لأنه حُكم عادل بالضرورة، بل لأنه يضمن على الأقل حقّ الوجود للجميع من دون انتقاص لحقوقهم التي يستمدونها من كونهم بشراً، لا أكثر ولا أقلّ، وإذا كان لا بدّ من مجاراة الإسلاميين في رومانسيتهم، فلا ضير أن نقول إنّ القانون الوضعي أشبه بالشمس التي تشرق على الجميع، فلا تفرّق بينهم من حيث الدين أو الجنس أو الأصل، ولعلّ في نكران هذه الحقيقة يكمن أحد أسباب نعت الإسلاميين بالظلاميين!

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

الديمقراطية على الطريقة الإخوانية

الديمقراطية تعني اصطلاحا حُكم الشعب، وتعني نظريا اختيار الشعب مَن يحكمه، وتعني عمليا وصول مَن فاز بأغلبية أصوات الناخبين إلى سدة الحُكم، وبذلك نصل إلى حقيقتين: الحقيقة الأولى هي أن الديمقراطية مجرد وسيلة لتحديد هوية مَن يحكم، والحقيقة الثانية هي أنّ هناك دائما أقلية غير مقتنعة بهوية مَن يحكم، لكنها مُلزمة مع ذلك بقبول نتيجة صندوق الاقتراع، وعند هذه النقطة تحديدا ينتهي اهتمام «الإخوان المسلمين» بالنظام الديمقراطي، فما يعنيهم هو كيفية الوصول إلى الحُكم، وأمّا كيفية الحُكم فقد تكفلت الأيديولوجية الدينية بها إلى أدق التفاصيل!

لا اعتراض على وصول «الإخوان» إلى السلطة عن طريق الديمقراطية، ولكنّ الاعتراض كلّ الاعتراض على ما يصنعه «الإخوان» بالديمقراطية بعد وصولهم إلى السلطة، ولهذا الاعتراض ما يبرّره، ذلك أنّ «الإخوان» لا يرون في صندوق الاقتراع مجرّد وسيلة لتحديد هوية الحاكم، بل يرون فيه أيضا تفويضاً مطلقاً بإدارة الحُكم بالطريقة التي يرونها مناسبة، ومن ضمنها إخضاع الجميع لشروط التعايش التي تحددها الأيديولوجية الدينية، وبذلك لا يتعيّن على الأقلية الرضوخ إلى نتيجة الصندوق فحسب، بل يتعيّن عليها أيضا إخضاع أسلوب حياتها وطريقة تفكيرها إلى إرادة الأغلبية، وقد سبق أن ذكرنا في مقال سابق أنّ مشكلة كل التيارات الشمولية، ومن ضمنها التيارات الإسلامية، هي اعتقادها أنّ هوية الحاكم تحدّد طريقة الحُكم، ولهذا السبب تحديداً يتمسك أنصار هذه التيارات الشمولية بمفهوم الديمقراطية المطلقة دون أدنى اعتبار لحقيقة أن الديمقراطية التي لا يكبح جماحها سوى «شرعية الصندوق» ليست سوى وجه آخر من وجوه الدكتاتورية.

كتب «الغنوشي» يقول: «ما ينبغي أن تصل بالبعض الروح العدمية إلى حدّ تفضيل نظام دكتاتوري زُهداً في ديمقراطية ناقصة»، وقد وجد البعض في هذا الكلام اعترافا ضمنيا بوجود قصور في الديمقراطية على الطريقة الإخوانية، ولكنه مع ذلك اعتراف ناقص، فالتاريخ الحديث يشهد على حقيقة أنّ الدكتاتور الذي يصل إلى السلطة عن طريق «ديمقراطية ناقصة» أسوأ بكثير من ذلك الذي يصل على ظهر دبابة، كما أن المشكلة ليست في تفضيل دكتاتورية عسكرية على دكتاتورية ثيوقراطية، بل في تناوب كلتيهما على حُكم شعوب المنطقة رغما عنها، تارة عن طريق استثمار غريزة الخوف، وتارة عن طريق استثمار آفة الجهل.

الديمقراطية هي مجرّد حلّ لمشكلة اتخاذ القرار السياسي في بيئة تتسم بالتعددية، لكن ليس من شأن الديمقراطية الحفاظ على تلك التعددية، ولهذا لا بدّ من توافر شروط من دونها لا تنجح الديمقراطية، مثل سيادة القانون، وفصل السلطات، وضمان الحقوق الأساسية المتعلقة بحريات التعبير والاعتقاد، وهي شروط تتعارض في مجملها مع حدود التعايش التي تفرضها الأيديولوجية الدينية، كما أنها شروط دخيلة على ثقافتنا العربية-الإسلامية، لكن أليست الديمقراطية ذاتها دخيلة على ثقافتنا؟ ألم توصف بالكفر من قبل أولئك الذين ما لبثوا أن وجدوا لهم فيها مآرب آخرى؟

سبق أن أكد «إردوغان» أنّ الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، وسبقه إلى تأكيد النقطة ذاتها «الغنوشي» و«القرضاوي» وغيرهما، وهم بلا شك محقون في ذلك، فالديمقراطية التي يعنون هي تلك المحرومة من شروط نجاحها، هي «ديمقراطية الصندوق» التي تضمن للرابح وحده تقرير مستقبل قواعد اللعبة السياسية، والانسجام مع هذا النوع من الديمقراطية المنفلتة لا يقتصر على الإسلام، بل يتعداه إلى النازية والفاشية وغيرهما من الأيديولوجيات الشمولية، فالشمولية لا تصعد إلا لتبقى، ولا تبقى إلا لتسود!

الاثنين، 18 يوليو، 2016

انقلاب فاشل على ديمقراطية مزعومة

عكست ردود الأفعال في الشارع العربي إزاء محاولة الانقلاب في تركيا مظهرا آخر من مظاهر اللاعقلانية في مجتمعاتنا العربية، ولعلّنا لا نجد وقتا أنسب من هذا لتأمّل ظاهرة "عقلية القطيع" التي تحدث عنها بعض الباحثين في بداية القرن العشرين، فمع بداية الأحداث المؤسفة من مساء يوم الجمعة الماضي، حتى قبل نهاية الصراع الدامي على السلطة في تركيا، بدأت الاصطفافات العاطفية والمتشنجة تطفو بقوة على السطح، وأطلّت الثنائيات المزيفة برأسها من جديد، فإما أن تكون مع الانقلاب على "الإخوان"، وإما أن تكون ضد الانقلاب على "الديمقراطية"، وعندما نجد أنفسنا أمام مثل هذه الثنائيات المزيفة، فإنّ الحقيقة غالبا ما تكون في مكان ما في المنتصف بين الطرفين.
فاجأت محاولة الانقلاب معظم الخبراء والمتابعين للشأن التركي، وهذا معناه أنّ الموقف العقلاني يتطلّب مزيدا من الوقت لتقصي الحقائق قبل اعتناق رأي محدد حول مجريات الأمور، ومع ذلك ذهب الحماس في البعض إلى مناصرة طرف ضدّ آخر، فخصوم "الإخوان" الذين طالما تشدقوا بالديمقراطية لم يترددوا في الوقوف مع انقلاب عسكري، في حين تداعى أنصار "الإخوان" على الانقلابيين دفاعاً عن ديمقراطية مزعومة، كما عكست الأحداث الأخيرة تمازجا بشعا بين الدين والسياسة، فمن جهة أخضع "الإردوغانيون الأتراك" المساجد إلى أجندتهم السياسية من خلال استخدام المآذن للدعوة إلى النفير العام، ومن جهة أخرى سارع "الإردوغانيون العرب" إلى ترديد عبارات "الدروشة" المعهودة والتي أوحت بأن الصراع يدور بين المسلمين والكفار، لا مجرد صراع بين أقطاب متنافرة على الحكم.
عندما نضيف المعطيات التاريخية حول حكم "إردوغان" إلى المعطيات الأولية حول الأحداث الأخيرة في تركيا، فإنّ من الإنصاف القول إننا أمام انقلاب فاشل على ديمقراطية مزعومة، فأمّا فشل الانقلاب فله أسباب من بينها عدم وجود تأييد شعبي، وعدم وجود غطاء سياسي، بالإضافة أيضا إلى الانقسام الواضح في صفوف الجيش التركي تجاه محاولة الانقلاب، وهو أمر يشي بحقيقة أنّ صورة هذا الجيش بوصفه حاميا للنظام العلماني تلاشت إلى حدّ كبير مع التغيرات الكبرى التي لحقت به في السنوات الأخيرة على يد الحزب الحاكم، وأمّا الديمقراطية المزعومة في تركيا فتراجعت إلى حدودها الدنيا في ظلّ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، فأغلب صحف المعارضة تم إسكاتها بالقوة، وطالت الملاحقات القضائية عددا كبيرا من الأكاديميين الأتراك لمجرد توقيعهم على عريضة تناشد بوقف الحرب ضدّ الأكراد، كما اتسمت الخطابات الرئاسية بإحداث حالة من الاستقطاب الحاد في الشارع التركي، ومن المحتمل جدا أن الوضع سيزداد سوءا بعد الأحداث الأخيرة، وقد ظهرت فعلا بوادر على هذا الاحتمال منذ اليوم الأول من فشل الانقلاب من خلال الإجراءات السريعة التي تم اتخاذها بحق عدد كبير من أفراد السلطتين القضائية والعسكرية، ويبدو أنّ الوقت أصبح مناسبا لإجراء التعديلات الدستورية التي طالما نادى بها الرئيس، والتي من شأنها إخضاع الحياة السياسية برمتها إلى إرادة الزعيم الأوحد.
بالطبع، لا يهتمّ "الإردوغانيون العرب" على الإطلاق بتفاصيل التجاوزات المتلاحقة على النظام الديمقراطي في ظل حكم "العدالة والتنمية"، ولا تعنيهم في شيء تقارير منظمات حقوق الإنسان حول الأوضاع في تركيا، ولا يأبهون بقضايا الفساد والإثراء غير المشروع التي تحوم حول أركان السلطة في تركيا، بل إنهم لا يتورعون عن تبرير التقارب التركي مع روسيا وإسرائيل في الآونة الأخيرة، فالأمر المهم في نظرهم هو أنّ هناك رئيسا وصل إلى سدة الحكم عن طريق "الصندوق"، ويبدو أننا مطالبون باحترام الصندوق أكثر من احترامنا لعقولنا، وإلاّ ما معنى الإيمان بديمقراطية تمّ العبث بها على مدى سنوات طويلة بحيث أصبحت فكرة الإطاحة بالزعيم الأوحد من خلال "الصندوق" شبه مستحيلة؟!

الثلاثاء، 12 يوليو، 2016

حول قضية الأصالة والمعاصرة

هناك ثلاثة مواقف بارزة من قضية الأصالة والمعاصرة في الثقافة العربية الإسلامية، فأنصار الأصالة في خصومة دائمة مع الحاضر ويرون الخلاص في العودة إلى الجذور، وأنصار المعاصرة في خصومة دائمة مع الماضي ويرون الخلاص في بتر تلك الجذور، وأمّا أنصار الوسطيّة فمؤمنون بإمكانية الجمع بين القديم والحديث بحيث لا يمنع الحفاظ على جذور الماضي من قطف ثمار الحاضر، لكن لا يبدو أنّ أيّا من هذه المواقف الثلاثة يُشكّل الموقف الأمثل من قضية الأصالة والمعاصرة، كما لا يبدو أننا أمام قضية تقوم على افتراض صحيح، وهذه هي النقطة التي نريد أن نتناولها من خلال هذا المقال.
قوام كلّ ثقافة عبارة عن وسيلة اتصال ومصدر معرفي، وقد جرت العادة على النظر إلى اللغة العربية والتراث الإسلامي بوصفهما قوام الثقافة العربية الإسلامية، الأول كوسيلة اتصال، والثاني كمصدر للمعرفة، وعندما يدور الحديث في ثقافتنا عن قضية الأصالة والمعاصرة، فإن السؤال الجوهري يشير إلى مدى توافق اللغة العربية والتراث الإسلامي مع مقتضيات الزمن الحاضر، وهو سؤال يقوم على افتراض ضمني مفاده أنّ بقاء الهويات الثقافية مرهون بثبات وسائل الاتصال ومصادر المعرفة، وهذا افتراض ينافي الواقع، فالثقافة الغربية المسيحية ما زالت تشكّل الهوية الثقافية لملايين البشر بالرغم من انقراض اللغة اللاتينية كوسيلة اتصال من جهة، وانحسار التراث المسيحي كمصدر للمعرفة من جهة أخرى. 
إنّ الثفافة التي تجمع بين الإنسان الخليجي والإنسان المغاربي، مثلا، ليست مرهونة ببقاء اللغة العربية، إذْ ليست الفصحى هي لغتنا الأم، كما أنّ هناك العديد من العرب ممن لا يدين بالإسلام، ومع ذلك فإننا جميعا، من المحيط إلى الخليج، ننتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية، ليس لأننا نتحدث الفصحى، وليس لأننا ندين بالإسلام، بل لأننا نتقاسم تاريخا من الانتصارات والهزائم، ومن الحقائق والأساطير، ومن العادات والتقاليد، وإذا كانت الفصحى هي المنبع، فإنه منبع ما فتئ يفيض أنهارا من لغات ولهجات، وإذا كان الإسلام هو مصدر المعرفة، فإنّ البحث عن مصادر أخرى لا يلغي هويتنا الثقافية بوصفها إسلامية، فالإسلام يبقى تراثا إنسانيا بصرف النظر عن قيمته الأبستمولوجية، والتراث مثل الأبوّة، فلا أحد بمقدوره أن يختار أباه. 
اللاعقلانية هي العامل المشترك بين المواقف المتباينة من الثقافة العربية الإسلامية، فأنصار الأصالة لا يعترفون بالعقل كأداة معرفية ولا يقبلون بالتطوّر الطبيعي للغة العربية، وأنصار المعاصرة لا يعترفون بالتراث كقيمة حضارية ولا يحفلون بالفصحى كقيمة ثقافية، وأمّا أنصار الوسطية فجعلوا الأخذ بأسباب العقل مشروطا بعدم نقد مصادر المعرفة في الدين الإسلامي، وبذلك أصبحت الوسطية مجرّد محاولة توافقية غير مجدية من الناحية العملية. 
إلى جانب غياب العقلانية، هناك أيضا غياب الجانب الإنساني في التعاطي مع الثقافة العربية الإسلامية، فأنصار الأصالة اعتادوا تقسيم البشر إلى مراتب بحسب معتقداتهم الدينية، وأنصار المعاصرة استمرؤوا استيراد أبشع مظاهر الحضارة الغربية وأشدّها انتقاصا من قيمة الإنسان، وأمّا الوسطيّون فما زالوا يصرون على إمكانية الجمع بين التناقضات، فعقوبة الإعدام لا تتعارض مع حقوق الإنسان، والسوق الحرّة لا تتعارض مع العدالة الاجتماعية، وتكميم الأفواه لا يتعارض مع حرية التعبير!

الاثنين، 4 يوليو، 2016

بلد الإنسانية للكويتيين فقط!

لدينا اليوم شهادة مختومة من "بان كي مون" تفيد بأننا نعيش في "بلد الإنسانية"، ولدينا بالأمس مهرّج رفع شعار "الكويت للكويتيين فقط" فصار نائباً ودخل البرلمان، وعلى ضوء هاتين الحقيقتين لا بدّ لنا من أن نصل إلى استنتاج مفاده أنّ بلد الإنسانية للكويتيين فقط! إذا بدا هذا الاستنتاج متناقضا، فإنّ السبب في ذلك يعود إلى حقيقة أنّ شهادة "بان كي مون" في حقّنا تتعارض مع شهادتنا في حقّ أنفسنا، وبما أنّ المرء أدرى بحاله، فلا يبقى أمامنا خيار سوى أن نأخذ ما يقوله الأمين العام "بقليل من الملح" كما يقول المثل الإنكليزي! 

في الآونة الآخيرة، أصدر وزير الصحة قرارا بتخصيص مستشفى للكويتيين فقط، وبالنظر إلى مظاهر التطبيق الفعلي لشعار "الكويت للكويتيين فقط" في أغلب مناحي الحياة في هذا المجتمع الصغير، فإنّ وجه الغرابة الوحيد في قرار الوزير يكمن في أنّه قرار جاء متأخراً على غير العادة، ولذلك لم يوفّق أحد نوّاب مجلس "الصوت الواحد" بوصفه قرار الوزير بالقرار "الشجاع"، فالقرار السياسي الشجاع يفترض وجود تعارض بين محتوى القرار والرأي العام، في حين أنّ استطلاع الرأي العام الذي أجرته "الجريدة" في الأسبوع الماضي حول هذا الموضوع يفيد بحقيقة أنّ غالبية المواطنين مع قرار الوزير!

الطريف في دفاع وزير الصحة عن قراره هو قوله إنّ "القرار لا يوجد فيه أي تمييز أو عنصرية طالما كان العلاج نفسه متوافرا للكويتيين ولغير الكويتيين"! حسنا، لكن إذا كان العلاج نفسه متوافرا للكويتيين ولغير الكويتيين، فما الذي يدفع الوزير إلى توفير خدمة علاجية إضافية ومقصورة على الكويتيين فقط؟ إذا كان الجواب يكمن في معاناة الازدحام في المرافق الطبية، فإنّ الجميع على حدّ سواء، كويتيين ووافدين، شركاء في هذه المعاناة، وإذا قيل إنّ الكويتيين أحقّ من غيرهم في الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة، فإنّ في هذا القول تأكيدا على العنصرية والتمييز في شعار "الكويت للكويتيين فقط"! ينبغي أن نضيف أن دفاع الوزير عن قراره يتضمّن اعترافا حكوميا بالتمييز ضد غير الكويتيين في القطاعات الحكومية الأخرى التي تقتصر فيها الخدمة المقدّمة على الكويتيين ولا تتوافر لغير الكويتيين، ولفئة "البدون" منهم على وجه الخصوص.

لا يفرّق المرض بين كويتي ووافد، ومع ذلك نأبى إلّا أن يكون بينهما برزخٌ فلا يلتقيان، وإذا كُنا قد اعتدنا التنازل عن الحسّ المدني من خلال تكريس التمييز ضد غير الكويتيين في مجالات عديدة، كالتعليم والتوظيف وغيرهما من المجالات التي تصل حتى إلى نطاق التعاملات الشخصية اليومية، فهل ينبغي أيضا أن نعاند الطبيعة بحيث نحرص على تمييز ما لم تجد الطبيعة نفسها ضرورة في تمييزه؟ 

قبل سنوات قليلة، انتقلت كلية التربية الأساسية إلى مبناها الجديد في منطقة العارضية، وانتهجت أغلب الأقسام العلمية طريقة عنصرية في توزيع مكاتب أعضاء هيئة التدريس، بحيث تم استثناء الزملاء الوافدين من عملية الاقتراع على اختيار مكتب لكلّ عضو هيئة تدريس، ولا يقتصر هذا النفس العنصري على توزيع المكاتب فقط، بل يتعدّاه إلى سياسات التوظيف والترقيات وحتى حقّ الانضمام إلى رابطة أعضاء هيئة التدريس، وإذا كان هذا النفس العنصري طاغيا في المجال الأكاديمي، فليس من الغرابة أن تأتي استطلاعات الرأي مؤيدة لقرار وزاري يرى أن "قسم أبقراط" غارق في المثالية، وهو غارق في المثالية فعلا، فالمثالية هي التهمة التي نُلصقها بأولئك الذين يدلوننا على فشلنا في الاستماع إلى صوت ضمائرنا!

الثلاثاء، 28 يونيو، 2016

لو كانوا يعلمون

المعرفة العلمية ذات طبيعة تراكمية، فما يعرفه اللاحقون يفوق بمراحل ما يعرفه السابقون، ولهذا فإنّ من الطبيعي القول إنّ الطلاب البارزين في أي ميدان من ميادين المعرفة في وقتنا الحاضر يفوقون «ابن رشد» و«ابن الهيثم» و«الرازي» و«الخوارزمي» في درايتهم بعلوم الفلسفة والفيزياء والطب والرياضيات، ومن الملاحظ أنّ النقيض من ذلك ينطبق على المعرفة الدينية ذات الطبيعة التناقصية، حيث كمال المعرفة مرتبط بمدى القرب الزماني من مصدرها، وحيث يفوق ما يعرفه السابقون ما يجهله اللاحقون!
لعلّ أهم ما يميز الطبيعة التراكمية للمعرفة العلمية هو إتاحة الفرصة أمامنا لطرح أسئلة لم يكن من المنطقي أن تخطر في بال السابقين، ونريد من خلال هذا المقال تسليط الضوء على أحد هذه الأسئلة، وهو التالي: ما المعارف التي، لو كانت متوافرة في تراثنا الإسلامي، من شأنها تلافي، أو على الأقل، التخفيف من حدة النزاع بين طرفين أو أكثر حول مسألة فكرية؟ على سبيل المثال، ما أثر عدم توافر نسخة عربية لكتاب «السياسة» لأرسطو على الفلسفة الإسلامية في عصر ازدهارها؟ وما أثر عدم دراية المعتزلة باللامتناهيات الرياضية على معاركهم الفكرية مع خصومهم حول مسألة صفات الله؟ 
من سوء حظ الفلسفة الإسلامية أن يحظى كتاب «الجمهورية» لأفلاطون بترجمة عربية في مقابل عدم ترجمة كتاب «السياسة» لأرسطو إلاّ بعد قرون طويلة، ولعلّ أحد أهم الآثار المترتبة على ذلك هو تكريس النزعة الشمولية في الحُكم في مقابل غياب النزعة التعددية، فالديمقراطية التي أسهب أرسطو في تحليلها ظلّت غريبة عن ثقافتنا لقرون طويلة، في حين أن الدكتاتورية التي بشّر بها أفلاطون بدت منسجمة مع تراثنا منذ الوهلة الأولى.
من زاوية أخرى، سار المعتزلة على أثر أرسطو في تبنيهم إحدى البدهيات التي تقول إنّ «الكلّ أكبر من الجزء»، واتخذوا منها أساسا للدفاع المستميت عن قضايا فكرية في مواجهة خصومهم، كمثل قضية «صفات الله»، والمعتزلة وخصومهم معذورون على حدّ سواء في قبولهم بصحة هذه البدهية، فلو خرج علم الرياضيات اللامتناهية في وقت مبكر لعلموا أنّه ليس من الضروري أن يكون الكلّ أكبر من الجزء، بل قد يتساوى الاثنان أحيانا، فعلى سبيل المثال، مجموعة الأعداد الفردية جزء من مجموعة الأعداد الطبيعية (فردية وزوجية)، ومع ذلك فإن كلّ عدد فردي يقابله عدد طبيعي إلى ما لا نهاية، مما يعني أنّ مجموعة الأعداد الفردية تحتوي على عدد من الأرقام مساو لعدد الأرقام في مجموعة الأعداد الطبيعية:
1   3   5   7   9   11   13   15   17 ....
1   2   3   4   5   6    7     8     9 .... 
بطبيعة الحال، ليس بوسعنا سوى أن نلتمس العذر للسابقين في عدم درايتهم بعلوم لاحقة على عصرهم، لكن في المقابل، ليس بوسعنا سوى أن نستنكر حرص اللاحقين على عدم تجاوز معرفة السابقين، فالمتأمل في الأدبيات الدينية الحديثة حول قضايا الفلسفة الإسلامية يُلاحظ فقرا معيبا من حيث الإلمام بالحد الأدنى من العلوم الجديدة، كما أنّ هناك بحوثا ورسائل دكتوراه يُسلّم أصحابها دون تردد بحتمية أنّ يكون «الكلّ أكبر من الجزء»، ومع ذلك تجد مثل هذه الكتابات طريقها إلى الإجازة والنشر، حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا ومعارف علمية معاصرة، فإنّ الإلمام في هذه الحالة يبلغ من الضحالة بحيث ينصبّ التركيز على محاولة إثبات أنّ ما يعرفه اللاحقون لا يتجاوز ما جاء به السابقون، وخير مثال على هذه الحالة المزرية هو ما نجده في تلك الأدبيات التي تُعنى بما يسمى «الإعجاز العلمي»، ولعلّ ذلك كله ينسجم مع طبيعة المعرفة الدينية، كما ذكرنا في بداية هذا المقال، وهو منسجم أيضا مع موقف لا عقلاني من الحضارة الإنسانية، موقف يكاد يكون صبيانيا في إصراره دائما على امتلاك «الكلمة الأخيرة» في كلّ قضية!

الأحد، 26 يونيو، 2016

القانون والمدنية

القانون، بمعناه الواسع، هو اتفاق جماعي على تنظيم الوجود المشترك لمصالح فردية متناقضة، والقانون بهذا المعنى يشير إلى اختراع بشري يطمح إلى ضمان الانتقال بالإنسان من الحالة البربرية إلى الحالة المدنية، وبذلك يكون القانون امتدادا منطقيا للفوارق الطبيعية بين الإنسان والحيوان، مثل العقل واللغة، فقد استغلّ الإنسان هذه الفوارق كي يضيف إليها فارقا آخر، وهو القانون، ولا يسعفنا علم الأنثروبولوجيا في تحديد زمن ظهور فكرة القانون في حياة الشعوب البدائية، ولكن ما نعرفه هو أن الانتقال إلى الحالة المدنية لم يكن انتقالا سَلِساً، فأغلب القوانين البدائية تتضمّن عقوبات وحشية فيها تكريس للحالة البربرية، كما أن بعض القوانين الحديثة تحتوي على بقايا لتلك العقوبات، ومهما يكن من أمر فإنّ ما يعنينا في هذا المقال هو الوقوف على بعض مظاهر العلاقة بين القانون والمدنيّة، ونريد على وجه التحديد إثبات حقيقة أن كليهما لا يقتضي الآخر.
لنفترض أنّ إحدى الدول، ولسبب ما، قررت تعطيل القانون ليوم واحد فقط، بحيث لا يخضع أي سلوك إلى عاقبة القانون مهما بلغ هذا السلوك من وحشية، ولنتساءل في هذه الحالة: هل غياب القانون يعني بالضرورة غياب المدنية؟ لنضع السؤال نفسه بصياغة أخرى: هل وجود المدنية يعني بالضرورة وجود القانون؟ بوسعنا أن نجزم أن تعطيل القانون ليوم واحد فقط سيزيد من نسبة الجريمة في ذلك اليوم تحديدا، ولكن في المقابل، ليس بوسعنا أن نجزم أن الجميع سيطلق العنان للحيوان القابع في جوفه في ذلك اليوم الذي يغيب فيه القانون، فهناك مَن تعصمه إنسانيته وشرفه ونزاهته عن ارتكاب جرائم القتل والسرقة وكلّ ما شأنه التعدي على الآخرين، ولهذا فإن غياب القانون لا يقتضي بالضرورة غياب الحسّ المدني.
هل هناك معنى لوجود إشارة مرورية في جزيرة يقطنها شخص واحد فقط؟ دعنا نفترض أن مثل هذا الشخص فقد عقله وقرّر فعلا الالتزام بقاعدة الوقوف أمام اللون الأحمر لتلك الإشارة تماشيا مع قانون المرور في كل بقاع الأرض، ثم دعنا نتساءل: هل التزام هذا الشخص بقانون المرور يجعل منه تلقائيا إنسانا مدنيّا؟ لا معنى لوجود قانون في جزيرة يسكنها شخص واحد فقط، ولا معنى للحسّ المدني للسبب ذاته، ولكن الاختلاف هنا يكمن في حقيقة أن الوجود النظري للقانون ممكن في جميع الأحوال، في حين أنّ المدنية ذات طبيعة أخلاقية بالضرورة، فهي ليست ممكنة على الإطلاق إلاّ في ظل وجود مجتمع لا يقل عدد أفراده عن اثنين، ولهذا فإن وجود القانون لا يقتضي بالضرورة وجود الحسّ المدني.
المدنية، باختصار، تشير إلى إحساس عميق بكلّ ما هو إنساني وعادل ونزيه في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وهي تستعين بالعقل قبل الاستعانة بالقانون في تنظيم تلك العلاقة، فالقانون لا يضمن عدم وقوع الجريمة، بل يكتفي فقط بجعل فكرة ارتكابها أقلّ جاذبية، في حين أنّ المدنيّة تجعل من مجردّ التفكير في تبرير الإجرام جريمة في حدّ ذاتها.

الأحد، 19 يونيو، 2016

أبعد من المقاطعة وأجدى من المشاركة

لم تكن حقبة عادية تلك السنوات الخمس الماضية من عمر الصراع السياسي في الكويت، فهي حافلة بالأحداث الجسام التي يعرفها الجميع، ومع ذلك لم نشهد حتى هذه اللحظة عملية تقييم جادة لتلك الحقبة، فالتقييم الجاد، لا مجردّ التوثيق، يتيح إمكانية التعرف على إخفاقات الماضي وخيارات الحاضر، وغياب مثل هذا التقييم هو المسؤول عن حالة التّيهان التي نشهدها جميعا في الوضع الراهن، وهو المسؤول أيضا عن انتشار تصورّات مغلوطة على نطاق واسع، لعلّ أبرزها الوهم بحتمية انفراد السلطة بالقرار السياسي، وحصر الصراع السياسي بمقاومة مرسوم "الصوت الواحد"، واقتصار آفاق العمل السياسي على أفق العمل النيابي.
لا نطمح من خلال هذا المقال إلى تقييم ما مضى من أحداث، بل ليس بوسعنا حتى مجرد الإشارة إلى ملامح مثل هذا التقييم، فالجهد المطلوب يتعدّى قدرة الأفراد، ولذلك سنكتفي هنا بافتراض وجود مثل هذا التقييم كي يتسنّى لنا طرح أسئلة من هذا القبيل: ما دور غياب ثقافة المقاومة المدنية في إخفاقات الماضي؟ وما مدى حاجتنا إلى مثل هذه الثقافة في تحديد خيارات الوقت الراهن؟ قبل محاولة الإجابة، لا بدّ لنا أولا من تحديد ما نعنيه بمفهوم "المقاومة المدنية".
المقاومة المدنية هي أحد أنواع العمل السياسي، وهي مقاومة لأنها تأتي استجابة كردّ فعل على انفراد السلطة بالقرار السياسي، وهي مدنيّة لأنها، أولا، جامعة لشرائح المجتمع كافة، ولأنها، ثانيا، مقتصرة في مقاومتها على استخدام الطرق السلمية والابتعاد عن العنف المادي بمختلف أشكاله، ونجاح المقاومة المدنية يعتمد على عوامل عدة، لعلّ أهمها القدرة على توحيد الصفوف، وامتلاك خطط عملية، والالتزام الصارم بسلمية المقاومة.
لا نذيع سرّا عندما نقول إنّ ثقافة المقاومة المدنية شبه معدومة في بلد مثل الكويت، فالعمل السياسي يكاد يكون محصورا في العمل النيابي، وفي اللحظات التاريخية التي يتعرّض فيها العمل النيابي إلى الشلل (كما حدث في النصف الثاني من عقد الثمانينيات أو إبّان فترة الحراك الشعبي في السنوات الماضية)، يبرز القصور الفاضح في ثقافة المقاومة المدنية، حيث يطغى الخطاب الانتخابي-الفئوي على الخطاب المدني-الجامع، وتطغى الخطب الارتجالية الفارغة على الرؤى المدروسة وبعيدة المدى، وتطغى التصرفات العنترية والصبيانية على التحلّي بروح المسؤولية وتوخّي الحذر.
إنّ من شأن تأصيل ثقافة المقاومة المدنية إتاحة الفرصة لنا جميعا في معرفة الخيارت الممكنة في كلّ مرحلة من مراحل الصراع السياسي، كما من شأنها أيضا الإسهام في إدراكنا حقيقة أن مقاومة الانفراد بالسلطة لا تقتصر على مسيرات شعبية بزعامة وجوه نيابية، ولعلّ ما يميّز المقاومة المدنية هو قدرتها على ابتكار أشكال مختلفة من المقاومة السلمية، والتاريخ السياسي العالمي مليء بنماذج ناجحة وخليقة بالإعجاب، كما أنّ قوة المقاومة المدنية تكمن في قدرتها على اتخاذ استراتيجية مناقضة لاستراتيجية السلطة، فإذا كانت السلطة تفرّق لتسود، فإنّ المقاومة المدنية تجمع ليدوم الوطن!
بالرغم من انسداد أفق الإصلاح السياسي، وبالرغم من حالة الإحباط التي يعانيها، مع الأسف، الشباب قبل الشيوخ، فإنّ الظروف الراهنة تبدو ملائمة للبدء بمحاولة إرساء ثقافة المقاومة المدنية، فتدهور الأوضاع في ظل الانفراد بالسلطة يكرّس أسباب المقاومة المدنية، وصورية مجالس "الصوت الواحد" تسهم في إبراز أهمية العمل السياسي خارج نطاق المؤسسات التقليدية، ولجوء الأحزاب الدينية إلى خيار المشاركة يعزز من التأكيد على الوجه المدني لثقافة المقاومة والنأي بالدين عن المكاسب السياسية.
أخيرا، ينبغي التذكير بتلك العبارة الحكيمة المكتوبة على جدار قصر السيف: "لو دامت لغيرك، ما اتصلت إليك"، وهي عبارة تدلّ على حقيقة أنّ الديمومة ليست من سمات الظروف السياسية، وإذا وضعنا هذه الحقيقة في الحسبان فإنّ ما نزرع اليوم من بذور المقاومة المدنية نحصد ثماره غدا، وأهم ثمرة هي تلك التي ستتيح للشعب قدرة تفاوضية من شأنها ضمان المطالب الديمقراطية في مقابل ترجيح توازنات السلطة في المستقبل، وبطبيعة الحال لن تتوافر هذه القدرة التفاوضية في ظلّ استمرار الروح الانهزامية، ولهذا فإنّ المقاومة المدنية تذهب بنا إلى ما هو أبعد من مجرد مقاطعة الانتخابات، وإلى ما هو أجدى من المشاركة فيها.

الخميس، 16 يونيو، 2016

من هم دعاة المشاركة؟

قبل الدخول في موضوع هذا المقال، لا بدّ أولا من توضيح نقطة لتفادي أي التباس محتمل، وهي أنّ هناك فرقا بين أولئك الذين عقدوا النية على المشاركة في الانتخابات القادمة، وأولئك الذين تجاوزا ذلك إلى محاولة حثّ الآخرين أيضا على المشاركة، وموضوع مقالنا هذا يقتصر على هذه الفئة الأخيرة فقط، ولعلّي شخصيا مجبر على هذا التوضيح لما شهدته في الماضي من التباس وقع فيه عدد غير قليل، ومنهم أصدقاء أكنّ لهم كلّ احترام وتقدير، فقد سبق أن كتبت هنا في "الجريدة" في نوفمبر من عام 2012 الفقرة التالية: 
"الرأي، أي رأي، لا يكتسب احتراماً لمجرد أنه رأي، بل إن مسألة الاحترام متعلقة بمحتوى هذا الرأي، والرأي الداعي إلى المشاركة في الانتخابات لا يستحق الاحترام، لأن ضريبة هذا الاحترام هو النيل من كرامة المواطن، ولا يدفع هذه الضريبة إلا الذي لا يقدر نفسه حق قدرها!".
للأسف، وبالرغم من هذه الإشارة الواضحة إلى "الرأي الداعي إلى المشاركة"، يصرّ البعض على أنّ الأمر متعلق بقرار المشاركة، في حين يذهب البعض الآخر إلى حدّ اعتبار الأمر متعلقا بكلّ فرد قرّر المشاركة! ليس بوسعي هنا سوى التذكير بحقيقة يعرفها الجميع، وهي أنّ كلّ كاتب مسؤول عمّا يكتب، لا عن فهم الآخرين لما يكتب، أو بعبارة أخرى أكثر لباقة: الكاتب مسؤول فقط عن الرحلة من المعنى إلى الرمز، لا عن رحلة العودة من الرمز إلى المعنى.
نأتي الآن إلى موضوع المقال لنتساءل: من هم دعاة المشاركة؟ إذا استثنينا الأصوات الصاخبة من ذوي الطموح الفردي للوصول إلى المجلس بأي ثمن، فإن بوسعنا الحديث عن صنفين من دعاة المشاركة، صنف يحلّق خارج فضاء السلطة، وصنف يقبع داخل كنفها، ولا يقتصر الاختلاف بينهما على اختلاف المسافة التي تفصل كلّا منهما عن السلطة، فهناك أيضا اختلاف متعلق بالسبب الذي يدفع كلّا منهما إلى دعوة الآخرين إلى المشاركة، فأحدهما يدعو إلى المشاركة بعد أن يئس من جدوى المقاطعة، والآخر يحذّر من المقاطعة كي يضمن أكبر قدر من المشاركة.
بالرغم من حسن نوايا الصنف الأول، وبالرغم من مكانة بعضهم التي هي محلّ احترام الجميع، فإنّ من الصعب تبرير دعوتهم إلى المشاركة في الانتخابات القادمة، ليس فقط لتهافت أسباب جدوى المشاركة كما ذكرنا في مقال سابق، بل لأنّ دوافع دعوتهم، كما هو واضح، ليست سوى دوافع نفسية، بعضها متعلق باليأس من مقاطعة لم تسفر عن شيء، وبعضها مرتبط بالأمل في مشاركة قد تأتي بشيء، لكن الدوافع النفسية تبقى متعلقة بالفرد من حيث هو فرد، وإذا كان من حقّ اليائس أن يشارك أملا في تحقيق واقع جديد، فليس هناك ما يبرّر دعوته الآخرين إلى المشاركة استنادا إلى حالته النفسية، إلّا إذا كان يظنّ واهماً أنّ الجميع يشاطرونه دوافعه النفسية! بل حتى مع افتراض صحة هذه النقطة الأخيرة، ليس من الضروري أن يتفق الجميع على أنّ الحلّ الوحيد للخروج من فشل المقاطعة هو المشاركة، فالمقاطعة التي تفشل تحتاج إلى إنجاحها، لا إلى وأدها. 
يبقى الصنف الآخر من دعاة المشاركة، أولئك الذين يؤدون دور "الحكيم"، ويقدمون المواعظ إلى مَن تابوا عن مشاكسات الماضي وعادوا إلى "جادة الحق"! أولئك الذين استطاروا غضبا من "لغة العنف" في الساحات والميادين، وطاروا فرحا بأفعال العنف ضد المتظاهرين! أولئك الذين يرون الحكمة في قلوب شَبِمة، والحماقة في عقول متّقدة، والذين لا يخجلون من نفاق السلطة في كلّ مناسبة ومن غير مناسبة، ولا يتورّعون عن الكذب من دون أدنى قطرة حياء، كيف لا وأقصى طموحهم هو أن يرضى أولو نعمتهم عن دورهم الكبير في تدجين ما تبقّى من "المشاكسين"!

الاثنين، 13 يونيو، 2016

مقاطعون بضمائر حيّة ورؤوس شامخة

اكتسح اللون الأزرق الحياة السياسية، تبدو الكويت كأنها سفينة تتلاطمها الأمواج في عُرض البحر، وأمّا اللون البرتقالي فلم يبق من أثره سوى هذا الشحوب على وجه شمس أوشكت على المغيب! أجل، اكتسحت الزرقة حياتنا السياسية حتى طغى التشكيك في جدوى المقاطعة على التشكيك في جدوى المشاركة، كما أضحت البراغماتية الميكيافيلية عنوانا للمرحلة القادمة، ولكنها حتما ليست العنوان الوحيد، فإلى جانب حسابات الربح والخسارة، من المرجّح أن يشهد البرلمان القادم موجات من المعارك الأيديولوجية الفارغة بين يمين متطرّف ويمين آخر لا يقلّ تطرفا عنه، وبذلك ستكون الطائفية الدينية أحد أهم عناوين المرحلة القادمة.
لطالما شهد مجلس الأمة صراعات مذهبية شتى، ولكن الجديد في النزاع الطائفي القادم يتمثّل بأمرين: الأمر الأول، هو وجود مؤشرات على أن أحد أسباب عودة الأحزاب الرجعية إلى المشاركة في الانتخابات القادمة يشير إلى محاولة تلك الأحزاب إلى إعادة التوازن الطائفي بما يتناسب مع الطبيعة الديموغرافية المذهبية في الكويت، وهي محاولة بالغة الخطورة وستلقي بظلالها مبكرا على الحملات الانتخابية للمجلس القادم، وأما الأمر الثاني فيشير إلى حقيقة أن العجز السياسي الذي فرضه مرسوم "الصوت الواحد" على مجلس الأمة سيجعل من الشحن الطائفي بديلا عن مناكفة السلطة، ولعلّ في تجربة البرلمان الحالي مؤشرات على هذه الحقيقة، ولا مناص من ارتفاع شدة الشحن الطائفي مع عودة الأحزاب الرجعية إلى المشاركة.
لا تكمن خطورة الشحن الطائفي على الساحة السياسية في تقويض أركان المجتمع فحسب، بل إنها تتعدّى ذلك إلى صرف الأنظار عن المشكلات الحقيقية التي يعانيها الجميع، ولعلّ أولها الفساد المالي-الإداري الذي سيظلّ المسؤول الأول عنه هو السلطة ومشتقاتها، وفي ظلّ انعدام توافر شروط المحاسبة السياسية الحقيقية، سيشغل اليمين الديني الساحة بنزاع طائفي بغيض، في حين يغتنم اليمين الانتهازي الفرصة في استكمال عملية الاستحواذ على مقدّرات البلد، فلا اليمين الديني يتمتع بالقدر الكافي من الحسّ العقلاني كي ينصرف عن الانشغال بالماضي إلى الانشغال بالحاضر، ولا اليمين الانتهازي يمتلك الحدّ الأدنى من الحسّ الإنساني كي ينصرف عن الانشغال بحاضره إلى الانشغال بمستقبل غيره!
"ما جدوى المقاطعة؟"، يتساءل بعض المشاركين بنبرة ساخرة! إذا كان المقصود بجدوى المقاطعة النجاح في الحدّ من انفراد السلطة بالقرار السياسي، فإنّ الجدوى معدومة في ظلّ اتشاح الكويت باللون الأزرق، لكن إذا كان المقصود بجدوى المقاطعة رفض الانحياز إلى طرف ضد طرف آخر في مسرحية الطائفية السخيفة، ورفض المساهمة في شرعنة عملية نهب خيرات البلد ومدّخرات الأجيال القادمة، فإن الجدوى من مقاطعة الانتخابات كمثل الجدوى من إبقاء الضمائر حيّة، وستبقى كذلك ما بقيت الرؤوس شامخة!

الأربعاء، 8 يونيو، 2016

فنون السياسة

السياسة فنون، أشهرها فنّ الممكن، وأصعبها فنّ المستحيل، وأبشعها فنّ الخضوع، وهي فنّ الممكن فقط عندما يكون الحوار بين الفُرقاء حوار الندّ للندّ، وفي غياب عنصر الندّية ليس للطرف الضعيف سوى أن يتمرّس بفنّ المستحيل أو أن يُمارس فنّ الخضوع، وأمّا الطرف القوي فيكفيه أن يلوّح بعصاه من بعيد! 
هناك، مع الأسف، خلط شائع بين «فنّ الممكن» و«فنّ الخضوع»، فإلى جانب الاختلاف بينهما من حيث مدى توافر عنصر النديّة، لا يستقيم فنّ الممكن إلاّ في ظلّ فضاء سياسي يتيح المناورة بين سقف أعلى للمطالب وحدّ أدنى للتنازلات، في حين أنّ فنّ الخضوع ينمو في بيئة سياسية تشجع المنافسة على بلوغ الحدّ الأعلى من الإذعان، وتتكشّف مظاهر الخلط بين الاثنين من خلال اللغة على وجه الخصوص، كمثل أن نقول مثلا: «من الضروري الاحتكام إلى ميزان العقل والإنصات لصوت الحكمة وإدراك خصوصية الوضع وموازين القوى، فالسياسة هي فنّ الممكن»! وهي عبارة تعني في واقع الأمر: «من الضروري عدم اللعب بالنار وطاعة أولياء الأمور ومعرفة حجمنا الطبيعي، فالسياسة هي فنّ الخضوع»! في قاموس «فنّ الخضوع» قدر كبير من خداع النفس والآخرين، حيث الرضوخ دلالة على القوة، والنفاق دلالة على حبّ الوطن، والتماهي مع الواقع دلالة على بلوغ أرقى درجات الحكمة.
إجادة فنّ الخضوع لها «مزايا» كثيرة أيضا، منها القدرة على الاستمرار بأقل الخسائر المادية (وبأقصى الخسائر المعنوية، لكن هذه لا تعدّ خسائر في قاموس فنّ الخضوع)، ومنها فرصة الصعود السريع على السلّم الاجتماعي، ومنها الاستفادة من حرية التعبير ذات الاتجاه الواحد، وكل هذه المزايا لا تتطلّب سوى مهارة الإكثار من كلمة «نعم» من دون تردد وبأيّ ثمن!
ماذا عن فنّ المستحيل؟ هو فنّ يُجبَرُ على التمرّس به مَن تأبى نفوسهم ممارسة فنّ الخضوع، ولهذا فإنّ «المستحيل» هنا لا يُشير إلى استحالة تحقيق الغايات والطموحات، فهذه قد تكون صعبة المنال لكنها ليست مستحيلة، بل قد تكون مستحيلة الآن لكن ليس إلى الأبد، وإنما المقصود بالاستحالة هو الرفض القاطع للخنوع بكلّ أشكاله، ولهذا فإنّ مَن يُجيدون فنّ المستحيل لا يجيدون الانصياع، فهم يُدركون جيدا أنّ الطريق إلى الحرية لا يمرّ ببوّابة العبودية، كما أنهم لا يجيدون النفاق، فهم يُدركون أيضا أنّ التكيّف مع المصاعب لا يأتي على حساب الكرامة، وأنّ النفوس المنهزمة لا تبني مستقبلا أفضل! 
«ما مُناسبة هذا الحديث؟»، يسألني الرقيب فأجيب: ليس له مناسبة إلّا بالقدر الذي جعل منك رقيبا على ما أكتب، ولك أن تعبث بهذه السطور كما تشاء، لكن اترك لي، أرجوك، ما بين السطور!

الاثنين، 6 يونيو، 2016

حول عدم جدوى المشاركة

ليست مقاطعة الانتخابات مسألة مبدأ، وإنّما المبدأ يشير إلى قضية رفض انفراد السلطة بالقرار السياسي، وبالقياس إلى هذه القضية تحديدا يُمكن تقدير مدى جدوى المقاطعة أو المشاركة، ولهذا فإنّ السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نشارك أو نقاطع هو: هل نحن ضد انفراد السلطة بالقرار السياسي؟ إذا كانت الإجابة هي "نعم"، فإنّ الذين يتطلّعون إلى الانتخابات المقبلة هم المعنيّون بتبرير جدوى المشاركة بدلا من التعذّر بعدم جدوى المقاطعة.
إذا كنا متفقين على المبدأ أعلاه، فإن الهدف من المقاطعة هو نفسه الهدف من المشاركة، ونعني به كسر احتكار السلطة للقرار السياسي، ولذلك فإنّ تكرار الحديث الطويل عن عدم جدوى المقاطعة في تحقيق هذا الهدف يفترض ضمنا جدوى المشاركة في تحقيق الهدف نفسه، ومع ذلك فإنّ أقصى ما يُمكن أن يأتي به دعاة المشاركة حول هذه النقطة هو محاولة انتخاب عدد معقول من المرشحين "السوبر"، وهذا تسطيح معيب لا ينبغي أن يصدر ممن لهم باع طويل في العمل السياسي، فالقضية ليست قضية قوة أشخاص بل متانة مؤسسات، وفي ظل الظروف الراهنة لا معنى للحديث عن مجلس يحظى بإعجاب الشعب في الوقت الذي ندرك فيه جميعا أنّ الأهم هو أن يحظى المجلس بإعجاب السلطة، وخير شاهد على هذه الحقيقة هو تزايد وتيرة حلّ المجلس في السنوات العشر الأخيرة من خلال تفعيل المادة (107) من الدستور.
لا يخفى على دعاة المشاركة انحياز الدستور للسلطة، وهو انحياز جعل استمرار أي مجلس لمدة أربع سنوات مرهوناً بإرادة السلطة وحدها، كما لم ينص الدستور على سقف أعلى لعدد مرات حلّ المجلس خلال فترة زمينة معينة، وأمّا النص على عدم جواز الحلّ للأسباب ذاتها مرة أخرى، فإنّ في اللغة العربية متسعاً لصياغة السبب نفسه بألفاظ مختلفة، وإذا كان هذا هو واقع الحال، فمن حقنا أن نضع علامة استفهام كبيرة على تلك الثقة المفرطة من قِبل البعض في جدوى المشاركة. 
لقد ساهم التفعيل المتعاقب للمادة (107) من الدستور في عدم حاجة السلطة إلى خيار الحلّ غير الدستوري، في حين ساهم مرسوم "الصوت الواحد" في عدم حاجة السلطة حتى إلى خيار الحلّ الدستوري، وبهذا اكتمل الانتقال من مرحلة "الفيتو" ضدّ خيار الشعب إلى مرحلة ضمان انسجام خيار الشعب مع خيار السلطة، الأمر الذي يعني أنّ حالة الانتكاس الحالية وصلت إلى درجة تضاؤل فرصة الإتيان بمجلس يدفع السلطة إلى مجرّد تكبّد مشقة استخدام حق "الفيتو"! إذا كان هذا هو واقع الحال، فإنّ جدوى المشاركة لا تتعدّى ضمان استمرار مجلس صوري آخر لمدة أربع سنوات قادمة.
أخيرا، يحثّ دعاة المشاركة المقاطعين على "عدم ترك المجلس لأتباع السلطة"، وقد نتفهّم ذلك على مضض لو أنّ كلمة "المجلس" بعد صدور مرسوم "الصوت الواحد" تعني ما كانت تعنيه قبل صدور ذلك المرسوم، وأمّا في ظلّ استمرار الوضع القائم فإنّ دعاة المشاركة هم المطالبون بعدم تكريس المجالس الصورية، ثم إنّ التضحيات الجسام التي قدّمها ثُلّة من المقاطعين تتعدّى رفض المرسوم إلى رفض الاستمرار في ثنائية عقيمة بين مجلس قوي ذي عمر قصير ومجلس ضعيف ذي عمر طويل.

الأربعاء، 1 يونيو، 2016

ثلاثة مواقف من الانتخابات القادمة

في مقال سابق، ذكرنا أنّ الأمور تبلغ من السوء بحيث أضحى الحديث عن المقاطعين والمشاركين في انتخابات "الصوت الواحد" مجرّد تحصيل حاصل لموقف كلا الطرفين من انفراد السلطة بالقرار السياسي، ونريد هنا أن نؤكد هذه الحقيقة من خلال الوقوف عند ثلاثة مواقف متباينة من الانتخابات القادمة. 
1- ضد "الصوت الواحد" وضد "المشاركة"
يمتاز هذا الموقف بالاتساق من الناحيتين المنطقية والواقعية، فمن الناحية المنطقية، الاعتراض على مرسوم "الصوت الواحد" يقتضي بالضرورة رفض المشاركة في انتخابات "الصوت الواحد"، ومن الناحية الواقعية، لم يستجد ما من شأنه إزالة أسباب الاعتراض على انفراد السلطة بتعديل النظام الانتخابي، بل إنّ كل المستجدات في موقف السلطة من هذه القضية تحديدا ساهمت في تعزيز أسباب الاعترض سالف الذكر! هناك الكثيرون ممن يعيب على سياسة "المقاطعة" عدم فاعليتها، وقد غاب عن هؤلاء أمران: الأمر الأول، هو أنهم هم أنفسهم من ساهم ويساهم في "عدم فاعلية المقاطعة" بعد أن تخاذلت مواقفهم تجاه الاعتراض على نهج السلطة، وستبقى سياسة المقاطعة غير مؤثرة بالقدر الذي يزداد فيه المتخاذلون تخاذلا، وأما الأمر الثاني فيشير إلى حقيقة أنّ المقاطعة نتيجة لموقف معارض لنهج السلطة أكثر من كونها وسيلة ضغط، فمع استمرار الظروف الراهنة، قد لا يؤدي قرار مقاطعة عدد لامتناه من الانتخابات القادمة إلى أي نتيجة إيجابية، ولكنه مع ذلك لن يكون قرارا متناقضا مع الاعتراض على انفراد السلطة بتعديل النظام الانتخابي، في حين أن قرار المشاركة لمرة واحدة فقط في ظل الظروف الراهنة يضمن استمرار النهج الحالي للسلطة، فضلا عمّا يتضمنه هذا القرار من مباركة هذا النهج وإقرار غير مشروط بالانصياع!
2- مع "الصوت الواحد" ومع "المشاركة"
يمتاز هذا الموقف بالاتساق من الناحية المنطقية، فالتأييد لمرسوم "الصوت الواحد" يقتضي بالضرورة تأييد المشاركة في انتخابات "الصوت الواحد"، ولكن عندما نفحص أسباب اتخاذ مثل هذا الموقف، يتبيّن عندها مدى تناقضه من الناحية الواقعية، فلا الطائفية اضمحلّت بل تفاقمت، ولا الحريات ازدهرت بل تلاشت، ولا الفساد انحسر بل تمادى! بقي أن نضيف أنّ هذا الموقف هو موقف المنضوين تحت لواء السلطة، ليس لأنهم جميعهم مع السلطة بالضرورة، بل لأننا لا نستطيع التفريق بين موقفهم وموقف السلطة!
3- ضد "الصوت الواحد" ومع "المشاركة"
هذا موقف المتناقضين من الناحيتين المنطقية والواقعية، والدفاع عن موقف متناقض بهذا السوء أشبه بالدفاع عن صحة القول بأنّ "الأعزب شخص متزوج" أو "1+1= 3"! ينقسم مناصرو هذا الموقف إلى فريقين من حيث درجة التناقض: فريق كان ولا يزال ضد المرسوم ومع المشاركة، وفريق كان ولا يزال ضد المرسوم لكن مع "استئناف المشاركة"، فأمّا الفريق الأول فمتّسق في تناقضه، وأمّا الفريق الثاني فَيُفضّل التناقض على الاتساق! شعار الفريقين: "المقاطعة لم تأت بنتيجة"، وهو شعار يعكس- كما ذكرنا- خللا في فهم جوهر سياسة "المقاطعة"، فمقاطعة الانتخابات ليست مجرّد وسيلة لإحداث تغيير إيجابي في نهج السلطة، بل هي نتيجة منطقية وواقعية فرضها موقف مبدئي ضد انفراد السلطة بالقرار السياسي، ولهذا فإن هناك فرقا كبيرا بين أن نقول "نحن ضد المشاركة من غير شروط، ولهذا السبب نقاطع"، وأن نقول "لنجرّب المقاطعة لعلها تنجح فنشارك، ولعلها تفشل فنشارك أيضا"!

الأربعاء، 27 أبريل، 2016

إنسان فوق العادة!


هو إنسان فوق العادة من نواحٍ مختلفة، فهو خارق الذكاء وغريب الأطوار، كما أنّ مَن يعرفونه حقّ المعرفة يُكبرون فيه صِدقه الذي يبلغ حدّ السذاجة، ونُبله الذي يُضاهي نبل الفُرسان! تقتحمه العين وتزدريه في ثيابه البالية، ولكنّ له نفسا تعاف ما تزاحم الناس عليه، كيف لا وقد داس بحذائه المتهرئ بريق المال وسحر الشهرة؟ اسمه "غريغوري بريلمان"، وهو رجل روسيّ من أصول يهودية ويبلغ من العمر 49 عاما، يسكن شقة متواضعة مع أمه في مدينة سان بطرسبورغ، وقصته فيها من الدروس ما يجعل عبيد المال والشهرة يتوارون خجلا، هذا مع افتراض قدرتهم على الخجل!
حصل "بريلمان" على درجة الدكتوراه في الرياضيات في أواخر الثمانينيات، ثم قرّر مغادرة روسيا والذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد أن حصل على بعثة مدفوعة الأجر من أحد المراكز البحثية، وقد تركت تجربة العيش في مجتمع غارق في المادية أثرا بالغا في نفسه، فبعد أن مكث هناك بضع سنوات قرر العودة من جديد إلى روسيا، وقد نقل أحد المقربين منه قوله: "في أميركا تستطيع أن تشتري أو تبيع معادلة رياضية"، كما أعرب عن ضجره مما لمسه هناك من حرص علماء الرياضيات على الشهرة والمال أكثر من حرصهم على أخلاقيات البحث العلمي، فالتعاون بين العلماء يكاد يكون معدوما من فرط السرية التي يفرضها كلّ باحث على نفسه خشية أن يسبقه أحد إلى حلّ مسألة رياضية شائكة، ومن ضمن تلك المسائل الرياضية ما يعرف باسم "حدسية بوانكاريه"، وهي مسألة تتعلق بالأشكال المجردة في ميدان الرياضيات المحضة، وقد عجزت أفضل العقول الرياضية عن إثباتها لأكثر من قرن كامل، وهي إحدى المسائل السبع التي قام معهد "كلاي للرياضيات" في عام 2000 برصد جائزة بقيمة مليون دولار لمن يعثر على حلّ لها!
بعد عودة "بريلمان" إلى روسيا في منتصف التسعينيات، وقبل الإعلان عن الجائزة، قرّر الاستقالة من عمله والتفرّغ لمحاولة حلّ "حدسية بوانكاريه"، فأمضى أكثر من سبع سنوات في عزلة شبه تامة إلى أن استطاع العثور على حلّ، وبدلا من إرسال الحلّ إلى مجلة علمية محكّمة للمحافظة على حقوقه المتعلقة بالملكية الفكرية، قام بنشر أوراق الحل التي تجاوزت الستين صفحة على شبكة الإنترنت!
أمضى علماء الرياضيات سنوات للتحقق من صحة نتائج "بريلمان"، وحاول علماء آخرون سرقة تلك النتائج ونسبها إلى أنفسهم بعد إجراء بعض التعديلات عليها، إلى أن أُعلن رسميا عن صحة نتائج "بريلمان" وترشيحه لنيل ميدالية "فيلدز"، وهي بمنزلة جائزة نوبل للعلوم الأخرى، ثم تأتي المفاجأة برفض "بريلمان" الجائزة! سافر أحد علماء الرياضيات المشهورين إلى "سان بطرسبورغ" في محاولة لثني "بريلمان" عن قراره ففشل، وفي احتفال مهيب في مدريد وبحضور ملك إسبانيا السابق، يُذاع اسم "بريلمان" لمنحه الميدالية التي طالما حلُم بها الكثيرون، ولكن لا أثر له بين الحاضرين!
 ثم يعلن معهد "كلاي للرياضيات" الوفاء بوعده بتسليم مبلغ مليون دولار كجائزة لصاحب الحلّ، ولكنّ "بريلمان" يرفض من جديد تسلّم الجائزة كما رفض غيرها العديد من الجوائز، ثم يبعث برسالة إلى القائمين على الجائزة يقول فيها إنّ عالم الرياضيات الأميركي الشهير "ريتشارد هاملتون" أحقّ منه بالجائزة، فلولا استفادته من بحوث هذا الأخير لما استطاع العثور على الحلّ! ثم تنهال العروض عليه للعمل في أرقى الجامعات حول العالم فيرفض، وتتقاطر عليه الصحافة العالمية طمعا في مقابلة واحدة فقط فيرفض، ويُذكر أنه قال لأحد المراسلين من المتطفلين على باب شقته: "أرجوك أن ترحل من هنا، فأنا لست حيوانا معروضا للمشاهدة في حديقة الحيوان، وعملي واهتماماتي ليست من شأنكم"! وأمّا الوسط العلمي فقد نقل أحد أصدقاء "بريلمان" عنه قوله إنّ الكثير من علماء الرياضيات يحرصون على تسويق ذواتهم بأي ثمن، وإزاء مَن حاولوا سرقة جهوده نُقل عنه قوله: "ليس كلّ علماء الرياضيات لصوصا، فأغلبهم يتمتع بالنزاهة، لكنّ معظمهم يتسامح مع اللصوص مع الأسف فيلتزم الصمت"، "بالنسبة إلى الرياضي الذي يعثر على حلّ لمسألة شائكة، ليس هناك اعتراف أجلّ وأشدّ من الإيمان العميق بأنك عثرت على الحلّ المطلوب، وأمّا الجوائز والألقاب فلا مكان لها في نفسي"!
لا يزال "بريلمان" يعيش مع أمه في شقة متواضعة، ويُقال إنه طلّق الرياضيات إلى غير رجعة، ويحسبه مَن لم يفهموه مجنونا، فالمجنون في عصرنا المادي والاستهلاكي هو الذي ينفر من بريق المال ويترفّع عن سحر الشهرة، ومع ذلك يبقى "بريلمان" إنسانا نزيها ومخلصا لمبادئ أسمى من أن يستوعبها عبيد المال والشهرة، وما يراه ذوو النفوس الصاغرة مقدّسا لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون تافها عند ذوي النفوس الأبية!

الثلاثاء، 19 أبريل، 2016

الإضراب بوصفه الحلّ الوحيد


الإضراب سلوك احتجاجي من حيث الشكل، وهو من حيث المضمون يقع في منتصف الطريق بين العصيان المدني والمظاهرة السلمية، فشرعية الإضراب تجعله أقلّ فداحة من العصيان المدني من الناحية القانونية، والقدرة التفاوضية التي يتضمنها الإضراب تجعله أشدّ تأثيرا من المظاهرة السلمية من ناحية تحقيق الأهداف المرجوّة، وبعبارة أخرى، أهمّ ما يمّيز الإضراب عن هذا وذاك هو أنه سلوك احتجاجي يستخدم أدوات النظام القانوني-البيروقراطي للدولة لإحداث ضغط من الخارج على هذا النظام.
عندما تكون السلطة السياسية منحازة إلى مصالح أرباب القطاع الخاص، وعندما لا تقوم مؤسسات الدولة بوظائفها على أكمل وجه، فإنّ لجوء الشرائح العمّالية من موظفين ومهنيين إلى وسائل الضغط من داخل النظام مصيره الفشل المحقق، ولا خيار أمام هذه الشرائح سوى الضغط الخارجي والمتمثل بالإضراب عن العمل، وأغلب المكتسبات العمّالية على مرّ التاريخ جاءت بفضل هذا الضغط الخارجي الذي يرفض الاحتكام إلى منظومة سياسية تتحكّم فيها أطراف تؤدي دور الخصم والحكم معاً.
على ضوء ما تقدّم تبرز أهمية الإضراب العمالي في الكويت، فهي لا تقتصر على الدفاع عن حقوق الموظفين في القطاع النفطي، كما لا تقتصر على الذود عن ثروات الشعب والوقوف ضدّ بيعها إلى أقلية متنفذة، بل إنّ أهمية الإضراب تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال محاولة خلق شكل آخر من أشكال المعارضة السياسية، وهو أمر يأتي في أحلك الظروف بعد أن تمادت الأقلية المتنفذة في إحكام سيطرتها على مؤسسات الدولة.   
بقي أن نقول ما يجب قوله، وهو أن عمّال البترول من المضربين يتعرّضون إلى هجوم يزداد شراسة يوما بعد يوم، وفيه من التخوين والتهديد والتشويه ما يُطاق وما لا يُطاق، ومع ذلك فقد أثبتوا، رجالا ونساء، أنهم أعظم حبّا لوطنهم مما يظن خصومهم، وأشد بأسا وإصرارا ممن يتوعدونهم بعواقب الأمور، وأنقى طُهرا من أن يُطعنوا في أخلاقهم أو أن يلتفتوا إلى اتهامات المرتشين ومن في قلوبهم مرض، وكلّنا أمل في أن يُحسنوا التعامل مع مناورات خصومهم في الأيام القادمة.

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

تجارب ثرية وعقول بائسة


في كلّ بلد شريحة متعلّمة، والكويت ليست استثناء من هذه القاعدة، ومن ضمن كل شريحة متعلمة أفراد سمحت لهم ظروفهم الدراسية في الإقامة لسنوات عدّة في بلدان تمتاز بتوفير بيئة علمية مرموقة من جهة، وبيئة ثقافية متنوعة من جهة أخرى، ومن ضمن هؤلاء الأفراد شخصيات عامة لها حضور في وسائل الإعلام وتأثير في الرأي العام، لكن ما إنْ يفتح أغلب المنتمين إلى هذه الفئة أفواههم حتى تبرز المفارقة التي هي موضوعنا في هذا المقال.
تكمن المفارقة في هذا التناقض بين محتوى حديث الفرد وخلفيته التعليمية والثقافية، ولتبيان وجه هذا التناقض، لا بد لنا أولا من إشارة سريعة إلى بعض القيم الأخلاقية الناتجة عن الاستفادة من تعليم متميز والتفاعل مع ثقافات متعددة، مثل النزاهة الفكرية والتسامح واحترام حقوق الإنسان، ولا نعني بطبيعة الحال أنّ التعليم المتميز والثقافة المرموقة يضمنان إنتاج أفراد يتحلّون بهذه القيم الأخلاقية، ولكن ما نعنيه هو أنّهما يضمنان– على الأقل– إنتاج أفراد يخجلون من المجاهرة في التعدّي على مثل تلك القيم الأخلاقية.
من بين الشخصيات المؤثرة في الوسط السياسي والثقافي، هناك أفراد درسوا في أرقى البيئات العلمية واختلفوا إلى أرحب البيئات الثقافية، ومع ذلك فإنّ سلوكهم اللفظي يشي بأنّ عقولهم لم يكن لها نصيب في تلك التجربة الثرية! منهم مَن يفتقد أبجديّات النزاهة الفكرية فلا يرى في الأيديولوجية المفضلة لديه عيبا أو نقيصة، ومنهم مَن يفتقر إلى الحدّ الأدنى من التسامح فلا يتورّع عن المجاهرة في عنصريته أو طائفيته، ومنهم مَن يعوزه القدر الكافي لفهم الطبيعة البشرية فلا يقيم وزنا للإنسان وحقوقه الطبيعية.
لولا التأثير الكبير الذي يُحدثه هذا النوع من الأفراد على عقول الآلاف من الشباب لما أضعنا وقتنا في الالتفات إليهم، ولولا هذا الصمت المريب عن هذه "النخبة" التي لا يستحي بعض أفرادها من الجهر بالدعوة إلى تصفية الخصوم أو نفيهم لما تجشّمنا عناء الخوض في هذا الموضوع، ولكنّ الأمل معقود بإحياء الروح النقدية بين صفوف الشباب بحيث لا يصدّقون كلّ ما يسمعون ونصف ما يرون.
ليس هذا التناقض على مستوى الأفراد إلاّ انعكاساً لتناقض آخر على مستوى الدولة، فالكويت التي لها باع طويل في إرسال البعثات الدراسية هي نفسها الكويت التي تقاوم الانتقال من مجتمع العشيرة إلى المجتمع المدني، ولا ريب في أنها نجحت إلى حدّ كبير في مقاومتها هذه، وبعض الفضل في هذا النجاح يعود إلى أولئك الذين خاضوا تجارب ثرية وعادوا بعقول بائسة!

الأحد، 3 أبريل، 2016

عفا عنها سيّدي!


قديما قيل إنّ توضيح الواضحات من المستحيلات، ومع ذلك لنجّرب توضيح النقطة التالية، وهي أنّ المسؤولية تكون دائماً بقدر السلطة، ولنبدأ بمثال بسيط: لنفترض وجود مزرعة يملكها شخص واحد ويعمل فيها مجموعة من الفلاحين، وهؤلاء ينقسمون في الغالب إلى فريقين، الفريق الأول عبارة عن أقلية تقع على عاتقها إدارة شؤون المزرعة ورسم سياسة العمل داخلها، والفريق الثاني عبارة عن أكثرية تقع على عاتقها تطبيق تلك السياسة على أرض الواقع، وأمّا المبدأ العام الذي يحكم العمل داخل المزرعة فهو إيمان الجميع بأنّ القرار الأول والأخير حول كيفية سير العمل في المزرعة يعود إلى مالكها، ولنر الآن كيف يتعامل الفلاحون مع مصير المزرعة في السراء والضراء.
 عندما تزدهر المزرعة وتفيض بخيراتها على الجميع، يُسارع الفلاحون إلى نسب الفضل إلى أهله، وهم بذلك محقّون، فالفضل كلّ الفضل في ازدهار المزرعة يعود إلى مالكها، فهو صاحب القرار الأول والأخير، وهذه السلطة المطلقة هي التي تخوّل له أن يكون المسؤول الأول والأخير عن ازدهار المزرعة، وإذا كان الجميع قد ساهموا في هذا النجاح، فإنهم لم يساهموا إلّا على هدي من مالك المزرعة وامتثالا لمشيئته.
لنقلب السيناريو السابق ولنفترض أنّ سوء الطالع كان من نصيب المزرعة التي ساءت أوضاعها واضمحلّت خيراتها، وفي هذه الحالة يسارع فريق الأكثرية من الفلاحين إلى إلقاء اللوم على فريق الأقلية ممن كيلت إليهم إدارة شؤون المزرعة، متهمين إياهم بالفساد أو الإهمال أو غيرهما من التهم التي تشي بمسؤولية الأقلية عن المصير البائس للمزرعة.
كلّ دولة يحكمها دكتاتور هي أشبه بتلك المزرعة، ففي كلتا الحالتين نحن أمام ظاهرة ازدواجية المعايير في التعامل مع المبدأ نفسه، فالدكتاتور مسؤول عن كلّ النجاحات والانتصارات، ولكنه بريء من أيّ فشل أو هزيمة، وهي براءة زائفة بطبيعة الحال، فمقدار السلطة لم يتغيّر في حالتي النجاح والفشل، وبذلك يبقى مقدار المسؤولية ثابتا في كلتا الحالتين.
في إحدى الدول العربية، اعتاد أحد الملوك السابقين الخروج في رحلة صيد مع حاشيته، وكان كلما نجح في إصابة الفريسة، صاح الجميع: "أصابها سيدي"، وكلما فلتت منه، صاح الجميع: "عفا عنها سيدي"! لهذا السلوك المزدوج اسم ظريف في كتب الأدب، وهو "حُسن التأدب مع الملوك"، ولكنه سلوك ينمّ في واقع الأمر عن خوف معيب، فهو تطبيق فعلي لمبدأ "لا تعاند مَن إذا قال فعل"، وهو المبدأ نفسه الذي يقف خلف ازدواجية التعامل مع علاقة مقدار المسؤولية بمقدار السلطة، حيث ينسب الشعبُ النجاحَ إلى الدكتاتور، وينسب الدكتاتورُ الفشلَ إلى شعبه!

الثلاثاء، 22 مارس، 2016

قبل أن يُؤكل الثور الأبيض


إزاء بوادر الهجمة النيوليبرالية الشرسة على القطاع العام، بات شبح الإضرابات يلوح في الأفق، والإضراب حقّ أصيل ومشروع وفق ما أقرّته المواثيق والاتفاقيات الدولية، بل إنّ بعض الدول ذهبت إلى حدّ الاعتراف بحق "الإضراب التضامني"، أي إضراب العاملين في مؤسسة غير متضررة لمجرّد التضامن مع العاملين في مؤسسة متضررة، وهو أمر يشير إلى إحساس عميق بالمصير المشترك من جهة، وإلى أهمية تكاتف الجهود وتوحيد الصفوف من جهة أخرى.
حتى هذه اللحظة، لا يزال صوت النقابات النفطية هو الأعلى في التصدي للنهج الحكومي المتمثل بسياسة  "التقشف"، وحتى هذه اللحظة، لا يزال الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع العام مقتصرا على نقابة هنا وتجمّع هناك، وحتى هذه اللحظة، ما زال الصمت المخجل يسود مؤسسات المجتمع المدني، وهو صمت له أسبابه الموضوعية التي يتعلق بعضها بدوران المجتمع المدني في فلك السلطة بشقّيها السياسي والاقتصادي.
بالرغم من أنّ سياسة "التقشف" تمسّ مؤسسات القطاع العام كافة، فإنّ ردة فعل العاملين في هذا القطاع ما زالت تتصف بالخصوصية المؤسسية في أحسن الأحوال، وباللامبالاة العملية في أسوئها، ومن الضروري في هذه المرحلة على وجه الخصوص عدم الوقوع في فخ التشرذم الذي عكسته البيانات الصادرة من بعض الجهات النقابية، فالخطاب النقابي ينبغي أن يتجاوز الفضاء المؤسسي الضيق ليشمل كل مؤسسات القطاع العام، كما ينبغي أن نسعى جميعا إلى توحيد الجهود الرامية إلى خلق جبهة مدنية واسعة، نصدّ من خلالها هذه السياسة الاقتصادية المنحازة، ونذود بواسطتها عن حقوق كفلها لنا الدستور، فجميع العاملين في مختلف جهات القطاع العام مستهدفون، وجميعهم ضحايا لجلاّد "البديل الاستراتيجي"، وإذا كان الجلاّد لا يفرّق بين ضحاياه، فإن من الحماقة أن تلوذ كلّ ضحية بالصمت بحجة أنّ دورها لم يحن بعد!
أخيرا، ينبغي الأخذ بالاعتبار هذه الحالة من عدم التكافؤ بين طرفي النزاع، وعدم التكافؤ هنا لا يقتصر على الموارد المادية والإعلامية، بل يشمل أيضا مفردات الخطاب بشكل عام، فعلى سبيل المثال، في حين يتمتع مصطلح "القطاع الخاص" برواج كبير ويحظى باحترام شديد، يبعث مصطلح "طبقة العمّال" على السخرية ولا يكاد يظهر وإلّا وهو مقرون بتهمة اجترار الماضي، ولكن مهما يكن من أمر، وبصرف النظر عن هذا التباين في سُمعة المصطلحات ومدى مطابقتها لذوق العصر، فإنّ جوهر الاختلاف الطبقي كان ولم يزل متعلقا بمصدر الدّخل لا بمقداره، فالأجير أجير مهما علا أجره، والبرجوازي برجوازي مهما تضاءلت أرباحه، وعلى هذا الأساس يجب التفريق بين القطاع العام والقطاع الخاص، وعلى هذا الأساس أيضا ينبغي أن تتكاتف جهود النقابات العُمّالية قبل أن يُؤكل الثور الأبيض!

الاثنين، 21 مارس، 2016

فتات الكعكة


في الأسبوع الماضي، أجرت وكالة الأنباء الكويتية "كونا" لقاء مع الدكتور فراس رعد، مدير مكتب البنك الدولي في الكويت، وقد دار اللقاء حول موضوع الساعة والمتمثل بما يسمى "الإصلاح المالي والاقتصادي"، وكما هو متوقّع، جاءت تصريحات الدكتور "رعد" داعمة للنهج الاقتصادي الحكومي الذي لا يخرج في خطوطه العريضة عن "روشتة البنك الدولي"، حيث وصف الإصلاحات الاقتصادية التي تنوي الحكومة القيام بها بأنها "ضرورية في إعادة رسم دور القطاع العام في الحياة الاقتصادية الوطنية وتهيئة الدولة والمجتمع للتعاطي ضمن بيئة اقتصادية جديدة"، وهي بيئة أبطالها رجال الأعمال ممن يؤيدون سياسة الحكومة في دعم "التخصيص وريادة الأعمال وسوق العمل وبيئة الاستثمار".
 الطريف في تصريحات الدكتور "رعد" إشارته إلى مبدأ "العدالة الاجتماعية" وآلية "توزيع الثروة الوطنية"، فمن ضمن القضايا التي دافع عنها في اللقاء الذي أُجري معه هاتان القضيتان: القضية الأولى مفادها أنّ الإنفاق الحكومي على الدعوم "لا يخدم غاية العدالة الاجتماعية"، ذلك "أنّ السياسات الداعمة للسلع والخدمات لا تفيد الطبقات الاقتصادية الأقل حظا بقدر ما تفيد الطبقات المتوسطة والعليا"، وأمّا القضية الثانية فتشير إلى أنّ سياسة التوظيف في القطاع الحكومي لم تعد تمثّل آلية صالحة لإعادة توزيع الثروة النفطية على المواطنين، إذ لا بدّ من "استحداث آلية جديدة" من خلال "حث المواطنين على الدخول في صفوف القطاع الخاص".
جاءت تصريحات الدكتور "رعد" متزامنة مع اعتماد مجلس الوزراء ما يسمى "وثيقة الإصلاح المالي والاقتصادي"، وهي وثيقة تضمنت سياسة اقتصادية نيوليبرالية ومنسجمة مع توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومن المؤسف أن يعطي مدير مكتب البنك الدولي دروسا في العدالة الاجتماعية للشعب الكويتي، خصوصا أنّ المؤسسة التي ينتمي إليها تتعّرض وما زالت إلى انتقادات شديدة حول دورها في انتهاك مبدأ العدالة الاجتماعية في العديد من الدول النامية والفقيرة، فمن المعروف أنّ الحلول التي يفرضها البنك الدولي على الدول المدينة لضمان سداد ديونها تنحصر في ما يُعرف ببرامج التكيّف الهيكلي، وهي برامج تفرض على الحكومات تقليص الإنفاق العام على الصحة والتعليم وغيرهما من القطاعات الحيوية في مقابل زيادة الدعم المقدّم للقطاع الخاص، كما أنها برامج تهدف إلى توجيه اقتصاد الدولة بطريقة تضمن زيادة معدّل التصدير الخارجي في مقابل خفض معدّل الاستهلاك المحلي، وهناك العديد من الدراسات الأكاديمية المنشورة التي تؤكّد مسؤولية هذه البرامج الاقتصادية عن انهيار نُظم مالية لدول بأكملها، وتزايد حجم الهوة بين الطبقات الفقيرة والطبقات الغنية، وتفشي البطالة وسوء التغذية، وتزايد معدّل الوفيات في صفوف الطبقة العاملة على وجه الخصوص.
أمّا فيما يتعلق بالقضية الأخرى والمتمثلة بسياسة التوظيف في القطاع الحكومي، فقد سبق أن كتبنا مرارا وتكرارا حول الوظيفة الحكومية بوصفها مجرد آلية لمعرفة نصيب المواطن من الثروة النفطية، ومع ذلك فإنّ الدعوة إلى "استحداث آلية جديدة لتوزيع الثروة" ليست سوى دعوة إلى الاستجارة من الرمضاء بالنار، ذلك أنّ "حثّ المواطنين على الدخول في صفوف القطاع الخاص"، حتى مع افتراض مبدأ تكافؤ الفرص في هذا القطاع القائم أساسا على العلاقات داخل منظومة السلطة، لن يساهم في تخفيف العبء على الميزانية العامة، فمن المعروف أنّ القطاع الخاص طفيلي في مجمله وغير منتج، كما أنّ استفادة هذا القطاع من الإنفاق العام أكبر بكثير من استفادة المواطن العادي، وبدلا من معالجة هذا التوزيع غير العادل للثروة، تأتي الحكومة لتزيد الطين بلّة من خلال اعتماد وثيقة مُنحازة اجتماعيا وبشكل سافر.
العوائد النفطية في دول الخليج أشبه بكعكة كبيرة، لا يصل فُتاتها إلى المواطنين والوافدين إلّا بعد أن ينقضّ عليها الآخرون قضما ونهشا، ومن ضمنهم "العم سام" والمستفيد الأكبر من الصناديق السيادية، وتجار السلاح، وأصحاب الوظائف العليا في الدولة، وأرباب القطاع الخاص، وبالرغم من ذلك كله، يأتي مَن يطالب المواطن والوافد بالاقتصاد في تناول فُتات الكعكة!

الثلاثاء، 15 مارس، 2016

الأرباح قبل الأرواح


الإنسان غاية في ذاته، والمال مجرّد وسيلة، لكن من شأن الجشع أن يقلب الموازين ليصبح المال غاية في ذاته، والإنسان مجرّد وسيلة، كما أنّ الجشع ينطوي على مفارقة تكشف عن عمق الهوّة بين الأخلاق والاقتصاد، فالجشع رذيلة أخلاقية وفضيلة اقتصادية، وإذا كان الجشع هو إحدى الخطايا السبع المميتة في التراث المسيحي، فإنه يشكّل أيضا الأساس الذي تقوم عليه عقيدة السوق، وهي سوق تنعم بالحرية بالقدر الذي يزداد فيه الإنسان عبودية، وهذه نتيجة طبيعية لنظام اقتصادي يضفي قيمة اقتصادية على رذيلة أخلاقية.
هناك فرق كبير بين طلب الرزق وطلب الربح، فالأوّل وسيلة يعتاش منها المرء، والثاني غاية يُدمن عليها المريض، وإحدى أهم مشكلات عصرنا الحاضر على وجه الخصوص هي أنّ العالم بأكمله تديره أقلية مريضة، أقلية تعبد "ميركوريوس" وتتفانى في أداء طقوس الجشع، حيث تطغى المادة على الروح، وحيث لا صوت يعلو فوق صوت رنين الدراهم!
نستطيع أن نفهم حرص عبيد "ميركوريوس" على جني الأرباح، ولكن ما يثير الاشمئزاز هو أن تُجنى الأرباح على حساب الحفاظ على أرواح البشر، وملامح هذا الجشع الذي لا يقيم وزنا لقيمة الإنسان أكثر من أنْ تُحصى، منها عقد صفقات بيع الأسلحة في مناطق متخمة بالنزاعات والحروب، وفرض سياسات اقتصادية على دول بأكملها لنهب ثرواتها والإمعان في إفقارها، وعدم التورّع عن إشعال الحروب للسيطرة على موارد الطبيعة، وعدم احترام الحدّ الأدنى الذي يضمن كرامة الإنسان في بيئة العمل، وتسهيل حركة رؤوس الأموال عبر القارات في الوقت الذي لا يستطيع فيه لاجئ أن يعبر الحدود من دولة إلى أخرى!
كثيرة هي أدبيات اليمين السياسي التي تؤكّد علاقة الاعتماد المتبادل بين الرأسمالية والديمقراطية، فكلّما اشتدّ عود إحداهما قَوِيَ ظهر الأخرى، ولكن الحقائق التاريخية تشير، أولا، إلى أنّ الديمقراطية الحديثة لم تزد على أنْ استبدلت سلطة الجاه بسلطة المال، وبذلك تكون البلوتقراطية (حُكم الأثرياء) هي ثمرة التزاوج غير الشرعي بين الرأسمالية والديمقراطية، كما أنّ الحقائق التاريخية تشير، ثانيا، إلى أنّ فرصة ازدهار الديمقراطية في ظلّ نظام رأسمالي منضبط أكبر بكثير من فرصة ازدهارها تحت وطأة نظام رأسمالي منفلت.
الجدير بالذكر أنّ "انضباط" الرأسمالية قبل انفلاتها في العقود الأخيرة، وبالأخص ظهور "دولة الرفاهية" في أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن ناتجا عن إعادة النظر في القيم العليا للنظام الرأسمالي، بل جاء ضمن محاولات تاريخية لجعل الانضمام إلى الاتحادات العُمالية أقلّ جاذبية، كما أنّ أغلب المكاسب التي ينعم بها الموظفون والعمّال اليوم، مثل الحدّ الأدنى للأجور والحدّ الأقصى لساعات العمل، هي ثمرة كفاح أجيال رفضت أن تقدّم أرواحها قُرباناً لجشع أقلية لا إنسانية، وما أصدق "خوان كارلوس مونيديرو" حين كتب يقول: "صراعات الأمس هي حقوق اليوم، وصراعات اليوم هي حقوق الغد"!  

الاثنين، 7 مارس، 2016

إمّا مُنشقّ وإمّا مُنصاع


في الكويت، وبفضل مرسوم "الصوت الواحد"، فضاءان سياسيان، أحدهما ناشط ويزداد اتساعا، والآخر خامل ويزداد انحسارا، وقد جرت العادة في أن نرصد الاختلاف بين الناشطين والخاملين من حيث قرار المشاركة في الانتخابات النيابية أو قرار مقاطعتها، لكن يبدو لي أنّ الوضع العام يبلغ من السوء بحيث لم يعد الموقف من انتخابات نيابية كافيا لرصد الخطّ الفاصل بين الفريقين، فعندما تتأصّل ثقافة الامتثال في كل مناحي الحياة، من البيت إلى العمل، ومن الشارع إلى البرلمان، فإنّنا نكون بذلك أمام موقف من كلّ أنواع السلطة، وهو موقف لا يقبل القسمة إلاّ على اثنين: إمّا مُنشقّ، وإما مُنصاع.
نحن، إذاً، أمام ظاهرة تناقص أعداد المنشقّين في مقابل تزايد أعداد المنصاعين، ولسنا في حاجة إلى تبيان السبب وراء جاذبية الانصياع عندما يكون مقدار الاستفادة من السلطة بكلّ تجلياتها هو معيار الربح أو الخسارة، ولكننا في حاجة إلى الوقوف عند مظاهر هذا الانصياع بعد أن وصل إلى مرحلة متقدمة من حيث المستوى، ومقززة من حيث المضمون.
إذا كنتَ مُنشقّا، فلن تكون مؤهّلا للقيام بوظيفة تتطلّب قدرا كبيرا من الانصياع، والغالبية العظمى من الوظائف الحكومية في هذه الأيام هي من هذا الصنف، خصوصا وظيفة العمل في إحدى إدارات العلاقات العامة التابعة لأي وزراة أو مؤسسة حكومية، ومن الملاحظ أنّ تحوّلا كبيرا قد طرأ على وظيفة هذا النوع من الإدارات، فبدلا من الاكتفاء بإبراز عمل وزارة هنا أو مؤسسة هناك، أصبح الاهتمام منصبّا على تلميع صورة مَن يتربّع على هرم هذه الوزارة أو تلك المؤسسة، ولا يُخدم بخيل في ثقافة "حاضر طال عمرك"!  
لعلّ القارئ يتذكّر فيلم "مجتمع الشعراء الأموات" Dead Poets Society، وبالتحديد عندما طلب الأستاذ من تلاميذه في أوّل محاضرة أن يقف كلّ واحد منهم على الطاولة التي أمامه بدلا من الجلوس على الكرسي، فهذه الروح المتمرّدة والخلاّقة في آن واحد، هذه الروح التي تسمو بالإنسان إلى مرتبة احترام الذات، وتربأ به أن ينحدر إلى مهانة العبودية للآخر، هي الروح التي تحتضر في أيامنا هذه، وما إنْ تموت هذه الروح المتمرّدة حتى يسود فضاء الانصياع، حيث لا يُسمح بقول "لا" أو بالوقوف فوق الطاولة، وحيث لا خلاف ولا اختلاف، وعندها، عندها فقط، تموت السياسة بمعناها العميق، فما السياسة من دون اختلاف؟

الاثنين، 8 فبراير، 2016

مفارقة الديمقراطية الحديثة


الديمقراطية هي حُكم الأكثرية، والأوليغارشية هي حُكم الأقلية، وكلتاهما من أسوأ أنواع نُظم الحُكم السياسي حسب التصنيف الشهير الذي وضعه أرسطو، فالديمقراطية تضمن سيادة إرادة الأغلبية على حساب إرادة الأقلية، والأوليغارشية تضمن العكس، كما أنّ الاختلاف بينهما اختلاف مادّي في جوهره، فعادة ما تكون الأغلبية فقيرة والأقلية ثرية، ولهذا يشبّه أرسطو الفرق بين الديمقراطية والأوليغارشية بالفرق بين حُكم الفقراء وحُكم الأغنياء.
لكن لو قُدّر لأرسطو أن يُبعث من قبره ليرى ما آلت إليه أشكال الحُكم في عصرنا الحديث، فإنه، على الأرجح، سيقف حائراً أمام مفارقة الديمقراطية الحديثة، حيث تُوّظف إرادة الأكثرية لمصلحة إرادة الأقلية، وحيث تحكم الأغلبية قولاً وتحكم الأقلية فعلاً، وحيث يحكم الفقراء من حيث الشكل ويحكم الأغنياء من حيث المضمون، وإذا كان "الحِمار" هو رمز الديمقراطية الحديثة على الطريقة الأميركية، فإنّ الصيت الذي حققته هذه الديمقراطية يضاهي الصيت الذي حققه "الحِمار الذهبي" في القرون الوسطى!
الديمقراطية محمودة لأنها تتيح للجميع المشاركة في اتخاذ القرار السياسي، ولكنّ أرسطو يذكّرنا بنقطة في غاية الأهمية، وهي أنّ المساواة الحقيقية غير مرتبطة بعدد متخذي القرار، بل هي متعلّقة بنتيجة هذا القرار، فما قيمة أن يُتيح الأسد للحمار المشاركة في التصويت على قرار افتراسه كوجبة طعام؟
بعد الحرب العالمية الثانية، نجحت دولٌ كبرى في الحدّ من دكتاتورية الأغلبية من خلال دساتير تضمن عدم التعدّي على حقوق الأقلية، ولكن يبدو أنّ من ضمن حقوق الأقلية حقّ استعباد الأغلبية، وإلّا ما معنى أن تتحوّل الديمقراطية إلى بلوتوقراطية، حيث يكمن الحُكم الفعلي في أيدي أقلية ثريّة؟ وما قيمة أن تبرأ الديمقراطية من دكتاتورية الأغلبية إذا لم تبرأ بعدُ من دكتاتورية البرجوازية؟
في الديمقراطيات الحديثة تتجلّى البلوتوقراطية بصور مختلفة، منها ما هو واضح مثل التناقض الشديد بين نتائج الاستطلاعات العامة ومسار السياسات الحكومية، والارتباط الوثيق بين إمبراطوريّات المال ومراكز السلطة، ومنها ما هو أقلّ وضوحاً مثل الميل إلى تقليص نطاق الديمقراطية بعد أنْ توسّعت قاعدتها، أو بعبارة أخرى، تقليص عدد الموضوعات التي كانت تخضع إلى القرار الديمقراطي بعد أنْ زاد عدد المشاركين في اتخاذ هذا القرار، وليست مصادفة أن تشهد حقبة الثمانينيات أوج سياسات الخصخصة بعد أن شهدت حقبة السبعينيات نمو الديمقراطية في جنوب أوروبا ومعظم أرجاء أميركا اللاتينية. على مستوى العلاقات الدولية، تتجلّى البلوتوقراطية بأبشع صورها من خلال "الثالوث غير المقدّس" الذي يشير إلى مؤسسات "بريتون وودز"، وهي مؤسسات تحوّلت إلى أندية للدول الغنية ومقابر للدول الفقيرة، وبفضلها أضحت النزعة الإقطاعية البغيضة متجددة وعابرة للقارات، فكم من دول فقدت سيادتها بعد أن دفعتها الحاجة إلى طرق أبواب "صندوق النقد الدولي"، حيث لا قروض من دون شروط، وهي شروط تفوق في جشعها وخِسّتها شرط "شايلوك" في مسرحية "تاجر البندقية"!  
"توماس هوبز"، نصير الملكية البريطانية، كان يؤمن أنّ مشاركة الشعب في الحُكم تنتهي في اللحظة التي يختار فيها مَن يحكمه، وهذا هو واقع الحال في ظلّ الديمقراطية الحديثة التي تضاءلت إلى مستوى "الأعراس الديمقراطية" الموسمية.

الأحد، 17 يناير، 2016

الأمية السياسية


كلمة "idiot" باللغة الإنكليزية تقابلها كلمة "أحمق" باللغة العربية، وهي مشتقة من كلمة "idiota" في اللغة الإغريقية القديمة، وهذه الكلمة في معناها القديم لم تكن تشير إلى الإنسان الأحمق، بل إلى الإنسان الذي يقصر اهتماماته في الحياة على شؤونه الخاصة ورغباته الذاتية، ويتضح الرابط بين المعنى القديم لهذه الكلمة ومعناها الحديث عندما ندرك أنّ الإغريق القدماء كانوا ينظرون بعين الازدراء إلى كلّ فرد لا يحفل بالشأن العام، ولا ننسى أنّ النظام الديمقراطي في أثينا القديمة كان يتطلّب مساهمة الجميع في الشأن السياسي (باستثناء الأطفال والنساء والعبيد والأجانب)، فمن جهة لم تكن ديمقراطية أثينا ديمقراطية تمثيلية بل مباشرة، ومن جهة أخرى كانت أغلب المناصب التنفيذية تخضع إلى نظام القُرعة بين المواطنين، بصرف النظر عن المستوى التعليمي لكل مواطن، وهنا يكمن أحد أسباب سخط "أفلاطون" على الديمقراطية، وسخرية "أرسطوفانيس" منها.
الطريف في ديمقراطية أثينا القديمة هو تلك العقوبة التي قد تصل إلى حدّ السجن ضدّ كلّ مواطن يرفض القيام بواجبه في تبوّء منصب عام بعد وقوع القُرعة عليه، ولم تكن الأمية السياسية عذرا مقبولا لتفادي القيام بذلك الواجب، فالمنطق الأثيني كان يشير إلى أنّ تجربة المنصب العام كفيلة بمحو الأمية السياسية، فكلما زاد عدد المشاركين في العمل العام، ارتقى مستوى الثقافة السياسية بين أفراد المجتمع، ولا ننسى أنّ ديمقراطية أثينا القديمة كانت تطمح إلى خلق أكبر عدد من "رجال الدولة"، وهؤلاء، كما يقول أرسطو في كتاب "السياسة"، يسهل العثور عليهم في النظام الديمقراطي، حيث يتبادل الأفراد دور الحاكم تارة، ودور المحكوم تارة أخرى، على العكس من نظام الحكم الفردي الذي لا ينتج إلّا مُلوكا!
بطبيعة الحال، لم تكن ديمقراطية أثينا القديمة تخلو من مثالبَ كثيرة، لعلّ أبرزها القضاء على حياة "سقراط"، ولكنّها تبقى مع ذلك أشدّ إخلاصا لمفهوم الديمقراطية إذا ما قورنت بالنّظم الديمقراطية في التاريخ المعاصر، ففي ظلّ ما يسمى "أزمة الديمقراطية" التي روّج لها "صامويل هنتنغتون" وآخرون، أضحى اتساع قاعدة المشاركة السياسية الفاعلة مشكلة تحول دون القدرة على الحُكم، وفي ظلّ أصولية السوق، أصبحت الثقافة الاستهلاكية أوسع انتشارا من الثقافة السياسية، وفي ظلّ الديمقراطية الموسمية التي تتجدّد كل أربع سنوات، باتت الأميّة السياسية ظاهرة لا تستدعي الازدراء.
من دون شك، هناك أسباب موضوعية لتفشي الأمية السياسية بين فئة الشباب على وجه الخصوص، ولكن هذا لا يعفي الشباب أنفسهم من مسؤوليتهم في تحدّي ظروف واقع مرير لن يستطيعوا تغييره إلى الأفضل من دون محو الأمية السياسية، وإذا كانت فترة الركود التي نعيشها منذ سنوات لا تتيح قدرا كبيرا من المشاركة السياسية الفاعلة، فإنها على الأقل تتيح فرصة استثمار الوقت الراهن في القراءة المستفيضة والجادة التي من شأنها الارتقاء بالعمل السياسي في المستقبل وبصورة تتجاوز إخفاقات الماضي، ولا مفرّ من السياسة، فهي قَدرُ أشبه بقدر الموت، فإذا كنّا لا نأبه بها، فإنها تتربّص بنا في كل زاوية من زوايا حياتنا، كيف لا والإنسان بطبعه، كما يخبرنا المُعلّم الأول، حيوان سياسي!

الأربعاء، 6 يناير، 2016

الأخلاق والاقتصاد


هل من الممكن أن تنتج عن الجشع الفردي منفعة عامة؟ هذا السؤال يستحضر في الأذهان "اليد الخفية للسوق"، وهي استعارة أشار إليها "آدم سميث" في القرن الثامن عشر ليؤكد أنّ الفرد الذي تُحرّكه المصلحة الشخصية في سلوكه الاقتصادي يساهم من حيث لا يدري في الارتقاء بالمصلحة العامة، وهذه هي إحدى الحجج التي يلجأ إليها الكثيرون للدفاع عن أخلاقية النظام الرأسمالي، لكن بالرغم من التحذيرات المتكررة التي أطلقها "أووين" و"بولانيي" حول تفاقم حجم الهوّة بين الأخلاق والاقتصاد في ظلّ الرأسمالية المتوحشة، لم تفلح الحقبة الكينزية في ردم تلك الهوّة إلى أن جاءت النيوليبرالية لتعلن طلاقا بائنا بينهما، ونريد من خلال هذا المقال الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد من جهة، والمصير الذي آلت إليه في ظل النظام الرأسمالي النيوليبرالي.    
مع أول عملية مقايضة أجراها الإنسان البدائي من خلال استبدال سلعة بسلعة أخرى، بدأت العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد، ولهذه العلاقة وجهان على الأقل: أولا، كلاهما ذو طابع اجتماعي، أي أنّ إمكانية وجودهما مرهونة بوجود مجتمع، وثانيا، كلّ قرار اقتصادي يستدعي بالضرورة سؤالا أخلاقيا، ذلك أنّ كل سلوك اقتصادي له بالضرورة تبعات، ليس على حياة الفرد متّخذ القرار فحسب، بل على حياة غيره من الأفراد المنتمين إلى المنظومة الاقتصادية نفسها، ولعلّ القارئ قد لاحظ ارتباطا بين هذين الوجهين، فالطبيعة الاجتماعية للاقتصاد هي التي تجعل منه موضوعا للأخلاق.
مع بروز أصولية السوق في سبعينيات القرن الماضي، بدأت القطيعة الممنهجة بين الأخلاق والاقتصاد، وأحد ملامح هذه القطيعة نجدها في الوسط الأكاديمي، حيث تخلو أغلب البرامج الجامعية في ميدان الاقتصاد من الإشارة إلى بُعده الأخلاقي، وفي المقابل تزخر هذه البرامج بالأرقام والمعادلات المجرّدة، وهي الحالة التي تعكس محاولات دؤوبة إلى الانتقال بعلم الاقتصاد من ميدان العلوم الاجتماعية التقليدية إلى ميدان العلوم الرياضية المحضة، كما تعكس أيضا نظرة تشككية بالقيمة العلمية لميدان الأخلاق الذي لا يعدو أن يكون فصلا من فصول الفلسفة، ومن المهم هنا التأكيد على النقطة التالية، وهي أنّ هذه القطيعة الأكاديمية بين الأخلاق والاقتصاد لا تنفي، وليس بمقدورها أن تنفي، الطابع الاجتماعي لميدان الاقتصاد، ولكنها تعتمد على استراتيجية حوسبة الاقتصاد التي ساهمت في التباعد الممنهج بين ميدان الاقتصاد وميدان الأخلاق، الأمر الذي أدّى بدوره إلى التقليل من شأن الأبعاد الأخلاقية لعلم الاقتصاد.
الملمح الآخر من ملامح القطيعة بين الأخلاق والاقتصاد يكمن في استحالة الجمع بين مقولات النيوليبرالية وحقوق الإنسان من دون الوقوع في تناقض أخلاقي، فمعظم الدول الرأسمالية تدافع عن المبادئ الإنسانية الكبرى من خلال خطابها السياسي، ولكنها تخون هذه المبادئ من خلال سلوكها الاقتصادي، كما أنّ دفاعها عن حقوق الإنسان يقتصر فقط على تلك الحقوق التي تنسجم مع النموذج النيوليبرالي، ولهذا يتم التركيز على الحقوق المتعلقة بحريات التفكير والتعبير والمُلكية، في حين يتم إغفال الحقوق المتعلقة بالحد الأدنى للأجور والعمل والصحة والتعليم وغيرها من ضمانات الحياة الكريمة، ولهذا أيضا تدافع الدول العظمى عن السلام من جهة، وتبيع السلاح من جهة أخرى، ولكن في ظلّ عقيدة أصولية السوق ليس هناك تناقض بين السلام والحرب، فالأول ضروري لاستقرار الأسواق، والثاني ضروري لتنشيطها!