الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

حول مفهوم الإعجاز العلمي

في الفلسفة، هناك مبدأ يسمى "مبدأ الإحسان" أو Principle of Charity، وهو مبدأ يحترمه الأكاديميون عادة، ويحتقره الإعلاميون غالبا، والمبدأ باختصار يشير إلى وجوب عرض أي قضية في أبهى صورة ممكنة قبل الشروع في نقدها، والقضية في مقالنا هذا تدور حول مفهوم "الإعجاز العلمي في القرآن"، وما يلي عبارة عن محاولة صادقة في إظهار هذا المفهوم في أبهى صورة قبل الشروع في نقده.
مقدمة 1: القرآن الكريم يشير إلى الآية القرآنية "س"
مقدمة 2: العلم الحديث يشير إلى الحقيقة العلمية "ص"
مقدمة 3: "س" تساوي "ص"
استنتاج وسيط: القرآن الكريم يشير إلى الحقيقة العلمية "ص"
مقدمة 4: القرآن الكريم سابق زمنياً ظهور العلم الحديث
استنتاج عام: للقرآن الكريم السبق في الإشارة إلى الحقيقة العلمية "ص"
الحجة المركّبة السابقة حجة سليمة من الناحية المنطقية، فالمقدمات الثلاث الأولى تؤدي منطقياً إلى الاستنتاج الوسيط، وإضافة المقدمة الرابعة إلى كل ما سبق يؤدي منطقياً إلى الاستنتاج العام، لكن ينبغي التذكير بأن الحجة السليمة من الناحية المنطقية لا تعبّر بالضرورة عن حجة صحيحة من الناحية الواقعية، أي حجة ذات مقدمات متوافقة مع الواقع، ولتوضيح هذه النقطة، دعنا ننظر إلى المثال البسيط التالي:

مقدمة 1: كلّ النمور طيور
مقدمة 2: كلّ الطيور حشرات
استنتاج: كل النمور حشرات
هذه حجة سليمة من الناحية المنطقية، فهي خاضعة إلى قانون التعدّي، لكنها مع ذلك ليست حجة صحيحة من الناحية الواقعية، فمقدماتها لا تتوافق مع الواقع، ومن ذلك كله تتضح الحقيقة التالية، وهي أن الحجة السليمة منطقياً لا تكفي للدفاع عن رأي معين، فلابدّ أيضاً من أن تكون مقدمات هذه الحجة متوافقة مع الواقع.
على ضوء ما تقدّم، بإمكاننا أن نستدل على موطن الخلل في الحجة التي يستند إليها مفهوم "الإعجاز العلمي"، فبالرغم من أنها حجة سليمة من الناحية المنطقية، فإنها ليست كذلك من الناحية الواقعية، ذلك أن المقدمة الثالثة تحديداً تفتقر إلى دليل واقعي، فأنصار "البوكايزم" والمدافعون عن مفهوم "الإعجاز" يكتفون باختيار تفسير واحد من بين تفسيرات أخرى محتملة للآية القرآنية "س" كي تأتي منسجمة مع الحقيقة العلمية "ص"، وعندما يتعذّر العثور على التفسير المطلوب، لا يتورّع أولئك المدافعون عن اختراع تفسير جديد من خلال محاولة تطويع النص بطريقة تتوافق مع الحقائق العلمية!
لهذا المنحى غير العلمي تبعات سلبية، لعلّ أهمها هو خلق حالة من الوهم بإمكان الاستعانة بالنصوص الدينية للتوصل إلى حقائق لم تكتشف بعد، وقد شاءت الأقدار أن يستمع كاتب هذه السطور إلى محاضرة أقامها اتحاد الطلبة السعوديين في إحدى الدول الأجنبية عن "الإعجاز العلمي"، حيث وقف المحاضر يقول بكلّ ثقة إنّ قراءة النص الديني قراءة متأنّية قد تساهم في التنبؤ بحقائق لم يكتشفها العلم الحديث حتى هذه اللحظة! لنفترض جدلا أن هذا الأمر ممكن، لكن ألا يعني ذلك أنه بينما يحتاج الدين إلى العلم لتأكيد صحة تنبؤاته، لا يحتاج هذا الأخير إلى الدين لتأكيد تنبؤاته؟ أضف إلى ذلك ما هو أهم، فالعلم لا يستنكف من احتمالية خطأ تنبؤاته، فهل يليق بالدين أن يوضع في الموقف نفسه؟!
لا قيمة للتنبؤ من دون اختبار مدى صحته من خلال إجراء التجارب العلمية، ولا قيمة لإجراء أيّ تجربة علمية من دون وجود استعداد مبدئي في قبول نتائجها حتى لو جاءت متعارضة مع تطلّعاتنا، وهنا إنّما يكمن السبب في حقيقة أنّ الشكّ مُصلح للعلم، مُفسد للدين!

الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

الإعجاز العلمي وفلسفة العلم

اشتهر الدكتور زغلول النجار بتسويق مفهوم "الإعجاز العلمي"، وبالنظر إلى الرواج الهائل للكتب التي تتحدث حول هذا الموضوع، فإنه من الواضح أن الدكتور نجح إلى حدّ كبير في هذا التسويق، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا هو التالي: هل كان من الممكن أن يلقى مفهوم "الإعجاز العلمي" رواجاً كبيراً في ظل وجود مجتمع يتمتع أفراده بالحد الأدنى من المعرفة العلمية؟ بمعنى آخر، أليست هناك علاقة سببية بين رواج مفهوم "الإعجاز العلمي" من جهة، وكساد مفهوم "فلسفة العلم" من جهة أخرى؟
الدفاع عن مقولات "الإعجاز العلمي" يفترض وجود معرفة مسبقة بمعنى العلم الحديث، فضلاً عن تاريخه وفلسفته، لكن يبدو أن هذه المعرفة غير ضرورية عند أمّة مهووسة بنيل السبق في كل شيء، أمّة "فازت بكل شيء وخسرت كل شيء" كما يقول الشاعر الإسباني، فما إنْ يظهر اكتشاف علمي حتى يتصدى له زغلول النجار وغيره من المقلدين قائلين: "ليس هذا بالأمر الجديد، إنما هو مذكور منذ ما يزيد على 1400 سنة!"، مثل هذا الكلام غير المسؤول له دلالات خطيرة، وما يلي بعض منها.
أولاً، هناك احتقار واضح للعلم الحديث والتقليل من شأنه، فالذي لا يأتي بجديد على مسامعنا خليق ألا تفتتن به قلوبنا، وسبق أن عبّر الدكتور زغلول النجار عن ذلك في مقابلة تلفزيونية بقوله إن السبب في انشغاله بموضوع "الإعجاز العلمي" يعود إلى حقيقة افتتان الناس بالعلوم المادية الحديثة! بدلاً من أن يأتي الدكتور بالدليل على أن قديم النص يشير في واقع الأمر إلى جديد العلم، انتقل إلى الحديث عن مفهوم "فلسفة العلم"، وهو حديث مليء بالمغالطات، ففلسفة العلم لا تعني للدكتور ما تعنيه لكل مشتغل في هذا الميدان، فهي لا تعني محاولة فهم آلية المنهج العلمي وطبيعة التفسير العلمي، بل هي تعني بالنسبة إليه مجرد دعوة إلى التأمل في الحكمة الكامنة خلف الحقائق العلمية، بمعنى آخر، على العلماء أن يتوصلوا إلى الحقائق العلمية، وعلينا نحن استخلاص الحكمة من ورائها!
ثانياً، لا تأتي مقولات "الإعجاز العلمي" إلا بأثر رجعي، كما يقول الدكتور فؤاد زكريا، وهي لهذا السبب بالذات تعتبر مقولات عقيمة. ما الفائدة من أن يردد البعض بعد كل اكتشاف علمي قائلين إنّه اكتشاف مذكور منذ أكثر من 1400 سنة؟ إنّ الغرض من ذلك معروف، فهو يدل على محاولة غير مبررة لإثبات صحة الدين، وهنا تكمن المشكلة، فبينما يستمد العلم قوته من خلال إجراء التجارب للتحقق من صحة نظرياته، نجد أن قيمة الإيمان مرهونة بعدم محاولة إثباته على الإطلاق. لو قلت -مثلاً- إني أؤمن إيماناً مطلقاً بأن هناك وردة حمراء في حديقة المنزل، وهي وردة لم يسبق لي قط أن رأيتها، فإن إيماني في هذه الحالة ذو قيمة، لكن ما إنْ أخرج إلى حديقة المنزل للتحقق من وجود تلك الوردة الحمراء حتى تتلاشى قيمة إيماني، إذْ ما قيمة هذا الإيمان إذا كانت الوردة موجودة بالفعل أمام ناظري؟ الإيمان بشيء ما ممكن فقط إذا كان هذا الشيء غير خاضع للإثبات، أما عملية جلب الأشياء وفحصها على طاولة المختبر فتقع خارج نطاق الإيمان، بل إنها تتعارض مع فكرة الإيمان أساساً!
ثالثاً، إنّ وضع الدين في موضع المتطفل على العلم فيه مضرة للدين نفسه، والتأكيد على صحة الدين من خلال الاكتشافات العلمية الحديثة إنما هو تأكيد على عجزنا وجهلنا طوال قرون خلت، كما أن الاستشهاد بالعلم لمصلحة الدين لا يخلو من خطورة، ذلك أن من المعروف أن العلم لا يستنكف من تصحيح ذاته، وهذا يقودنا إلى إمكانية أن يرفض العلم "حقيقة" علمية كان قد أقرّها من قبل! أضف إلى ذلك أن العلم لا يكون علماً إلا بعد أن يكون خاضعاً لـ"مبدأ التزييف"، أما مفهوم "الدين" فيتعارض اصطلاحياً مع هذا المبدأ.
أخيراً، ينبغي لكل نقاش جاد حول مفهوم "الإعجاز العلمي" أن يبدأ بتحليل هذا المفهوم وفحص مقولاته من خلال الأدوات التي تتيحها فلسفة العلم، وهذا ما سنحاول القيام به في المقال القادم.

الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

قطر: حُلم المونديال ومأساة العُمّال

قبل يومين، أصدرت "منظمة العفو الدولية" تقريراً حول دولة قطر حمل عنوان "ليتكم تعاملوننا كبشر"، تناولت من خلاله أوضاع العمال الأجانب بشكل عام، وعمال البناء وخدم المنازل بشكل خاص، وكشف التقرير عن مشاهد بشعة لمأساة حقيقية، إليكم بعض منها.
يشير التقرير إلى قانون الكفالة القطري الذي يكشف عن علاقة غير متكافئة بين الكفيل والمكفول، حيث "يجيز هذا القانون لأصحاب الأعمال أن يمنعوا العاملين لديهم من الانتقال للعمل لدى آخرين، ومن مغادرة البلاد، كما يجيز لهم إلغاء تصاريح الإقامة"، وأما العمال فليس بمقدورهم "أن يستخرجوا أو يُجددوا تصاريح إقامتهم بدون تعاون أصحاب الأعمال"! قانون الكفالة هذا (أو قانون النخاسة، لا فرق)، يعطي أرباب العمل "أدوات قانونية تتيح لهم ترهيب أو تهديد العمال وإجبارهم على مواصلة العمل".
 منها- على سبيل المثال لا الحصر- عدم قدرة العامل على هجر وظيفته أو حتى تغييرها من دون إذن مسبق من ربّ العمل، كما لا يمكن للعامل أن يغادر البلاد من دون إذن رسمي من ربّ العمل!
يشير التقرير كذلك إلى أن الغالبية العظمى من العمالة الأجنبية في قطر تتقاضي أجراً أقل بكثير مما هو منصوص عليه في عقد العمل، بل إن بعض العمال لا يتقاضون أجراً على الإطلاق، خصوصاً أولئك الذين يعملون في القطاع الخاص، فعلى سبيل المثال، يشير التقرير إلى الرسالة التالية التي بعثها أحد المسؤولين في السفارة الهندية في الدوحة إلى إحدى الشركات التي تملصت من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية في دفع رواتب العشرات من عمالها: "أود أن أعبر عن أسفنا على الطريقة التي عاملتم بها نحو 100 عامل هندي وفدوا إلى قطر بأحلام لا حدود لها، فلم تكتفوا بعدم دفع أجورهم لعدة أشهر، ولكنكم أجبرتموهم أيضا على الاقتراض من أهلهم في الهند لكي يدفعوا الغرامات المفروضة عليهم ويعودوا إلى بلدهم"!
يأتي تقرير "منظمة العفو الدولية" حول قطر في وقت حرج، فوتيرة الاستعداد لمونديال عام 2022 تتسارع، وعدد الشركات الإنشائية يتعاظم، والوجه المشرق الذي ينتظره الجميع من قطر تُفسد ملامحه انتهاكات حقوق العمال من قِبل أرباب الشركات الكبرى، الأمر الذي يضع "اللجنة العليا المنظمة لقطر 2022" أمام مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه ما يحدث.
في التقرير أيضا إشارة إلى العنف المنزلي ضد خدم المنازل، وإجبارهم على العمل لفترات متواصلة، وتقييد حركتهم من خلال الاحتفاظ بجوازات سفرهم، وتهديدهم بشبح الترحيل من البلاد إن هم رفضوا الاستمرار في العمل، وغيرها الكثير من الأمور المهينة للكرامة الإنسانية والمخالفة لمواثيق حقوق الإنسان، وكلها أمور لا تثير دهشتنا نحن في الكويت، فلو وضعنا كلمة "الكويت" مكان كلمة "قطر" في التقرير المذكور، لما انتقص ذلك من دقة التقرير ومدى صحته، ولعل الفارق الوحيد هو أن قطر التي تشرئب إلى لفت أنظار العالم إلى مونديال 2022 ترسم حُلم المونديال بألوان من مآسي العمال!
إلى الأعداد القليلة من المهتمين، إليكم رابط التقرير:

الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

أسباب انحسار دور الكنيسة في أوروبا (2- 2)

 ذكرنا في المقال السابق بعض الأسباب الداخلية للتحول التاريخي المتمثل في انحسار دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي، وسنحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على بعض الأسباب الخارجية لهذا التحول التاريخي الذي أفضى في زمننا الحاضر إلى ظاهرة واسعة الانتشار في القارة الأوروبية، وهي الظاهرة التي تُعرف باسم "The Empty Church"، أو "الكنيسة الخاوية"، في إشارة إلى التناقص الحاد في أعداد مرتادي الكنائس.
أولا: هناك سبب سياسي يتعلق بالصراع التاريخي بين البابوية والملكية، وهو صراع ألحق أضراراً جسيمة بمكانة البابا الروحية، لعل أبرزها هو الانتقال الشهير لكرسي البابوية من روما إلى أفنيون الفرنسية إبان القرن الرابع عشر، الأمر الذي أدى إلى تضاؤل مكانة البابا في نفوس أتباعه من المسيحيين، فالبابا الذي كان يُنظر إليه كخليفة للرب في الأرض، تحوّل إلى مجرد تابع للعرش الفرنسي.
ثانياً: هناك سبب اقتصادي مرتبط بنزوح كبار الإقطاعيين وملاك الأراضي إلى "دول المدن" مثل فلورنسا وميلانو والبندقية، وقد صاحب هذا النزوح تحرير أعداد كبيرة من الأقنان ممن كانوا يعملون في الأرياف وانتقالهم إلى العمل في المدن، وبطبيعة الحال لم تكن وراء عملية تحرير العبيد هذه دوافع إنسانية، إنما جاءت لتأمين الأيدي العاملة ورفع إيراد الضرائب، لكن ما يهمنا هنا هو أثر هذا التحول الديموغرافي في تقليص هيمنة الكنيسة على أتباعها، فالحياة السياسية للمدينة جعلت من الإقطاعيين منافسين حقيقيين على السلطة، والحياة الاجتماعية الأكثر تعقيداً أضعفت من الارتباط الروحي بين الطبقات الكادحة ورجال الكنيسة، فمن المعروف أن أثر الأديان بشكل عام في الحياة البسيطة لسكان الريف أكبر بكثير من أثرها في الحياة المعقدة لسكان المدينة (لعلّ تركيا هي المثال الأبرز في وقتنا الحاضر).
ثالثاً: هناك سبب ابستمولوجي، فالكنيسة التي كانت تحتكر مصادر المعرفة وجدت نفسها أمام ثورات مناهضة لذلك الاحتكار، بدءاً بثورة لوثر الدينية، مروراً بثورة كوبرنيكوس الفلكية، وانتهاء بثورة داروين الطبيعية، فالأول قضى على وساطة الكنيسة بين العبد والرب، والثاني أثبت تهافت فكرة مركزية الأرض، والثالث سحق فكرة الإنسان- الإله وأعاده إلى جذوره الطبيعية، وقد كان من شأن هذه الثورات الفكرية انتزاع سلطة المعرفة تدريجياً من القساوسة وسحب البساط من تحت الكنيسة، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في تهذيب الدين المسيحي وجعله أكثر توافقاً مع استحقاقات العصر الحديث.
أخيراً: هناك سبب ثقافي لا يقل أهمية عما تقدم من أسباب، بل لعله أعظم منها خطراً، وأبعد منها أثراً، إذ لا يمكن فهم انحسار دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي بعيداً عن عصر التنوير، ذلك العصر الذي أعلى من شأن العقل الإنساني، وحارب الخرافة والجهل، كما مهد الطريق أيضاً إلى قيام الثورة الفرنسية، تلك الثورة العنيفة التي عصفت بالسلطة السياسية والسلطة الدينية على حد سواء، لتتحقق بذلك رغبة "ديدرو"، أحد أبرز الكتاب الموسوعيين، الذي سبق أن كتب قبل الثورة يقول: "وددت لو أشنق آخر ملك بأمعاء آخر راهب"!

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

أسباب انحسار دور الكنيسة في أوروبا (1-2)

تمتاز أغلب التحوّلات التاريخيّة بخصلتين على الأقل، البطء والنسبية، ولعلّ انحسار دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي هو المثال الأبرز على هذا النوع من التحوّلات التاريخية، ولهذا الانحسار أسباب متعدّدة، بعضها داخلي، أي من داخل الدين المسيحي، وبعضها خارجي، وسنحاول من خلال هذا المقال استعراض بعض الأسباب الداخلية لهذا التحوّل التاريخي، مرجئين الأسباب الخارجية إلى المقال القادم.

أولاً، هناك ردّة الفعل النفسية التي صاحبت انتشار وباء مرض الطاعون في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر، فبعد أن حصد المرض مئات الألوف من الأرواح البشرية، برزت نبرة احتجاج لم تكن معهودة بين عامة الناس ضد تعاليم الكنيسة، وقد جسّد هذه النبرة الاحتجاجية سؤال ملحّ اكتسب لاحقا أهمية فلسفية في روايات دوستويفسكي، والسؤال يتعلّق بمدى ضرورة أن يتعذّب الناس (مهما بلغت ذنوبهم) إلى هذه الدرجة المؤسفة في ظل وجود قدرة إلهية لا متناهية! بالطبع، هذا السبب لم يكن كافيا لترك الدين، ولكنه يكتسب قوة خاصة عندما نضيف إليه بقية الأسباب التالي ذكرها.
 ثانياً، كان لانشقاق مارتن لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية وخروجه على سلطة البابا تبعات خطيرة، فهذا الانشقاق لم يؤدّ فقط إلى ظهور طائفة جديدة اسمها الطائفة البروتستية، بل أدّى كذلك إلى حروب طائفية اجتاحت أوروبا على فترات زمنية منذ منتصف القرن السادس عشر، وتلك الحروب بدورها أدتّ في آخر المطاف إلى نتيجة حتمية، وهي أن الحروب الدينية لن تحسم من يملك الحقيقة، بل هي تحسم فقط من هو الأقوى ومن هو الأضعف. كانت هذه النظرة هي السائدة مع بدايات القرن السابع عشر، وقد ساهمت في إعادة النظر في حقيقة الدين المسيحي نفسه.
ثالثاً، لعل أهم سبب في هذا التحول التاريخي لدور الكنيسة يكمن في فساد رجال الكنيسة أنفسهم، ولو رجعنا إلى كتاب "الأمير" لميكيافيللي لوجدنا نقداً لاذعاً لرجال الكنيسة وفساد ذممهم، فالرشوة المالية، والانحلال الأخلاقي، والانغماس في ملذّات الحياة، كلها أمور كانت مرتبطة بصورة رجل الدين في أذهان العامة من الناس، كما أنّ دور البابا آنذاك بعقد تحالفات سياسية مع طرف ضد الآخر لم يكن خافياً، ومن المعروف أن كلّ من يحضر إلى مائدة البابا، كان يحرص على عدم الشرب من نبيذ البابا، خوفاً من أن يموت مسموماً!    
يتبع...

الاثنين، 4 نوفمبر، 2013

العقول الصغيرة والألقاب الكبيرة

عندما سُئل "برتراند رسل" عن شعوره بعد أن ورث لقب "لورد" من أخيه الأكبر، أجاب ساخراً: "كان اللقب مفيدا جداً في تسهيل إجراءات حجز غرفة لي في أحد الفنادق"! من المعروف أن "رسل" ينتمي إلى أسرة أرستقراطية ذائعة الصيت، ومن المعروف أيضاً أنه تنازل عن حصته من الإرث لسبب أخلاقي، فقد كان يؤمن أنْ لا مكان في جيبه لمال لم يجنه من عَرق جبينه! إذا لم يكن المال لِيغريَ هذا المفكر العظيم، فلا عجب أن الألقاب أيضا لم تكن لِتغريَه.
العقول الصغيرة تحرص على الألقاب الكبيرة، وما أكثر العقول الصغيرة ممن يحرصون على لقب "دكتور"، فلو قام القارئ بجولة سريعة بين أروقة الأقسام العلمية في جامعاتنا المحلية، لظن أنه يتجول في مستشفى، فكلمة "دكتور" تملأ المكان، وهي الكلمة التي ينادي بها الأساتذة بعضهم بعضاً، وكأن الاسم الأول لا يفي بالغرض، بل إن من الأساتذة من يستثمر لقب "دكتور" خارج الحرم الجامعي، موهماً نفسه والآخرين بأن هذا اللقب يُخوّل حامله الحديث بكل ثقة حول أي موضوع، وكأن كلمة "دكتور" أصبحت مرادفة لكلمة "خبير"، بينما هي في حقيقة الأمر كلمة لا تعني بالضرورة أن يكون المرء خبيراً حتى في مجال تخصصه!
هناك تشبيه شائع بين رخصة القيادة وشهادة الدكتوراه، وهو تشبيه موفّق إلى حد كبير، فمثلما أن رخصة القيادة هي بمنزلة إثبات أن حامل الرخصة قادر على القيام بقيادة السيارة، فإن شهادة الدكتوراه أيضاً هي بمنزلة إثبات أن حامل الشهادة قادر على القيام بالبحث العلمي، لا أكثر ولا أقل! لا أحد يحرص على لقب "سائق" بعد الحصول على رخصة القيادة، فما الذي يجعل بعضهم حريصاً كل الحرص على لقب "دكتور" بعد الحصول على شهادة الدكتوراه؟
من الناحية النظرية على الأقل، شهادة الدكتوراه عبارة عن اعتراف أكاديمي بأن حامل الشهادة قد ساهم مساهمة حقيقية في حقل من حقول المعرفة الإنسانية، مما يعني أنها شهادة تعكس حرص حاملها على البحث العلمي، لكن عندما تكون الشهادة غاية في ذاتها، فإنها تتحول من كونها إضافة جوهرية إلى المعرفة البشرية لتصبح مجرد إضافة تافهة إلى نمط حياة الفرد، ولعلّ أولئك الذين يطلبون شهادة الدكتوراه لدوافع خاطئة هم أقلّهم حظاً في استخدامها الاستخدام الصحيح، وبشكل عام، لعلّ أكثر الناس حرصاً على الألقاب هم أقلّهم استحقاقاً لها، ولقب "دكتور" ليس استثناءً من هذه القاعدة.

الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

إذا فشلت تطلّعاتك... فخفّض معاييرك

إنّ من النّصح ما أفسد، ولست أجد نصيحة أكثر إفساداً للتعليم من تلك التي قرأتها في مكتب صديق أجنبي يعمل أستاذا جامعيا، فعلى الجدار لوحة منقوش عليها العبارة التالية: "If your expectations fail, lower your standards"، وترجمتها الحرفية إلى العربية هي: "إذا فشلت تطلّعاتك، فخفّض معاييرك"!

في أيّ نظام تعليمي مرموق، جودة التعليم غاية، والمعايير الصارمة وسيلة، لكن في نظامنا التعليمي غير المرموق، الكم أهم من الكيف، فكل طالب لا بدّ أن يحصل في آخر العام الدراسي على شهادة مكتوب فيها: "ناجح ويُنقل إلى الصف الذي يليه"، فالغاية هي تحقيق أعلى نسبة نجاح، والوسيلة هي التساهل في تطبيق معايير جودة التعليم، ذلك أنّ المهم هو أن ينجح الطالب، لا كيف نجح!
من فساد الخُلق أن تقبل شيئا تُدرك في قرارة نفسك أنك لا تستحقه، ولهذا النوع من الفساد الأخلاقي مظاهر متعددة، منها حقيقة أنّ عددا كبيرا من الطلاب في المرحلة الجامعية لا يتورعون عن قبول درجة لا يستحقونها، بل إنّ منهم من يستجديها استجداء من دون أدنى خجل! فساد الخُلق هذا مستمدّ من نظامنا التعليمي، فعندما يحرص مسؤولو الوزارة على نسبة النجاح أكثر من حرصهم على مستوى التحصيل العلمي، كيف لا يحرص الطالب بدوره على نيل الشهادة أكثر من حرصه على مدى مشروعية الحصول عليها؟
 في المرحلة الجامعية، هناك سؤال يطرحه الطالب عادة على أستاذه، وهو سؤال يستحقّ أن نسميه "سؤال المليون"، ليس لأنه ذو أهمية، بل لأنّ عدد من يطرحونه من الطلّاب كبير جدا، والسؤال هو: "هل ما تقوله الآن جزء مما سنراه في الاختبار؟!". لا أدري ماذا تبقىّ من مفهوم "الاختبار" إذا بلغ مستوى الشفافية بين الطالب والأستاذ هذا الحد، وَلَيت شِعري ماذا تبقى من مفهوم "المحاضرة" إذا كان محتواها مقتصرا على محتوى الاختبار؟ لكن لا عجب ولا غرابة، فعندما يكون النجاح بأي ثمن أولى من التحصيل الدراسي، يتهاوى الفضول العلمي عند الطلاّب إلى مجرّد فضول حول معرفة محتوى الاختبار.
إلى جانب، الطلّاب، هناك أيضا ضحايا النظام التعليمي من بين صفوف الأساتذة، أولئك الذين إذا فشلت تطلعّاتهم حول مستوى التحصيل العلمي عند طلّابهم، سارعوا إلى التساهل في تطبيق معايير النجاح في المادة الدراسية، لترتفع بذلك نسبة النجاح على حساب جودة التعليم.

الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

بابا نويل وقرية الأطفال

قرب الحدود بين إسبانيا والبرتغال، هناك مكان يسمّونه "لاس باتويكاس"، تحفّه الأشجار من كل جانب، ويمر به جدول صغير، لكن ما يميّز المكان هو الدير الذي يقع في قمة تل، حيث يعيش عدد من الرهبان في عزلة أبدية! للدير موردان من الرزق: هبات المحسنين، وتأجير بعض الغرف لمن أراد الهروب المؤقت من صخب الحياة ومشاغلها، وقد اعتدت الذهاب إلى هناك والمبيت ليلة أو ليلتين كلما سنحت الفرصة، وفي كل مرة أزور فيها الدير، يلفت انتباهي راهب ليس كبقية الرهبان، إذ كنت أراه دائماً جالساً وحده، وكأنه لم يكتف بهذه العزلة عن العالم الخارجي فجعل يعزل نفسه أيضاً عن أقرانه في الدير!

اقتربت منه متلطفاً يدفعني الفضول، وكم أدهشني بغزارة علمه، ودماثة خلقه، وبشاشة محيّاه! تحدثنا في كل شيء تقريباً، عدا الدين، إلى أن انتهينا إلى قصة "بابا نويل"، وما سمعته من الراهب حول تلك القصة يختلف تماماً عمّا قرأته من قبل. تحدّث الراهب قائلاً:

"كانت هناك قرية لا يسكنها إلا الأطفال، لكنهم أطفال يمتازون بخيال خصب، ولعل هذه الميزة هي السبب وراء المشكلات التي عانوها فيما بعد، ففي يوم من الأيام، دبّت الفُرقة بين أطفال القرية، واشتدت الخصومة بينهم فانقسموا إلى ثلاثة فرق: فريق يزعم أن بابا نويل لا يأتي بالهدايا إلا لهم وحدهم، وفريق ثان يؤكد أن لبابا نويل أشكالاً مختلفة، لكنه يأتي بالهدايا للجميع، أما الفريق الثالث من الأطفال فيصر على أن بابا نويل لا مثيل له، والهدايا هي من نصيبهم هم وحدهم"!

ثم يتابع الراهب:

"استمرت الخصومة بين الأطفال وقتاً طويلاً، ولم تزدهم تلك الخصومة إلا انقساماً على انقسام، وما اتحدوا قط إلا في شيء واحد: الجميع في انتظار بابا نويل وكيسه المليء بالهدايا، لكن الهدايا لم تصل بعد، وأحسب أنها لن تصل أبداً! أعظم هدية هي أن تدرك أن ليس ثمة هدية، وهذا بالضبط ما عجز الأطفال المساكين عن فهمه واستيعابه، فلو أدركوا هذه الحقيقة لاستحالت الخصومة فيما بينهم إلى صداقة دائمة، ولانقلبت عبودية الانتظار إلى حرية الاختيار"!

قام الراهب من مكانه ملقياً عليّ تحية الوداع، فأسرعت أسأله: "هل أنت أحد أفراد تلك القرية؟" تبسم الراهب وأجاب: "كنت!".

قبل أن يخفيه الظلام عائداً إلى مخدعه، توقف الراهب ليقول: "تذكر أنها قرية أطفال، وأنا لم أعد طفلاً"!

(إسبانيا، 1996)

الاثنين، 21 أكتوبر، 2013

أحفاد بطليموس


لنبدأ بحكاية من التراث اليوناني: يُحكى أن بطليموس الأول، الحاكم اليوناني لمصر، حاول جاهداً أن يستوعب علم الهندسة من خلال قراءته لكتاب "العناصر" الذي وضعه الرياضي الشهير إقليدس، وعندما فشل في تحقيق غايته، ذهب إلى إقليدس يسأله عمّا إذا كانت هناك طريقة مختصرة لاستيعاب الكتاب، فأجابه الأخير قائلاً: ليس هناك طريق ملكيّ إلى الهندسة!
إجابة إقليدس حكيمة في معناها، صادقة في محتواها، ومع ذلك لا يبدو أنها تلقى صدى في زمننا الحاضر، فهناك من يعتقد أن بإمكانه أن يتعلم لغة أجنبية في غضون أسبوع واحد، وهناك من يظن أن بوسعه أن يفهم النظرية النسبية عن طريق مشاهدة "يو تيوب"، وهناك من يتخيل أن بمقدوره أن يستوعب الأزمة المالية من خلال متابعة النشرات الإخبارية، بل إن هناك من يتصور واهماً أن الغليون والعثنون هما كل ما يحتاجه المرء كي يصبح طبيباً نفسياً!
لعل أغلب العاملين في السلك الدبلوماسي هم ممن يعتقدون أن "الثقافة الموسوعية" ركن أساسي من أركان شخصية "الدبلوماسي الناجح"، فالمعرفة بالنسبة إلى هؤلاء هي أن "تقطف من كل بستان زهرة"، أي أن توهم محاورك بأن لديك إلماماً بحقول المعرفة كافة، ولا يهم أن تكون هذه المعرفة سطحية، شريطة ألا يكتشف محاورك ذلك، فمثلاً، إذا كان الموضوع يدور حول الفلسفة، ينبغي لك أن تذكر أسماء مثل "أرسطو"، و"هيغل"، وربما أيضا "فتغنشتاين"، لكن إذا تبين لك أن محاورك قد قرأ لهؤلاء، فلا بد من الانتقال إلى موضوع آخر! حسب القاموس الدبلوماسي، شكل المعرفة أهم من عمقها، فمن ذا الذي يهتم بالجذور بعد قطف الزهور؟
هل سمع القارئ بسلسلة Books for Dummies؟ الترجمة الحرفية لهذه السلسلة من المنشورات هي "كتب للأغبياء"، أو "كتب للمبتدئين" حسب الترجمة العربية المؤدّبة! يتناول هذا النوع من المطبوعات مواضيع شتى، فهناك عناوين مثل "الطبخ للأغبياء"، و"الجنس للأغبياء"، و"كرة القدم للأغبياء"، لكن هناك في المقابل عناوين مثل "الفيزياء للأغبياء"، و"الكيمياء للأغبياء"، و"الرياضيات للأغبياء"! لا شك أن معظم العناوين في هذه السلسلة موجهة إلى القراء المبتدئين بصرف النظر عن مستوى ذكائهم، فإذا كان للأغبياء هوس في معرفة تفاصيل الجنس، فإن من غير المعقول أن تثير الفيزياء اهتمامهم! لكن من الصعب أيضا إنكار السبب وراء المبيعات الضخمة لهذه السلسلة من المنشورات، فلولا اعتقاد عدد كبير من القراء بوجود طريق ملكي إلى المعرفة لما حظيت تلك الكتب برواج كبير.
في سورة "الزمر" نقرأ: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"؟ بصرف النظر عن نوع العلم المقصود هنا، فإن هذه الآية عبارة عن سؤال بلاغي، أي سؤال إجابته معروفة، وهي النفي، لكن أحفاد بطليموس الأول (وما أكثرهم) يظنون غير ذلك! كيف لا وقد ظنّ جَدّهم من قبل أن إقليدس الذي أفنى حياته في طلب العلم يُمكن اللحاق به في غضون ساعات!

الاثنين، 14 أكتوبر، 2013

التعليم بين التلقين والتفكير النقدي

للتعليم ركنان: المعلومة والتفكير النقدي، هذان هما جناحا التعليم، فمن دونهما لا يستطيع الطالب أن يحلّق في سماء المعرفة. هناك تركيز شديد في مناهجنا الدراسية على المعلومة في مقابل إهمال كبير للتفكير النقدي، حتى عملية نقل المعلومة من الأستاذ إلى الطالب تشوبها عيوب كثيرة، أبرزها مشكلة الأدلجة التي أشرنا إليها في المقال السابق، فإذا كان التعليم عبارة عن عملية نقل لمعلومة من طرف إلى طرف آخر، فإنّه ليس من حقنا أن نجبر طالباً على تعلم معلومة لا نملك لها دليلاً منطقياً أو مادياً. لو طبقنا هذا المبدأ البسيط لتم اختزال مناهجنا الدراسية إلى العُشر أو أقل من ذلك بكثير، وهنا تحديداً تكمن كارثة التعليم.
النظام التعليمي عبارة عن مرحلة تأهيل لخوض معترك الحياة، وليس ثمة سلاح أكثر كفاءة لهذا الغرض من سلاح ملكة التفكير النقدي. نريد نظاماً تعليمياً ناجحاً لأننا نريد عقولاً حرة ومتحرّرة من كل أنواع الاستغلال والعبودية، فالتفكير النقدي، على العكس من التلقين، يتيح للطالب أن يختبر مفاهيم في غاية الحيوية كمفهوم الدولة، أو الدين، أو الوطنية، أو القبيلة، أو الأسرة، بدلاً من قبول هذه المفاهيم على علاتها. يقول برتراند رسل: "إنّ النظام التعليمي الذي يعتمد على التلقين ينتج نوعين من الأفراد، الخادم المطيع والسيد المستبد، ذلك أن هذا النوع من التعليم يقود إلى الاعتقاد الخاطئ بأن علاقة التعاون بين شخص وآخر ليست ممكنة إلا عندما يصدر أحدهم الأوامر، بينما يقوم الآخر بتنفيذها".
هناك أمثلة عديدة على النتائج السلبية لهذا المستوى المتواضع لنظامنا التعليمي، لكني سأكتفي بمثالين فقط. المثال الأول يشير إلى حقيقة أنّ مخرجات التعليم الرديئة لا تجبر أستاذ الجامعة على أن يرفع من مستوى أدائه الأكاديمي، فهو واثق أنه لن يتلقى من طلبته أسئلة من العيار الثقيل تجبره على إعادة النظر بهذا الكم الهائل من الدروس المكررة، والنتيجة المنطقية هي انتقال عدوى التعليم الرديء من المدرسة إلى الجامعة.
المثال الآخر يتعلق بحقيقة أن غياب النقاش العلمي داخل أروقة المدارس مرتبط بشكل وثيق بفقر الأبحاث العلمية على المستوى الجامعي، فالطالب الذي لم يتعوّد النقاش وطرح الأسئلة لن يكترث لاحقاً بالنقاش وطرح الأسئلة مهما بلغ مستواه التعليمي. لنأخذ مثالاً على غياب النقاش الفكري داخل الوسط العلمي، فمن المعروف أن الأستاذ صالح العجيري يصدر سنوياً تقويما يحمل اسمه، ومن يقرأ هذا التقويم يجد فيه تنبؤات بحالة الطقس خلال سنة كاملة• من جانب آخر، دأبت وزارة التعليم العالي في الكويت على إرسال العديد من الشباب الكويتي لدراسة علم الأرصاد الجوية في أعرق الجامعات الأجنبية، ورغم ذلك، لم نسمع أو نقرأ عن نقاش أو حتى اعتراض على تقويم الأستاذ العجيري من الناحية العلمية، فالمعروف علمياً أنه من الصعب التنبؤ بحالة الطقس لأكثر من خمسة أيام متتالية على أكثر تقدير، وإذا كان من السهل أن نلتمس العذر للأستاذ العجيري إن لم يسمع بالعالم "لورينز" أو بنظرية "الفوضى"، فما السبب وراء هذا الصمت لكل تلك الأجيال المتعاقبة ممن درسوا علم الطقس الحديث؟

الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

التعليم والأدلجة

قبل أشهر، أدلى أحد المسؤولين في وزارة التربية بتصريح عن رداءة الوضع الحالي للتعليم في الكويت، وللتدليل على صحة كلامه ذكر أنّ الطالب في المرحلة الثانوية غير قادر على التعبير عن رأيه! يبدو لي أنّ هناك قدراً كبيراً من التفاؤل غير المبرر في كلام هذا المسؤول، حتى إن جاء هذا الكلام في سياق نقد الوضع التعليمي، فالطالب غير القادر على التعبير عن رأيه لديه على الأقل رأي خاص به، لكن الواقع يشير إلى أنّ أغلب الطلاب الذين يصلون إلى المرحلة الجامعية ليس لديهم في حقيقة الأمر آراء خاصة بهم، والسبب المباشر في ذلك هو أنهم ضحايا تعليم مؤدلج.

لكن ماذا نعني بالتعليم المؤدلج؟ للإجابة عن هذا السؤال، يكفي فقط أن ننظر إلى أمرين: الأول هو طبيعة الأفكار التي استقاها الطالب خلال 12 عاماً على مقاعد الدراسة، والثاني هو طريقة تعامل الطالب مع تلك الأفكار. ماذا يعني، مثلاً، أن يقف طالب جامعي ليقول بكل ثقة إنّ القوانين الوضعية قاصرة لأنّ العقل البشري قاصر؟!
من الواضح أنّ هذا الطالب لا يواجه مشكلة في التعبير عن رأيه كما يظن ذلك المسؤول التربوي، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن هذا الرأي ليس رأياً خاصاً بالطالب، وإلا ما معنى أن يتطوع بقية الطلاب في الدفاع عن الرأي ذاته؟ هل هذا التطابق في الرأي بين جميع الطلاب محض مصادفة، أم أنّه نتيجة عملية تلقين ممنهج ساهمت على مدى 12 عاما في شل قدرتهم على فحص مدى صحة الآراء التي تلقّوها ومقارنتها بوجهات نظر مغايرة.
هذا النوع من الطلاب ضحايا تعليم مؤدلج، وهذا الصنف من التعليم الرجعي لا يهتم بكيفية التعامل مع الآراء المتنافرة بقدر اهتمامه بسيادة الرأي الأوحد، ذلك الذي يعبّر عن الثقافة السائدة في المجتمع! هذا بالضبط هو المقصود من هدف استراتيجية التعليم في "إدماج الطالب في مجتمعه"، فالمطلوب هو خلق طالب ممتثل لشروط الوضع القائم، لا يطمح إلى "تطوير المجتمع إلى الأفضل" إلاّ أن يكون هذا "الأفضل" حسب ما يقرّره واضعو المناهج الدراسية، لا حسب ما ينتج من جراء نقاش حقيقي داخل أروقة المدارس.
في ظل هذه السياسة التعليمية الرجعية، أضحت شهادة الثانوية العامة مجرد دليل على نجاح التعليم المؤدلج في وضع قفل على عقل حامل الشهادة، وبذلك تصبح وظيفة الأستاذ الجامعي مجرد محاولة يائسة في تحطيم ذلك القفل، وهي محاولة تنجح حيناً، وتفشل أحياناً كثيرة!

الاثنين، 7 أكتوبر، 2013

حول اليوم العالمي للمعلّم


المناسبات السنوية صنفان: أفراح وأتراح، فذكرى التحرير، مثلاً، تنتمي إلى الصنف الأول، وذكرى الاحتلال تنتمي إلى الصنف الثاني، والفرق الجوهري بينهما هو أنّ مناسبات الأفراح مدعاة إلى البهجة والترويح عن النفس، ومناسبات الأتراح مدعاة إلى التفكير ومراجعة الذات، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذه الأيام هو: كيف ينبغي لنا نحن في الكويت أن ننظر إلى مناسبة اليوم العالمي للمعلم؟ بمعنى آخر، إلى أيّ الصنفين السابقين تنتمي هذه المناسبة؟


ليس من الضروري أن نطرح هذا السؤال على المسؤولين في وزارة التربية، فإجابتهم واضحة من خلال التصريحات الصحافية المشيدة بدور المعلّم، ومن خلال التكريم السنوي لكوكبة من المعلمين المتميزين، بالإضافة أيضاً إلى بعض الاحتفالات الرسمية هنا وهناك، مما يعني أننا أمام مناسبة ينظر إليها المسؤولون في الوزارة بوصفها مناسبة من مناسبات الصنف الأول، تلك التي تستدعي البهجة والسرور، لكن هل هي كذلك فعلاً؟

الإشادة بدور المعلّم تفترض وجود معرفة مسبقة بطبيعة هذا الدور، وتكريم "المعلّم المتميّز" يفترض وجود معيار لقياس التميّز، وكلا الافتراضين لا يتحقق إلا في ظل وجود فلسفة للتعليم، فهل لدينا مثل هذه الفلسفة؟ ليس لديّ أدنى شك في أن لدينا فعلاً فلسفة للتعليم، ولكنها فلسفة رجعية، توارثناها جيلاً بعد جيل، وهي إلى إعادة إنتاج التعليم أقرب منها إلى تطويره أو إصلاحه.

 في ظل هذه الفلسفة الرجعية، يقتصر دور المعلّم على الامتثال إلى قوانين الوضع القائم والتقيّد بها، ومن هنا فإن معيار التميّز يشير إلى مدى امتثال المعلّم لتلك القوانين. إن تميّز المعلّم أشبه بتميّز خطيب المسجد، فكلاهما لا يخرج عن النص كي يبقى دائماً في الصدارة، والثمن هو نيل التكريم والتقدير، لكن النتيجة بطبيعة الحال هي الحفاظ على الوضع القائم وإعادة إنتاج العقول بما يتناسب مع النظام العام.

إذا كان الأمر كذلك- وهو فعلاً كذلك كما سنرى في مقالات قادمة- أليس الأجدر بنا جميعا أن نتخذ من اليوم العالمي للمعلّم مناسبة للتفكير في الوضع المزري للتعليم ومراجعة الذات حول إخفاقاتنا المتلاحقة في إصلاحه؟ ليس من الحكمة أن نعوّل كثيراً على المسؤولين في الوزارة، فالمسؤولية العامة لا تتوافر إلا في نظام ديمقراطي حقيقي، كما لا يمكن أن نتأمل الكثير من "المعلّم المتميّز"، ففاقد الشيء لا يعطيه، لكننا ننتظر اليوم الذي يزداد فيه عدد "المتمردين" في سلك التعليم، أولئك الذين يرفضون الالتزام بالنص لرداءة ما يقرؤون! سننتظر طويلاً بلا شك، لكن لا بأس، فالقدرة على التعايش مع واقع مرير تتطلّب الأمل في غد أفضل.

الأربعاء، 24 يوليو، 2013

لا لحكم الإخوان

يرفع المؤيدون للرئيس السابق محمد مرسي شعار "لا لحكم العسكر"، ولا خلاف مع هذا الشعار إلاّ عندما يكون المراد منه أنّ البديل الوحيد لحكم الإخوان في مصر هو حكم العسكر، وهذه ثنائية مزيّفة سبق أن استخدمها الرئيس الأسبق "محمد حسني مبارك"- لكن بطريقة معكوسة- لتبرير بقائه في السلطة، فمنذ زمن قريب كنّا نسمع أنّ البديل الوحيد لحكم العسكر في مصر هو حكم الإخوان!  إن العامل المشترك بين هاتين النظرتين الشموليتين، أي بين "إخوان مرسي" و"عسكر مبارك"، هو تجاهل وجود خيارات أخرى، لعلّ أهمها هو الخيار الديمقراطي المبنيّ على احترام دستور مدنيّ يحمي الجميع من دكتاتورية الأقلية ودكتاتورية الأغلبية.  
ينبغي ألاّ تشغلنا شرعية الصندوق عن الغرض من وجود صندوق أصلاً. بمعنى آخر أكثر تحديداً، ينبغي ألاّ يشغلنا الاهتمام بمعرفة هوية من يحكم عن الغرض من وجود حكم بالأساس. إنّ الديمقراطية– كما قلنا مراراً وتكراراً– معنيّة فقط بتحديد هوية من يحكم، لهذا فإنّ من شأن الديمقراطية أحيانا أن تجيء بدكتاتور على رأس السلطة، بل إنّ من شأنها أيضاً أن تستبدل دكتاتوراً بدكتاتور آخر، أي مجرّد نقل لعبء استعباد الشعب من كاهل دكتاتور إلى كاهل دكتاتور آخر!
لكن ما الغرض من وجود حكم بالأساس؟ الحكم المشروع هو سلطة يمنحها الشعب لبعض أفراده بغرض تحقيق التعايش السلمي والعادل بين أفراد الشعب كافة، ولا ينبغي لمن بيده السلطة المشروعة أن يحوّلها إلى سلطة غير مشروعة من خلال استخدامها في أغراض تتجاوز هذا الغرض الأساسي، لأن كل سلطة هي حدّ من حرية الإنسان، ولهذا السبب ينبغي تبريرها دائما.
لكن مشكلة التيارات الشمولية هي ذهابها إلى أبعد من مجرّد التعايش السلمي والعادل بين أفراد المجتمع الواحد، فهي تبشّر دوما بخارطة طريق لخلاص الشعب، فحكم الرهبان بشّر بخلاص الروح، وحكم النازية بشّر بسيادة العرق الأسمى، وحكم الشيوعية بشّر بانتصار الاشتراكية، لتأتي بعدها النتائج كارثيّة بكل المقاييس وتحصد البشرية محاكم التفتيش ومعسكرات الاعتقال وسجون التطهير الستاليني.
هل يختلف إخوان مصر، أو أي تيار إسلامي جدير بهذا الاسم،  عن تلك التيارات الشمولية؟ ماذا يعني أنّ تسنّ قانونا يهدف إلى زيادة احتمال دخول المواطنين إلى الجنّة بينما الهدف الأساسي من وجود قانون هو أن يتعايش المواطنون بسلام على هذه الأرض؟ ألا يعني ذلك أن للإسلاميين خارطة طريق تهدف إلى أبعد من الغرض الأساسي من وجود قانون أصلا؟
الخارج على القانون في الأنظمة الديمقراطية الحرّة هو فرد يهدّد مبدأ التعايش مع الآخرين، لكن الخارج على القانون في الأنظمة الشمولية المستعبدة هو فرد يهدّد خارطة طريق الخلاص، فهو إمّا أن يكون ضد تعاليم المسيح، أو ضد الشيوعية، أو ضدّ الإسلام! في المجتمعات المدنية، الإنسان النزيه لا يسرق بغض النظر عن وجود قانون يجرّم السرقة، ذلك أنّ النزاهة جزء من تكوين شخصيته، لكن في المجتمعات الدينية هذا لا يكفي، فلا بدّ أن تقترن فضيلة النزاهة بنيّة خالصة لبلوغ طريق الخلاص!
يسخر الإسلاميون عادة من القوانين الوضعية، وهذه السخرية تكشف أكثر ما تكشف عن اعتقادهم أنّ البديل المتمثّل بالقوانين الإلهية هو السبيل الوحيد لنجاح خارطة الطريق التي يريدون فرضها على مجتمعاتهم، لكن ما فات على التيارات الإسلامية هو بالضبط ما فات على غيرهم من التيارات الشمولية على مرّ التاريخ، وهو أنّ العقلانية هي السبيل الأكثر نجاحا لبناء مجتمع عادل ومسالم، فالمنهج العقلاني في فهم المجتمع واكتشاف قوانينه هو الأقرب إلى روح المنهج العلمي في فهم الطبيعة واكتشاف قوانينها، فكلا المنهجين يعتمد طريقة المحاولة والخطأ، من دون ادعاء معرفة الحقيقة المطلقة، كما أنّ العقلانية لا تتبجّح برسم خارطة طريق طوباوية للمجتمعات البشرية، بل هي تعمد إلى التواضع العقلي الذي يقرّ بأننا لا نعرف مصير آمالنا في المستقبل، لكننا على الأقل نعرف مصير إخفاقاتنا في الماضي، ومن خلال إخفاقات الماضي نتعلّم الوصول شيئا فشيئا إلى آمال المستقبل.
أخيرا، هناك دعوات متكرّرة  لإخوان مصر إلى الانضمام إلى العملية السياسية بطريقة سلميّة وعادلة، مع عدم الرجوع مجدّدا إلى احتكار السلطة وتقسيم المصريين إلى كفّار ومسلمين، لكن في يقيني أننا لو افترضنا قبول إخوان مصر هذه الدعوة على الوجه الصحيح، فلن يتبقّى لهم عندها من منهجهم سوى اسمهم، وإلى أن يحين ذلك اليوم، سنردّد من دون تردّد "لا لحكم الإخوان" في كل بقاع الأرض، لا لحكم يرسم خارطة طريق شعوب بأكملها، يقرّر لهم ماذا يأكلون وكيف ينامون وبماذا يفكرّون!


ملاحظة على هامش الانتخابات القادمة:

لقد بلغت فضائح شراء أصوات الناخبين في الكويت حدّاً كادت فيه مقاطعة الانتخابات أن تكون الدليل القاطع على حُسن سلوك المواطن الكويتي! أعلم أن هذه حجة غير مشروعة لحض المواطنين على مقاطعة الانتخابات غير الشرعية القادمة، لكن ما حيلتي عندما يصمّ من ينوي المشاركة أذنيه عن سماع الحجج الأخرى التي تخاطب ضميره وعقله معا؟ ألا يكفي حبس "سارة الدريس" وزملائها لمقاطعة الانتخابات؟!

الأحد، 14 يوليو، 2013

حول العلاقة بين الحرية والقانون


هناك ما لا يقل عن 200 تعريف لمفهوم الحرية في ميدان النظرية السياسية، لكن لا بدّ لنا من أن نبدأ بتعريف محدّد لهذا المفهوم، ثم نتعرّف بعد ذلك على وجه القصور في هذا التعريف، وهذا هو المهم، ذلك أنّ التعريف، مثل النظرية العلمية، لا تكمن أهميته في مدى كماله، بل في مدى قصوره.
الحرية هي الحالة التي لا يجد فيها أيّ فرد من الأفراد أيّ عائق من العوائق لتحقيق أيّ هدف من الأهداف. لاحظ أنّ هذا التعريف يتضمن علاقة ثلاثية الأطراف: فرد، وعائق، وهدف. لاحظ أيضا أنّ المقصود بالحرية هنا هي حرية الإنسان، لا الحيوان، أيّ أنها حرية تطمح إلى أكثر من مجرّد التكاثر وحبّ البقاء، كما أنّ المقصود بالعائق هو العائق البشري الذي يضعه الإنسان أمام أخيه الإنسان، لا العائق الناتج عن قوانين الطبيعة، فعندما لا أستطيع أن ألمس السقف بيدي لقصر قامتي، فلن أستطيع عندها القول بأني لست حرّاً في ملامسة السقف. أخيرا، المقصود بالأهداف أيّ هدف يرغب الإنسان في تحقيقه بصرف النظر عن مدى مشروعيته.
لعلّ القارئ قد لاحظ أين يكمن القصور في التعريف السابق، فالقول بأنّ الفرد حرّ في تحقيق أيّ هدف من الأهداف بصرف النظر عن مشروعيته سيؤدي حتما إلى شريعة الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف، لكن لاحظ أنّ هذا يعني أيضا أنّ القصور في التعريف ليس مطلقاً، فالإنسان الذي يقيم لوحده على ظهر جزيرة، كالشخصيات الخيالية المعروفة مثل "حيّ بن يقظان" أو "روبسنون كروز" أو حتى "طرزان"، يتمتع فعلا بحريّة مطلقة حسب التعريف الذي نحن بصدده، كما أنّ بإمكاننا تخيّل مجتمع يعيش أفراده بلا سلطة عليا على طريقة المذهب الفوضوي، بحيث يكون التعايش فيما بينهم متناغما ومنسجما بالرغم من عدم وجود قانون، وفي هذه الحالة أيضا يصبح التعريف السابق خالياً من أيّ قصور.
لكننّا، في نهاية المطاف، نعيش في مجتمع، كما أننا لسنا ملائكة، وهذا ما يجعل فكرة القانون نتيجة حتمية، فإذا أردنا أن نزيد من فرصة وجود تعايش سلمي فيما بيننا، فلا بدّ من إيجاد قانون يحكمنا جميعاً، وهنا تكمن العلاقة بين القانون والحرية، ذلك أنّ كلّ قانون هو في حقيقة الأمر انتقاص من حرية الفرد، أو من عدد الخيارات المتاحة أمامه، في سبيل ضمان التعايش السلمي والعادل بين الجميع.
لا تخضع كلّ أنواع الحريات إلى رقابة القانون، فعلى سبيل المثال، ليس بوسع أيّ قانون أن يحدّ من حرية التفكير، ذلك أنّ العقل مُلكيّة خاصة؛ بمعنى أنه ليس بوسع أيّ إنسان أن يعرف معرفة تامة ما يدور في عقل إنسان آخر، مما يجعل إخضاع حرية التفكير إلى القانون عملية مستحيلة، لكن حرية التفكير ليست ذات قيمة إذا لم تترجم إلى حرية تعبير، ولعلّ القارئ يتذكّر حكاية ذلك الإمبراطور المغرور الذي خرج عارياً أمام شعبه من دون أن يتجرّأ أحد على ترجمة فكرة "الإمبراطور لا يرتدي شيئا" إلى جملة "الإمبراطور لا يرتدي شيئا"، عدا ذلك الطفل الذي صاح بأعلى صوته مردّدا "الإمبراطور لا يرتدي شيئا" لينفجر الجميع في ضحك صاخب! إنّ ترجمة حريّة التفكير إلى حرية التعبير أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة إلى تطوّر المجتمع، فما قيمة الأفكار في تغيير الواقع إذا لم يتم تبادلها على أرض الواقع؟
إذا كانت حرية التفكير ذاتية، فإنّ حرية التعبير اجتماعية، وهذا ما يجعل هذه الأخيرة خاضعة إلى رقابة القانون. لولا وجود قيم إنسانية متنافرة لما برزت الحاجة إلى وضع قانون يحدّ من حرية التعبير، لكن حجم هذا القانون يعتمد على درجة التسامح السائدة بين أفراد المجتمع الواحد، فكلمّا اعتدتُ سماع ما لا أحبّ أن أسمعه منك، ازداد مقدار حريتك في أن تقول ما تودّ قوله لي، والعكس صحيح، لكن ما زال بيننا– مع الأسف– أفراد لا يتورعون عن سرعة الانتقال من جملة "هذا الشخص يقول كلاما لا يعجبني" إلى جملة "على الحكومة أن تمنع هذا الشخص من الكلام"!

الاثنين، 8 يوليو، 2013

مصر بين شرعية الحاكم وشرعية الحُكم


 إذا كان لنا أن نلخّص ما جرى في مصر في جملة واحدة، فإننا نقول إنّ الشعب المصري العظيم فَرَض القانون بالقوة بعد أن حاول الرئيس المخلوع فَرْض القوة بالقانون. لقد ارتكب الرئيس السابق عدداً من الأخطاء القاتلة التي لم ينكر هو نفسه بعضاً منها، وهناك بطبيعة الحال من حاول مراراً وتكراراً إفشال تجربة الإخوان المسلمين في الحكم، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن الرئيس وأعضاء حزبه ساهموا بغباء منقطع النظير في تأجيج الشارع المصري، فمحاولة الرئيس وحزبه تغيير قواعد اللعبة السياسية من طرف واحد، والخطاب السياسي المفتقر إلى أدنى درجات الحصافة السياسية، وتأجيج النعرات الطائفية والدعوات التكفيرية، وعدم الاكتراث باحتواء الأطياف السياسية المعارضة، كلها أخطاء لا يمكن إلصاقها بخصوم الرئيس وأعضاء حزبه، بل هي أخطاء تيار لم تشفع له شيخوخته التاريخية في تجاوز مراهقته السياسية.
إن مشكلة كل التيارات الشمولية، ومن ضمنها التيارات الإسلامية، هي اعتقادها بأنّ هوية الحاكم تحدّد طريقة الحكم، ولهذا السبب تحديداً يتمسك أنصار هذه التيارات الشمولية بمفهوم الديمقراطية المطلقة دون أدنى اعتبار لحقيقة أن الديمقراطية التي لا يكبح جماحها سوى "شرعية الصندوق" ليست سوى وجه آخر من وجوه الدكتاتورية.
هناك فرق كبير بين شرعية الحاكم وشرعية الحكم، فالأولى يحددها الصندوق، والثانية يحددها الدستور. قد يستمد الدكتاتور شرعيته من الصندوق، لكن هذا لا يجعل من الدكتاتورية طريقة مشروعة في الحكم! شرعية الصندوق أنتجت "هتلر" لكنها لا تبرّر نازيته، وشرعية الصندوق أنتجت "موسوليني" لكنها لا تبرّر فاشيته، وشرعية الصندوق أنتجت "مرسي" لكنها لا تبرّر طائفيته، ذلك أنّ شرعية الصندوق تقتصر فقط على تحديد هوية من يحكم، وأما كيفية الحكم فيحددها الدستور الذي يهدف إلى ضمان التعايش السلمي والعادل بين أفراد المجتمع الواحد.
لقد حاول الرئيس المخلوع احتواء حالة الاحتقان الشديد في الشارع المصري من خلال خطابات رئاسية تدّعي مخاطبة المصريين بكل أطيافهم، لكنّ الأغلبية العظمى من الشعب المصري فقدت الثقة برئيسها، فكيف يثق الشعب برئيس يحضر مؤتمرا طائفيا يصف الشيعة بالأنجاس من دون أن يعرب عن أدنى اعتراض؟ وكيف يثق الشعب برئيس يقسم على احترام القانون ثم يضع نفسه فوق القانون؟ بل كيف يثق الشعب بحزب يتعهد بعدم خوض الانتخابات الرئاسية ثم ينكث بعهده؟
إنّ الذين يصفون ما حدث في مصر بالانقلاب العسكري يتجاهلون الدعوات المتكررة التي أطلقها الجيش المصري في الشهر الماضي إلى الحوار بين الأحزاب السياسية كافة ورفضها الرئيس وحزبه، كما يتجاهلون أيضا حقيقة أن الجيش لم يتخذ قرار التدخل لفرض القانون بالقوة بمفرده، بل جاء بعد مشاورات مع أطياف الشعب المصري كافة، ثم نأى بنفسه عن مسؤولية الحكم ليضعها في يد القضاء المصري. إنّ من يصف ما حدث في مصر بالانقلاب العسكري يفترض ضمناً أنّ شرعية الحاكم تعلو على شرعية الحكم، وإلاّ ما معنى تجاهل الأخطاء القاتلة في طريقة الرئيس في حكم البلاد بحجة أنّه جاء عن طريق صناديق الاقتراع؟ هل من المعقول أنّ تبرّر شرعية الصندوق للدكتاتور الاستمرار في دكتاتوريته إلى نهاية فترة رئاسته؟!
إن مصر هي بلد التعددية التي تجسدت في ميدان التحرير وغيره من الميادين في أنحاء مصر قاطبة، حيث نجد السني والشيعي واليساري واليميني والمسيحي واللاديني جنبا إلى جنب، بينما يقف على الطرف الآخر أفراد على ملة واحدة، فالعبرة الحقيقية ليست بعدد المتظاهرين في كلا الفريقين، بل بمدى تجسيد كليهما للتعددية التي تعكس الوجه الحضاري للمجتمع المصري، كما تعكس أيضا مقدار تسامحه، لكنه تسامح له حدود، فالقنوات الدينية التي دأبت على تكفير الخصوم السياسيين وبث روح الفرقة بين أبناء الشعب الواحد خليقة بأن يتم إغلاقها بالقوة، فلا تسامح مع اللاتسامح أبداً.

الأربعاء، 3 يوليو، 2013

محاضرة: ماذا بعد المقاطعة؟

محاضرة أقامها التيار التقدمي الكويتي بعنوان
ماذا بعد المقاطعة؟
1-يوليو-2013

الأربعاء، 19 يونيو، 2013

نعم لمقاطعة الانتخابات ... من جديد!

الأسباب التي دعت إلى مقاطعة الانتخابات الماضية ما زالت قائمة، لذا فإن مبدأ الاتساق يتطلب أن يقاطع الانتخابات القادمة كلّ من قاطعها في السابق، بل إن تلك الأسباب تفاقمت عدداً وتعاظمت خطراً، فنحن الآن أمام التزام أخلاقي إزاء من ضحوا من أجلنا جميعاً، فمنهم من تصدى لبطش القوات الخاصة بأجسادهم العارية، ومنهم من ضحى بحريته ليدخل غياهب السجن، لذا فإن المشاركة في الانتخابات القادمة تعني الاستخفاف بتضحيات الشباب والتفريط بأهدافهم النبيلة.
من السهل وصف أولئك الشباب بالمتهورين والغوغائيين والمغرر بهم، لكن الحقيقة تشير إلى أنهم خاضوا تجربة مريرة وخرجوا منها بدرس مفاده أن الحرية لا تمنح طواعية بل يجب انتزاعها، وهو درس عصيّ على الفهم عند أولئك الذين طأطؤوا رؤوسهم أمام بريق المال وعظمة الجاه.
بالطبع، هناك من يحلو له أنّ يردّد شعار "احترام القانون واجب أخلاقي"، لكن لا يمكن لأي إنسان عقلاني أن يقبل هذا الشعار بهذا الشكل المطلق، فالقانون العادل فقط هو الذي يكون احترامه واجباً أخلاقياً، ولعلّ لنا في سيرة "مارتن لوثر كينغ" أسوة حسنة، فبعد أن قاد هذا البطل المظاهرات التي تحدّت قوانين التمييز العنصري، رفع العنصريون البيض من الشعب الأميركي شعار "احترام القانون واجب أخلاقي"، فما كان من "لوثر" إلاّ أن أجابهم بمقولة "سان أوغستين" الشهيرة: "القانون الظالم ليس بقانون على الإطلاق"!

لكن ما الذي يحدد عدالة القانون وأحكامه؟ العدالة ليست مرتبطة بمضمون الحكم أو بالنتيجة التي يصل إليها القانون، ولو كان الأمر كذلك لأصبح الحكم نفسه عادلاً بالنسبة إلى طرف وظالماً بالنسبة إلى طرف آخر، بل إنه مرتبط بالآلية التي يصل من خلالها القانون إلى أحكامه، ولهذه الآلية شروط تهدف إلى ضمان عدالة الأحكام، من أهمها الاستقلالية في الرأي، والالتزام بحدود الاختصاص، والاتساق في إصدار الأحكام، والشفافية في عرض القضايا محل الخلاف، والأهم من ذلك كله، نيل ثقة الشعب الذي هو مصدر كلّ السلطات.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة على الساحة المحلية أنّ درجة الاحتقان في الشارع الكويتي لم تصل إلى القدر الذي يجبر السلطة على الحوار والتفاوض على صيغة توافقية ترضي جميع الأطراف، ويبدو ألا خيار أمام الشباب الوطني سوى الاستمرار في المطالبة بالإصلاح الشامل من خلال الطرق السلمية كافة. ليس ثمة حلول سحرية، فالطريق طويل وشاق، وهناك من تخاذل فسلك طريقاً آخر، وهناك من تقاعس فتوقف عن المسير، لكن هناك أيضاً من تأبى كرامته إلاّ أن يسير على طريق الحرية إلى آخر مداه!

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

حول مفهوم حرية التعبير


إنّ مفهوم "حرية التعبير" هو الحجر الأساس لأي نظام ديمقراطي، فالتعبير عن إرادة الأغلبية مرهون بتعبير الفرد عن رأيه، وتعبير الفرد عن رأيه مرهون بضمان حرية التعبير، سنحاول من خلال هذا المقال توضيح أهمية هذا المفهوم بالنسبة إلى الفرد والمجتمع على حد سواء.
هناك علاقة وطيدة بين حرية التعبير ونمو شخصية الفرد وتطوير قدراته العقلية، فالتعبير الحر عن الذات هو الذي يسمح بالتمايز بين الأفراد من حيث طبيعة آرائهم وتوجهاتهم ورغباتهم حتى مخاوفهم، وهو الذي يسمح بوجود فرصة لنقاش موضوعي يفضي إلى تلاقح الأفكار واكتشاف حقائق جديدة. عندما تكون هناك مواضيع محرّم الخوض فيها سلفاً، فإن هذا التحريم لن يسلبنا فقط فرصة التطرق لمثل هذه المواضيع، بل إنه يسلبنا أيضاً فرصة إعادة النظر في آرائنا حولها، وبالتالي يسلبنا أيضاً فرصة التطوّر الذاتي والتغيير نحو الأفضل.
نتبجح أحياناً عندما نؤكد أن احترام الصغير للكبير سمة سائدة في مجتمعاتنا المحافظة، لكننا نتغافل عن حقيقة أنّ قدراً كبيراً من هذا الاحترام مبنيّ على مبدأ عدم خوض الصغير في مواضيع قد تثير غضب الكبير! ليس هناك خطأ من دون محاولة، لكن هل من حق الذي لم يحاول شيئاً قط في حياته أن يفتخر بعدم الوقوع في الخطأ؟ بالمثل، ليس هناك اختلاف من دون حرية التعبير، لكن هل من حقنا التبجح باحترام مبنيّ على خوف؟!
عندما نمنح الآخر فرصة التعبير عن ذاته، فإننا في واقع الأمر نمنح أنفسنا فرصة التعرف على حقيقة هذا الآخر، وعندما نسلب هذا الآخر حقه في التعبير، فإننا في واقع الأمر ندفعه إلى أن يكون نسخة طبق الأصل من صورتنا نحن.
تعصف بمنطقتنا العربية رياح التغيير، لكنه تغيير جاء عن طريق العنف، ومثل هذا النوع من التغيير يضمن فقط تغيير شكل الأنظمة السياسية، لكن النسق الفكري والأنماط التقليدية والعادات الاجتماعية ستبقى هي ذاتها ما بقيت حرية التعبير مقيدة، فلا تغيير نحو الأفضل من دون ضمان حرية التعبير، ولا ضمان لحرية التعبير من دون الحد الأدنى من التسامح بين أفراد المجتمع الواحد.

الأربعاء، 29 مايو، 2013

​عبدالله السالم: الوجه الآخر

الأمير الراحل "عبدالله السالم" معروف بلقب "أبو الدستور" بين أوساط الكويتيين، وأمّا "أمير ويلز" فهو اللقب الذي كان يطلقه على نفسه بين أوساط البريطانيين، ربما للتأكيد على حقه في أن يكون خلفا للشيخ أحمد الجابر في اعتلاء مسند الإمارة. هناك شبه إجماع وطني على الدور الإيجابي للأمير الراحل عبدالله السالم في استقلال الكويت وإرساء الديموقراطية وبناء الدولة الحديثة، لكن أريد من خلال هذا المقال أن أرسم ملامح صورة مغايرة لهذا الأمير، وأما تفاصيل هذه الصورة فقد أتناولها في مقالات لاحقة.

سبق أن أشرنا في مقال سابق إلى حقيقة أنّ استقلال الكويت فرضته ظروف موضوعية معينة في حقبة زمنية محددة، منها على سبيل المثال تضاؤل الهيمنة البريطانية على الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وتعاظم تأثير البروباغندا الناصرية على شعوب دول الخليج، وتزايد الحركات الشعبية العالمية المناهضة للإمبريالية، ولم تكن مثل هذه الظروف الموضوعية تتعلق إطلاقا بهوية من يجلس على عرش الإمارة، ولو كان الفضل في استقلال الكويت يعود بمجمله إلى عبدالله السالم لما أمكن تفسير حقيقة أنّ الاستقلال جاء بعد مضيّ أكثر من عقد من الزمن على تولّيه حكم الإمارة!

إنّ الديموقراطية المنقوصة التي نعيشها اليوم نتيجة طبيعية للسياسة الداخلية التي رسمها البريطانيون وقام بتنفيذها عبدالله السالم، وهي ديموقراطية تصفها المذكرّة التفسيرية لدستور دولة الكويت بأنها"طريق وسط بين النظامين البرلماني والرئاسي"، بمعنى آخر، هي ديموقراطية تهدف إلى إيجاد توازن بين حكم الشعب وحكم الأسرة، بين الديموقراطية والأوتوقراطية، بين حق الاختيار وواجب الطاعة! لعلّما يؤكّد ذلك كلّه هو أنّ المذكرة التفسيرية تشير إلى أنّ الهدف من ذلك التوازن في نظام الحكم هو "الحرص على وحدة الوطن واستقرار الحكم"، مما يعني أنّ هناك افتراضا ضمنيا مفاده أنّ وحدة الوطن واستقرار الحكم صيغتان متناقضتان لا يمكن الجمع بينهما، بل التوفيق فيما بينهما، أو بعبارة أخرى أكثر وضوحا، هناك من يعتقد أنّ الديموقراطية الحقيقية من شأنها الإضرار بوحدة الوطن!

ماذا عن دور عبدالله السالم في بناء الدولة الحديثة؟ إذا كان المقصود بالدولة الحديثة تلك التي تهتمّ ببناء البنى التحتية، ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على الفقر والجهل، فإنّ دور الأمير الراحل عبدالله السالم لا ينكره إلاّ جاحد، لكن إذا كان المقصود بالدولة الحديثة تلك التي تحرص على مبدأ العدالة الاجتماعية، وخلق فرص عمل حقيقية، وتهذيب الجانب الروحي للإنسان، فإنّ دور الأمير الراحل في ذلك كلّه كان سلبيا للغاية، ففي عهده شهدت الكويت أكبر توزيع غير عادل للثروة من خلال سياسة تثمين الأراضي، وبفضله أصبحت الوظيفة الحكومية مجرّد معيار يتم من خلاله معرفة حصّة كل مواطن من الثروة النفطية، وأثناء حكمه إنما بدأت سياسة تشجيع الاستهلاك المحموم الذي لم يبرأ الإنسان الكويتي منه إلى هذه اللحظة.

باختصار، وبالرغم من كل ما قيل حول دوره الإيجابي في استقلال الكويت وإرساء الديموقراطية وبناء الدولة الحديثة، لم يكن الأمير الراحل عبدالله السالم إلى مشروع الدولة أقرب منه إلى مشروع الحكم، بل على العكس من ذلك تماماً.  

الاثنين، 20 مايو، 2013

حول مفهوم الأغلبيّة الصامتة

يحتوي الخطاب السياسي على مفاهيمَ قد تبدو "بريئة" للوهلة الأولى، لكن ما إنْ نُخضع هذه المفاهيم إلى التحليل حتى يتبيّن لنا ما تنطوي عليه من خطورة، ومفهوم "الأغلبية الصامتة" ينتمي إلى هذا النوع من المفاهيم. ما يلي إعادة صياغة لبعض الأفكار الشخصية القديمة حول هذا المفهوم.

المعنى الأصلي لتعبير "الأغلبية الصامتة" يشير إلى "الأموات"، حيث ورد هذا التعبير في إلياذة "هوميروس" في سياق وصف القتلى من الجنود في حرب طروادة. لست أخفي إعجابي الشديد بهذا الوصف الدقيق للأموات، فهم فعلاً أغلبية صامتة، ذلك أنّ عددهم يفوق بكثير عدد الأحياء، وهم أيضا لا ينبسون ببنت شفة! عندما تكون الأغلبية أمواتاً، يسهل علينا نحن الأقليّة من الأحياء الحديث نيابة عنهم، فمهما وضعنا في أفواههم ما لم ينطقوا به، فإننا سنظل مطمئنين إلى استحالة سماع صرخة احتجاج يدوّي صداها أرجاء القبور، وهنا تحديداً يكمن منبع كل سلطة تعتمد على الماضي في حكم الحاضر، وعلى النصوص في حكم الشخوص.
استورد الرئيس الأميركي الأسبق "ريتشارد نيكسون" مصطلح "الأغلبية الصامتة" من عالم الأموات واستثمره في عالم الأحياء، فعندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع احتجاجاً على الحرب في فيتنام، ألقى الرئيس خطاباً يؤكد من خلاله أن الأغلبية الصامتة من الشعب الأميركي تقف إلى جانب استمرار الحرب في فيتنام! تهافت هذه الحجة أوضح من أن يحتاج إلى شرح، فعدم التظاهر ضد استمرار الحرب لا يعني بالضرورة التأييد لاستمرارها، ورغم ذلك مازال الاستشهاد برأي الأغلبية الصامتة حول أي قضية عامة عملة رائجة في عالم السياسة منذ أيام "نيكسون" إلى وقتنا الحاضر.
من الطبيعي وجود أغلبية صامتة في نظام شمولي، فالدكتاتور لا يحب سماع صوت رعيته إلاّ عندما تهتف له، ولكن كيف نبرّر منطقيّاً وجود مثل هذه الأغلبية في نظام ديمقراطي؟ السؤال نفسه بصيغة أخرى: كيف نفسّر صمت الأغلبية في نظام ديمقراطي يقوم على فكرة تجسيد إرادة الأغلبية؟ لا أملك إجابة شافية عن هذا السؤال، ولكن يبدو أن الاستفتاء العام هو الأداة الوحيدة التي يمكن من خلالها اختبار مدى صحة الاستشهاد برأي الأغلبية، ورغم الاعتراف بوجود صعوبة عملية في استخدام هذه الأداة، فإن أحداً لن يتورع عن الحديث نيابة عن الأغلبية الصامتة إنْ هي استمرت في رفضها الخروج عن صمتها.
لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه، ما في ذلك شك، ولكن هل لكل إنسان الحق في عدم التعبير عن رأيه؟ من الصعب أن تكون "لا" هي إجابة القارئ، إلاّ إذا كان محققاً أو وكيل نيابة في دولة قمعية، ولكن إذا كانت الإجابة هي "نعم"، أي إذا كان لي الحق في عدم التعبير عن رأيي، ثم اخترت استخدام هذا الحق، فعندها يصبح من حق الآخرين أيضا الحديث نيابة عني، ففي الحياة الخاصة، يكون الصمت في بعض الأحيان لوناً من ألوان الحكمة، ولكنه في الحياة العامة ليس إلاّ ضرباً من ضروب الانتحار.
عندما تكون هناك دعوة إلى التظاهر حول مسألة تمس الجميع، ثم أختار الجلوس في البيت، فإني بخياري هذا قد وهبت الحق للسلطة السياسية في الحديث نيابة عني، ذلك أن خيار الجلوس في البيت يجعلني تلقائياً في خانة "الأغلبية الصامتة"، وهي أغلبية لا تسكن إلاّ القبور، على حد تعبير "هوميروس".

الاثنين، 13 مايو، 2013

حول مفهوم المدنيّة


كلّ سؤال شائك له إجابة بسيطة، لكنها عادة ما تكون إجابة خاطئة، والسؤال التالي ينتمي إلى هذا النوع من الأسئلة: ماذا يعني أن تكون "مدنيّاً"؟ أن تكون مدنيّاً معناه أن تنتمي إلى مدينة ما، فالمدنيّ هو مَن يسكن المدينة، والقرويّ هو مَن يسكن القرية. هذه الإجابة السطحية تقوم على تعارض جغرافي بين الإنسان المدنيّ والإنسان القرويّ، وهي إجابة خاطئة لأنّ القبول بصحّتها يؤدّي إلى نتائج لا يمكن القبول بصحّتها، فمثلاً، من الصعب أن نسبغ على "جاك السفّاح" صفة "المدنيّة" لمجرّد أنّه كان من قاطني لندن، بينما ننتزع هذه الصفة من الأب "سان مانويل" لمجرّد أنّه كان يعيش في قرية من قرى قشتالة النائية.
لكن لماذا نذهب بعيداً؟ أليس من العسير أيضا أن نطلق صفة "مدنيّ" على مَن يسرق خيرات هذا البلد لمجرد أنّه يقطن داخل أسوار المدينة، بينما ننتزع هذه الصفة عمّن ضحّى بحياته فداء لهذه الأرض لمجرد أنّه يقطن خلف أسوار المدينة؟ أليست ثنائية (حضر - بدو) مظهراً من مظاهر الإجابة السطحية سالفة الذكر؟ أَوَليس صحيحاً أنّ من شأن هذه الثنائية أنْ تجعل من اللصّ نبيلاً، ومن البطل صعلوكاً؟
مدنيّة أيّ فرد لا تحدّدها البقعة الجغرافية التي يعيش عليها، بل تحدّدها قدرة الفرد على التعايش مع مَن يشاطرونه العيش على تلك البقعة، ولهذا التعايش شروط يفرضها مفهوم "المدينة" نفسه، فما يميّز أي مدينة هو احتضانها لأفراد ذوي مشارب مختلفة، وما يميّز هؤلاء الأفراد هو قدرتهم على التعايش رغم اختلافاتهم، ومن هنا فإن إنشاء المدن إنجاز حضاريّ لا يليق إلاّ بفصيلة الإنسان، فالمدينة هي الغابة الوحيدة المسالمة على وجه الأرض، أو هكذا ينبغي أن تكون!
إنّ تعريف مفهوم "المدنيّة" من خلال البعد الجغرافي يجعل من المدنيّة صفة مطلقة، وهي ليست كذلك، بينما تعريف هذا المفهوم من خلال البعد الاجتماعي يجعل من المدنيّة سلوكاً نسبيّاً، وهي كذلك فعلاً، فأنت إنسان مدنيّ بالقدر الذي تنجح فيه في التعايش مع الآخر، والنجاح في أيّ شيء– كما نعلم جميعاً– أمر نسبيّ بالضرورة.
على ضوء ما تقدّم، يُمكن القول إنّ أيّ فعل أو سلوك يُخلّ بمبدأ التعايش مع الآخر لا يمكن أن يكون امتداداً لمفهوم المدنيّة (أي لا يمكن وصفه بفعل أو سلوك مدنيّ)، ابتداء بجرائم القتل والسرقة والاغتصاب، مروراً بالسلوكيّات الأخلاقية المشينة مثل الكذب والغش والخداع، وانتهاء بتصرفات تنم عن رعونة مثل قيادة السيارة بسرعة جنونية! بالمثل، أيّ فعل أو سلوك يعزّز مبدأ التعايش مع الآخر يصبح تلقائيا امتداداً لمفهوم المدنيّة، فالمطالبة باحترام القانون وتطبيقه على الجميع، والتأكيد على مبدأ العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، والتظاهر السلميّ في سبيل إرساء الديمقراطية وتداول السلطة، كلّها ممارسات تدلّ على مدنيّة الدولة ومواطنيها.
بَقيَ أن نشير إلى أنّ التعارض التقليدي بين مفهوم المدنيّة ومفهوم الدين يعود في حقيقة الأمر إلى تعارض حول تحديد طبيعة الأساس الذي يقوم عليه مبدأ التعايش مع الآخر، فالمدنيّة تتخذ من العقل وقوانينه أساساً لتحديد الشروط الملائمة للتعايش بين الأفراد، بينما يتخذ الدين من النص وأحكامه أساساً لتحديد تلك الشروط، وبالرغم من أنّ هذا التعارض ليس مطلقاً، فإنّ هناك نقاط اختلاف كثيرة، فالإنسان المتديّن يرى في تعدّد الزوجات، مثلاً، أمراً مشروعاً لا يخلّ بمبدأ التعايش مع الآخر، بينما يراه الإنسان المدنيّ أمراً مرفوضاً لا يستقيم مع هذا المبدأ.

الاثنين، 18 مارس، 2013

حول مفهوم الوطنية


اللغة وسيلة اتصال بين الناس، وغالبا ما يحتوي هذا الاتصال على مفاهيم. إنّ نجاح الاتصال اللغوي مرهون بالقدر الذي تكون فيه المفاهيم واضحة، وخطابنا السياسي مليء بمفاهيم أساسية، لعلّ أهمها هو مفهوم "الوطنية". ما يلي تلخيص لمقالات سابقة حول هذا المفهوم، سبق أن نشرتها في جريدة "الطليعة"، وسأتناول في مقالات قادمة مفاهيم أخرى لا تقلّ أهمية عن مفهوم "الوطنية".
 مفهوم الوطن يشير إلى الارتباط العاطفي للفرد مع بقعة جغرافية، ومفهوم الدولة يحدد الجانب القانوني لهذا الارتباط. لا أميل إلى تحديد وطنية فرد من خلال مدى حبه لوطنه، ذلك أن حبّ الأوطان مثل حبّ الأشخاص، فيه مدّ، وفيه جزر، و في كلتا الحالتين ثمة سبب! كما أني لا أميل إلى قياس وطنية فرد من خلال مسطرة الحقوق والواجبات تجاه الدولة، فعلى الرغم من أن مفهوم الدولة من الناحية النظرية يهدف إلى إيجاد توازن بين الفرد والجماعة، فإنه من الناحية العملية لم ينشأ أساسا إلا لتخليص الفرد من سلطة البابا وإخضاعه من جديد إلى سلطة من نوع آخر، سلطة الملوك والأمراء، لست ضد مفهوم الدولة الحديثة، لكني ضد استخدام هذا المفهوم كمعيار لوطنية الأفراد.
لكن ماذا نعني بمفهوم "الوطنية"؟ لغويا، ياء النسب تشير هنا إلى الانتساب إلى وطن، لكن يبدو أن هذه الدلالة لا تكفي لشرح المعنى المراد من مفهوم الوطنية، مثلا، عندما نقول "إن هذا المنتوج وطني"، فإن دلالة الانتساب تلبي الغرض، لكن عندما نؤكد أن فلانا من الناس وطنيّ، فإن الدلالة هنا أكثر من مجرد انتماء إلى وطن، إذا أردنا أن نضع هذه النقطة بلغة منطقية نقول: انتماء الأفراد إلى وطن يعتبر شرطا ضروريا لكن ليس كافيا لتحقيق مفهوم الوطنية، ومن هنا نستنتج أن هذا المفهوم يرتبط بمجموعة من الاستحقاقات الناتجة عن هذا الانتماء، لكن ما طبيعة هذه الاستحقاقات؟
لعل أهم استحقاق يتبادر إلى ذهن القارئ هو المتعلق بمفهوم الولاء، لكن علينا هنا أن نطرح سؤالا مهما: الولاء لمن تحديدا؟ مفهوم الولاء مرتبط بشكل نظام الحكم، ففي الدول الديمقراطية الولاء للوطن يعني الولاء لأرض وشعب، أما الدول الشمولية فتضيف إلى جانب الأرض والشعب شخصية الحاكم! السبب في هذا الاختلاف واضح ومباشر، ففي النظم الديمقراطية لا ديمومة للأشخاص، أما تحت الحكم المطلق فإن ديمومة الحاكم ترتفع إلى رتبة الوطن والشعب ولا تزول إلا مع زيارة خاطفة من عزرائيل! مفهوم الولاء للوطن حسب النظم الشمولية يفسر أيضا مظاهر أخرى كثيرة، منها على سبيل المثال عادة النواح الجماعي على موت حاكم أو عادة الطرب الجماعي لسماع أغنية وطنية تمجد الحاكم وخصاله.
ماذا عن الولاء لأرض وشعب؟ ولاء الفرد لأرضه مرتبط بحجم المعلومات الموجودة في ذاكرة هذا الفرد حول البقعة الجغرافية التي نشأ عليها، وبقدر ما تكون الذكريات جميلة، بقدر ما يزداد معيار الولاء للأرض، والعكس صحيح. هذا يعني أن الولاء للأرض حالة فردية خاصة، والإصرار على توريث هذا الولاء إلى أجيال لاحقة فيه نفس دكتاتوري غير مبرر، فليس من حق الأب أن يحدد لابنه أين وكيف يقيّم ذكرياته الخاصة! من جانب آخر، ولاء الفرد لشعب مرهون بمدى توافق مبادئ الفرد مع مبادئ الشعب الذي هو جزء منه، والخروج عن الجماعة يعد فضيلة في أحيان كثيرة، فلا أحد، مثلا، يستطيع أن يشكك بوطنية ألماني رفض الارتباط بشعب مهووس بنظرة متعالية وعنصرية جامحة إبّان الحرب العالمية الثانية، القائمون على التعليم يعتقدون أن من واجبهم "غرس" الوطنية في قلوب الآطفال، ويتخذون من التلقين وسيلة لبلوغ هذا الهدف، مما يعني أن عملية الغرس هي مجرد عملية غسيل للمخ! ماذا سيخسر المربون الأفاضل لو كانوا أكثر منطقية في التعامل مع أطفالنا؟ لماذا لا ندع أطفالنا يعبرون بتلقائية الأطفال عن حبهم أو حتى بغضهم لأوطانهم، ونكتفي فقط بأن نطلب منهم أسباب هذا الحب أو البغض؟ لماذا لا نحاور أطفالنا بدلا من تلقينهم دروسا مكررة ومملة وفوق كل ذلك غير منطقية؟ الوطنية عاطفة فردية خاصة، ومثل كل العواطف الإنسانية، لا يمكن فرضها بالقوة!

الاثنين، 11 مارس، 2013

نزاهة القضاء مرّة أخرى

إن دفاع المستشار عن القضاء دفاع مبرر ومشروع أيضاً، لكنه يبقى دفاعاً منقوصاً، فالمستشار اكتفى بالردّ على من يقيسون نزاهة القضاء من خلال نتائج أحكامه، لكنه لم يتطرق على الإطلاق إلى أولئك الذين ينتقدون الآلية التي تُبنى بواسطتها أحكام القضاء، وأبسط الأسئلة المتعلقة بهذه الآلية هي تلك التي تشير إلى مدى استقلالية القضاء الكويتي مالياً وإدارياً عن السلطة التنفيذية.

في حديث له مع "الجريدة" في عددها الصادر يوم أمس، دافع المستشار فيصل المرشد عن القضاء الكويتي، مؤكداً أنه قضاء "يشهد له الأجنبي قبل ابن البلد"، كما انتقد الهجوم الذي يشنه البعض على القضاء، مشيراً إلى حقيقة أن "البعض إذا صدر حكم يضرّه، ذمّ القضاء وقدح فيه، وإذا صدر الحكم لمصلحته، مدح القضاء"!
في مقال سابق، أشرنا إلى حقيقة أن نزاهة القضاء لا تقاس بنتائج أحكامه، بل بفحص الآلية التي يصل القضاء من خلالها إلى تلك الأحكام، ومن هنا فإن دفاع المستشار عن القضاء دفاع مبرر ومشروع أيضاً، لكنه يبقى دفاعاً منقوصاً، فالمستشار اكتفى بالردّ على من يقيسون نزاهة القضاء من خلال نتائج أحكامه، لكنه لم يتطرق على الإطلاق إلى أولئك الذين ينتقدون الآلية التي تُبنى بواسطتها أحكام القضاء، وأبسط الأسئلة المتعلقة بهذه الآلية هي تلك التي تشير إلى مدى استقلالية القضاء الكويتي مالياً وإدارياً عن السلطة التنفيذية.
كان بودّنا أن نسمع من سعادة المستشار رأيه، مثلاً، في المادة (16) من قانون تنظيم القضاء، وهي المادة التي تجعل من وكيل وزارة العدل عضواً في مجلس القضاء الأعلى، أو في المادة (35) من القانون نفسه التي تنص على أن "لوزير العدل حقّ الإشراف على القضاء". هل من شأن مثل هذه القوانين بعث الطمأنينة في قلوب المواطنين حول الآلية التي يصل القضاء من خلالها إلى أحكامه؟ أليس وجود مثل هذه القوانين هو المسؤول المباشر عن صدور أحكام متباينة في قضايا متشابهة؟
يقول المستشار في حديثه إن "القضاء لن يلتفت إلى الأصوات التي تهاجم الأحكام القضائية"، وفي هذا القول إغفال لحقيقة أن ما يوصف بهجوم على القضاء وأحكامه قد يكون في واقع الأمر دفاعاً عنه وعن مكانته، فالمطالبة باستقلالية القضاء هي في حقيقة الأمر مطالبة بأن يكون القاضي المسؤول الأول والأخير عن الأحكام التي يصدرها، لا أن تكون هذه المسؤولية مشتركة بين السلطة القضائية والسلطة والتنفيذية.
أمّا عن القول بأن القضاء الكويتي "يشهد له الأجنبي قبل ابن البلد" فهي حجة تمنيت لو أن المستشار لم يستند إليها في دفاعه عن القضاء، إذ إن شهادة الأجنبي على شيء ليست دليلاً على سلامته، وبالنظر إلى تاريخ المنطقة العربية، فإن شهادة الأجنبي على شيء أدعى إلى التشكيك فيه من التصديق به، خصوصاً إذا كان هذا الأجنبي عبارة عن وفد من وفود وزارة الخارجية الأميركية.

الأربعاء، 20 فبراير، 2013

الديمقراطية والملكية


الديمقراطية والملكية نقيضان لا يجتمعان، فالأولى قائمة على مبدأ الاختيار، والثانية قائمة على مبدأ الحتمية. هذا الفارق مفرط في العمومية، لذا وجب أن نفصّل فيه بعض الشيء.

 أولاً، عدد الأصوات مسألة جوهرية لتحديد هوية الرئيس الديمقراطي للدولة، بينما نوعية النسل أمر حيوي لتحديد هوية من يجلس على العرش. ثانياً، الرئيس الديمقراطي يُحاسب من قِبل شعبه، أما الملك فحسابه عند الله! ثالثاً، الرئيس المنتخب يصيب ويخطئ، فإن أصاب ازدادت فرصة ترشيحه لولاية أخرى، وإن أخطأ تضاءلت هذه الفرصة، وأما الملك فيبقى ملكاً بصرف النظر عن قيمة الصواب لأفعاله، فهو لا يخطئ أبداً، بل يصحح أخطاء الآخرين! أخيراً، رغبات الرئيس المنتخب مشروعات تحتمل الفشل، ورغبات الملك أوامر تسلتزم التنفيذ.
هل هذا يعني أن الملكية مُرادفة للدكتاتورية؟ ليس بالضرورة، لكن من الصعب وَصْف مَن جاء إلى السلطة عن طريق النسل بالرئيس الديمقراطي، كما أن نوعية النسل لا تضمن أن يخلف الحاكم العادل حاكم عادل، فالعدل صفة مكتسبة، والصفات المكتسبة لا تُورّث كما يقول المتخصصون في علم الأحياء.
لكن ماذا عن مفهوم "المستبد العادل" في تراثنا العربي؟ إذا صرفنا النظر عما يعتري هذا المفهوم من تناقض اصطلاحي (إذ يبدو لي أن احتمالية العثور على مستبد عادل أشبه باحتمالية العثور على مربع دائري!)، فإن ما يعنينا هنا هو مدى قدرة هذا المفهوم على تقديم حل وسط أو نقطة التقاء بين الملكية والديمقراطية؟
 لو كانت الديمقراطية تستمد شرعيتها من تطبيق العدل لما كان هناك اختلاف جوهري بينها وبين الاستبداد العادل، ولكن الديمقراطية- كما هو معروف- لا تؤدي بالضرورة إلى نتائج عادلة. إن جوهر الديمقراطية هو منح الجميع حق الاختيار، وهي بذلك تجعل المسؤولية مشتركة، على العكس تماماً من الاستبداد الذي يلقي بالمسؤولية كاملة على عاتق فرد واحد، ذلك أن لا أحد غير المستبد يملك حق الاختيار.   
الملكية نتاج التاريخ، والديمقراطية نتاج الشعوب، لهذا فإن معظم الشعوب دخلت في صراع مرير مع تاريخها، فبعضها تعاظم حتى انتزع حقه في كتابة تاريخه بنفسه، وبعضها تقاسم هذا الحق مع ملوكه وأسياده، وبعضها تصاغر فناول صاحب الجلالة الريشة والمحبرة!

الاثنين، 14 يناير، 2013

معركة اليوم ومعارك الغد


معركة اليوم هي معركة مباشرة مع السلطة، فالمواطن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون موالياً للسلطة، وإما أن يكون معارضاً لها. هذه ليست ثنائية مزيّفة، فليس هناك خيار وسط بين الموت والحياة، بين الذل والكرامة، بين القبول والرفض.  
عندما تنفرد السلطة بالقرار السياسي، وتقمع الناس وتحط من كرامتهم، وتعتقل المتظاهرين وتروّع الآمنين، فإنّ الهمس كحلّ وسط بين الكلام والصمت لن يكون مقبولاً، على الأقل من الناحية الأخلاقية، فإما أن تصدح بالحق محتجاً على انتهاك كرامة الناس والحط من قدرهم، وإما أن تلوذ بالصمت وتتوارى خجلاً!
لم يعد من المجدي أن تقول: "أنا أرفض نهج السلطة، ولكن...."، فكل ما يأتي بعد هذا الاستدراك ينتمي إلى معارك الغد، لا إلى معركة اليوم، ذلك أن التفرغ للمد الرجعي المتمثل بالنزعات الطائفية والقبلية، والتصدي للإسلام السياسي المتمثل بالحركات والتجمعات الدينية، ومقاومة الرأسمالية المتوحشة المتمثلة بحفنة من البؤر التجارية، كل هذه الأمور من نتاج السلطة، وكلها معارك مستحقة، لكنها معارك مؤجلة، فاليوم لا بد من تضافر الجهود لإرساء نظام ديمقراطي حقيقي يشكل إطاراً لمعارك قادمة.
هناك تخاذل غير مقبول تجاه ما يجري، فالتجار مشغولون في تجارتهم، والمثقفون مشغولون في "إبداعاتهم"، والموظفون مشغولون في رواتبهم، والرياضيون مشغولون في انتصاراتهم، بل إن شريحة كبيرة من الناشطين السياسيين مشغولون في إبراز بطولاتهم الزائفة على حساب تضحيات السواد الأعظم من الشباب الكويتي، وهم بذلك يتناسون أن معركة اليوم تتطلب نكران الذات أكثر من شيء آخر!
قد تنجح السلطة في إجبار العبيد على الاعتقاد بأنهم أحرار، فتتظاهر باحترام الدستور، وتخلق مجلساً صوريا، وتحتضن إعلاماً مزيفاً، لكن العبيد يبقون عبيداً مع ذلك، حتى لو خالوا أنفسهم أحراراً، فالحرية ليست منحة الحاكم للمحكوم، بل ديْن للمحكوم على الحاكم، ومعركة اليوم هي معركة استرجاع الديْن، فما أضيق العيش في وطن لا حرية فيه، وما أتعسنا إذا لم ننتصر لحرية هذا الوطن وكرامته.

الأربعاء، 9 يناير، 2013

السلطة والمسؤولية

كيف صاغ الإسبان العلاقة بين السلطة والمسؤولية بطريقة تضمن تمتع الشعب الإسباني بنور الديمقراطية؟ الجواب عن هذا السؤال نجده في المادة 64 من الدستور الإسباني، فهي تنص على أنّ كل صلاحيات الملك المقرّرة في الدستور لا تكون نافذة ولها قوّة القانون إلاّ بعد مصادقة رئيس الحكومة عليها.


العلاقة بين السلطة والمسؤولية علاقة شرطية مزدوجة، فلا سلطة من دون مسؤولية، ولا مسؤولية من دون سلطة. لا إنسان مسؤول عن كسوف الشمس، لأنّه لا إنسان يملك السلطة في التحكّم بهذه الظاهرة الطبيعية، وبالمثل، لا إنسان ينبغي أن يحكم إذا لم يُساءل عن أفعاله، لأنّ عدم المساءلة تجعل من الحُكم حُكما دكتاتوريّا.
في الدستور الإسباني، الفقرة 1 من المادة 56 تمنح الملك أعلى سلطة سياسية، والفقرة 3 من المادة ذاتها تعفي الملك من أيّ مسؤولية، فالأولى تنصّ على أنّ الملك هو رئيس الدولة ورمز وحدتها وديمومتها، والأخرى تنصّ على أنّ ذات الملك لا تمسّ، كما لا ينبغي مساءلته عن أفعاله! هل هذا يعني أنّ النظام في إسبانيا نظام دكتاتوري؟ إطلاقاً، فمن المعروف أنّ إسبانيا تتمتع بنظام ديمقراطي منذ عقود من الزمن، لذا فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا هو التالي: كيف تحايل الإسبان على العلاقة بين السلطة والمسؤولية بطريقة تضمن تلافي الوقوع في ظلام الدكتاتورية؟
ربّما اعتقد القارئ أنّ لقب "رئيس الدولة" لا يمنح الملك سلطة حقيقية بالضرورة، بل مجرد سلطة شكلية! لست أختلف مع القارئ في أن سلطة الملك الإسباني شكلية إلى حدّ ما، لكن هذه السلطة الشكلية ليس مردّها إلى لقب الملك، فالدستور الإسباني يمنح الملك– حسب المادتين 62 و 63- سلطات حقيقية، منها على سبيل المثال، إصدار المراسيم، وحلّ كلّ من الحكومة والبرلمان، وإعلان الحرب، وغيرها من الصلاحيات الواسعة، لذا فإن السؤال الذي طرحناه مازال قائما: كيف صاغ الإسبان العلاقة بين السلطة والمسؤولية بطريقة تضمن تمتع الشعب الإسباني بنور الديمقراطية؟
الجواب عن هذا السؤال نجده في المادة 64 من الدستور الإسباني، فهي تنص على أنّ كل صلاحيات الملك المقرّرة في الدستور لا تكون نافذة ولها قوّة القانون إلاّ بعد مصادقة رئيس الحكومة عليها، والحكومة في إسبانيا– كما نعلم جميعا- حكومة برلمانية منتخبة، مما يعني أنّ سلطة الشعب فوق سلطة الملك، فالدستور الإسباني يستلزم مصادقة الحكومة المنتخبة على صلاحيات الملك، بينما لا يستلزم مصادقة الملك على صلاحيات الحكومة، لذا فإنّ من حقّ الإسبان أن يفتخروا قائلين إنّ الشعب مصدر السلطات جميعا، وهو كذلك فعلاً!

الاثنين، 7 يناير، 2013

وتستمرّ المسيرات المباركة

استخدام القوة عند الضرورة القصوى حق أصيل للسلطة، والتدرج في استخدام القوة من أبسط الواجبات الملقاة على عاتق السلطة، لكن التعسف في استخدام القوة ينزع عن أي سلطة شرعيتها! المسيرة السلمية لا تنتظر قانونا يُجيزها، بل قانون يحميها، فلا أحد يملك الحق في منع الناس من التعبير عن احتجاجهم على الانتكاس الذي تشهده الكويت في مسيرتها شبه الديمقراطية.


المشاركة في مسيرة احتجاجية تجربة فريدة من نوعها. إنّك تسير إلى جانب أشخاص لا تعرفهم، لكنك لا تلبث أن تألفهم، أشخاص مختلفون في أعمارهم وأصولهم وأفكارهم ومذاهبهم، مختلفون في كل شيء عدا السبب الذي دفعهم إلى المسير جنبا إلى جنب، يهتفون بشعار الكرامة، وينشدون لحن الحرية، ويستقبلون هراوات رجال السلطة بأجسادهم العارية! حتى أولئك الذين انضموا إلى المسيرة عن طريق الخطأ، أو المصادفة، أو لمجرد الفضول، لا يمكنهم إخفاء ذلك الشعور اللذيذ بالنشوة، نشوة ذوبان الفرد في تلك الجموع البشرية، كقطرة ماء تتلاشى في بحر هائج!
أعرف شخصا شديد الكبرياء، مغرقاً في الاعتداد بنفسه، موغلاً في عزلته الفكرية، شعاره في الحياة هو: "كلّما تزاحم الناس على شيء، عافته نفسي"، ورغم ذلك، شاهدته بأم عينيّ في إحدى المسيرات يهتف بأعلى صوته منادياً بحكومة شعبية!
بل إنّ هناك جيلا من الآباء والأجداد، ولاؤهم للسلطة بالفطرة، ونصيحتهم لأبنائهم كانت دوما "الشيوخ أبخص"، ثم تدور الأيام وإذا بهم يشاركون الشباب مسيراتهم، يؤازرونهم حيث تجب المؤازرة، ويواسونهم حيث تجب المواساة!
لن تفهم السلطة هذه التحوّلات الكبيرة في المزاج السياسي-الاجتماعي، ذلك أنّ السلطة التي لا تجد غضاضة في تعطيل حركة سير المرور لتأمين سلامة موكب وزير، ثم تتعذر في الوقت نفسه بتعطيل حركة السير عندما يتعلق الأمر بكرامة وطن، أقول إن مثل هذه السلطة لا يمكن لرجالها أن يفهموا ما يدور حولهم من تحولات خطيرة، وكأني بأحدهم الآن يجلس في أحد القصور المطلة على البحر، متسائلا: "لماذا لا يأكلون الكعك"؟!
استخدام القوة عند الضرورة القصوى حق أصيل للسلطة، والتدرج في استخدام القوة من أبسط الواجبات الملقاة على عاتق السلطة، لكن التعسف في استخدام القوة ينزع عن أي سلطة شرعيتها! المسيرة السلمية لا تنتظر قانونا يُجيزها، بل قانون يحميها، فلا أحد يملك الحق في منع الناس من التعبير عن احتجاجهم على الانتكاس الذي تشهده الكويت في مسيرتها شبه الديمقراطية. هذه ليست دعوة إلى الفوضوية، بل درء للدكتاتورية.
أكتب هذا المقال ولا أدري أيّ مصير ينتظر مسيرة "كرامة وطن 5"، ولكن في يقيني أنها ستكون مثل كل المسيرات السابقة، تبدأ بأمل، وتنتهي بخيبة أمل، لكن سرعان ما يتجدد الأمل لتنطلق بعدها المسيرة السادسة، والسابعة... والألف، إلى أن تدرك السلطة أن هذا الشعب حيّ لا يموت، منيع لا يتصدّع، عنيد لا يُساوَم، حرّ لا يُستعبَد، أبيّ لا يقبل الذل والمهانة.