الاثنين، 24 فبراير، 2014

الإنسان أولاً... العقل ثانياً

المظاهرة، بوصفها وسيلة احتجاج مشروعة، تعكس حيوية المجتمعات البشرية ومدى تفاعلها مع الأزمات التي تمر بها، كما أنها تشير أيضا إلى الأولوية التي يضفيها كل مجتمع على قضاياه المصيرية. في هذا المقال أريد أن أسلّط الضوء على حقيقة أنّ مفهوم التظاهر لدينا يفتقر إلى الإنسان في المقام الأول، وإلى العقل في المقام الثاني.
كلّنا يذكر خروج المواطنين إلى الشوارع في مسيرات عارمة احتجاجا على مرسوم الصوت الواحد، وكلّنا يعرف مدى القمع الذي تعرّض له بعض المواطنين من جرّاء المشاركة في تلك المظاهرات، وكلّنا أيضا يدرك حجم الغضب الشعبي الناتج عن محاولة السلطة الانتقاص من كرامة المواطن، لكن بالرغم من كل ذلك، تبقى الحقيقة المرّة المتمثلة بالسؤال التالي: أين تلك الأعداد الغفيرة من قضايا تفوق من حيث الأهمية قضية كرامة المواطن، ذلك أنها قضايا تتعلّق بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان؟  
لماذا، مثلا، لم نسمع قط عن مظاهرة شعبية كويتية دفاعا عن حقوق العمالة الأجنبية وتنديدا بظروفها المعيشية المزرية؟ لماذا نقف متفرجين على قمع أجهزة الأمن  لمظاهرات "البدون"؟ لماذا لا ننتفض للأخبار التي نقرؤها في الصحف عن اختطاف أطفال صغار واغتصابهم وقتلهم بدم بارد؟ هل من المعقول أنّ هذه الأمور كلها مجرد أمور تافهة لا تستدعي الخروج إلى الشارع؟ من المؤسف حقا أنّه طبقا للقاعدة السائدة حاليا، كي يخرج المرء إلى الشارع يجب أن تكون هناك قضايا لا تقل أهمية عن رسوم كارتونية أو دوائر انتخابية أو قروض استهلاكية (أشعر بالقرف لمجرد عقد مثل هذه المقارنة)!
في الكويت أيضا، دأب التيار الإسلامي طوال عقود من الزمن على حشد المظاهرات المندّدة بقضايا يقتصر ضحاياها على المسلمين فقط، فالإنسان في قاموس "الإسلام السياسي" هو "الإنسان المسلم"، وأمّا مَن لم يكن الإسلام له ديناً فهو أقلّ آدميّة! كيف من الممكن، مثلا، أنّ نصدّق غضبهم من انتهاك حقوق الإنسان يبنما غضبهم هذا مرهون بهوية هذا الإنسان؟ شهدنا مظاهرات تنتصر لحقوق الإنسان السوري، وهي مظاهرات واجبة من دون أدنى شك، لكن في المقابل لم نسمع حتى عن تنديد أو استنكار لما يتعرّض له الإنسان الأوكراني، مثلا! ليس في الأمر سرّ، فالإنسان السوري المسلم إنسان كامل الآدمية، وأمّا ما عداه فلا يستحقّ حتى أن نلتفت إليه!
في الكويت أيضا، من المستحيل حتى أن نتخيل وجود مظاهرة شعبية أمام مبنى وزارة التربية كاحتجاج على تدني المستوى التعليمي وفقر المناهج الدراسية، ومهما أنس فلن أنسى ما نشرته إحدى الصحف المحليّة قبل سنوات حول اعتصام بعض أولياء الأمور احتجاجا على التقييم المدرسي للطلاب، حيث عبّر جميعهم عن امتعاضهم لهذا التقييم وما ينطوي عليه من ظلم للطالب، لكنّ أحدا لم يتطرق على الإطلاق إلى نوعية المعلومة الدراسية التي تقدم للطلاب ومدى استفادتهم منها، فبالنسبة إلى أولياء الأمور ما يهم هو أن ينجح الطالب، وأما ماذا درس تحديدا فهذا أمر لا يسترعي الانتباه! طبقا لعقلية معظم أولياء الأمور، جميل أن يحصل الطالب على الدرجة الكاملة في مادة الفيزياء، لكن لا يهم معرفة أن شكل الذرة الذي تعلمه في منهج الفيزياء فاقد للصلاحية منذ مئة عام! لا أحد يبدو مكترثا بحقيقة أن مناهجنا الدراسية تقول نصف الحقيقة وتشوه النصف الآخر، حيث يدرس الطالب مادة الأحياء ولا يسمع عن "داروين"، ويدرس مادة التربية الإسلامية ولا يسمع عن "ثورة القرامطة"، ويدرس مادة المنطق ولا يسمع عن "جودل"! ماركس وفرويد مجرد يهود حاقدين، وكوبرنيكوس وداروين مجرد حمقى يدّعون ما لم ينزل الله به من سلطان!

الأربعاء، 19 فبراير، 2014

أعداء الرمزية

إنّ مناصبة العداء للرمزية والتفكير المجرّد في تراثنا الإسلامي بلغت من القوة حداً أصبحنا فيه عاجزين عن رصد الخط الفاصل بين الواقع والخيال. لو حاولت، مثلاً، أن تقرأ قصة على شخص غير متعلم، فإن أول سؤال يتبادر إلى ذهنه بعد سماع القصة هو: متى حدث هذا؟ إنّ مثل هذا السؤال يعكس فقراً في فهم ما تعنيه كلمة "خيال"، وهو فقر ناتج عن مناصبة العداء للرمزية في تراثنا.
هل أتيحت لك الفرصة في مشاهدة رمي الجمرات أثناء أداء مناسك الحج؟ أنت ترى بعض الحجاج يرمون بقسوة واضحة ذلك العمود المشيّد في وسط الدائرة، بل إنّ منهم من يذهب إلى أبعد من ذلك ليخاطب ذلك العمود بكلمات فيها من التهديد والوعيد الكثير! لا عجب ولا غرابة، فهذه النوعية من الحجاج لا ترى الرمز الذي يشير إليه ذلك العمود المشيّد، بل الشيطان ذاته!
إليك مثالا آخر من واقع تجربتي القصيرة في سلك التدريس، فعندما أبدأ حديثي قائلاً: "لنفترض أنّ كذا وكذا"، يأتيني الرد من بعض الطلاب محتجين: "ما الفائدة من افتراض شيء لم يحدث على أرض الواقع؟". هذا سؤال يفضح حجم المأساة التي تعانيها العلوم المجردة في نظامنا التعليمي، مثل الرياضيات والمنطق والفلسفة، فالطالب الذي يجهل أهمية الافتراض يجهل بالضرورة أهمية مثل تلك العلوم. من جهة أخرى، لست أبالغ لو قلت إنّ أغلب الطلاب يواجه مشكلة حقيقية في استيعاب التفكير المجرد، وهو نمط من أنماط التفكير الذي لا يهتم بالتفاصيل بقدر اهتمامه بالعموميات، فعندما تأتي بأمثلة محدّدة لفكرة مجردة، فإن الطالب عادة يتشبّث بالأمثلة وينسى الفكرة، ليكون بذلك مثل الطفل الذي يعرف أنّ تفاحة + تفاحة= تفاحتين، لكنّه يجهل في الوقت نفسه أنّ 1 + 1= 2، وإلاّ ما معنى أن يبدأ طالب إجابته عن سؤال في الاختبار من خلال طرح مثال؟ مثال على ماذا؟ لا أحد يعرف!
لعلّ أبرز مظهر من مظاهر العداء للرمزية في تراثنا الإسلامي هو اعتماد التفسير الحرفي، لا الرمزي، للنصوص الدينية، مع عدم مبالاة بالحقائق العلمية والتفكير المنطقي السليم• لنأخذ- على سبيل المثال- مفهوم "السماء" كما ورد في القرآن، فالمعروف أن المفسرين الأوائل لم يجدوا مشكلة في تحديد هذا المفهوم بـ"السقف" الذي نراه أمام أعيننا، لكن في الوقت الحالي ليس بوسع أي رجل دين يحترم عقله إلا أن يبحث عن تفسير آخر أقل مادية من كلمة "سقف"، ذلك أنّ أبجديات العلم تحتّم علينا أن نبحث عن الرمز الذي تشير إليه كلمة "السماء"، وأن نلغي إلى الأبد التفسير السطحي المباشر لهذه الكلمة، ففي نهاية المطاف، ذلك اللون الأزرق فوق رؤوسنا ليس سوى غاز مليء بالشقوق والفروج، كما أنه ليس في حاجة إلى أعمدة كي يبقى في مكانه، فقانون الجاذبية يكفي لهذا الغرض.
يؤكد الشيخ "صالح الفوزان" بكل ثقة قائلاً إنّ "الأرض ثابتة عكس ما يقوله جهلة الفلكيين اليوم"، ولا أدري ما رأي الفلكيين ممن درسوا علم الفلك الحديث ثم التزموا الصمت أمام هذه الإهانة لهم ولما تعلّموه، لكن ما أدريه هو أنّ "كوبرنيكوس"، لو بُعث من قبره وسمع ما يقوله الفوزان، لظنّ أنه لم يلبث في قبره إلا يوماً أو بعض يوم!

الاثنين، 17 فبراير، 2014

هل تكرّر مصر أخطاءها؟

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير كان من المتأمّل أن تستفيد مصر من دروس الماضي فتعمل على إرساء دولة المؤسسات التي لا تهتمّ بهوية الحاكم بقدر اهتمامها بتحديد كيفيّة الحُكم، أو بعبارة أخرى، لا تلتفت إلى صفات الرئيس بقدر التفاتها إلى حجم السلطة المرتبطة بكرسي الرئاسة، لكن يبدو أنّ قَدرَ مصر هو قَدرُ حُكّامها، فمنذ فجر التاريخ ارتبط اسم مصر بأسماء حُكّامها، كما يبدو أنّ العقل المصري ما زال يعاني عقدة "الزعيم"، فعلى الرغم من التجربة المريرة التي خاضها الشعب المصري تحت وطأة حكم الإخوان المسلمين، لا يزال الشعار القديم جذّابا منذ  هزيمة 1967: "ماتسيبناش يا رّيس"!
من يجب أن يحكم مصر؟ هذا سؤال كارثيّ بكل المقاييس، والإجابات التي يُحيلنا إليها هذا السؤال لا تقلّ عنه كارثيّة، فكلّ من يقرأ "كارل بوبر" يدرك جيدا أن السؤال بصيغته الحالية يدفعنا إلى البحث عن إجابات سلطوية وسطحية، مثل "الأفضل"، أو "الأقوى"، أو "الأذكى"... إلخ، فالسؤال كما نرى يربط بين مصدر الحُكم وأهليّة الحاكم، من دون وجود سبب مقنع لمثل هذا الربط، فإذا كنّا نعتقد أن القوة، مثلاً، هي مصدر الحكم، فإننا سنميل إلى الاعتقاد بأن القوي هو الإنسان المؤهل للحكم، من دون أن نقدم أي نوع من التبرير المنطقي لهذا الربط بين مقدار القوة ومشروعية الحُكم.
لتفادي هذا الخلل المتمثل بالربط غير المنطقي بين مصدر الحكم وهوية الحاكم، يقترح "بوبر" إعادة صياغة السؤال على النحو التالي: كيف يمكن تنظيم مؤسسات الدولة بطريقة تساهم في تقليص الضرر الناتج عن وجود حاكم سيئ في سدة الحكم؟ صياغة السؤال بهذه الطريقة لا تهتم بهوية الحاكم بقدر اهتمامها بتحديد كيفية الحكم، ولعلّ الدستور المصريّ الجديد تدراك هذه النقطة بعد تجربة "مرسي" الفاشلة في الحكم، لكنّ الأمر الذي يبعث على القلق حقّا هو هذه الحالة الراهنة من عدم الانسجام بين مسار الثورة المصرية ومسار الإعلام المصري بشكل عام، فالثورة التي ما فتئت تلفظ  طاغية بعد طاغية أفسحت الطريق لإعلام الفلول الذي يعمل ليل نهار على خلق طاغية جديد.
رغم مرور أكثر من نصف قرن على نشوئها، ما زالت علاقة التصادم التاريخي بين العسكر و"الإخوان" تحتفظ بحيويّتها، وما زالت هذه العلاقة أيضا تقف في وجه كل مشروع إصلاحي حقيقي يهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي مدني على الخريطة العربية، لكن مهما يكن من شيء فإنّ أملنا في مصر وأهلها كبير لا يخالجه أيّ شك، وعسى ألا تكرّر مصر أخطاءها.

الأربعاء، 12 فبراير، 2014

فضيلة العلم

"ريتشارد فاينمان" أشهر من نار على علم، فبالإضافة إلى أن جائزة نوبل شرفت بأن يكون هذا الفيزيائي الفذ واحداً ممن حصلوا عليها، فإنّ محاضراته مازالت معيناً لا ينضب من المعرفة بعد أن قام عدد من تلامذته بنشرها في ثلاثة مجلدات، ولست أتخيّل وجود مكتبة جامعية محترمة لا تحتوي على نسخة من تلك المجلدات التي كُتبت بطريقة سلسة ومثيرة للإعجاب. في إحدى محاضراته المصورة، يشرح "فاينمان" طبيعة قوانين الفيزياء، ثمّ يبيّن الخطوات التي من خلالها يصل العلماء عادة إلى اكتشاف تلك القوانين، فالخطوة الأولى تتمثل في محاولة تخمين قانون استناداً إلى المعطيات الأولية التي تتيحها الملاحظة العلمية، والخطوة الثانية هي محاولة تحديد عدد من النتائج المترتبة على افتراض صحة هذا القانون، وأما الخطوة الأخيرة فهي إجراء التجربة للتحقق من صحة تلك النتائج، فإذا أثبتت التجربة خطأ النتائج، أصبح من الضروري منطقياً أن يكون القانون خاطئاً أيضاً، وأمّا إذا أثبتت التجربة صحة تلك النتائج، فإن من المحتمل منطقياً أن يكون القانون صحيحاً أيضاً.
ثمّ يضيف "فاينمان" عبارة خليقة بأن تُكتب بماء الذهب: "لن يكون بوسعنا أبداً أن نكون على يقين من أننا على صواب، لكن بوسعنا أن نكون على يقين من أننا على خطأ"! لنتوقف قليلاً عند هذه العبارة العميقة التي تشير إلى أهم فضيلة من فضائل العلم، وأعني بها فضيلة التواضع المعرفي، ولهذا النوع من التواضع ملامح يجدر بنا التمعن بها.
أولاً، مفهوم التواضع في نظرية الأخلاق يختلف اختلافاً جوهرياً عن مفهوم التواضع في نظرية المعرفة، فالأول يعبّر عن فضيلة مكتسبة تُمليها أحيانا قواعد التربية، وأما التواضع المعرفي فيشير إلى حتمية منطقية تُمليها دائماً قوانين المنطق، فالمغالطة المنطقية التي تعرف باسم "تأكيد التالي" هي المسؤولة عن حتمية القصور المعرفي بحقيقة الأشياء من حولنا (سبق أن أشرنا إلى هذه المغالطة المنطقية في مقالات سابقة).
ثانياً، القاعدة التي يستند إليها التواضع المعرفي تختلف اختلافاً جوهرياً عن القاعدة الفقهية التي تقرر أن "كلّ ما بُنيَ على باطل فهو باطل"، ولهذا الاختلاف وجهان: الوجه الأول، هو أنّ هذه القاعدة الفقهية مخالفة لقوانين المنطق، ذلك أنّ أيّ مبتدئ في علم المنطق يعلم جيداً أنّ بالإمكان التوصّل إلى استنتاج صحيح قائم على مقدمات خاطئة (مثلا: مقدمة 1: الكويتيون كائنات فضائية، مقدمة 2: الكائنات الفضائية بشر، استنتاج: الكويتيون بشر)، وأمّا الوجه الثاني، فيشير إلى حقيقة أنّ هذه القاعدة الفقهية تستلزم لإثبات صحتها إثبات صحة افتراضها (أي صحة أن البناء باطل)، وهذا النوع من الإثبات المباشر للمقدمات لا يتوافر في أغلب الأحيان عندما يتعلق الأمر بالنظريات العلمية وبمبادئها العامة، فإحدى أهم نتائج "الوضعية المنطقية" هي حقيقة أنّ العلم غير معنيّ بإثبات مبادئه أو افتراضاته العامة، بل هو معنيّ فقط بإثبات ما يترتب على تلك المبادئ أو الافتراضات، فالعلماء – مثلا – لم يحتفوا بالنظرية النسبية العامة لأنهم استطاعوا رؤية تقوّس المكان من حولهم، بل لأنّهم استطاعوا اختبار صحة ما ينتج عن مبدأ تقوّس المكان، مثل انحراف الضوء عن مساره بالقرب من الشمس أثناء فترة الكسوف.
أخيراً، لعلّ أهم ملمح من ملامح فضيلة التواضع المعرفي هو أنها فضيلة تقف على النقيض من نقيصة اليقين الدوغمائي، الأمر الذي يفسّر كثرة استخدام مفردات الشك أو الاحتمال في الكتب العلمية الرصينة (مثل: "يبدو"، "ربما"، "لعلّ"، "على الأرجح"، إلخ)، وكثرة استخدام تعابير اليقين في الكتب غير العلمية بشكل عام، وكتب التراث بشكل خاص (مثل: "ثبت قطعاً"، "إجماع العلماء"، "مما لا شك فيه"، "لا ريب"، إلخ).
فضيلة العلم هي هذا التواضع المعرفي الذي يستجيب له العلماء مجبرين بدافع احترامهم لعقولهم، ونقيصة الدوغما بكل أنواعها هي هذا التعجرف المعرفي الذي يستهوي أولئك الذين يجدون في الجهل مرتعاً لعقولهم، وما أصدق المتنبي حين قال:
"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم".

الأربعاء، 5 فبراير، 2014

آفة الاستقطاب في الموقف من أحداث مصر

بئس الثقافة التي نعيشها هذه الأيام، والتي لم تعد تعني بحثاً مخلصاً عن الحقيقة أينما وُجدت، بل أضحت مجرّد اصطفاف غير مشروط مع أيديولوجية ضد أخرى، وهذا ما نراه واضحا جليّاً منذ أوّل يوم تهاوى فيه "الإخوان المسلمين" عن عرش مصر، فمنذ ذلك الحين أصبح الشأن المصري غير قابل للقسمة على أكثر من اثنين، فإما أن يكون المرء مع "الانقلاب" ضد "الشرعية"، أو أن يكون مع "الإرهاب" ضد "الوطن"، وكأنّ خيار الوقوف مع الثورة ضد "الإخوان" والعسكر معاً أمرٌ مستحيل منطقيّاً، فإمّا أن تكون "إخواني الهوى" فتفوزَ بلقب "المثقف الحقيقي"، وإمّا أن تكون "سيسيّ الهوى" فتظفرَ بلقب "المصري الحقيقي"، لكن إنْ حدّثتك نفسك في الرغبة عن هذا وذاك، إنْ حملتك الجرأة على رفع شعار "لا للإخوان، لا للعسكر"، إنْ أجبرك عقلك على رفض دكتاتورية الفرد ودكتاتورية الجماعة، فأنت حينئذ أحد اثنين: إما أنّك تنتمي إلى طابور "المثقفين المزيّفين"، أو أنّك تنتمي إلى "الخلايا النائمة"!
ترتفع الأصوات هذه الأيام من كلا الطرفين مندّدة بكلّ من تسوّل له نفسه "الوقوف على الحياد بين الضحية والجلاد"، لكن ينبغي التذكير بأنّ ضحيّة اليوم هي ذاتها جلاد الأمس، مثلما أنّ جلاد اليوم هو ذاته ضحيّة الأمس، كما ينبغي التأكيد على حقيقة أنّ الحياد يعني اصطلاحاً عدم اتخاذ أي موقف، كما أنّه يشير ضمنيّاً إلى أنّ الموقف من أحداث مصر لا يقبل القسمة على أكثر من اثنين، وهنا إنمّا تكمن مغالطة مقصودة من طرفي النزاع تهدف إلى كسب أكبر عدد ممكن من المؤيدين، فالذي يرفع شعار "لا للإخوان، لا للعسكر" لا يقف على الحياد، بل يعلن موقفاً ثالثاً أكثر تحضراً، وأرقى مقاماً، وأشدّ نفعاً لمصرَ وأهلها.
أجل، بئس الثقافة التي نعيشها هذه الأيام، والتي لم تعد تعني مسؤولية الوقوف مع الضعيف ضد القويّ، بل أضحت مجرّد ترجيح كفة القريب على البعيد، فالموقف من هذا وذاك لم يعد مرتبطاً بحقيقة الصراع بقدر ارتباطه بهوية طرفيْه، فإن من تهواه النفس يبقى صائباً ولو أخطأ، ومن تبغضه النفس يبقى خاطئاً ولو أصاب!

الاثنين، 3 فبراير، 2014

عقلانية طه حسين ولا عقلانية سيّد قطب

في عام 1938، وضع طه حسين كتابه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر"، وفي عام 1964، وضع سيّد قطب كتابه الشهير "معالم في الطريق". إذا كان لنا أن نقارن بين هذين الكتابين، فإن أبرز وجه من وجوه المقارنة يشير إلى تنافر واضح بين عقلانية طه حسين ولاعقلانية سيّد قطب، وسنتناول من خلال هذا المقال بعض ملامح هذا التنافر الذي ما انفكّ يتجدد في ثقافتنا العربية، وإنْ اتخذ أشكالاً مختلفة.
يبرز أول ملمح من ملامح العقلانية عند طه حسين من خلال تأكيده في مقدمة الكتاب حقيقة أنّ ما يقدمّه للقارئ بشكل عام، وللشباب الجامعي المصري بشكل خاص، لا يعدو أن يكون رأيا خاصا يحتمل الصواب أو الخطأ. يقول العميد: "من يدري! لعل هذا الكتاب كله أو بعضه سيقع موقعاً حسناً من بعض الذين إليهم أمور التعليم، ولعلهم أن يأخذوا ببعض ما فيه من رأي". ثم يتابع: "ومن يدري! لعل هذا الكتاب كله أو بعضه أن يقع موقعاً سيئاً من بعض الناس، ولعلهم أن ينقدوه، وأن يثيروا حوله هذا الجدل الخصب، الذي يجلي وجه الحق في كثير من الأحيان".
في مقابل هذا التواضع العقلي الذي تمليه أبجديات المنهج العقلاني، نجد على الطرف الآخر ادعاءً زائفاً بامتلاك الحقيقة التي لا يشوبها أيّ شك، ذلك أنّ سيّد قطب يزعم في بداية كتابه أنّ "البعث الإسلامي" لا بدّ له من "طليعة" من الشباب المسلم، "ولا بد لهذه الطليعة... من معالم في الطريق"، كما لا بد لهذه المعالم أن تستند إلى التصوّر الإسلامي الذي تصل إليه "الصفوة المختارة"، ولا ريب في أنّ سيّد قطب رأى نفسه واحداً من تلك "الصفوة المختارة"، ذلك أنّه يقدّم إلى تلك الطليعة "معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة"، "ثم تعرف من أين تتلقى... وكيف تتلقى؟"، ثم يختم سيّد قطب مقدمة الكتاب راجياً أن يأتيَ بالمزيد من المعالم في المستقبل "كلما هداني الله إلى معالم هذا الطريق"!
نحن نرى، إذن، أنه بينما يقدّم طه حسين رأيا خاصا حول مستقبل الثقافة في مصر، فإنّ سيّد قطب يقدّم معالم تنير الطريق أمام الأمة الإسلامية برمتها لتصحبها نحو الزعامة أو "تسلّم قيادة البشرية" حسب تعبيره. إزاء هذه الفاشية التي تطمح إلى التفوق والصدارة، وإلى "الخلافة في الأرض"، وإلى احتقار شعوب الأرض "وقهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها"، أقول إزاء هذه الفاشية نرى على الطرف الآخر نظرة تطمح إلى المساواة والعدل بين شعوب الأرض كافة، فطه حسين يؤكد في كتابه سالف الذكر "أنّ نظام المساواة في الحقوق والواجبات... في حياتنا الداخلية هو بعينه النظام الذي يجب أن نقرّه في حياتنا الخارجية"، إذ "يجب أن نمحوَ من أنفسنا أنّ في الأرض شعوباً قد خُلقت لتسودنا، ويجب أن نمحوَ من أنفسنا أنّ في الأرض شعوباً قد خُلقت لنسودها".  
شتّان بين نظرتين تقدّم إحداهما رأياً يحتمل الخطأ حول المستقبل الثقافي لشعب، بينما تقدّم الأخرى خارطة طريق لا تحتمل إلاّ الصواب حول مصير شعوب بأكملها، ولعلّ مردّ هذا التنافر يكمن في طبيعة المنهج الذي تستقي منه كل نظرة على حدة، فمن المعروف أثر الديكارتية في النتاج الفكري لطه حسين، خصوصا فيما يتعلّق بمفهوم "الشك" كأداة معرفية، كما أنّ "ديمقراطية المعرفة" التي نجدها عند ديكارت تقابلها "ديمقراطية التعليم" التي نجدها عند طه حسين، فالأول بدأ كتابه الشهير "خطاب المنهج" قائلا "إنّ العقل أعدل أشياء الكون توزّعا بين الناس"، والثاني جعل من الأخد بأسباب هذا العقل (أي التعليم) متاحاً لكل الناس على حدّ سواء. بالمقابل، نجد في "معالم في الطريق" دعوة إلى تعليم مقيّد بالتصوّر الإسلامي للعالم من حولنا، وهي دعوة لا تريد منّا أن نسمع أو نقرأ إلاّ ما يتوافق مع معتقداتنا، وأمّا المنهج الذي استقى منه سيد قطب أفكاره الفاشية، واهتدى بواسطته إلى المعالم المؤدية إلى طريق الخلاص، فقد أوجزه في جملة واحدة عندما كتب يقول: "إنّ المنهج في الإسلام هو الحقيقة، ولا انفصام بينهما"!