الاثنين، 23 فبراير، 2015

خانعون مع سبق الإصرار والترصّد

قبل أيام، انتشر شريط مصوّر حول النزاع الذي جرى أمام مبنى صحيفة "الوطن" بين رجال الشرطة ومُلاك الصحيفة، وقد تضمّن الشريط قدراً لا بأس به من السّباب المتبادل بين الطرفين المتنازعين، والسباب في حد ذاته لا ينبغي أن يثير الانتباه، فالألفاظ البذيئة تطرد الألفاظ المحترمة في عصور الانحطاط، لكنّ الأمر الذي هو خليق بإثارة الانتباه يتعلّق بما ردّده أحدهم، موجّهاً كلامه إلى اللواء عبدالفتاح العلي، حيث صاح يقول: "يا بوأحمد ما تقدر على المشيخة"!
ما الذي يثير الانتباه في هذه الجملة؟ لا يبدو أنّ الأمر متعلّق بمحتواها، فهناك دلائل كثيرة تشير فعلاً إلى أننا في الكويت إلى دولة "المشيخة" أقرب منّا إلى دولة القانون، ومن تلك الدلائل – على سبيل المثال لا الحصر– أسماء العديد من الشوارع العامة والمناطق السكنية، وأسماء الكثير من الأشخاص في المناصب القيادية، كما أن شيوع مصطلح "هيبة الشيوخ" يدلّ على أننا أبعد ما نكون عن المجتمع المدني، وأقرب ما نكون إلى المجتمع العشائري، وليس هذا بالأمر الجديد، فتعبير "الأسرة الواحدة" ورد أكثر من مرّة في محاضر لجنة صياغة الدستور، وهو تعبير يعكس سذاجة العملية الديمقراطية وأصالة العقلية العشائرية في مجتمعنا، ذلك أنّ ولادة أي دستور تتم على أيدي أطراف تختلف في توجهاتها وتتحد في احترامها لهذا الميثاق الجديد الذي تنوي التقيّد به، أي الدستور، وأمّا "العائلة الواحدة" فليست في حاجة إلى دستور، بل إلى ربّ أسرة يدير شؤونها.
"يا بوأحمد ما تقدر على المشيخة"... جملة تكشف أكثر ما تكشف عن رذيلة الخنوع المتأصلة، والخنوع درجات، بعضها لا يتعدّى التباهي بتعليق صورة مع "شيخ"، وبعضها الآخر يذهب إلى حدّ تقبيل الأكتاف والأيادي، كما أنّ الخنوع مراتب، فهناك "صبيان البشت"، وهناك "صبيان الدينار"، وما يجمع بين الفريقين هو التفنّن في إظهار ألوان الخنوع لأولياء النعمة.
الخانعون في مجتمعنا ليسوا كأبطال "دوستوفيسكي" في روايته "مُذلون مُهانون"، فنحن لسنا أمام أناس أذلّهم الدّهر وأهانهم رغماً عنهم، بل أمام أناس احترفوا الذلّ والمهانة عن طيب خاطر، وإذا وقف الدّهر في وجوههم، تباكوا على ضياع حِرفة الذل والمهانة بعد أن تخلّى عنهم أولياء نعمتهم، وصدق "كانط" إذ كتب يقول في كتابه الشهير "ميتافيزيقا الأخلاق": مَن يجعل من نفسه دودة لا يجب أن يغضب عندما يدوسه الآخرون"!

الاثنين، 16 فبراير، 2015

حول مفهوم الإسلام المعتدل


في ظلّ الممارسات الوحشية لما يُسمى "تنظيم الدولة الإسلامية"، وفي ظلّ الهجمة الإعلامية الغربية على ما يُسمى Radical Islam أو "الإسلام المتطرّف"، تطرح جماعة "الإخوان المسلمين" نفسها بوصفها حركة تمثّل "الإسلام المعتدل"، وبصرف النظر عن مدى ملاءمة هذا الوصف لحركة فاشية لم يخلُ تاريخها السياسي الطويل من ممارسات وحشية، فإنّ ما يعنينا في هذا المقال هو تسليط الضوء على مفهوم "الإسلام المعتدل" في محاولة لتوضيح ما ينطوي عليه هذا المفهوم من غموض والتباس، وتبيان ما يترتّب عليه من تبعات سلبية.
هناك اعتقاد شائع، خصوصاً بين أنصار "الجماعة"، مفاده أنّ مشكلة "الإسلام المتطرّف" لا يمكن التغلّب عليها إلاّ من خلال تبنّي حلّ "الإسلام المعتدل"، أي أنّ المشكلة لا تعدو أن تكون نسبية، وأمّا الحلّ فأشبه ما يكون بعملية تجميلية تعالج القشور دون النّفاذ إلى الجذور، لكن لو تأملّنا مفهوم "الإسلام المعتدل" لوجدنا أنّ المشكلة متعلّقة بالجوهر لا المظهر، وأنّ الحلّ مرتبط باللّب لا القشور.
ماذا نعني بقولنا إنّ مشكلة التطرّف الديني متعلقة بالجوهر لا المظهر؟ للإجابة عن هذا السؤال تنبغي ملاحظة أنّ التطرّف لا يعبّر عن قيمة سلبية بالضرورة، فنحن – مثلا – لا ندفع إنساناً متطرّفا في إنسانيته إلى أن يكون أقلّ تطرّفا، كما أنّ الاعتدال لا يمثلّ قيمة إيجابية بالضرورة، فنحن لا نحثّ المجرمين – مثلا – على الاعتدال في إجرامهم، ومن هنا ينبغي طرح السؤال التالي: ما الذي يجعل تطرّفنا في إنسانيتنا أمراً محموداً وتطرّفنا في ديننا أمراً مذموماً؟ من الواضح أنّ الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط بصفة "التطرّف" بقدر ارتباطها بموضوع التطرّف، وهذا بالضبط ما نعنيه بقولنا إنّ التطرّف الديني يشير إلى مشكلة جوهرية، أي مشكلة ناتجة عن المصدر الذي يستقي منه المتطرّفون مبرّرات سلوكهم المتطرّف.
 وماذا نعني بقولنا إنّ حلّ مشكلة التطرّف الديني مرتبط باللّب لا القشور؟ ما نعنيه هو أن يكون الحلّ حلّا جذريا، أي أن يهدف إلى فكّ الارتباط بين التطرّف والدين، لا أن يكتفي باستبدال التطرّف بالاعتدال، ثم إنّ تسليط الأضواء على الحاجة إلى "إسلام معتدل" يشير ضمناً إلى أنّ "الإسلام المتطرّف" هو السائد، وهذا أمرٌ ينافي الواقع، فالمتطرفون أقلّ عدداً وإنْ بدوا أكثر ضجيجاً، لكنّ يبدو أنّ وراء الترويج لمفهوم "الإسلام المعتدل" مستفيدين، منهم الطامحون إلى المحافظة على مُلك توارثوه، ومنهم التوّاقون إلى استعادة مُلك أضاعوه!

الأربعاء، 4 فبراير، 2015

حول ثقافة طرح الأسئلة

لا بدّ من إعادة النظر في ثقافة طرح الأسئلة في الفصول الدراسية، فهناك من الأساتذة ممن يعمدون إلى طرح الأسئلة المفاجئة أو الصعبة انتقاماً من كسل الطلّاب وتقاعسهم، والنتيجة المأساوية هي تشويه ثقافة التساؤل، فالسؤال الذي هو في الأصل لون من ألوان الفضول المعرفي أضحى مجرّد شكل من أشكال العقاب.



تقتصر اللغة على فصيلة الإنسان فقط، والقدرة على التساؤل غير ممكنة من دون وجود لغة، ومن ذلك نستنتج أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على طرح الأسئلة، وطرحها هو الخطوة الأولى على طريق المعرفة، هذا إذا كنّا ننظر إلى ثقافة التساؤل بوصفها وسيلة لاكتساب المعرفة، لكن يبدو أنّ هناك مَن يصرّ على تشويه هذه الثقافة، وأريد من خلال هذا المقال أن أسلّط الضوء على بعض جوانب هذا التشويه في نظامنا التعليمي.
السؤال علاقة ثنائية بين سائل ومسؤول، وليس بالضرورة أن يكون السائل والمسؤول شخصين مختلفين، فالتأمّل– مثلا– عبارة عن نشاط ذهني يقوم من خلاله الفرد بدور السائل والمسؤول معاً، وبالمثل، عندما يتعلّق الأمر بالعملية التعليمية، ليس بالضرورة أن يكون السائل هو الأستاذ والمسؤول هو الطالب، فمن الجائز أحيانا- بل من الأفضل دائماً– أن يكون الطالب هو السائل والمسؤول معاً، في حين يقتصر دور الأستاذ على حثّ الطالب على طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها بنفسه.
وعندما ننظر إلى الأستاذ بوصفه مصدر السؤال دائما، فإننا في واقع الأمر نبعث رسالة غير صحيحة إلى الطالب مفادها أنّ الأستاذ هو أيضا مصدر المعرفة، وإذا كان للأستاذ سلطة مشروعة على طلّابه بحكم وظيفته، فإنّ الرسالة الخاطئة تستحيل إلى رسالة خطيرة مفادها أنّ المعرفة والسلطة مرتبطتان بالضرورة، ففي ذلك تكريس لآفة الدكتاتورية في نفوس الطلّاب.
لا بدّ من إعادة النظر في ثقافة طرح الأسئلة في الفصول الدراسية، فهناك من الأساتذة ممن يعمدون إلى طرح الأسئلة المفاجئة أو الصعبة انتقاماً من كسل الطلّاب وتقاعسهم، والنتيجة المأساوية هي تشويه ثقافة التساؤل، فالسؤال الذي هو في الأصل لون من ألوان الفضول المعرفي أضحى مجرّد شكل من أشكال العقاب، وبدلاً من أن يكون السؤال تعبيراً عن احتفاء عميق بطلب المعرفة أصبح مجرّد احتفاء رخيص بفضح الجهل!
لا تشير القدرة على التساؤل إلى إنسانيتنا فحسب، بل هي قدرة تذكّرنا بفضيلة التواضع المعرفي من جانب، وفضيلة التفكير النقدي من جانب آخر، فإذا كان عدد الأسئلة يفوق دائما عدد الأجوبة، فخليق بنا أن نتذكر دائما أنّ ما نجهله يفوق بكثير ما نعرفه، وإذا كان السؤال الحقيقي يشير إلى عدم اليقين، فخليق بنا أن نكون إلى التشكيك أقرب منّا إلى التصديق.

الاثنين، 2 فبراير، 2015

افتراءات «الإخوان» على تشومسكي


الخبر الكاذب مثل المرض الخبيث الذي تفوق سرعةُ انتشاره سرعةَ اكتشافه، وإذا كان حبل الكذب قصيراً– كما يقولون– فإنّ له متانة أشدّ من حبل الصدق، كما أنّ أثر الخديعة أبقى من أثر الحقيقة، لذا فإنّ اللجوء إلى الأخبار الكاذبة استراتيجية ناجحة في الحروب الإعلامية، وجماعة "الإخوان المسلمين" تشنّ حرباً إعلامية منذ أن أضاعت مُلكاً لم تُحسن سياسته، وهي حرب لا تقلّ خُبثا عن الحروب الإعلامية التي يشنّها الإعلام المصري ضدّ "الإخوان"، لكن عندما يأتي الخبث من جماعة ترفع شعار "الإسلام هو الحلّ"، فإنّ الأمرَ يستحقّ التأمل، وهذا المقال يُسلّط الضوء على جانب من جوانب "الخبث الإعلامي" لدى الجماعة والمتمثل بافتراءاتها المتكررة على المفكّر الأميركي وعالم اللسانيات الشهير "نعوم تشومسكي".
 في 27 أغسطس من عام 2013، نشرت صحيفة "يني شفق" التركية على صفحتها الأولى مقابلة أجرتها مع "تشومسكي" حول الأوضاع السياسية في مصر، والجدير بالذكر أنّ هذه الصحيفة التركية تعتبر من أشدّ الصحف الموالية للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، لذا لم يكن من المستغرب أن تحتفي الصحيفة بمقابلة يظهر فيها "تشومسكي" مسانداً قويا لسياسات "أردوغان"، ومهاجما شرسا للنظام المصري، ومتعاطفاً كذلك مع "الإخوان"، لكن بعد نشر تلك المقابلة بيومين، نشر "تشومسكي" على موقعه الرسمي تصريحا يتهم من خلاله الصحيفة التركية بفبركة أجزاء من المقابلة وتحريف أجزائها المتبقية، وبعد ترددّ ومماطلة نشرت الصحيفة اعتذارا رسميا للقرّاء بشكل عام، ولتشومسكي بشكل خاص، تعترف من خلاله بارتكابها خطأ جسيما!
على الرغم من أن الزمن الفاصل بين نشر تلك المقابلة ونشر ذلك الاعتذار لا يزيد على خمسة أيام فقط، فإنّ الترجمة العربية للمقابلة "الفضيحة" انتشرت كما النار في الهشيم في المواقع الإعلامية الموالية لجماعة "الإخوان"، وبالرغم من مرور أكثر من عام كامل على نشر الصحيفة التركية اعتذارها، فإنّ الماكينة الإعلامية الإخوانية ما زالت غير مكترثة بزيف المقابلة لعدم اكتراثها بنشر الاعتذار، وليس ذلك مما يثير الاستغراب، خصوصا إذا أدركنا أنّ الافتراء الإخواني على تشومسكي ظاهرة، لا حالة فردية، ففي مطلع العام الماضي، نقلت المواقع الإعلامية الموالية لجماعة "الإخوان" عن تشومسكي قوله إنّ الترتيبات قد بدأت "لعودة مُرسي للحكم... وحاسبوني على هذا"، وليت شِعري أيّهما أدعى أن نُحاسبه: تشومسكي الذي لا تسمح له مكانته العلمية بأن يجازف في تقديم تنبّؤ رخيص من هذا النوع، أم جماعة "الإخوان" التي تُبيح لها مبادئها الميكيافيلية تشويه الحقائق ونشر الأكاذيب؟  
لا تنتهي الافتراءات الإخوانية على "تشومسكي" عند هذا الحدّ، فالأمثلة كثيرة، ولا تقتصر فقط على المواد المقروءة بل تتعدّاها إلى المواد المرئية والمسموعة، وهي افتراءات تعتمد في انتشارها الواسع على عوامل شتّى لا يسع المجال هنا إلى ذكرها، لكن تنبغي ملاحظة أمرين فيما يخصّ موقف "تشومسكي" من أحداث مصر، الأمر الأوّل هو اعترافه هو نفسه في أكثر من مناسبة بأنه ليس خبيرا بالشأن المصري، وليس على اطلاع على تفاصيله الدقيقة، والأمر الآخر يشير إلى وقوف تشومسكي المبدئي ضد سلطة "العسكر"، لكنّ هذا لا يجعله تلقائياً مع "الإخوان"، ففي آخر مقابلة أجرتها إحدى القنوات العربية الشهيرة معه، أبدى تشومسكي أسفه الشديد على تقلّص الفرص المؤدية إلى قيام ديمقراطية علمانية في مصر، ويبدو أنّ مثل هذا الكلام عصيّ على الفهم عند جماعة تنظر إلى العالم من منظار الثنائيات المزيفة، فإذا لم تكن مع "س" فهذا معناه أنّك مع "ص"، والعكس صحيح، وأمّا فكرة وجود "ع" فليست واردة إطلاقا في الذهن الإخواني ثنائي الأبعاد!