الاثنين، 16 فبراير 2015

حول مفهوم الإسلام المعتدل


في ظلّ الممارسات الوحشية لما يُسمى "تنظيم الدولة الإسلامية"، وفي ظلّ الهجمة الإعلامية الغربية على ما يُسمى Radical Islam أو "الإسلام المتطرّف"، تطرح جماعة "الإخوان المسلمين" نفسها بوصفها حركة تمثّل "الإسلام المعتدل"، وبصرف النظر عن مدى ملاءمة هذا الوصف لحركة فاشية لم يخلُ تاريخها السياسي الطويل من ممارسات وحشية، فإنّ ما يعنينا في هذا المقال هو تسليط الضوء على مفهوم "الإسلام المعتدل" في محاولة لتوضيح ما ينطوي عليه هذا المفهوم من غموض والتباس، وتبيان ما يترتّب عليه من تبعات سلبية.
هناك اعتقاد شائع، خصوصاً بين أنصار "الجماعة"، مفاده أنّ مشكلة "الإسلام المتطرّف" لا يمكن التغلّب عليها إلاّ من خلال تبنّي حلّ "الإسلام المعتدل"، أي أنّ المشكلة لا تعدو أن تكون نسبية، وأمّا الحلّ فأشبه ما يكون بعملية تجميلية تعالج القشور دون النّفاذ إلى الجذور، لكن لو تأملّنا مفهوم "الإسلام المعتدل" لوجدنا أنّ المشكلة متعلّقة بالجوهر لا المظهر، وأنّ الحلّ مرتبط باللّب لا القشور.
ماذا نعني بقولنا إنّ مشكلة التطرّف الديني متعلقة بالجوهر لا المظهر؟ للإجابة عن هذا السؤال تنبغي ملاحظة أنّ التطرّف لا يعبّر عن قيمة سلبية بالضرورة، فنحن – مثلا – لا ندفع إنساناً متطرّفا في إنسانيته إلى أن يكون أقلّ تطرّفا، كما أنّ الاعتدال لا يمثلّ قيمة إيجابية بالضرورة، فنحن لا نحثّ المجرمين – مثلا – على الاعتدال في إجرامهم، ومن هنا ينبغي طرح السؤال التالي: ما الذي يجعل تطرّفنا في إنسانيتنا أمراً محموداً وتطرّفنا في ديننا أمراً مذموماً؟ من الواضح أنّ الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط بصفة "التطرّف" بقدر ارتباطها بموضوع التطرّف، وهذا بالضبط ما نعنيه بقولنا إنّ التطرّف الديني يشير إلى مشكلة جوهرية، أي مشكلة ناتجة عن المصدر الذي يستقي منه المتطرّفون مبرّرات سلوكهم المتطرّف.
 وماذا نعني بقولنا إنّ حلّ مشكلة التطرّف الديني مرتبط باللّب لا القشور؟ ما نعنيه هو أن يكون الحلّ حلّا جذريا، أي أن يهدف إلى فكّ الارتباط بين التطرّف والدين، لا أن يكتفي باستبدال التطرّف بالاعتدال، ثم إنّ تسليط الأضواء على الحاجة إلى "إسلام معتدل" يشير ضمناً إلى أنّ "الإسلام المتطرّف" هو السائد، وهذا أمرٌ ينافي الواقع، فالمتطرفون أقلّ عدداً وإنْ بدوا أكثر ضجيجاً، لكنّ يبدو أنّ وراء الترويج لمفهوم "الإسلام المعتدل" مستفيدين، منهم الطامحون إلى المحافظة على مُلك توارثوه، ومنهم التوّاقون إلى استعادة مُلك أضاعوه!

ليست هناك تعليقات: