الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

الإعجاز العلمي وفلسفة العلم

اشتهر الدكتور زغلول النجار بتسويق مفهوم "الإعجاز العلمي"، وبالنظر إلى الرواج الهائل للكتب التي تتحدث حول هذا الموضوع، فإنه من الواضح أن الدكتور نجح إلى حدّ كبير في هذا التسويق، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا هو التالي: هل كان من الممكن أن يلقى مفهوم "الإعجاز العلمي" رواجاً كبيراً في ظل وجود مجتمع يتمتع أفراده بالحد الأدنى من المعرفة العلمية؟ بمعنى آخر، أليست هناك علاقة سببية بين رواج مفهوم "الإعجاز العلمي" من جهة، وكساد مفهوم "فلسفة العلم" من جهة أخرى؟
الدفاع عن مقولات "الإعجاز العلمي" يفترض وجود معرفة مسبقة بمعنى العلم الحديث، فضلاً عن تاريخه وفلسفته، لكن يبدو أن هذه المعرفة غير ضرورية عند أمّة مهووسة بنيل السبق في كل شيء، أمّة "فازت بكل شيء وخسرت كل شيء" كما يقول الشاعر الإسباني، فما إنْ يظهر اكتشاف علمي حتى يتصدى له زغلول النجار وغيره من المقلدين قائلين: "ليس هذا بالأمر الجديد، إنما هو مذكور منذ ما يزيد على 1400 سنة!"، مثل هذا الكلام غير المسؤول له دلالات خطيرة، وما يلي بعض منها.
أولاً، هناك احتقار واضح للعلم الحديث والتقليل من شأنه، فالذي لا يأتي بجديد على مسامعنا خليق ألا تفتتن به قلوبنا، وسبق أن عبّر الدكتور زغلول النجار عن ذلك في مقابلة تلفزيونية بقوله إن السبب في انشغاله بموضوع "الإعجاز العلمي" يعود إلى حقيقة افتتان الناس بالعلوم المادية الحديثة! بدلاً من أن يأتي الدكتور بالدليل على أن قديم النص يشير في واقع الأمر إلى جديد العلم، انتقل إلى الحديث عن مفهوم "فلسفة العلم"، وهو حديث مليء بالمغالطات، ففلسفة العلم لا تعني للدكتور ما تعنيه لكل مشتغل في هذا الميدان، فهي لا تعني محاولة فهم آلية المنهج العلمي وطبيعة التفسير العلمي، بل هي تعني بالنسبة إليه مجرد دعوة إلى التأمل في الحكمة الكامنة خلف الحقائق العلمية، بمعنى آخر، على العلماء أن يتوصلوا إلى الحقائق العلمية، وعلينا نحن استخلاص الحكمة من ورائها!
ثانياً، لا تأتي مقولات "الإعجاز العلمي" إلا بأثر رجعي، كما يقول الدكتور فؤاد زكريا، وهي لهذا السبب بالذات تعتبر مقولات عقيمة. ما الفائدة من أن يردد البعض بعد كل اكتشاف علمي قائلين إنّه اكتشاف مذكور منذ أكثر من 1400 سنة؟ إنّ الغرض من ذلك معروف، فهو يدل على محاولة غير مبررة لإثبات صحة الدين، وهنا تكمن المشكلة، فبينما يستمد العلم قوته من خلال إجراء التجارب للتحقق من صحة نظرياته، نجد أن قيمة الإيمان مرهونة بعدم محاولة إثباته على الإطلاق. لو قلت -مثلاً- إني أؤمن إيماناً مطلقاً بأن هناك وردة حمراء في حديقة المنزل، وهي وردة لم يسبق لي قط أن رأيتها، فإن إيماني في هذه الحالة ذو قيمة، لكن ما إنْ أخرج إلى حديقة المنزل للتحقق من وجود تلك الوردة الحمراء حتى تتلاشى قيمة إيماني، إذْ ما قيمة هذا الإيمان إذا كانت الوردة موجودة بالفعل أمام ناظري؟ الإيمان بشيء ما ممكن فقط إذا كان هذا الشيء غير خاضع للإثبات، أما عملية جلب الأشياء وفحصها على طاولة المختبر فتقع خارج نطاق الإيمان، بل إنها تتعارض مع فكرة الإيمان أساساً!
ثالثاً، إنّ وضع الدين في موضع المتطفل على العلم فيه مضرة للدين نفسه، والتأكيد على صحة الدين من خلال الاكتشافات العلمية الحديثة إنما هو تأكيد على عجزنا وجهلنا طوال قرون خلت، كما أن الاستشهاد بالعلم لمصلحة الدين لا يخلو من خطورة، ذلك أن من المعروف أن العلم لا يستنكف من تصحيح ذاته، وهذا يقودنا إلى إمكانية أن يرفض العلم "حقيقة" علمية كان قد أقرّها من قبل! أضف إلى ذلك أن العلم لا يكون علماً إلا بعد أن يكون خاضعاً لـ"مبدأ التزييف"، أما مفهوم "الدين" فيتعارض اصطلاحياً مع هذا المبدأ.
أخيراً، ينبغي لكل نقاش جاد حول مفهوم "الإعجاز العلمي" أن يبدأ بتحليل هذا المفهوم وفحص مقولاته من خلال الأدوات التي تتيحها فلسفة العلم، وهذا ما سنحاول القيام به في المقال القادم.

الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

قطر: حُلم المونديال ومأساة العُمّال

قبل يومين، أصدرت "منظمة العفو الدولية" تقريراً حول دولة قطر حمل عنوان "ليتكم تعاملوننا كبشر"، تناولت من خلاله أوضاع العمال الأجانب بشكل عام، وعمال البناء وخدم المنازل بشكل خاص، وكشف التقرير عن مشاهد بشعة لمأساة حقيقية، إليكم بعض منها.
يشير التقرير إلى قانون الكفالة القطري الذي يكشف عن علاقة غير متكافئة بين الكفيل والمكفول، حيث "يجيز هذا القانون لأصحاب الأعمال أن يمنعوا العاملين لديهم من الانتقال للعمل لدى آخرين، ومن مغادرة البلاد، كما يجيز لهم إلغاء تصاريح الإقامة"، وأما العمال فليس بمقدورهم "أن يستخرجوا أو يُجددوا تصاريح إقامتهم بدون تعاون أصحاب الأعمال"! قانون الكفالة هذا (أو قانون النخاسة، لا فرق)، يعطي أرباب العمل "أدوات قانونية تتيح لهم ترهيب أو تهديد العمال وإجبارهم على مواصلة العمل".
 منها- على سبيل المثال لا الحصر- عدم قدرة العامل على هجر وظيفته أو حتى تغييرها من دون إذن مسبق من ربّ العمل، كما لا يمكن للعامل أن يغادر البلاد من دون إذن رسمي من ربّ العمل!
يشير التقرير كذلك إلى أن الغالبية العظمى من العمالة الأجنبية في قطر تتقاضي أجراً أقل بكثير مما هو منصوص عليه في عقد العمل، بل إن بعض العمال لا يتقاضون أجراً على الإطلاق، خصوصاً أولئك الذين يعملون في القطاع الخاص، فعلى سبيل المثال، يشير التقرير إلى الرسالة التالية التي بعثها أحد المسؤولين في السفارة الهندية في الدوحة إلى إحدى الشركات التي تملصت من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية في دفع رواتب العشرات من عمالها: "أود أن أعبر عن أسفنا على الطريقة التي عاملتم بها نحو 100 عامل هندي وفدوا إلى قطر بأحلام لا حدود لها، فلم تكتفوا بعدم دفع أجورهم لعدة أشهر، ولكنكم أجبرتموهم أيضا على الاقتراض من أهلهم في الهند لكي يدفعوا الغرامات المفروضة عليهم ويعودوا إلى بلدهم"!
يأتي تقرير "منظمة العفو الدولية" حول قطر في وقت حرج، فوتيرة الاستعداد لمونديال عام 2022 تتسارع، وعدد الشركات الإنشائية يتعاظم، والوجه المشرق الذي ينتظره الجميع من قطر تُفسد ملامحه انتهاكات حقوق العمال من قِبل أرباب الشركات الكبرى، الأمر الذي يضع "اللجنة العليا المنظمة لقطر 2022" أمام مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه ما يحدث.
في التقرير أيضا إشارة إلى العنف المنزلي ضد خدم المنازل، وإجبارهم على العمل لفترات متواصلة، وتقييد حركتهم من خلال الاحتفاظ بجوازات سفرهم، وتهديدهم بشبح الترحيل من البلاد إن هم رفضوا الاستمرار في العمل، وغيرها الكثير من الأمور المهينة للكرامة الإنسانية والمخالفة لمواثيق حقوق الإنسان، وكلها أمور لا تثير دهشتنا نحن في الكويت، فلو وضعنا كلمة "الكويت" مكان كلمة "قطر" في التقرير المذكور، لما انتقص ذلك من دقة التقرير ومدى صحته، ولعل الفارق الوحيد هو أن قطر التي تشرئب إلى لفت أنظار العالم إلى مونديال 2022 ترسم حُلم المونديال بألوان من مآسي العمال!
إلى الأعداد القليلة من المهتمين، إليكم رابط التقرير:

الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

أسباب انحسار دور الكنيسة في أوروبا (2- 2)

 ذكرنا في المقال السابق بعض الأسباب الداخلية للتحول التاريخي المتمثل في انحسار دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي، وسنحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على بعض الأسباب الخارجية لهذا التحول التاريخي الذي أفضى في زمننا الحاضر إلى ظاهرة واسعة الانتشار في القارة الأوروبية، وهي الظاهرة التي تُعرف باسم "The Empty Church"، أو "الكنيسة الخاوية"، في إشارة إلى التناقص الحاد في أعداد مرتادي الكنائس.
أولا: هناك سبب سياسي يتعلق بالصراع التاريخي بين البابوية والملكية، وهو صراع ألحق أضراراً جسيمة بمكانة البابا الروحية، لعل أبرزها هو الانتقال الشهير لكرسي البابوية من روما إلى أفنيون الفرنسية إبان القرن الرابع عشر، الأمر الذي أدى إلى تضاؤل مكانة البابا في نفوس أتباعه من المسيحيين، فالبابا الذي كان يُنظر إليه كخليفة للرب في الأرض، تحوّل إلى مجرد تابع للعرش الفرنسي.
ثانياً: هناك سبب اقتصادي مرتبط بنزوح كبار الإقطاعيين وملاك الأراضي إلى "دول المدن" مثل فلورنسا وميلانو والبندقية، وقد صاحب هذا النزوح تحرير أعداد كبيرة من الأقنان ممن كانوا يعملون في الأرياف وانتقالهم إلى العمل في المدن، وبطبيعة الحال لم تكن وراء عملية تحرير العبيد هذه دوافع إنسانية، إنما جاءت لتأمين الأيدي العاملة ورفع إيراد الضرائب، لكن ما يهمنا هنا هو أثر هذا التحول الديموغرافي في تقليص هيمنة الكنيسة على أتباعها، فالحياة السياسية للمدينة جعلت من الإقطاعيين منافسين حقيقيين على السلطة، والحياة الاجتماعية الأكثر تعقيداً أضعفت من الارتباط الروحي بين الطبقات الكادحة ورجال الكنيسة، فمن المعروف أن أثر الأديان بشكل عام في الحياة البسيطة لسكان الريف أكبر بكثير من أثرها في الحياة المعقدة لسكان المدينة (لعلّ تركيا هي المثال الأبرز في وقتنا الحاضر).
ثالثاً: هناك سبب ابستمولوجي، فالكنيسة التي كانت تحتكر مصادر المعرفة وجدت نفسها أمام ثورات مناهضة لذلك الاحتكار، بدءاً بثورة لوثر الدينية، مروراً بثورة كوبرنيكوس الفلكية، وانتهاء بثورة داروين الطبيعية، فالأول قضى على وساطة الكنيسة بين العبد والرب، والثاني أثبت تهافت فكرة مركزية الأرض، والثالث سحق فكرة الإنسان- الإله وأعاده إلى جذوره الطبيعية، وقد كان من شأن هذه الثورات الفكرية انتزاع سلطة المعرفة تدريجياً من القساوسة وسحب البساط من تحت الكنيسة، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في تهذيب الدين المسيحي وجعله أكثر توافقاً مع استحقاقات العصر الحديث.
أخيراً: هناك سبب ثقافي لا يقل أهمية عما تقدم من أسباب، بل لعله أعظم منها خطراً، وأبعد منها أثراً، إذ لا يمكن فهم انحسار دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي بعيداً عن عصر التنوير، ذلك العصر الذي أعلى من شأن العقل الإنساني، وحارب الخرافة والجهل، كما مهد الطريق أيضاً إلى قيام الثورة الفرنسية، تلك الثورة العنيفة التي عصفت بالسلطة السياسية والسلطة الدينية على حد سواء، لتتحقق بذلك رغبة "ديدرو"، أحد أبرز الكتاب الموسوعيين، الذي سبق أن كتب قبل الثورة يقول: "وددت لو أشنق آخر ملك بأمعاء آخر راهب"!

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

أسباب انحسار دور الكنيسة في أوروبا (1-2)

تمتاز أغلب التحوّلات التاريخيّة بخصلتين على الأقل، البطء والنسبية، ولعلّ انحسار دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي هو المثال الأبرز على هذا النوع من التحوّلات التاريخية، ولهذا الانحسار أسباب متعدّدة، بعضها داخلي، أي من داخل الدين المسيحي، وبعضها خارجي، وسنحاول من خلال هذا المقال استعراض بعض الأسباب الداخلية لهذا التحوّل التاريخي، مرجئين الأسباب الخارجية إلى المقال القادم.

أولاً، هناك ردّة الفعل النفسية التي صاحبت انتشار وباء مرض الطاعون في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر، فبعد أن حصد المرض مئات الألوف من الأرواح البشرية، برزت نبرة احتجاج لم تكن معهودة بين عامة الناس ضد تعاليم الكنيسة، وقد جسّد هذه النبرة الاحتجاجية سؤال ملحّ اكتسب لاحقا أهمية فلسفية في روايات دوستويفسكي، والسؤال يتعلّق بمدى ضرورة أن يتعذّب الناس (مهما بلغت ذنوبهم) إلى هذه الدرجة المؤسفة في ظل وجود قدرة إلهية لا متناهية! بالطبع، هذا السبب لم يكن كافيا لترك الدين، ولكنه يكتسب قوة خاصة عندما نضيف إليه بقية الأسباب التالي ذكرها.
 ثانياً، كان لانشقاق مارتن لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية وخروجه على سلطة البابا تبعات خطيرة، فهذا الانشقاق لم يؤدّ فقط إلى ظهور طائفة جديدة اسمها الطائفة البروتستية، بل أدّى كذلك إلى حروب طائفية اجتاحت أوروبا على فترات زمنية منذ منتصف القرن السادس عشر، وتلك الحروب بدورها أدتّ في آخر المطاف إلى نتيجة حتمية، وهي أن الحروب الدينية لن تحسم من يملك الحقيقة، بل هي تحسم فقط من هو الأقوى ومن هو الأضعف. كانت هذه النظرة هي السائدة مع بدايات القرن السابع عشر، وقد ساهمت في إعادة النظر في حقيقة الدين المسيحي نفسه.
ثالثاً، لعل أهم سبب في هذا التحول التاريخي لدور الكنيسة يكمن في فساد رجال الكنيسة أنفسهم، ولو رجعنا إلى كتاب "الأمير" لميكيافيللي لوجدنا نقداً لاذعاً لرجال الكنيسة وفساد ذممهم، فالرشوة المالية، والانحلال الأخلاقي، والانغماس في ملذّات الحياة، كلها أمور كانت مرتبطة بصورة رجل الدين في أذهان العامة من الناس، كما أنّ دور البابا آنذاك بعقد تحالفات سياسية مع طرف ضد الآخر لم يكن خافياً، ومن المعروف أن كلّ من يحضر إلى مائدة البابا، كان يحرص على عدم الشرب من نبيذ البابا، خوفاً من أن يموت مسموماً!    
يتبع...

الاثنين، 4 نوفمبر، 2013

العقول الصغيرة والألقاب الكبيرة

عندما سُئل "برتراند رسل" عن شعوره بعد أن ورث لقب "لورد" من أخيه الأكبر، أجاب ساخراً: "كان اللقب مفيدا جداً في تسهيل إجراءات حجز غرفة لي في أحد الفنادق"! من المعروف أن "رسل" ينتمي إلى أسرة أرستقراطية ذائعة الصيت، ومن المعروف أيضاً أنه تنازل عن حصته من الإرث لسبب أخلاقي، فقد كان يؤمن أنْ لا مكان في جيبه لمال لم يجنه من عَرق جبينه! إذا لم يكن المال لِيغريَ هذا المفكر العظيم، فلا عجب أن الألقاب أيضا لم تكن لِتغريَه.
العقول الصغيرة تحرص على الألقاب الكبيرة، وما أكثر العقول الصغيرة ممن يحرصون على لقب "دكتور"، فلو قام القارئ بجولة سريعة بين أروقة الأقسام العلمية في جامعاتنا المحلية، لظن أنه يتجول في مستشفى، فكلمة "دكتور" تملأ المكان، وهي الكلمة التي ينادي بها الأساتذة بعضهم بعضاً، وكأن الاسم الأول لا يفي بالغرض، بل إن من الأساتذة من يستثمر لقب "دكتور" خارج الحرم الجامعي، موهماً نفسه والآخرين بأن هذا اللقب يُخوّل حامله الحديث بكل ثقة حول أي موضوع، وكأن كلمة "دكتور" أصبحت مرادفة لكلمة "خبير"، بينما هي في حقيقة الأمر كلمة لا تعني بالضرورة أن يكون المرء خبيراً حتى في مجال تخصصه!
هناك تشبيه شائع بين رخصة القيادة وشهادة الدكتوراه، وهو تشبيه موفّق إلى حد كبير، فمثلما أن رخصة القيادة هي بمنزلة إثبات أن حامل الرخصة قادر على القيام بقيادة السيارة، فإن شهادة الدكتوراه أيضاً هي بمنزلة إثبات أن حامل الشهادة قادر على القيام بالبحث العلمي، لا أكثر ولا أقل! لا أحد يحرص على لقب "سائق" بعد الحصول على رخصة القيادة، فما الذي يجعل بعضهم حريصاً كل الحرص على لقب "دكتور" بعد الحصول على شهادة الدكتوراه؟
من الناحية النظرية على الأقل، شهادة الدكتوراه عبارة عن اعتراف أكاديمي بأن حامل الشهادة قد ساهم مساهمة حقيقية في حقل من حقول المعرفة الإنسانية، مما يعني أنها شهادة تعكس حرص حاملها على البحث العلمي، لكن عندما تكون الشهادة غاية في ذاتها، فإنها تتحول من كونها إضافة جوهرية إلى المعرفة البشرية لتصبح مجرد إضافة تافهة إلى نمط حياة الفرد، ولعلّ أولئك الذين يطلبون شهادة الدكتوراه لدوافع خاطئة هم أقلّهم حظاً في استخدامها الاستخدام الصحيح، وبشكل عام، لعلّ أكثر الناس حرصاً على الألقاب هم أقلّهم استحقاقاً لها، ولقب "دكتور" ليس استثناءً من هذه القاعدة.