الجمعة، 27 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (5)


بعد أن انتهينا من الحديث عن البعدين التاريخي والنظري للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني، سنتطرّق الآن إلى البعد العملي لهذه العلاقة، وسيدور الحديث حول مفهوم واحد فقط، وهو ما يسمى بـ”العقلانية العملية”، ولهذا المفهوم– حسب “هاري جنسلر”– ثلاثة أركان: الركن الأول هو التحقق من الوقائع، والركن الثاني هو عنصر الخيال، والركن الأخير هو مبدأ الاتساق. سأوضّح المقصود بكل ركن على حدة مستعينا ببعض الأمثلة.
التحقق من الوقائع يشير إلى أبسط قواعد التفكير النقدي بوجه عام، والتفكير العلمي بوجه خاص، فالفرد الذي يفكّر بطريقة نقدية لا يصدر الأحكام قبل التيقّن من حقيقة الوقائع، ومثله في ذلك مثل العلماء في اختبارهم للفرضيات العلمية من خلال التجربة، وسبق أن أشرنا إلى أنّ الانتقال من مرحلة الفرضية إلى مرحلة التجربة يعبّر عن مسؤولية علمية، لذا فإن التحقق من الوقائع يعبّر أيضا عن مسؤولية الفرد عن الأحكام والآراء التي تصدر عنه.
عنصر الخيال له مظهران: المظهر الأول هو أن يطرح الفرد على نفسه السؤال الافتراضي التالي: ماذا لو كنت في مكان شخص آخر؟ مثلا، ماذا لو كنت، كمواطن كويتي، في مكان أحد الكويتيين “البدون”، أعيش في وسط أحياء فقيرة، وأتعرّض إلى الضرب والترويع والسجن والإهانة، وأكابد مشقة الحياة بشكل يوميّ؟ لاحظ أن هذا أكثر من مجرد اعتراف بالحقائق، فالخيال يجبرك على الإحساس بمعاناة الآخر، وهنا يكمن الشعار الحقيقي لأي مجتمع مدني: حق الآخر، وليس حقك أنت فقط! أما المظهر الثاني لعنصر الخيال فمرتبط بالإجابة عن السؤال الاستباقي التالي: ماذا يترتب على كل قرار أنوي اتخاذه؟ التمعّن في عواقب كل قرار شرط ضروري لسلامة أي قرار، فالإنسان العقلاني لا يتخذ قرارا قبل أن يتخيّل طبيعة ما يترتب على هذا القرار.
مبدأ الاتساق مبدأ منطقي، وهو يشير إلى ضرورة أن تكون الأفكار التي يتبناها الفرد متناسقة مع بعضها بعضا بحيث لا يكون هناك أيّ تعارض فيما بينها، ولهذا المبدأ المنطقي ما يقابله في علم الأخلاق، وهو ما يعرف بـ”القانون الذهبي” الذي ينص على التالي: عامل الناس كما تحب أن تعامل!
بعد هذا التوضيح لمفهوم العقلانية العملية، سنرى الآن مدى ارتباطه بمفهوم المجتمع المدني من خلال الإشارة إلى الهجمة الشرسة التي شنّها بعضهم ضد “ملتقى النهضة”، فمن الواضح أنّ من هاجموا الملتقى فشلوا فشلا ذريعا في كل ركن من أركان العقلانية العملية! لم يتحققوا من الوقائع فسارعوا إلى ترديد أكذوبة أنّ الملتقى أقيم من أجل زعزعة نظام الحكم في دولة مجاورة، ولم يتحلّوا بالخيال فغاب عن أذهانهم أنّ أغلبية اليوم قد تتحول إلى أقلية الغد، وأنّ جلّاد الحاضر قد يستحيل إلى ضحية المستقبل، كما غابت عن أذهانهم أيضا عواقب قرار منع إقامة “ملتقى النهضة”، لتنتهي الأمور إلى عكس ما أرادوا تماما! أخيرا، إنّ من هاجموا الملتقى لم يفلحوا حتى في تطبيق أبسط القواعد الأخلاقية، فهم لم يعامِلوا الآخرين كما يحبوا هم أنفسهم أن يعامَلوا، ذلك أنهم يعتقدون أن من حقهم إقامة الندوات في الفضاء المفتوح، بينما لا يحق لغيرهم أن يقيم ندوة في غرف مغلقة!
أختم حديثي بفقرة ضمن مقال كتبته منذ بضع سنين، وهي فقرة يدور موضوعها حول مفهوم المجتمع المدني:
ليس من العار ألا يكون للمتشرد منزل يؤويه، ولكن العار في الرفض المبدئي لفكرة المنزل! شاءت الأقدار ألا ينتمي مفهوم «المجتمع المدني» إلى ثقافتنا العربية، ولكن لا ينبغي أن تثنينا هذه الحقيقة عن المحاولة في وضع حجر الأساس لمجتمع مدني عربي يعلي من شأن الفرد وكرامته، رغم التقاليد ورغم الطقوس! ربما تطلّب بناء مثل هذا المجتمع مئات السنين، ولكن عدم المحاولة سيتطلب الدهر كله! استغرق بناء كاتدرائية «دوومو» في قلب مدينة «ميلانو» خمسة قرون، فكم من الأجيال أفنت حياتها في تشييد بناء لم تتمكن من مشاهدته، ولكن ها هي «دوومو» تقف اليوم شامخة في سماء «ميلانو»، تذكّر أجيال اليوم بإخلاص أجيال الأمس!

الاثنين، 23 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (4)

بعد أن تحدثنا عن البعد التاريخي للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني، ننتقل الآن إلى الحديث عن البعد النظري لهذه العلاقة، والذي يتجلّى من خلال إعمال العقل في تحليل المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني، وسنقتصر في حديثنا هنا على مفهومين اثنين فقط: مفهوم الحرية، ومفهوم التسامح.
هناك ارتباط وثيق بين مفهومي الحرية والتسامح، ولهذا الارتباط وجهان: الوجه الأول هو أن كلا المفهومين ينطوي على مفارقة، ومن الممكن أن نبين مفارقة التسامح من خلال طرح السؤال التالي: لو كان هناك عشرة أشخاص يعيشون على ظهر جزيرة، تسعة منهم يتحلّون بتسامح مطلق، بينما الشخص العاشر إنسان غير متسامح، فمن منهم لديه فرصة كبيرة في البقاء على قيد الحياة؟ من الواضح أن الشخص غير المتسامح لديه فرصة أكبر من غيره في البقاء على قيد الحياة، فهو الشخص الوحيد الذي بوسعه اللجوء إلى العنف من دون أن يخشى عاقبة هذا العنف من قِبل أشخاص متسامحين بصورة مطلقة، مما يعني أن التسامح المطلق مفهوم متناقض في ذاته، فهو لا يؤدي إلى التعايش السلمي، بل يضمن فقط بقاء الأقوى! من هنا نصل إلى المبدأ المنطقي التالي: لا تسامح مع اللاتسامح، وهذا هو المبدأ الذي تستند إليه الدساتير المدنية في تجريم خطاب الكراهية الذي يهدد إمكانية التعايش بين مواطني البلد الواحد.
نأتي الآن إلى مفارقة الحرية، والتي عبر عنها أفلاطون على لسان سقراط في كتاب “الجمهورية”، حيث يطلب منّا سقراط أن نتخيل وجود مواطنين يتمتعون بكامل حريتهم السياسية، ثم يمارسون هذه الحرية من خلال اختيار دكتاتور حاكماً عليهم! هذا لم يعد مجرد افتراض، فالتاريخ أثبت واقعية هذا الافتراض عندما وصل موسوليني وهتلر إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع! على ضوء هذه المفارقة، لم يعد السؤال هو: ماذا لو وصل دكتاتور إلى السلطة؟ بل إن السؤال أضحى على النحو التالي: كيف نحمي أنفسنا عندما يصل الدكتاتور إلى السلطة، لأنه سيصل عاجلاً أو آجلاً! هنا تحديداً يأتي دور أفراد المجتمع المدني من خلال محاولة بناء مؤسسات اجتماعية تضمن أقل قدر ممكن من الضرر الناتج عن وصول دكتاتور إلى السلطة (انظر كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، للفيلسوف النمساوي كارل بوبر).
يتجلى الوجه الآخر للارتباط بين مفهومي التسامح والحرية من خلال علاقة طردية بينهما، فكلما زاد مقدار التسامح عند أفراد المجتمع الواحد، زاد مقدار الحرية التي يتمتعون بها. لكن سبق أن وضحنا حقيقة التناقض الذي يتضمنه مفهوم التسامح المطلق، مما يعني أن هناك حدوداً للتسامح، وبالتالي هناك أيضاً حدود للحرية! نتحدث كثيراً عن ضرورة وجود حدود لحرية التفكير، وحدود لحرية التعبير، وحدود أخرى لغيرهما من أنواع الحريات، لكن السؤال الجوهري غير مرتبط بمعرفة عدد الحدود المقيدة للحرية بأشكالها كافة، بل بمعرفة حجم التسامح الذي نمتلك من أجل تقليص عدد تلك الحدود!
عندما يعيش الفرد وحيداً، فإن بإمكانه أن يفعل ما يحلو له، وهذا هو تعريف الحرية المطلقة، لكن عندما ينتقل الفرد من حالة العيش وحيداً إلى حالة التعايش مع الآخر، فإن هذا الانتقال يستوجب تنازل الفرد عن حريته المطلقة، ذلك أن من المستحيل أن يكون هناك تعايش سلمي في مجتمع يتمتع جميع أفراده بحرية مطلقة، فمثل هذا المجتمع يشير إلى ما يسميه الفلاسفة “الحالة الطبيعية”، أي حالة من الحرب الدائمة بين أفراد المجتمع الواحد! من هنا يشير “مونتيسكيو” إلى حقيقة أن الحرية لا تعني أن تفعل ما يحلو لك، بل أن تفعل ما يجيزه القانون لك، فالقانون يسلب من الأفراد بعضاً من حريتهم في مقابل ضمان حمايتهم من الحالة الطبيعية التي لا بقاء فيها إلا للأقوى!
إن العقل هو المعيار الذي استندنا إليه في تحليل مفاهيم جوهرية بالنسبة إلى المجتمع المدني، ذلك أن العقل هو العامل المشترك بين كل أعضاء فصيلة الإنسان، أما الدين فلا يمكن أن يحل محل العقل كمعيار من هذا النوع، فهناك حسب الموسوعة الأميركية ما يقارب 330 ديناً على وجه الأرض، ومن الصعب الاحتكام إلى نظم أخلاقية بهذا العدد في تحليل المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني، فضلاً عن اتخاذها معياراً لحل النزاعات بين أفراد المجتمع الواحد.

الاثنين، 16 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (3)

من الممكن الحديث عن ثلاثة أبعاد للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني: بُعد تاريخي، وبُعد نظري، وبُعد عملي. سنتناول كل بُعد على حدة لإثبات صحة القضية المحورية التي بين أيدينا، وهي أن التفكير العلمي شرط ضروري لقيام أي مجتمع مدني.
تتضح ملامح البعد التاريخي للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني من خلال تسليط الضوء على العلاقة بين العلم من جهة، والتنوير من جهة أخرى، أو بعبارة أدق، بين الثورة العلمية التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وما يُعرف باسم “عصر العقل” الذي بسط نفوذه على الحياة الثقافية الأوروبية في القرن الثامن عشر.
عندما نتحدث عن ثورة علمية، فإن من الطبيعي أن نتساءل: ثورة علمية على ماذا تحديداً؟ للإجابة عن هذا السؤال، يكفي أن نستعرض- بشكل سريع- إسهامات أبرز رواد تلك الثورة العلمية، وأعني بهم كوبرنيكوس، وجاليليو، وكبلر، ونيوتن. لقد دافع نيكولاس كوبرنيكوس في كتابه الشهير “حول دوران الأجرام السماوية” عن نظام فلكي شمسي المركز، مخالفاً بذلك نظام “بطليموس” أرضي المركز، ثم جاء جاليليو جاليليي ليدافع عن نظام كوبرنيكوس في كتابه “حوار حول نظامين رئيسيين عالميين”، وهو الكتاب الذي هاجم من خلاله أفكار “أرسطو” الفيزيائية، خصوصاً تلك المتعلقة بحركة الأجسام الأرضية، وأما جوهانز كبلر فقد تصدى لأفكار أرسطو الفلكية من خلال ما يعرف باسم قانون كبلر الأول، والذي يشير إلى أن مدار كل كوكب حول الشمس بيضاوي الشكل، لا دائري الشكل كما كان يعتقد أرسطو، وأما إسحق نيوتن فقد دلّل على خطأ فكرة أرسطو حول وجود اختلاف جذري بين حركة الأجسام الأرضية وحركة الأجرام السماوية، وذلك من خلال إثبات وجود علاقة رياضية بين قوانين كبلر وقوانين جاليليو.
نحن نرى، إذن، أن الثورة العلمية كانت في الأساس ثورة على أفكار أرسطو وبطليموس، ولقد كان لتلك الثورة مظهران أساسيان: الأول تقني، والآخر اجتماعي. أما المظهر التقني فيتمثل بأبرز ملامح التفكير العلمي، وأعني بها الملاحظة والفرضية والتجربة، فهذه هي المراحل الثلاث التي يمر بها المنهج العلمي، فالانتقال من الملاحظة إلى الفرضية يعبر عن فضول علمي، كما أن الانتقال من الفرضية إلى التجربة يعبر عن مسؤولية علمية، وأما المظهر الاجتماعي للثورة العلمية فيتمثل فيما يعرف بـ”الشخصية العامة للعلم”، أي أن النتائج التي يتوصل إليها العلم متاحة للجميع، وباستطاعة أي شخص التحقق منها من خلال إعادة التجربة مرة أخرى، وهذا ما يضمن نزاهة العلم، ذلك أن نزاهة العلم لا تعتمد على نزاهة العلماء بقدر اعتمادها على خشيتهم من تهمة عدم النزاهة!
أدت نجاحات الثورة العلمية إلى أمرين مهمين: الأول هو إثبات أهمية العقل كأداة فعالة للتوصل إلى معرفة حقيقية لعالم الطبيعة، والثاني هو التحرر من السلطة العلمية لأرسطو. كان لهذين الأمرين أثر بالغ الأهمية في مفكري عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فإذا كان العقل أداة معرفية فعالة لاكتشاف قوانين الطبيعة، فلماذا لا يكون أيضا أداة معرفية فعالة لاكتشاف قوانين المجتمع؟ وإذا كانت شرعية السلطة العلمية لأرسطو قابلة للنقد والنقض، فلماذا لا تكون شرعية السلطة السياسية للحكام قابلة للنقد والنقض؟!
كان الحكام آنذاك- كما نعلم جميعاً- إما ملوكاً أو رهباناً، لذا فإن الملوك والرهبان هم أول من استشعر خطر أفكار التنوير، واستشعار الخطر هذا كان نقطة البداية للملاحقات السياسية المعروفة، فالفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، مثلا، هرب من باريس إلى إنكلترا بعد أن هاجم في كتابه “العقد الاجتماعي” ما يسمى بالحق الإلهي للملوك في السلطة!
لقد كان استخدام المنهج العقلاني-العلمي في الشأن السياسي-الاجتماعي نقطة الانطلاق للفلسفة السياسية بثوبها الحديث، ولا يمكن فهم عصر التنوير الأوروبي من دون فهم لعصر العلم السابق له، فالثورة العلمية مهدت الطريق أمام مونتسكيو، ولوك، وتوكوفيل، وغيرهم، لبناء الإطار النظري لمجتمعات ديمقراطية مدنية.
يتبع

الخميس، 12 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (2)

مفهوم “التفكير العلمي” ينتمي إلى ميدان فلسفة العلم، ومفهوم “المجتمع المدني” ينتمي إلى ميدان الفلسفة السياسية، وبالرغم من وجود تعريفات كثيرة ومتعددة لكلا المفهومين، سأحاول أن أقدم تعريفاً مبدئياً لكل منهما، وهذا كل ما نحتاجه كمقدمة للموضوع الذي نحن في صدده.
التفكير العلمي الذي أعنيه هو- ببساطة- نوع من التفكير موضوعه العلم. هذا التعريف رديء بلا شك، ذلك أنه تعريف دائري، فالجملة التعريفية احتوت على ما يراد تعريفه، لكن بالإمكان تجاوز هذا القصور في تعريف مفهوم “التفكير العلمي” من خلال الإشارة إلى أهم ملامح هذا النوع من التفكير، وهذا ما أعد بإيضاحه لاحقاً.
المجتمع المدني، حسب التعريف الذي وضعه الفيلسوف الألماني جيرغن هابرماس، يشير إلى فضاء عمومي يحتل حيزاً بين مؤسستين اجتماعيتين: مؤسسة الأسرة، ومؤسسة الدولة. يتخذ هذا الفضاء العمومي أشكالاً مختلفة، مثل جمعيات النفع العام والنوادي الثقافية وحتى الديوانيات، بل إن “ملتقى النهضة” ذاته يعتبر شكلاً من أشكال هذا الفضاء العمومي، فأغلب الذين حضروا إلى استماع محاضرات هذا الملتقى لا تجمعهم روابط أسرية، ولم يأتوا بناءً على رغبة الدولة، بل رغماً عن رغبتها، وهذا هو المقصود بتحديد حدود المجتمع المدني في مكان يقع بين مؤسسة الأسرة ومؤسسة الدولة.
ينبغي أن أشير هنا إلى أن المقصود بمفهوم “الدولة” لا يقتصر فقط على السلطة التنفيذية، بل يتعداه إلى السلطة بأشكالها كافة، بما في ذلك سلطة المال، لذا فإن من الضروري أن تقف جمعيات النفع العام هنا في الكويت على مسافة واحدة من جميع أشكال السلطة، وأن تنأى بنفسها عن شبهة التماهي مع مصالح الطبقة التجارية.
بعد أن أوضحنا المقصود بالتفكير العلمي من جهة، والمجتمع المدني من جهة أخرى، نأتي الآن إلى القضية المحورية للموضوع الذي بين أيدينا. لست أقصد بكلمة “قضية” معناها الشائع، أي شأن من شؤون الحياة، كما لا أقصد بها معناها القانوني، إنما أستخدم كلمة “قضية” بمعناها المنطقي، أي جملة خبرية تحتمل الصواب أو الخطأ، والقضية المحورية (أو الجملة الخبرية) التي سأدافع عن صحتها هنا هي كالتالي: التفكير العلمي شرط ضروري لقيام أي مجتمع مدني.
يتبع

الاثنين، 9 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (1)

هذا المقال هو الجزء الأول من محاضرة بعنوان “التفكير العلمي والمجتمع المدني”، ألقيتها في جمعية الخريجين الكويتية في الخامس والعشرين من شهر مارس الماضي ضمن فعاليات “ملتقى النهضة”:
أود في البداية أن أشير إلى نقطتين لهما علاقة بـ”ملتقى النهضة” وما صاحبه من صخب واحتجاج: أولاً، من العسير جداً أن تعد محاضرة وفي ذهنك جمهور معين، ثم تنتهي إلى إلقائها على جمهور مختلف تماماً! هذا ليس تذمراً، بل مجرد تحذير من حقيقة أن محتوى هذه المحاضرة قد يكون رتيباً بعض الشيء، لذا فإني أُخلي مسؤوليتي عن ذلك، كما أذكر في الوقت نفسه أن محتوى المحاضرة ينبغي ألا يكون موضوعاً للمهاترات السياسية، فهو لم يُكتب لهذا الغرض، وأؤكد أيضاً أني لم أغير شيئاً في محاضرتي، وستكون كما قُدر لها أن تكون.
ثانياً، من الحكمة إحسان الظن بمن هاجموا “ملتقى النهضة”، على الأقل في البعض منهم، فقد ينطوي هذا الهجوم على خوفٍ حقيقي وصادقٍ على تماسك هذا المجتمع الذي نعيش فيه، والخوف لا يجابه بالانفعال والنبرة الحادة، بل بالحوار وطول النفس، ذلك أن الخوف مثل عنصر الفكاهة في أي مزحة، إذا قمت بتحليله بهدوء وبرودة أعصاب، تلاشى من تلقاء نفسه.
لكن إحسان الظن لا يعفينا من طرح سؤال بدهي: لماذا كل هذا الهجوم على ملتقى يدور موضوعه الرئيسي حول مفهوم “المجتمع المدني”؟ المجتمع المدني يشير إلى مفهوم إيجابي، وسنرى لاحقاً من خلال هذه المحاضرة أنه يشير إلى مجتمع حر ومتسامح، فهل نفهم من هذا الهجوم أنه هجوم على الحرية والتسامح؟ إحدى الحجج التي سمعتها ضد الملتقى هي تلك التي تشير إلى الخوف من عملية “غسيل مخ منظمة” للشباب المشاركين في الملتقى! سأصرف النظر عما تتضمنه هذه التهمة من احتقار لعقول الشباب وعدم ثقة بقدرتهم على التفكير، لكني أتساءل: هل الاعتراض هو اعتراض مبدئي على عملية “غسيل المخ”، أم أنه اعتراض على الجهة التي تقوم بعملية “الغسيل”؟ من الواضح أن هناك من يرى أن ما يحق له لا يحق لغيره، وليس أدل على ذلك من مفارقة غفل عنها الكثيرون مع الأسف، ففي مكان قريب جدا من المكان الذي كان مقررا له استضافة فعاليات “ملتقى النهضة”، وفي التوقيت نفسه أيضاً، كانت هناك ندوة عامة التقى من خلالها مشايخ دين مع مرتادي الأسواق التجارية، وكان من بينهم أطفال صغار، ولم نسمع من يحتج على إقامة مثل تلك الندوات التي هي إلى “الأدلجة” والتلقين أقرب منها من أي شيء آخر.
يتبع