الأحد، 17 يناير، 2016

الأمية السياسية


كلمة "idiot" باللغة الإنكليزية تقابلها كلمة "أحمق" باللغة العربية، وهي مشتقة من كلمة "idiota" في اللغة الإغريقية القديمة، وهذه الكلمة في معناها القديم لم تكن تشير إلى الإنسان الأحمق، بل إلى الإنسان الذي يقصر اهتماماته في الحياة على شؤونه الخاصة ورغباته الذاتية، ويتضح الرابط بين المعنى القديم لهذه الكلمة ومعناها الحديث عندما ندرك أنّ الإغريق القدماء كانوا ينظرون بعين الازدراء إلى كلّ فرد لا يحفل بالشأن العام، ولا ننسى أنّ النظام الديمقراطي في أثينا القديمة كان يتطلّب مساهمة الجميع في الشأن السياسي (باستثناء الأطفال والنساء والعبيد والأجانب)، فمن جهة لم تكن ديمقراطية أثينا ديمقراطية تمثيلية بل مباشرة، ومن جهة أخرى كانت أغلب المناصب التنفيذية تخضع إلى نظام القُرعة بين المواطنين، بصرف النظر عن المستوى التعليمي لكل مواطن، وهنا يكمن أحد أسباب سخط "أفلاطون" على الديمقراطية، وسخرية "أرسطوفانيس" منها.
الطريف في ديمقراطية أثينا القديمة هو تلك العقوبة التي قد تصل إلى حدّ السجن ضدّ كلّ مواطن يرفض القيام بواجبه في تبوّء منصب عام بعد وقوع القُرعة عليه، ولم تكن الأمية السياسية عذرا مقبولا لتفادي القيام بذلك الواجب، فالمنطق الأثيني كان يشير إلى أنّ تجربة المنصب العام كفيلة بمحو الأمية السياسية، فكلما زاد عدد المشاركين في العمل العام، ارتقى مستوى الثقافة السياسية بين أفراد المجتمع، ولا ننسى أنّ ديمقراطية أثينا القديمة كانت تطمح إلى خلق أكبر عدد من "رجال الدولة"، وهؤلاء، كما يقول أرسطو في كتاب "السياسة"، يسهل العثور عليهم في النظام الديمقراطي، حيث يتبادل الأفراد دور الحاكم تارة، ودور المحكوم تارة أخرى، على العكس من نظام الحكم الفردي الذي لا ينتج إلّا مُلوكا!
بطبيعة الحال، لم تكن ديمقراطية أثينا القديمة تخلو من مثالبَ كثيرة، لعلّ أبرزها القضاء على حياة "سقراط"، ولكنّها تبقى مع ذلك أشدّ إخلاصا لمفهوم الديمقراطية إذا ما قورنت بالنّظم الديمقراطية في التاريخ المعاصر، ففي ظلّ ما يسمى "أزمة الديمقراطية" التي روّج لها "صامويل هنتنغتون" وآخرون، أضحى اتساع قاعدة المشاركة السياسية الفاعلة مشكلة تحول دون القدرة على الحُكم، وفي ظلّ أصولية السوق، أصبحت الثقافة الاستهلاكية أوسع انتشارا من الثقافة السياسية، وفي ظلّ الديمقراطية الموسمية التي تتجدّد كل أربع سنوات، باتت الأميّة السياسية ظاهرة لا تستدعي الازدراء.
من دون شك، هناك أسباب موضوعية لتفشي الأمية السياسية بين فئة الشباب على وجه الخصوص، ولكن هذا لا يعفي الشباب أنفسهم من مسؤوليتهم في تحدّي ظروف واقع مرير لن يستطيعوا تغييره إلى الأفضل من دون محو الأمية السياسية، وإذا كانت فترة الركود التي نعيشها منذ سنوات لا تتيح قدرا كبيرا من المشاركة السياسية الفاعلة، فإنها على الأقل تتيح فرصة استثمار الوقت الراهن في القراءة المستفيضة والجادة التي من شأنها الارتقاء بالعمل السياسي في المستقبل وبصورة تتجاوز إخفاقات الماضي، ولا مفرّ من السياسة، فهي قَدرُ أشبه بقدر الموت، فإذا كنّا لا نأبه بها، فإنها تتربّص بنا في كل زاوية من زوايا حياتنا، كيف لا والإنسان بطبعه، كما يخبرنا المُعلّم الأول، حيوان سياسي!

الأربعاء، 6 يناير، 2016

الأخلاق والاقتصاد


هل من الممكن أن تنتج عن الجشع الفردي منفعة عامة؟ هذا السؤال يستحضر في الأذهان "اليد الخفية للسوق"، وهي استعارة أشار إليها "آدم سميث" في القرن الثامن عشر ليؤكد أنّ الفرد الذي تُحرّكه المصلحة الشخصية في سلوكه الاقتصادي يساهم من حيث لا يدري في الارتقاء بالمصلحة العامة، وهذه هي إحدى الحجج التي يلجأ إليها الكثيرون للدفاع عن أخلاقية النظام الرأسمالي، لكن بالرغم من التحذيرات المتكررة التي أطلقها "أووين" و"بولانيي" حول تفاقم حجم الهوّة بين الأخلاق والاقتصاد في ظلّ الرأسمالية المتوحشة، لم تفلح الحقبة الكينزية في ردم تلك الهوّة إلى أن جاءت النيوليبرالية لتعلن طلاقا بائنا بينهما، ونريد من خلال هذا المقال الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد من جهة، والمصير الذي آلت إليه في ظل النظام الرأسمالي النيوليبرالي.    
مع أول عملية مقايضة أجراها الإنسان البدائي من خلال استبدال سلعة بسلعة أخرى، بدأت العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد، ولهذه العلاقة وجهان على الأقل: أولا، كلاهما ذو طابع اجتماعي، أي أنّ إمكانية وجودهما مرهونة بوجود مجتمع، وثانيا، كلّ قرار اقتصادي يستدعي بالضرورة سؤالا أخلاقيا، ذلك أنّ كل سلوك اقتصادي له بالضرورة تبعات، ليس على حياة الفرد متّخذ القرار فحسب، بل على حياة غيره من الأفراد المنتمين إلى المنظومة الاقتصادية نفسها، ولعلّ القارئ قد لاحظ ارتباطا بين هذين الوجهين، فالطبيعة الاجتماعية للاقتصاد هي التي تجعل منه موضوعا للأخلاق.
مع بروز أصولية السوق في سبعينيات القرن الماضي، بدأت القطيعة الممنهجة بين الأخلاق والاقتصاد، وأحد ملامح هذه القطيعة نجدها في الوسط الأكاديمي، حيث تخلو أغلب البرامج الجامعية في ميدان الاقتصاد من الإشارة إلى بُعده الأخلاقي، وفي المقابل تزخر هذه البرامج بالأرقام والمعادلات المجرّدة، وهي الحالة التي تعكس محاولات دؤوبة إلى الانتقال بعلم الاقتصاد من ميدان العلوم الاجتماعية التقليدية إلى ميدان العلوم الرياضية المحضة، كما تعكس أيضا نظرة تشككية بالقيمة العلمية لميدان الأخلاق الذي لا يعدو أن يكون فصلا من فصول الفلسفة، ومن المهم هنا التأكيد على النقطة التالية، وهي أنّ هذه القطيعة الأكاديمية بين الأخلاق والاقتصاد لا تنفي، وليس بمقدورها أن تنفي، الطابع الاجتماعي لميدان الاقتصاد، ولكنها تعتمد على استراتيجية حوسبة الاقتصاد التي ساهمت في التباعد الممنهج بين ميدان الاقتصاد وميدان الأخلاق، الأمر الذي أدّى بدوره إلى التقليل من شأن الأبعاد الأخلاقية لعلم الاقتصاد.
الملمح الآخر من ملامح القطيعة بين الأخلاق والاقتصاد يكمن في استحالة الجمع بين مقولات النيوليبرالية وحقوق الإنسان من دون الوقوع في تناقض أخلاقي، فمعظم الدول الرأسمالية تدافع عن المبادئ الإنسانية الكبرى من خلال خطابها السياسي، ولكنها تخون هذه المبادئ من خلال سلوكها الاقتصادي، كما أنّ دفاعها عن حقوق الإنسان يقتصر فقط على تلك الحقوق التي تنسجم مع النموذج النيوليبرالي، ولهذا يتم التركيز على الحقوق المتعلقة بحريات التفكير والتعبير والمُلكية، في حين يتم إغفال الحقوق المتعلقة بالحد الأدنى للأجور والعمل والصحة والتعليم وغيرها من ضمانات الحياة الكريمة، ولهذا أيضا تدافع الدول العظمى عن السلام من جهة، وتبيع السلاح من جهة أخرى، ولكن في ظلّ عقيدة أصولية السوق ليس هناك تناقض بين السلام والحرب، فالأول ضروري لاستقرار الأسواق، والثاني ضروري لتنشيطها!