الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

بوديموس


بعد الإعلان عن تشكيل حزب "بوديموس" الإسباني في النصف الثاني من شهر يناير من عام 2014، تمّ إشهاره رسميا في شهر مارس من العام نفسه، والوجوه البارزة في هذا الحزب ثلاثة: خوان كارلوس مونيديرو (52 عاما)، وبابلو إغليسياس (37 عاما)، وإنييغو إريخون (32 عاما)، وجميعهم أساتذة في قسم العلوم السياسية في جامعة مدريد، وتربطهم علاقة تعدّت الجانب الأكاديمي إلى الجانب الإعلامي من خلال تأسيسهم لما يعرف باسم "لا ترويكا"، وهو برنامج حواري انطلق بإمكانات متواضعة على قناة اليوتيوب في عام 2010، وتميّز باستضافته شخصيات لامعة من ضمن صفوف اليسار السياسي في إسبانيا، وحسب الإحصاءات التي أجريت في العام الماضي بلغ عدد المتابعين لهذا البرنامج أكثر من 30 مليون مشاهد.
يشير "مونيديرو"، أحد مؤسسي الحزب، إلى الأسباب التي دعت إلى تأسيس "بوديموس" قائلا: "كنّا متفقين على انتهاء صلاحية النموذج الديمقراطي الإسباني الذي تم تدشينه في عام 1978، وكان لدينا إحساس مماثل تجاه الديمقراطية الإسبانية القابعة تحت سطوة النيوليبرالية"، ثم يحدّد "مونيديرو" ثلاثة عوامل وراء قرارهم دخول المعترك السياسي: الأول، تخلّي جبهة "اليسار المتحد" عن مشروعها في توحيد قوى سياسية في صفوف المعارضة؛ والثاني، فرصة المشاركة في الانتخابات الأوروبية ومحاولة تحقيق انتصار انتخابي لدعم شعبية الحزب، والثالث، الحضور الإعلامي القوي الذي حققه "بابلو إغليسياس" من خلال برنامج "لا ترويكا" ومشاركاته في العديد من المناظرات السياسية.  
في أقلّ من عامين، حقق حزب "بوديموس" نجاحا باهرا على المستويين الداخلي والخارجي، ومن بين العوامل التي ساهمت في هذا النجاح استثمار الحزب للغضب الشعبي العارم الذي عبرّت عنه حركة "الخامس عشر من مايو" والمظاهرات العنيفة التي صاحبتها احتجاجات على السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وهي مظاهرات استمدت قوتها الروحية، كما يقول الإسبان أنفسهم، من "الربيع العربي"، كما استفاد حزب "بوديموس" من الدروس التي أتاحتها تجربة أميركا اللاتينية مع السياسات النيوليبرالية، فمن جهة، أثبتت تلك التجربة ضرورة العودة إلى الشعوب واستنهاض همتها في مواجهة الامبروطوريات المالية الكبرى، ومن جهة أخرى، أثبتت تلك التجربة أيضا عدم صلاحية التقسيم التقليدي بين اليمين واليسار في مواجهة فساد السلطة، وأخيرا، هناك عامل الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت حضورا كبيرا ومستمرا لأنصار "بوديموس" بين صفوف الشباب الإسباني.  
"بوديموس" حزب ينتمي أيديولوجياً إلى قوى اليسار السياسي، لكنّ أنصاره يؤكدون حقيقة أن الخط الفاصل بين اليمين واليسار لم يعد يسمح برؤية المجريات الحالية بصورة واضحة، فالمسميات قد تصلح لقراءة التاريخ من وجهة نظر أكاديمية، لكن عندما نتأمّل الواقع فلن نجد سوى قلة مستفيدة وكثرة متضررة من الوضع القائم، والقلة المستفيدة تشمل أيضا أقطابا كبرى في يسار الوسط، منهم من يعملون مستشارين للشركات الكبرى، كما أنّ رضوخ إسبانيا لما تمليه "ميركل" على السياسة الاقتصادية الإسبانية لا يتحمّل مسؤوليته أنصار اليمين فقط، بل يتعداهم إلى أنصار يسار الوسط أيضا، ولهذا جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة لتكشف عن اختلاف حاد بين "بوديموس" وحزب العمال الاشتراكي، حيث مُني هذا الأخير بأسوأ هزيمة في تاريخه السياسي بعد أن فقد عددا كبيرا من المقاعد النيابية لمصلحة حزب "بوديموس"، ومن جانب آخر تربط أعضاء "بوديموس" علاقة جيدة مع الأب الروحي لليسار الإسباني والعمدة الأسبق لمدينة "قرطبة" والزعيم الأسبق للحزب الشيوعي الإسباني، "خوليو أنغيتا"، أو "الخليفة الأحمر" كما يسميه خصومه في وسائل الإعلام.
على المستوى الأوروبي، هناك نقاط التقاء كثيرة بين "بوديموس" الإسباني و"سيريزا" اليوناني، من بينها الدعوة إلى انسحاب إسبانيا واليونان من حلف الناتو، ورفض تسديد الديون الخارجية على حساب الشعب، وفرض ضرائب تصاعدية بحيث يدفع أكثر مَن يملك أكثر، ووضع حدّ أدنى للأجور لضمان العيش الكريم لكل مواطن، ورفض الخصخصة مع إعادة تأميم القطاعات التي بيعت للقطاع الخاص، وفرض رقابة صارمة على قطاع البنوك، وجعل الاقتصاد خاضعا للسياسة لا العكس، كما يشترك الحزبان أيضا في سياسة تقف إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني ضد الغطرسة الإسرائيلية.
بطبيعة الحال، لم يسلم أنصار "بوديموس" من حملات التشوية والتضليل في وسائل الإعلام، كما تعرضوا أيضا إلى كمّ هائل من الاتهامات التي كيلت لهم من اليمين الفاشي ويسار الوسط على حدّ سواء، ومن بين تلك الاتهامات استنساخ نموذج الاتحاد السوفياتي في إدارة اقتصاد الدولة، والتعاطف مع أعضاء حزب "إيتا" الإرهابي، والانسحاب من منطقة "اليورو"، وغيرها من الاتهامات التي رفضها أعضاء الحزب جملة وتفصيلا، ولعلّ ما ساعد على مقاومة حملات التشويه والتضليل هو اعتماد أعضاء "بوديموس" على شفافية مطلقة عند الحديث حول أهداف الحزب ومصادر تمويله التي اقتصرت على تبرعات الأعضاء، وبعيدا عن مساهمة القطاع البنكي على وجه التحديد.
"بوديموس" تعني بالعربية "نستطيع" أو "قادرين"، وفي ظني أنه اسم موفّق إلى حدّ كبير، فهو يعبّر عن تحدي الواقع والأمل في تغييره، كما أنّ "نون الجمع" تحمل دلالة روح الفريق التي يفتخر بها أعضاء الحزب، ومن يدري؟ لعلّ الشباب العربي يستفيد من ظاهرة "بوديموس" في خدمة شعوبهم كما استفاد الشباب الإسباني من "الربيع العربي" في خدمة بلادهم!

الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2015

الانتخابات الإسبانية ونهاية القطبية الثنائية


في يناير من عام 2014 شهدت الحياة السياسية الإسبانبة ميلاد حزب سياسي جديد حمل اسم Podemos أو "بوديموس"، وفي أقل من عامين حقق هذا الحزب الفتيّ انتصارات تجاوزت توقعات معظم المراقبين، منها حصوله على 5 مقاعد في الانتحابات الأوروبية التي جرت في مايو من عام 2014، أي بعد أربعة أشهر فقط من الإعلان عن تشكيل الحزب، وحصوله على المركز الأول من حيث عدد المنتسبين الرسميين إلى عضويته من بين الناخبين الإسبان حسب استطلاعات الرأي الأخيرة، وأخيراً حصوله على المركز الثالث بعد أن حصد 69 مقعدا في الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا في إسبانيا.
 بعد إعلان النتائج الرسمية بات من الواضح أن الانتخابات الإسبانية الأخيرة أسفرت عن وأد القطبية الثنائية التقليدية بعد أن كان الحزب الشعبي (يمين) وحزب العُمّال الاشتراكي (يسار) يهيمنان على الساحة السياسية في إسبانيا منذ عام 1978، فإلى جانب "بوديموس" استطاع حزب Ciudadanos أو "مواطنون" حصد 40 مقعدا، ومع تأكيد هذا الحزب الأخير وقوفه في صف المعارضة أصبحت مهمة زعيم اليمين الإسباني "ماريانو راخوي" في تشكيل حكومة ائتلافية شبه مستحيلة، فالحزب الشعبي الذي يرأسه فشل في تحقيق الأغلبية المطلقة التي تتيح له حكم البلاد بعيدا عن تقديم تنازلات كبيرة لخصومه في صفوف المعارضة، ويبدو أن السيناريو القادم يسير في اتجاه عقد انتخابات مبكرة في ظل الاختلافات الحادة بين الأحزاب الأربعة الكبرى حول قضايا شديدة التعقيد، من ضمنها قضايا الاستفتاء العام في إقليم كاتالونيا وإصلاح الجهاز القضائي وتعديل النظام الانتخابي.
لم تكن عملية كسر هيمنة الحزبين التقليديين على نتائج الانتخابات الإسبانية أمرا سهلا، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار النظام الانتخابي غير العادل الذي ساهم في تكريس هذه القطبية الثنائية، فمن بين مثالب هذا النظام وجود تباين شديد بين الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة من حيث عدد أصوات الناخبين التي ينبغي لكل حزب الحصول عليها نظير حجز مقعد في البرلمان، فعلى سبيل المثال، عدد الأصوات التي حصل عليها "بوديموس" يعادل نسبة 72 في المئة من عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب الشعبي، في حين أنّ عدد مقاعد "بوديموس" في البرلمان يوازي نسبة 56 في المئة من عدد مقاعد الحزب الشعبي، وهذه نتيجة متوقعة وغير عادلة في ظلّ وجود نظام انتخابي يكرّس من زيادة الفروق بين الدوائر الانتخابية من حيث الوزن النسبي للمقعد النيابي من جهة، ويرتكز على المعادلة الرياضية المعروفة بمعادلة "دهوندت" والتي من شأنها تفضيل الأحزاب الكبيرة على الأحزاب الصغيرة من جهة أخرى.
لكن ما حقيقة حزب "بوديموس" ومن يقف وراءه؟ وما الأسباب التي دعت إلى نشأة هذا الحزب؟ وما العوامل التي ساهمت في النجاح الباهر الذي حققه هذا الحزب في فترة وجيزة من عمره السياسي؟ ثم ما طبيعة العلاقة التي تربطه بأحزاب اليسار التقليدي في إسبانيا؟ وما أوجه الشبه بين "بوديموس" الإسباني و"سيريزا" اليوناني؟ وأخيرا، كيف استطاع هذا الحزب الفتيّ تجاوز هجمات التضليل والتشهير التي شنها ضده اليمين الإسباني من خلال ما يمتلكه من وسائل إعلامية ضخمة؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في المقال القادم.  

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

لماذا باريس وليس «س»؟


حظيت أحداث باريس الإجرامية باهتمام واسع من وسائل الإعلام العالمية، ومن بين كلّ المآسي الإنسانية في اليمن وسورية وليبيا وغزة والقدس المحتلة وأوكرانيا ولبنان والعراق والنيجر ونيجريا وتشاد وغيرها من بقاع الأرض، استقطبت مأساة باريس أنظار العالم أكثر من أي مأساة أخرى، الأمر الذي أدّى– بطبيعة الحال– إلى بروز السؤال الاستنكاري: لماذا باريس وليس "س"؟ أما قيمة "س" فتعتمد على ميولك الأيديولوجية، فهي تشير إلى سورية أو غزة إذا كنت ممن يقبضون أيديهم في الصلاة، وهي بيروت أو اليمن إذا كنت ممن يُسدلونها.
لماذا يتباكون على فرنسا ولا يبكون على سورية؟ هذا سؤال ملغوم، ولكنّ اللغم من النوع المغشوش، فالاختلاف في تصريف الفعل "بكى" يفضح تمايزا غير موضوعي بين مشاعر توصف بأنها مزيفة وأخرى توصف بأنها حقيقية، كما أنّ هذا السؤال– عندما يكون موجها لبني جلدتنا- ينطوي على افتراض ضمني مفاده أنّ سورية تنبغي أن تكون أولوية بالنسبة إلى كل عربي أو مسلم، وبهذا نكون قد نهينا عن خلق وأتينا مثله، فحرام على الغرب المسيحي أن يجعل من أحداث باريس أولوية، وحلال علينا أن نجعل من أحداث سورية أولوية، وهنا لا بدّ أن نتساءل: ألا يشي هذا التناقض بأننا نعوّل كثيرا على إنسانية الإنسان الغربي من جهة، وعلى أيديولوجية الإنسان الشرقي من جهة أخرى؟   
ليس هناك أدنى شك في أن مآسي سورية واليمن– مثلا– أشد قسوة على النفوس من مأساة باريس، ولكن المعضلة تكمن في أنّ غالبية المطالبين بتسليط الأضواء على ما يجري في سورية لا يكترثون بما يجري في اليمن، كما أنّ غالبية المطالبين بفضح ما يجري في اليمن لا يحفلون بما يجري في سورية، وبذلك أصبحت الإنسانية مجرد بضاعة معروضة في سوق الأيديولوجية، نختار منها فقط ما يتناسب مع معتقداتنا الدينية.
لا تحفل حكومات العالم الأول بمصير شعوب العالم الثالث، وكفى بتاريخ الاستعمار شاهدا على هذه الحقيقة، لكنّ في العالم الأول شعوبا خرجت في مسيرات عارمة نصرة لقضايانا، في حين أننا لم نشهد حتى هذه اللحظة مظاهرة واحدة فقط ضد حرب لسنا فيها الضحية، أو لا تربطنا مع الضحية رابطة دم أو دين، فنحن– مع الأسف– لا ندين حربا إلا إذا كنا ضحاياها، ذلك أن مبدأ الخروج إلى الشارع لا يبدو مرتبطاً برفض الحرب كمفهوم لا إنساني، بل لنصرة ضحية تنتمي إلى المربع ذاته.
التعاطف الإنساني مع مأساة الأقرباء أشدّ من التعاطف الإنساني مع مأساة الغرباء، وهذه هي طبيعة البشر، لكنّ الذي ليس من طبيعة البشر هو أن نقصر مثل هذا التعاطف على المقرّبين منا، وقد تبلغ الحالة المرضية ببعضنا درجة النشوة والتشفّي بمصاب الآخرين، وهذا لعمري انحدار إلى أدنى دركات الدناءة الروحية!

الأربعاء، 25 نوفمبر، 2015

قراءة في كتاب «الخصخصة: من مواطنين إلى زبائن» (3)


لم يستند مؤلف الكتاب في موقفه الرافض للخصخصة إلى المنطق فحسب، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك ليورد آراء ودراسات حول تجارب الخصخصة في بعض الدول النامية، من بينها رأي السيد "سوندارام"، الخبير الدولي والأمين العام المساعد للأمم المتحدة لشؤون التنمية الاقتصادية، بالإضافة إلى الدراسة التي أعدّها مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) بواشنطن عن الخصخصة في الدولة النامية، وتقرير جامعة كامبردج المتعلق ببرامج الخصخصة في دول الاتحاد السوفياتي السابق، وقد جاءت كلها لتدلل على حقيقة أنّ الخصخصة تنتقص من الديمقراطية، وتساهم في انخفاض دخل الدولة، وتزيد الهوّة بين الأغنياء والفقراء.
إلى جانب آراء الخبراء ونتائج الدراسات العلمية، استعرض المؤلف تجارب عمليات الخصخصة في بعض الدول النامية، مثل مصر والجزائر والأردن وتركيا والأرجنتين وغيرها من الدول، وقد أسفرت كل تلك التجارب– كما يوضح المؤلف بالأرقام والمصادر الموثقة– عن نتائج كارثية بكل المقاييس، مثل تنامي معدلات الفقر، وتركّز الثروة بأيدي القلة، وازدياد معدلات البطالة، وإضعاف اقتصاد الدولة، وشيوع الفساد المالي والإداري، ونهب مدخرات الشعوب وثرواتها، وقد دفعت هذه النتائج الكارثية بعض الدول إلى التراجع عن برامج الخصخصة وإلى إعادة تأميم ما سبق تخصيصه من مؤسسات!
للخصخصة مشكلاتها التي من أهمها البطالة، واحتكار السلطة والثروة، وتهديد الديمقراطية وإضعاف المساءلة العامة، والفساد الإداري وهدر المال العام، وقد توقف المؤلف عند كل مشكلة على حدة، محاولا كشف الستار عن الوجه القبيح للرأسمالية المتوحشة، فمشكلة البطالة– على سبيل المثال لا الحصر– "تؤدي إلى زيادة معدلات الفقر، واتساع الفوارق الطبقية، ووجود فئات وشرائح اجتماعية مُهمّشة، كما تؤدي أيضا إلى مشكلات اجتماعية كثيرة، كالجرائم والإدمان والتفكك الأسري". (ص. 80)، وإزاء هذه الكوارث الناتجة عن البطالة– كما يشير المؤلف– لا يملك دعاة الخصخصة وأرباب "صندوق النقد الدولي" سوى اقتراح إنشاء صناديق اجتماعية شبيهة بصدقات المحسنين، وهو اقتراح يفضح الانقلاب على جوهر العمل بوصفه واجبا تؤديه الدولة تجاه المواطن، لا هبة يمنحها الغنيّ للفقير!
لم يقتصر المؤلف في كتابه على النقد المنهجي لموضوع الخصخصة بوصفها سياسة اقتصادية فاشلة، إنما تجاوز ذلك إلى تقديم بدائل عنها، وقد جاءت هذه البدائل على شكل حزمة إصلاحات سياسية واقتصادية، ومن بينها التأكيد على دور الحُكم الصالح والرشيد في ضمان وجود "تنمية إنسانية شاملة وحقيقية". (ص. 98)، وضرورة خلق اقتصاد وطني منتج ومستقل، واستحداث "نظام ضريبي عادل ومتطور بحيث تُفرض ضرائب تصاعدية على الدخول المرتفعة وعلى أرباح الشركات والمؤسسات الخاصة". (ص. 101)، وإجراء إصلاحات إدارية شاملة للمؤسسات والشركات العامة، وإنشاء أجهزة رقابية مستقلة.  
إنّ كتاب الزميل بدر الديحاني يدقّ ناقوس الخطر، خطر الانغماس في ماديّة لا تقيم وزنا للإنسان، ولا تحفل بمبدأ العدالة الاجتماعية، ولا تلتزم إلّا بتعاليم الإله "هيرمس"، إله المال واللصوص وقُطّاع الطرق!

الثلاثاء، 24 نوفمبر، 2015

لقاء إذاعي حول مشروع التنوير في العالم العربي

لقاء إذاعي حول مشروع التنوير في العالم العربي
برنامج صلب الموضوع - محاورة: عقيل عيدان
اذاعة دولة الكويت - البرنامج الثاني

الاثنين، 23 نوفمبر، 2015

قراءة في كتاب «الخصخصة: من مواطنين إلى زبائن» (2)


بشكل عام، لا يتمتع القطاع العام بسمعة جيدة من حيث كفاءة العمل ومستوى جودة الخدمات التي يقدّمها للمستهلكين، وقد اتخذ معظم أرباب القطاع الخاص من هذه السمعة السيئة حجة مفادها أنّ الخصخصة هي الحلّ الأمثل لتجاوز الترهّل الإداري والوهن الرقابي في القطاع العام، وتجنّب الفساد المستشري فيه، وبذلك يرى أنصار الخصخصة أنّ من شأن تحويل مُلكية القطاع العام إلى القطاع الخاص تحسين الكفاءة ورفع مستوى جودة الخدمات، ولكنّ المؤلف يبيّن تهافت هذه الحجة من خلال استحضار الافتراضات المغلوطة التي تقوم عليها، فالحجة تفترض، أولا، أنّ تصفية الدور الاقتصادي للدولة هي الطريقة المثلى لمعالجة الخلل الإداري في أيّ قطاع حكومي، في حين أنّ من الممكن معالجة الخلل المتعلّق بالإدارة من دون الحاجة إلى بيع الجمل بما حمل على القطاع الخاص، كما أنّ الحجة تفترض، ثانيا، أنّ الفساد الإداري مقتصر على القطاع العام، في حين أنّ "واقع الحال يوضح أنّ القطاع الخاص خصوصا في الدول النامية، ومن ضمنها الكويت بالطبع، لا يقلّ عن القطاع العام من ناحية سوء الأداء وانتشار الفساد" (ص. 37)، كما ذهب المؤلف في تفنيد هذه الحجة إلى أبعد من ذلك من خلال طرح السؤال التالي: عندما يزعم دعاة الخصخصة أنّ الأجهزة الحكومية فاسدة وغير كفؤة بحكم نوع مُلكيتها، فكيف ستقوم الدولة بدورها الإشرافي والرقابي الذي من شأنه الحدّ من فساد قطاع يهدف في المقام الأول إلى تحقيق الربح المباشر والسريع؟!
 يزعم نفرٌ من أرباب القطاع الخاص أنّ من شأن الخصخصة أيضا المساهمة في توسيع قاعدة المُلكية من خلال كسر "احتكار الدولة"، ومن جديد يبيّن المؤلف تهافت هذا الزعم من خلال التأكيد على حقيقة أنّ مفهوم "الاحتكار" مرتبط بالمُلكية الخاصة لا المُلكية العامة، حيث كتب يقول إنّ "مفهوم الاحتكار يتعارض منطقيا مع مفهوم المُلكية العامة (أي مُلكية الجميع)، فالاحتكار يفترض عدم أحقية طرف واحد على الأقل في المُلكية، في حين أنّ المُلكية العامة تعني اصطلاحا عدم وجود مثل هذا الطرف، ومن هنا فإنّ جوهر الخصخصة هو احتكار عدد محدود من الأشخاص أو فئة اجتماعية لمورد عام عن طريق نزع مُلكية هذا المورد من فئات اجتماعية أخرى، وبالتالي يصبح من المنطقي القول إنّ الدعوة إلى كسر احتكار الدولة عن طريق الخصخصة تنطوي في واقع الأمر على دعوة إلى كسر احتكار لا وجود له من الأساس" (ص. 41).   
ينتقل المؤلف إلى تفنيد حجة أخرى مفادها أنّ الخصخصة تساهم في دعم ميزانية الدولة، حيث يؤكد حقيقة أنّ نقل المُلكية في ذاته لا يضمن تعزيز الإيرادات الحكومية، بل قد يكون العكس هو الصحيح، خصوصا عندما تكون الخصخصة متعلقة بقطاعات حكومية ذات جدوى اقتصادية مرتفعة، الأمر الذي يحرم ميزانية الدولة من إيرادات هذه القطاعات المربحة من جهة، ويكشف عن شبهة التنفيع الحكومي لمجاميع تجارية من جهة أخرى.
يطرح دعاة الخصخصة حُججاً إضافية يتصدّى لها المؤلف الواحدة تلو الأخرى، فالخصخصة لا تقضي على البطالة بل تساهم في تفاقمها، والخصخصة لا تؤدّي بالضرورة إلى تشجيع المنافسة وكسر احتكار السوق بل على العكس من ذلك تماما، والخصخصة لا تعزّز الديمقراطية بل تعمل على تقويضها من خلال انتقال السلطة من رجال البرلمان إلى رجال الأعمال من جهة، وتحوّل الأفراد من مواطنين فاعلين إلى مجرّد زبائن مستهلكين!
يتبع.

الأحد، 22 نوفمبر، 2015

محاضرة رحلة القراءة: من الرمز إلى المعنى

محاضرة ضمن فعالية تنوين ( مشروع تكوين ) بعنوان
رحلة القراءة: من الرمز إلى المعنى
14-نوفمبر-2015

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

قراءة في كتاب «الخصخصة: من مواطنين إلى زبائن» (1)


في العام الماضي، صدر كتاب "الخصخصة: من مواطنين إلى زبائن" عن دار "مكتبة آفاق"، لمؤلفه الزميل د. بدر الديحاني، وقد قرأت الكتاب مرتين، قرأته قبل النشر من خلال مسوّدة الكتاب التي أتاح لي المؤلف مشكوراً الاطلاع عليها، وقرأته بعد النشر في نسخته المطبوعة، وأعترف بأني هممت بتقديم عرض للكتاب هنا في "الجريدة" منذ أن خرج إلى النور في طبعته الأولى، لكنني آثرت الانتظار على أمل أن يقوم بهذه المهمة مَن هم أقدر مني على ذلك، وها قد مضى عام كامل على نشر الكتاب من دون أن يلحظ وجوده أيّ من المحررين الاقتصاديين الذين تمتلئ بهم صحفنا المحلية، ولا عجب ولا غرابة، فعنوان الكتاب يتعارض مع المانشيتات الصحافية البرّاقة حول "فوائد الخصخصة وأهميتها"!
جاءت مقدمة الكتاب متسقة مع عنوانه، فالمؤلف لا ينكر رفضه القاطع للخصخصة المتمثلة في تحويل الملْكية العامة إلى ملكية خاصة، وهذا الرفض القاطع ليس مبنياً على وجهة نظر "دوغمائية"، بل هي وجهة نظر موضوعية، جاءت بعد أن بذل المؤلف جهداً كبيراً في عرض أبرز الحجج المؤيدة للخصخصة وتفنيدها الواحدة تلو الأخرى، وبالرغم من ذلك فإن المؤلف لا يحاول فرض وجهة نظره الموضوعية على القارئ، فهو يعلن منذ البداية أن الهدف من الكتاب هو "المساهمة في إثراء النقاش العام حول موضوع الخصخصة" (ص: 11)، والإشارة هنا إلى "النقاش العام" إشارة مقصودة، فالمؤلف يعلن منذ البداية أيضاً أن الكتاب موجّه إلى المتخصصين وغير المتخصصين على حدّ سواء، وقد انتهج في سبيل تحقيق ذلك منهج الوضوح في عرض الموضوع بأسلوب ميسّر، والمؤلف بذلك ينأى بنفسه عن المنهج النيوليبرالي في تناول موضوع الشأن الاقتصادي، وكأنه "طلاسم ومعادلات وأرقام معقدة وغير مفهومة لا علاقة لها بالإنسان الذي تم تحويله إلى مجرد أرقام صماء" (ص: 10).
حمل الفصل الأول من الكتاب عنوان "الأسس النظرية للخصخصة"، حيث استعرض الكاتب المنطلقات الفكرية للخصخصة والسياق التاريخي الذي نشأت فيه، ثم انتقل في الفصل الثاني إلى توضيح مفهوم "الخصخصة" وأشكالها المتعددة، مع عرض الحجج المؤيدة لها وتفنيد كلّ حجة على حدة، أمّا الفصلان الثالث والرابع فتناولا تجارب بعض الدول الأجنبية والعربية في تطبيق سياسة الخصخصة، ثم انتقل الكاتب في الفصل الخامس من الكتاب إلى تبيان مشكلات الخصخصة المتمثلة في البطالة، واحتكار السلطة والثروة، وغياب العدالة الاجتماعية، وتهديد الديمقراطية مع غياب المساءلة العامة، إلى جانب الفساد المالي والإداري وهدر المال العام، ثم جاء الفصل الأخير من الكتاب ليقدّم بدائل للخصخصة من شأنها تفادي ما سبق ذكره من مشكلات.
يتبع،،،

الأحد، 1 نوفمبر، 2015

مفاهيم ملتبسة


(1) النزاهة

مفهوم «النزاهة» مفهوم ملتبس، ومصدر الالتباس يكمن في وجود تباين بين معنى كلمة «نزاهة» في اللغة العربية من جهة، واستخدام هذه الكلمة كمترادف لكلمة integrity من جهة أخرى، فالمعنى العربي يشير بوجه عام إلى «البُعد عن السوء وترك الشبهات»، في حين أنّ الاشتقاق اللاتيني لهذه الكلمة يشير إلى معنى «الكمال»، لكن عند استخدام كلمة «نزاهة» كمترادف لكلمة integrity بمعناها الحديث، فإنّ المقصود هنا هو توافق أفعال المرء مع المبادئ والقيم التي يؤمن بها، وبذلك يكون شرط النزاهة مقتصرا على مبدأ الاتساق بين الاعتقاد والسلوك، وهذا ما يجعل فضيلة النزاهة تقف على النقيض من رذيلة النفاق، كما أنّ النزاهة بمفهومها الحديث تشير إلى عدم وجود تعارض بالضرروة بين السرقة والنزاهة، فشخصية «روبن هود» هي شخصية بطل يؤمن إيمانا عميقا بمشروعية سرقة الأغنياء لإطعام الفقراء، وبذلك يستحقّ لقب «اللصّ النزيه» لأنّه ترجم اعتقاده إلى سلوك، على العكس من أغلب اللصوص المنافقين ممن يرفعون شعار الأمانة بيد ويسرقون اللقمة من أفواه الفقراء باليد الأخرى!

(2) الإلحاد

مفهوم «الإلحاد» مفهوم ملتبس، ومصدر الالتباس يعود إلى تعريف كلمة «إلحاد» بأنها إنكارٌ لوجود الله، ومن الواضح أنّ هذا التعريف يفتقر إلى الموضوعية، فالإلحاد يعبّر عن موقف فكري من كل الآلهة بشكل عام ولا يقتصر على إله معيّن، كما أنّ الإنكار يعني جحود الشيء مع العلم بوجوده، في حين أنّ الملحد لا ينكر ما يعلمه، بل هو صادق في افتقاره إلى الإيمان بوجود إله أو آلهة، ذلك أنّ الإلحاد يعني الافتقار إلى الإيمان، لا إنكاره! هذا الالتباس في مفهوم الإلحاد هو المسؤول عن مغالطة منطقية تُعرف باسم «الإثبات السلبي»، ويكثر العثور على هذه المغالطة في الأدبيات الدينية بشكل عام، ومفادها أنّ (س) صحيحة لعدم وجود إثبات على خطأ (س)، أو بعبارة أخرى أكثر تحديدا، فكرة الإيمان بوجود إله فكرة صحيحة لعدم وجود إثبات على خطأ هذه الفكرة، وقد تصدّى لهذه المغالطة المنطقية الفيلسوف البريطاني المعروف «برتراند رسل» بغرض التأكيد على حقيقة أنّ عبء الإثبات يقع على المؤمن لا على الملحد، حيث كتب يقول: «لو أنّي قلت إنّ هناك بين الأرض والمريخ إبريق شاي يدور حول الشمس في مدار بيضاوي الشكل، فإنّ أحداً لن يكون بمقدوره إثبات خطأ ما أقول عندما أضيف قائلا إنّ ابريق الشاي صغير جدا بحيث لا يمكن رصده بأقوى المناظير الممكنة»!

(3) الليبرالية

مفهوم «الليبرالية» مفهوم ملتبس، ومصدر الالتباس يعود إلى تشويه هذا المفهوم إلى الحدّ الذي أصبح فيه مترادفا مع الانحلال الأخلاقي، في حين أنّ الليبرالية تنتمي في أصل نشأتها إلى الميدان السياسي-الاقتصادي، لا إلى ميدان الأخلاق بشكل عام، فهي تشير إلى فلسفة سياسية تبلورت في عصر التنوير كاستجابة لنمو الدول القومية الحديثة في أوروبا، ومن المعروف أنّ الفيلسوف الإنكليزي «جون لوك» جعل حقّ أيّ حكومة في بسط سلطتها على حدودها مرهوناً بقدرتها على تأمين الحقوق الطبيعية لكل فرد يعيش داخل نطاق تلك الحدود: حقّ الحياة، وحقّ الحرية، وحقّ المُلكية الخاصة، وقد اتخذت الليبرالية الاقتصادية (الكلاسيكية) من حقّ الملكية الخاصة نقطة انطلاقها لتصل إلى أسطورة «اليد الخفية للسوق»، كما اتخذت الليبرالية السياسية (المعاصرة) من حقّ الحرية نقطة انطلاقها لتصل إلى ضرورة وقوف الحكومة على الحياد من قضية الحياة المثلى التي ينبغي لكل مواطن أن يعيشها، وأمّا كلمة liberal فيعود تاريخ استعمالها إلى القرن الرابع عشر، وقد ساهم هذا التاريخ الطويل في اتخاذ هذا الكلمة دلالات مختلفة، فهي قد تعني «الإنسان الحُرّ»، أي مَن ليس بعبد أو خادم، وفي هذه الحالة تكون مشتقة من المصطلح اللاتيني liber، وقد تأتي أيضا بمعنى «كريم»، كإشارة إلى هبات المحسنين من طبقة الأحرار تجاه الفقراء والمحتاجين، كما قد ترمز إلى الانفتاح العقلي بوصفها سلوكا اجتماعيا.

الأربعاء، 28 أكتوبر، 2015

مشروع التنوير والعالم العربي (2)

لم يشهد العالم العربي طوال تاريخه ميلاد مشروع تنوير على غرار المشروع الغربي، فبينما شهد القرن الثامن عشر سيادة المنهج العلمي وتأثيره الكبير على ميادين المعرفة بأشكالها كافة، ما زالت أنماط التفكير البدائية هي السائدة في العالم العربي، وبينما عمدت الطبقة الوسطى الأوروبية إلى توظيف المنهج العلمي لخدمة مصالحها، وجدت الطبقة الوسطى االعربية في التحالف مع النظام الكولونيالي تحقيقا لمصالحها الطبقية.

 بالغ الكثير من الباحثين في تضخيم أثر الحملة الفرنسية على مصر في أواخر القرن الثامن عشر، ومنهم من رأى في هذا التلاقي بين الغرب المتقدم والشرق المتخلف "صدمة حضارية"، لكن الواقع يشير إلى أنّ الصدمة لم تكن حضارية بالمعنى العميق لكلمة "حضارة"، ذلك أنّ الانبهار بالتكنولوجيا الغربية لم تصاحبه محاولة جادّة إلى ترسيخ المنهج العلمي الذي لم تكن التكنولوجيا سوى ثمرة من ثماره، كما أنّ الفرصة التي أتيحت لبعض روّاد الثقافة العربية في الاطلاع على الفكر الغربي لم تسفر سوى عن اجتهادت فردية حاولت استنساخ اجتهادات فلاسفة الغرب في فك الارتباط بين الدين وميادين المعرفة.
حاول الإمام محمد عبده في كتابه "الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية" إتاحة مساحة أكبر لحرية البحث العلمي بعيدا عن الوصاية الدينية، وحاول قاسم أمين من خلال "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" إتاحة مساحة أكبر لإرادة الأنثى بعيدا عن الإرادة الذكورية، وحاول علي عبدالرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" إتاحة الفرصة لإمكانية وجود عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم بعيدا عن مفهوم الخلافة الإسلامية، كما حاول غيرهم فكّ الارتباط بين تقديس الدين من جهة وتقديس اللغة والأدب من جهة أخرى، كمثل الدعوة التي أطلقها محمد لطفي السيد إلى تبني اللغة العامية، ومشاكسات طه حسين مع الشعر الجاهلي.
هناك فرق كبير بين بيئة تشبّعت بأصول المنهج العلمي وأخرى اكتفت بالتطفّل على ثمار ذلك المنهج، ولهذا نجح "بيكون" و"ديكارت" في فكّ الارتباط بين الدين والعلم في حين لم تنجح محاولات "محمد عبده" و"سلامة موسى" في مجرّد تشجيع البحث العلمي، ونجح "هوبز" و"لوك" و"روسو" في تأسيس نظرية العقد الاجتماعي في حين لم تنجح محاولات "رفاعة الطهطاوي" و"علي عبدالرازق" في مجرّد إقناع الرأي العام بأهمية وجود صيغة وضعية توافقية بين أفراد المجتمع الواحد، ونجح "كانط" في وأد التفسير الحرفي للدين المسيحي في حين لم تنجح محاولات العديد من الباحثين العرب في مجرّد التخفيف من سيادة التفسير الحرفي للدين الإسلامي.
العالم العربي أشبه بغرفة مظلمة تملؤها الفوضى، وقد يغمر النور أرجاء الغرفة بضغطة واحدة على زر المصباح، لكن النور لا يكفي لإعادة ترتيب الغرفة.

الاثنين، 26 أكتوبر، 2015

مشروع التنوير والعالم العربي (1-2)


كثيرة هي الأدبيات التي تتحدّث عن "التنوير العربي" بوصفه مشروعا لم يحالفه النجاح، وفي ظني أنّ في هذا الوصف إجحافاً بحقّ هذا المشروع، ليس لأنّه مشروع نال نصيبا من النجاح في عالمنا العربي، بل لأنه مشروع لم يبدأ كي نحكم عليه بالنجاح أو الفشل، وهذه هي القضية الأساسية التي نريد الدفاع عنها من خلال هذا المقال، لكن ينبغي لنا أولا أن نقف عند مفهوم التنوير بوصفه حقبة تاريخية من جهة، وبوصفه حركة فلسفية من جهة أخرى، وذلك بغرض الوقوف على أهم العوامل التي ساهمت في نشأة "التنوير" في الغرب المسيحي.

التنوير بوصفه فصلا من فصول التاريخ الغربي يشير إلى حقبة تاريخية امتدّت من منتصف القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر، وهي من أكثر الحقب التاريخية التي شهدت صخباً كبيراً من جرّاء قيام الثورات الإنكليزية (1688) والأميركية (1775) والفرنسية (1789)، وأمّا التنوير بوصفه فصلا من فصول الفلسفة الغربية فيشير إلى حركة فلسفية استفادت من أهم مذهبين من مذاهب الفلسفة الغربية، المذهب العقلاني الذي حمل رايته ديكارت وسبينوزا ولايبنز وغيرهم، والتيار التجريبي الذي حمل رايته بيكون ولوك ونيوتن وغيرهم.


لم يكن التنوير الأوروبي حدثا لحظيا، بل جاء بعد مخاض عسير أدى تدريجيا إلى تحرير ميادين المعرفة من قبضة الرؤية المسيحية للعالم، فنجاح الثورة العلمية لم يساهم في تحرير العلوم الطبيعية من الدين وحسب، بل شجّع أيضا على علمنة ميادين السياسة والأخلاق وغيرهما من العلوم الاجتماعية، وبذلك يكون التنوير بمنزلة انقلاب على الموقف القروسطي المتشائم واللاعقلاني واستبداله بموقف أكثر تفاؤلا وعقلانية، وقد ساهم المنهج العلمي في هذا الانقلاب الفكري الكبير، فبفضل هذا المنهج تراجع التفسير الخُرافي لصالح التفسير العلمي في فهم الطبيعة وقوانينها، وبفضل هذا المنهج أقيمت نظرية "العقد الاجتماعي" على أنقاض نظرية "الحق الإلهي للملوك"، وبفضل هذا المنهج أصبح المعيار الأخلاقي محكوما بعلاقة أفقية بين الإنسان وأخيه الإنسان بعد أن كان محكوما بعلاقة رأسية بين الأرض والسماء.

بطبيعة الحال، لم يكن المنهج العلمي لينجح في الانتقال بالإنسان من الظلمات إلى النور لولا توافر ظروف موضوعية ساهمت بشكل مباشر في تبلور عصر التنوير، لعلّ من أهمها بروز طبقة وسطى واعية بحقيقة التغيرات التاريخية وبطبيعة مصالحها الطبقية، بحيث وجدت في أطروحات التنوير تعبيرا عن طموحاتها السياسية في مقابل طبقة أرستقراطية طفيلية، وتجسيدا لطموحاتها الاقتصادية ضد نظام إقطاعي متهالك، وتنفيسا عن طموحاتها الفردية ضدّ نظام ملكي-لاهوتي متسلّط. 
  
 على ضوء ما تقدّم، يُصبح الحديث عن وجود "مشروع تنوير" في العالم العربي مرتبطا بمدى تحقّق عاملين اثنين على الأقل: سيادة المنهج العلمي بحيث يشمل مناحي الحياة كافة، وتوافق مصالح الطبقة الوسطى مع القيم المعرفية والأخلاقية لهذا المنهج، فهل بمقدورنا الزعم بتحقق هذين العاملين في العالم العربي طوال تاريخه الحديث؟
يتبع،،،

الاثنين، 12 أكتوبر، 2015

المحايدون

يختار المحايدون "المشي تحت الساس"، كما نقول بالعامية، أو "المشي جنب الحيط"، كما يقول إخواننا المصريون، وهم اختاروا هذه المشية طلباً للسلامة حيناً، وطمعاً في الفائدة أحيانا كثيرة، وقبل التطرّق إلى بعض ملامح الشخصية المحايدة، ينبغي الوقوف عند اختلاف دقيق بين مفهوم "الحِياد" ومفهوم "عدم الانحياز"، خصوصا أنّ الخلط بين المفهومين يوشك أن يكون ظاهرة منتشرة على نطاق واسع.
الحِياد يعني رفض اتخاذ موقف من قضية معينة، في حين أنّ عدم الانحياز يعني رفض الوقوف مع طرف ضد آخر حول قضية معينة، وعلى ضوء هذين التعريفين بإمكاننا أن نلاحظ وجهين من أوجه الاختلاف بين المفهومين: أولا، الحياد مرتبط بموضوع الصراع حول قضية معينة، في حين أن عدم الانحياز مرتبط بأطراف الصراع، وثانيا، الحياد حالة خاصة من عدم الانحياز، أي أنّ الأول يقتضي الثاني من الناحية المنطقية، فعدم اتخاذ موقف من قضية معينة يعني بالضرورة عدم الوقوف مع طرف ضد آخر، ولكن العكس غير صحيح، أي أنّ عدم الانحياز لا يقتضي الحياد، ذلك أنّ عدم الانحياز إلى طرف ضد آخر في قضية معينة لا يعني بالضرورة عدم اتخاذ موقف أصيل من تلك القضية، ومن هنا تكون العلاقة بين المفهومين أشبه بعلاقة المربع بالمستطيل، فمثلما أنّ كل مربع هو مستطيل، والعكس غير صحيح، فإنّ كل حياد هو عدم انحياز، والعكس غير صحيح كذلك.
يمتاز المحايدون بندرة خصومهم، فالخصومة تنتج من مواقف متباينة، والمحايدون لا موقف لهم، وبالتالي لا خصوم لهم، ومع الاعتراف بأنّ المحايدين هم أقل الأفراد جلباً للضرر لمجتمعاتهم، فإنهم أقلّ الأفراد جلباً للنفع أيضا، وهذا ما يجعلهم غير مؤثرين في مجرى الأحداث من حولهم، فالتاريخ يصنعه الأخيار والأشرار معاً، وأمّا المحايدون فيفضّلون البقاء على هامش التاريخ، كما أنّ المجتمعات يبنيها المصلحون ويهدمها المفسدون، وأمّا المحايدون فغايتهم التأقلم مع شتى الظروف مع إخلاء مسؤوليتهم عنها.
لا حِياد في الأخلاق، ومع ذلك، يُظهر المحايدون براعة في إمساك العصا الأخلاقية من المنتصف، فَهُم ليسوا مع الحق وليسوا مع الباطل، ولا هُم منضوون تحت لواء العدل، ولا هُم قابعون تحت لواء الظلم، كما أنّ الصمت هو خيارهم المفضّل عندما يجدون أنفسهم محاصرين بين خيار الصدق وخيار الكذب، وإذا كان هناك من بين المحايدين مَن يتوارى خجلا بعد اقترافه رذيلة اللاموقف، فإنّ منهم أيضا مَن لا يستحي من التباهي بحقيقة أنّ الرّاقصين وحدهم هُم أقدر الناس على إمساك العصا من المنتصف.  
"أنا مُحايد"، هذا ما ينطق به الجبان الخجول عندما تُطلب منه شهادته على أمر رآه بعينيه أو سمعه بأذنيه، فهو لا يملك شجاعة الصدق ليقول "نعم"، ولا يملك وقاحة الكذب ليقول "لا"!

الاثنين، 5 أكتوبر، 2015

إجهاض الثورات العربية

إمّا حرب أهلية وإمّا عودة إلى المربع الأول، هذان هما المسلكان– على ما يبدو– اللذان يشكلان ما آلت إليه الثورات العربية في السنوات الأخيرة، فالحروب الطاحنة جلبت الدمار لليمن وليبيا وسورية وأجزاء من العراق، وأما مصر وتونس فيبدو أن الأوضاع الداخلية فيها تسير باتجاه العودة إلى الأجواء السائدة في الحقبة الدكتاتورية السابقة، ولعلّ من المبكر جدا توجيه إصبع الاتهام إلى مَن يقفون وراء إجهاض الثورات العربية، لكن من العسير أيضا أن نعفي أطرافا ثلاثة من مسؤولياتهم عن وأد أحلام "الربيع العربي".
أول هذه الأطراف يشير إلى الدول العظمى التي انتهجت سياسة براغماتية في تعاملها مع شؤون الشرق الأوسط بشكل عام، ومع تطورات الثورات العربية بشكل خاص، ولعلّ أخطر ما يميز البراغماتية السياسية هو حرصها على اتخاذ قرارات تتيح جني فوائد آنية من دون أدنى اكتراث للتبعات الجسيمة التي قد تنتج عن تلك القرارات، كما أنّ أبشع ما يميّز البراغماتية السياسية هو استخفافها بمبدأ الاتساق في الموقف، وبالتالي خلوّها من أي بُعد أخلاقي في التعامل مع القضايا الإنسانية، ولعل النجاح المنقطع النظير للبراغماتية في ميدان السياسة هو المسؤول عن اختزال هذا الميدان في مسألة تحقيق "المصالح المشتركة"!
ثاني الأطراف المسؤولة عن إجهاض الثورات العربية يشير إلى دول مؤثرة في المنطقة، وتأثير بعض هذه الدول ناتج عن وفرة مادية أتاحتها موارد طبيعية، وعن مرجعية دينية أتاحتها ظروف تاريخية، وقد رمت هذه الدول الثيوقراطية بكل ثقلها المادّي في سبيل إجهاض الحلم العربي والمتمثل بشعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ونظرا للتحالف الاستراتيجي لهذه الدول مع الغرب البراغماتي، فإنّ سياساتها لا تقلّ براغماتية عن سياسات الدول العظمى، فشعار "حق الشعوب في تقرير مصيرها" يُرفع جنبا إلى جنب مع شعار "حق الشرعية السياسية في الدفاع عن استقرار مجتمعاتها"!
يبقى الطرف الثالث والمسؤول عن إجهاض ثورات الشعوب العربية، ونعني به الإسلام السياسي المتمثل بجماعة الإخوان المسلمين وجميع الحركات الجهادية التي خرجت من عباءتها، وهنا تحديدا تتجسّد البراغماتية بأشنع صورها، وأعني بها الميكيافيلية التي تقف وراء تعاطي "الجماعة" مع الثورات العربية منذ اندلاعها حتى وقتنا الراهن، ومن مظاهر هذه الميكيافيلية ما شهدناه من تردد "الجماعة" في اتخاذ قرار المشاركة في الثورة المصرية فور قيامها، وهو التردد الذي تفضحه البيانات الصادرة عنها في الأيام الأولى من الثورة، والتي لم تتجرّأ فيها على مجرد الإشارة إلى كلمة "ثورة"، ولم يكن نهج "الجماعة" مختلفا في تونس واليمن وغيرهما، فقرار ركوب الموجة الثورية كان يأتي دائما بعد أولى بوادر خروج الحلقة الأضعف من الصراع، والميكيافيلية الإخوانية لا تقف عند هذا الحدّ، فقد شهدناها في موقف "الجماعة" من الحرب على اليمن، وشهدناها في موقف بعض الدول المتحالفة مع "الجماعة" من الثورة السورية، ونشهدها حاليا من خلال الدعوات إلى "الجهاد" في سورية بعد استهداف الحركات الجهادية المحسوبة على "الإخوان" من قبل القوات الروسية، فلا شيء يستطيع أن يكبح جماح هذه الميكيافيلية المتعطشة إلى السلطة حتى إنْ أريقت دونها دماء الملايين من البشر، وحتى لو تطلّب الأمر استنساخ النموذج الأفغاني وإعادة إحياء أدبيات "كرامات المجاهدين".
لا نجاح لأيّ ثورة عربية من دون قيام ثورات مادية في الغرب، وأخرى فكرية في الشرق، فالأولى من شأنها أن تعصف بالأسس الاقتصادية للدول العظمى وتعيد للغرب إنسانيته، والثانية من شأنها أن تعصف بالأسس الأيديولوجية لدول المنطقة وتعيد إلى الشرق حِكمته.

الاثنين، 28 سبتمبر، 2015

الإسلام السياسي والمجتمع المدني


يقول عمر بن أبي ربيعة في بيته المشهور:

أيها المُنكح الثّريا سُهيلاً
عَمْرَكَ الله كيف يلتقيانِ؟!

فأمّا "سهيل" في مقالنا هذا فيشير إلى مشروع الإسلام السياسي، وأمّا "الثريا" فتشير إلى مفهوم المجتمع المدني، ولسهيل خطابه وأدبياته، وللثريا خِطابها وأدبياتها، والمتأمل في خطاب كلّ منهما يلاحظ أمرين: الأمر الأول، هو تباين الآراء حول مشروع الإسلام السياسي من جهة، وحول مفهوم المجتمع المدني من جهة أخرى، والأمر الثاني، هو أنّه مهما بلغ مشروع الإسلام السياسي من انفتاح على الآخر فإنه سيظلّ متعارضاً مع أوسع مفاهيم المجتمع المدني شمولاً للآخر! الأمر الأول ليس موضع جدال، لذا سنكتفي من خلال هذا المقال بتسليط الضوء على نظرتين متناقضتين حول هندسة المجتمعات البشرية.
المجتمع المدني عبارة عن صورة مثالية لمجتمعٍ لا وجود له على أرض الواقع، ولكن بالرغم من ذلك هناك مَن حاولوا ونجحوا إلى حدٍّ ما في خلق مجتمع أقلّ بربرية وأكثر إنسانية، وما كانوا لينجحوا لولا التسلّح بالعقلانية التي هيّأت لهم – أولاً – معرفة الهدف الأسمى من بناء أي مجتمع، وهيّأت لهم – ثانياً – اختيار المنهج الأمثل لبنائه، فأمّا الهدف الأسمى فيشير إلى التعايش السلمي والعادل بين أفراد المجتمع كافة، وأمّا المنهج الأمثل فلم يكن سوى المنهج العلمي الذي يعتمد على طريقة المحاولة والخطأ، وهي الطريقة التي تكشف عن احترام الدليل العلمي من جهة، وتأصيل التواضع المعرفي من جهة أخرى.
المعادلة الصعبة في أي مجتمع مدني تشير إلى محاولة إيجاد أنسب توازن بين حرية الفرد واستقرار المجتمع، وصعوبة المعادلة تكمن في حقيقة أنّ الحلّ يتطلّب قانوناً لا ينتزع من حرية الأفراد إلا ما هو ضروري لضمان التعايش السلمي والعادل فيما بينهم، ذلك أن الهدف الجوهري وراء فكرة «القانون» هو إيجاد علاقة متكافئة بين الفرد والمجتمع، والاختلاف الأساسي بين القوانين من دولة إلى أخرى يرجع إلى طبيعة التعامل مع هذه العلاقة، فعلى سبيل المثال، في الأنظمة الديموقراطية التي تستند إلى ليبرالية دستورية، هناك نزعة إلى عدم تعارض القوانين التي تسنّها الدولة مع الحريات الأولية للفرد، في حين أنّ النزعة السائدة في الأنظمة الشمولية هي نحو تقليص الحريات الفردية التي تتعارض مع الرؤية العامة للدولة.
عندما تكون الرؤية العامة للدولة عبارة عن أيديولوجية دينية، كما هي الحال مع كل مشاريع الإسلام السياسي، فإن هذا معناه انقلاب مباشر على العقلانية ورفض واضح للأخذ بأسبابها، وعندئذ لن يكون الهدف الأسمى من بناء المجتمع هو التعايش السلمي والعادل بين أفراده، بل بناء أمّة تسود الأرض وما حملت، وعندئذ كذلك لن يكون المنهج الأمثل لبناء المجتمع هو منهج العلم القائم على فضيلة التواضع المعرفي، بل هو المنهج الديني الذي يرتكز على يقين معرفي لا يقبل الشك!
لا يحتاج المرء إلى ذكاء خارق لمعرفة السبب وراء أهمية دور منظمات المجتمع المدني في الدول الديموقراطية، وأهمية دور منظمات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في الدول الثيوقراطية، فالأولى تراقب السلطة لضمان عدم تعدّيها على مبدأ التعايش السلمي والعادل بين أفراد المجتمع الواحد، في حين أنّ الثانية تراقب الفرد لضمان عدم تعدّيه على مبادئ أمّة خُلقت لتسود! في المجتمعات المدنية، يتساءل الفرد عن مقدار الحرية التي ينبغي التنازل عنها في ظل صدور أي قانون جديد، ومثل هذا التساؤل غير وارد في المجتمعات الدينية، فمن ذا الذي يشّكك في أهمية صدور قانون يضمن انتقال الأفراد إلى عالم أفضل، لكن بعد الممات؟!

الاثنين، 21 سبتمبر، 2015

أجمل كوكب وأبشع فصيلة


الكوكب الأزرق، هذا هو لقب أشدّ الكواكب صخبا في هذا الكون الفسيح، وهو كوكب يبدو جميلا كلما ابتعدنا عنه، ويبدو قبيحا كلما اقتربنا منه، كما نراه خليقا بالإعجاب عبر قناة «ناشيونال جيوغرافيك»، ومثيرا للاشمئزاز من خلال القنوات الإخبارية، إنه كوكب الأرض، كوكب تسوده أبشع فصيلة حيوانية في تاريخ الطبيعة، إنها فصيلة الإنسان، هذا الكائن الذي يصرّ بغباء على أن يكون أحد الآثار الجانبية لقانون الانتقاء الطبيعي بعد أن كان غاية هذا القانون ومنتهاه.

«نعيش في أفضل العوالم الممكنة»، هذه هي العبارة الشهيرة التي أطلقها الفيلسوف الألماني «لايبنز» في مطلع القرن الثامن عشر، وهي العبارة ذاتها التي دفعت «فولتير» إلى كتابة رواية «كانديد» للسخرية من هذا التفاؤل غير المبرّر، لكن إذا لم تعد عبارة «لايبنز» مقنعة كتفسير لمشكلة الشر في العالم، فهل ينبغي أن نستسلم للعبارة المعاكسة التي تفيد بأننا «نعيش في أسوأ العوالم الممكنة»؟ وإذا كان «فولتير» قد ضاق بمآسي الحروب في عصره، فماذا بوسعنا أن نقول عن زمننا الحاضر؟
عالم متوحش هذا الذي نعيش فيه، عالم يملأ فضاءه صخب الحرب وشبح الفقر وظلام الجهل، وبالرغم من هذا التاريخ الطويل من النظم الأخلاقية والتعاليم الدينية والمواثيق الدولية، تجرّد الإنسان من إنسانيته إلى درجة لم يعد له فيها نصيب من اسمه، فبعد أن سادت «أخلاقيات السوق» وعبادة المادة وشغف الاستهلاك، تبلّد الإحساس بمعاناة الآخر، وأضحت قيمة الإنسان فيما يملك من أشياء.
عالم منافق هذا الذي نعيش فيه، وليس أبشع من نفاق يتخذ من الإنسانية موضوعا له، فالدول العظمى التي ترفع شعار «السلام» من جهة هي ذاتها الدول العظمى التي تبيع السلاح من جهة أخرى، وأوروبا التي استيقظ ضميرها على معاناة اللاجئين بعد نوم طويل هي ذاتها أوروبا التي لا تزال منهمكة في حساب الجدوى الاقتصادية لهؤلاء اللاجئين، ولنا نحن أيضا نصيبنا من النفاق، فالشيعي يتباكى على معاناة الشعب اليمني ويغض الطرف عن معاناة الشعب السوري، في حين يتباكى السني على معاناة الشعب السوري ويغض الطرف عن معاناة الشعب اليمني.
عالم مجنون هذا الذي نعيش فيه، خفت فيه صوت الحكمة خجلاً من ضجيج الحماقة، وتوارى فيه العقل يائساً من مستقبل أبشع فصيلة على أجمل كوكب.

الاثنين، 14 سبتمبر، 2015

حول حرية الاعتقاد


ما قيمة أن تعتقد بفكرة لا يحقّ لك التعبير عنها؟ بعبارة أخرى، ما قيمة حرية التفكير في ظلّ غياب حرية التعبير؟ لدينا دستور يتيح للعقل الاعتقاد بما يشاء، لكنه في الوقت نفسه يضع "فلترا" على اللسان، فحسب المادة (35) من الدستور الكويتي، "حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب"، وأما تفسير هذه المادة فقد جاء في المذكرة التفسيرية على النحو التالي:
"تقرر هذه المادة "حرية الاعتقاد" مطلقة لأنها ما دامت في نطاق "الاعتقاد"، أي "السرائر"، فأمرها إلى الله، ولو كان الشخص لا يعتقد في دين ما. فإن جاوز الأمر نطاق السرائر وظهر في صورة "شعائر" وجب أن تكون هذه الشعائر طبقا للعادات المرعية وبشرط ألا تخل بالنظام العام أو تنافي الآداب، والمقصود بلفظ "الأديان" في هذه المادة الأديان السماوية الثلاثة، الإسلام والمسيحية واليهودية. ولكن ليس معنى ذلك على سبيل الإلزام منع الأديان الأخرى من ممارسة شعائرها كلها أو بعضها، إنما يكون الأمر في شأنها متروكا لتقدير السلطة العامة في البلاد دون أن تتخذ لحريتها سندا من المادة 35 المذكورة".
باستثناء هذا الأسلوب الأزهري في التعليق على النصوص القانونية، هناك ملاحظات أخرى حول هذه الفقرة تستحق التوقف عندها: أولا، هناك قصور في فهم مصطلح "الاعتقاد" وحصره فقط في "الاعتقاد الديني"؛ ثانيا، هناك نظرة غير متكافئة للأديان من حيث الحقوق والواجبات؛ ثالثا، هناك حظر واضح على الأفكار التي قد لا تنسجم مع "النظام العام"! لعلّ الملاحظة الأكثر خطورة هي هذا الاستخفاف البغيض بأهمية حرية الاعتقاد، فالمذكرة التفسيرية تقول باختصار: اعتقدوا ما شئتم ما دمتم قابعين في غرف مغلقة، لكن في الهواء الطلق لا يحقّ لكم حتى مجرد التعبير عن أفكاركم إذا كانت غير منسجمة مع الذوق العام!    
على ضوء هذا التفسير الدستوري لحرية الاعتقاد، بإمكان المواطن أن يقول ما يشاء حول حكمة السلطة السياسية وحسن تدبيرها لشؤون البلاد، لكن إذا كان يعتقد غير ذلك فعليه أن يناجي نفسه في غرفته، وبإمكان الفرد أيضا أن يسهب في الحديث عن الفوائد الصحية للطقوس الدينية، لكن إذا كان يرى عكس ذلك فعليه أن يضرب رأسه في الحائط حتى يعثر على ما فاته من فوائد، وإذا كان يؤمن بأن 2 زائد 2 لا يساوي 5، فعليه أن يقرأ رواية "1984" إلى جانب المذكرة التفسيرية ليقنع بأنّ ليس كلّ ما يُعرف يُقال!
العائلة التي يُفاخر أفرادها بانسجامهم لمجرّد أنهم يتحاشون التطرّق إلى مواضع الخلاف تشبه في تفاخرها ذلك الراهب الذي يُفاخر بعدم ارتكابه معصية طوال حياته لمجرّد أنه لم يحاول شيئا على الإطلاق! لا يحقّ لأي مجتمع بأن يُفاخر بوجود تعدّدية قائمة على كبت حريّة الاعتقاد، والحرية المقصودة هنا لا تقتصر على حقّ كل فئة في التعبير عن معتقداتها، بل تشمل أيضا واجب كل فئة في الاستماع إلى نقد معتقداتها، ومن هنا فإنّ التعايش السلمي لا ينبغي أن يقتصر على ضمان الوجود المشترك لأفكار متناقضة، بل ينبغي أيضا ضمان إمكانية تصارع الأفكار بطريقة تخطو بنا خطوة إلى الأمام على طريق الحقيقة، فالحقيقة ليست نسبية كي نسمح بتعدّدها، وليست كتابا مفتوحا كي يدّعي أحدٌ امتلاكها.

الاثنين، 7 سبتمبر، 2015

لا ينبت الزرع على صفوان



لا يمكن معالجة المشكلات العميقة بواسطة حلول سطحية، والاستقطاب الطائفي مشكلة تضرب جذورها عميقا في التاريخ الإسلامي، لذا من المستحيل التصدي لهذا الاستقطاب من خلال ردّات فعل لا تعدو أن تكون رمزية في معناها، كمثل الدعوة إلى الوحدة الوطنية أو إلى إقامة صلاة مشتركة بين المذهبين السني والشيعي، كما أنّ الدعوة المخلصة إلى تبني الدولة للخيار المدني-الديمقراطي في مواجهة الاستقطاب الطائفي تقف عند قشور المشكلة الطائفية من دون النفاذ إلى جذورها، ذلك أنّنا لسنا أمام مشكلة ذات طابع إداري، بل نحن أمام مشكلة فكرية في الأساس، وبدلا من انتظار الدولة حتى تمسح على مصباحها السحري لمعالجة الطائفية، لا بدّ من أن نتحلّى جميعا بالجرأة على محاكمة تاريخنا وتجفيف منابع اللاعقلانية في تراثنا.
المدنيّة خيار عقلانيّ، لأنّ عدم القبول بشروطها يعني القبول بشريعة الغاب، والديمقراطية خيار عقلانيّ، لأنّ رفض مبادئها يعني أنّ الحُكم لمن غلب، ومن هنا فإنّ الدولة التي تحكمها عقلية العشيرة لا تملك– مهما بلغت قدراتها المادية والمعنوية، ومهما أُتيح لها من وقت وجهد– أن تنتقل بمجتمع بدائي التفكير إلى رحاب المدنية والديمقراطية، فالعقلانية هي الجسر الذي ينبغي بناؤه لتحقيق هذا الانتقال، وبناء هذا الجسر يحتاج إلى ثورة فكرية تتجاوز مصادر المعرفة في حضارتنا، وتفضح المسكوت عنه في تراثنا، وتتصدّى للخرافة بكلّ تجليّاتها.
النزاع الطائفي، بصرف النظر عن المتسبّب به والمستفيد منه، يستقطب الطائفيين على طرفي النزاع فيفضح تفاقم عقدهم النفسية وتواضع قدراتهم العقلية، وأمّا أولئك ممن يقفون في المنتصف فينشغلون في محاولات رأب الصدع بين الطرفين، تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطن، وكلها محاولات فاشلة، إذ من غير المنطقي اللجوء إلى الدين لحلّ نزاع موضوعه الدين في الأصل، ومن غير المعقول اللجوء إلى الوطن لحلّ نزاع موضوعه غير مرتبط بمفهوم الوطن في الأساس، فشعار "الوطنية" لا يعالج المسألة الطائفية، ذلك أنّ الانتماء إلى طائفة لا يتعارض بالضرورة مع الانتماء إلى وطن، لكن عندما نتبنى شعار "العقلانية النقدية"، فإنّ كلّ انتماء في حاجة إلى تبرير منطقي.
 قد يساهم تبني الخيار المدني-الديمقراطي في تخفيف حدة الاحتقان الطائفي، بل قد يساهم أيضا في إخماد نار الطائفية، لكنه لن يستطيع أبدا القضاء عليها من دون إخضاع سخونة العاطفة الدينية إلى برودة العقلانية النقدية، فمن شأن العقل أن يعرّي تفاهة التعصّب المذهبي، ومن شأن النقد أن يؤصّل قيمة التواضع المعرفي.
لا ينبت الزرع على الصخر الأملس، وبالمثل، لا تنشأ المدنية والديمقراطية في بيئة لا عقلانية، بيئة لا يستحي فيها الطائفيّ من طائفيته، ولا يخجل فيها العنصري من عنصريته، ولا يتبرّأ فيها القبليّ من عصبيّته، بيئة تدفع فيها المرأة ضريبة مصادفة بيولوجية جعلت منها أنثى، وهي المصادفة البيولوجية ذاتها التي تقف وراء استفادة الرجل من مزايا الاستحقاق الذكوري! باختصار شديد، المجتمعات التي تفتقر إلى الحدود الدنيا من العقلانية تميل إلى التسامح المطلق مع الغباء بكل تجليّاته.

الاثنين، 31 أغسطس، 2015

«لا تسامح مع اللاتسامح»


عنوان هذا المقال يشير إلى مبدأ معروف في ميدان النظرية السياسية، ومثل أغلب المبادئ والمفاهيم النظرية، عادة ما يكون عُرضة للتشويه وسوء التطبيق، وسنحاول من خلال ما يلي تسليط الضوء على هذا المبدأ للتعرّف على وظيفته، ومدى أهميته، وحدود تطبيقه على أرض الواقع.

لكلّ فرد الحقّ في الدفاع عن نفسه، وبالمثل، لكلّ مجتمع الحقّ في الدفاع عن استقراره، وأحد أهم مظاهر هذا الاستقرار هو التعايش السلمي بين فئات المجتمع الواحد، بحيث لا تحجب فئة حقّ الوجود عن فئة أخرى، ووظيفة مبدأ "لا تسامح مع اللاتسامح" هي ضمان هذا التعايش السلمي في حدّه الأدنى، والمبدأ يرتكز على أرضية منطقية صلبة، ذلك أنّ الإخلال به يعني التسامح المطلق مع فئة اجتماعية غير متسامحة، وبالتالي اقتصار حقّ الوجود على هذه الفئة بعينها بعد أن قضى التسامح غير المحدود للفئات الاجتماعية الأخرى على وجودها!
مفهوم "التسامح المطلق" ينطوي على تناقض، وهو بذلك شبيه بمفهوم "الحرية المطلقة"، فمثلما أنّ الحرية المطلقة تفضي إلى قانون الغاب بحيث يكون البقاء للأقوى، فإنّ التسامح المطلق يخلق مجتمعاً يكون البقاء فيه مقتصرا على أشدّ الفئات الاجتماعية تطرّفاً، وهنا تحديدا تكمن أهمية مبدأ "لا تسامح مع اللاتسامح"، فهو بمنزلة الضريبة التي يتعيّن دفعها لضمان التعايش السلمي في مجتمع واحد، والضريبة هنا تكمن في ضرورة أن يتنازل المجتمع المتسامح عن جزء من تسامحه في سبيل الحفاظ على استقراره.
سبق أن أشرنا إلى التشابه بين حق الفرد في الدفاع عن نفسه وحق المجتمع في الدفاع عن استقراره، ولهذا التشابه وجه آخر من حيث حدود تطبيق كلا النوعين من الحقوق، فإذا كان القانون يمنح الفرد حق الدفاع عن نفسه، فإنّ القانون يتطلّب أيضا إثبات حجة الدفاع عن النفس، وبالمثل، إذا كان مبدأ "لا تسامح مع اللاتسامح" يمنح المجتمع الحق في عدم التسامح مع فئة اجتماعية غير متسامحة، فإنّ هذا المبدأ يتطلّب أيضا إثبات عدم تسامح تلك الفئة مع فكرة التعايش السلمي، ولهذا ينبغي تطبيق هذا المبدأ في أضيق الحدود، إذ لا يجوز التوسع في استخدامه كذريعة لإخضاع فئات اجتماعية أو سياسية غير مرغوب في وجودها.
الشعارات التي تدعو إلى أيديولوجية فاشية، أو مذهبية دينية، أو عنصرية عرقية، كلها شعارت تنطوي على كراهية الآخر ونبذه، وهي بذلك تقوّض استقرار المجتمع وتهدّد التعايش السلمي بين مكوّناته، وإزاء هذه الشعارات غير المتسامحة لا ينبغي التسامح أبدا.  

الاثنين، 24 أغسطس، 2015

كم عمر «داعش»؟


حاول أن تربط بين تنظيم «داعش» والتراث الإسلامي فستلقى على الفور ردة فعل من معسكرين متناقضين: معسكر يميني يرى في نشأة هذا التنظيم مؤامرة على الأمة الإسلامية وتشويهاً لدينها، ومعسكر يساري يرى أن بروز هذا التنظيم ليس سوى نتيجة طبيعية للظروف الموضوعية التي تحكم الحقبة التاريخية الحالية! إذا أعدت الكرّة وربطت بين «داعش» والتراث الإسلامي فإنّ ردة الفعل هذه المرة ستكون أكثر قسوة، فالمعسكر اليميني سيتهمك بأنك متحامل على الدين وكاره له، والمعسكر اليساري سيتهمك بالسطحية والتعالي على الواقع الاجتماعي! من الواضح أنّ العامل المشترك هنا بين هذين المعسكرين المتناقضين هو نفي مسؤولية التراث الإسلامي عن نشأة «داعش»، أو على الأقل، عدم اعتبار هذا التراث عاملا مؤثرا في نشأة هذا التنظيم الإجرامي.

في مقال بعنوان «لغز الإعلام وخلافة داعش»، كتب الدكتور إبراهيم البيومي يقول: «ليس أمامنا فرصة للشك في أنّ هذا التنظيم صناعة أجنبية لنشر الفوضى في بلاد المسلمين، ولطعن الإسلام في أصوله الكبرى»! هذا الرأي المستند إلى نظرية المؤامرة تتبنّاه الأغلبية فيما يبدو، واستناد أيّ رأي إلى نظرية المؤامرة لا يجعل منه رأيا خاطئا بالضرورة، كما أن تبنّي أغلبية لأيّ رأي لا يجعل منه رأيا صحيحا بالضرورة، لكن إذا سلّمنا جدلا بأنّ «داعش» صناعة أجنبية تهدف إلى الطعن في الدين، فإنّ هذا معناه أننا نتحدث هنا عن «داعش» بوصفه تنظيما سياسيا، لكن ماذا عن «داعش» بوصفه أيديولوجية دينية؟ هل النصوص التي يتلوها جلادو «داعش» قبل قطع رؤوس ضحاياهم صناعة أجنبية؟ وهل حماس الآلاف من الشباب المسلمين للانضمام في صفوف هذا التنظيم الدموي صناعة أجنبية؟ وهل من المعقول أن يطعن «الإسلام في أصوله الكبرى» مَن كانوا مؤمنين إيمانا عميقا بتلك الأصول؟ من السهل اتهام أنصار «داعش» بأنّ إسلامهم «منحرف»، لكن ألم يكن من السهل أيضا على أنصار «داعش» اتهام خصومهم من المسلمين بأن إسلامهم «غير مكتمل»؟
قبل أسبوع أو يزيد، كتب الزميل د. بدر الديحاني على حسابه في «تويتر» يقول: «تجار الدين مجرد أدوات تستخدم لتبرير وضع سيئ وإشغال الناس بقضايا هامشية، ومن السذاجة التركيز على الأدوات بدلا من محركها كما يفعل بعض دعاة التنوير»، وقبل الزميل الديحاني كتب زميلنا الأستاذ حسن العيسى هنا في «الجريدة» مقالا بعنوان «قمع + فساد = داعش»، معنّفا من خلاله «الليبراليين» بسبب تفسيراتهم السطحية لنشأة الإرهاب الداعشي «بنهج نخبوي متعال عن واقع مجتمعاتهم»، ومؤكدا في المقابل «على أن الفساد زائد القمع ينتج داعش ودواعش من دون نهاية»، ومستشهدا في الوقت نفسه بعبارة للكاتب المعروف «روبرت فيسك» يقول فيها: «عندما تعذب شعبك كثيراً، فستملأ جراثيم داعش جروح هذا الشعب»!
لنسلّم– مجددّا– بأنّ كلّ ما ذكره الزميلان صحيح ولا غبار عليه، لكن– بالرغم من ذلك- تبقى هناك أسئلة مشروعة لا يبدو أنّ الزميلين معنيان بها، منها على سبيل المثال لا الحصر: قد يكون تجّار الدين أدوات في يد السلطان، لكن ما الذي يجعل التجارة بالدين أداة ناجحة في يد السلطة؟ وقد تملأ «جراثيم داعش» الفراغ الذي خلّفه الفساد والقمع معاً، لكن من أين جاءت هذه «الجراثيم»؟ وعلى ماذا كانت تقتات قبل أن تملأ هذا الفراغ؟
يبدو لي أنّ بعض المحاولات الرامية إلى فكّ الارتباط بين الإجرام الداعشي والتراث الديني تنطوي على استخفاف بقوّة الأفكار وأثرها على سلوك الإنسان ومصير الشعوب، ولعلّ من المفارقة أنّ «ماركس» نفسه لم يمنعه منهجه المادي في تفسير التاريخ البشري من الإيمان بقوة الأفكار وتأثيرها على سلوك الإنسان، حيث كتب مشبّها الأفكار بـ«الشياطين التي لا يستطيع الإنسان التغلّب عليها إلا من خلال الخضوع لها»! أضف إلى ذلك أنّ من الصعب تخيّل قيام الثورة البلشفية قبل ظهور أفكار ماركس، ومن الصعب كذلك تفسير قصر الفترة الزمنية بينهما من دون الاعتراف بسطوة الأفكار وأثرها على مجرى التاريخ.
أخيرا، ينبغي الاعتراف بأنّ «داعش» ليس سوى نسخة متطرفة لأصل موجود فعلا، وإذا كان عمره كتنظيم سياسي لا يتجاوز بضع سنوات، فإنّ عمره كأيديولوجية دينية يعود إلى مئات السنين من الخصومة مع العقل البشري، وهي الخصومة ذاتها التي جعلت من الدين تجارة رابحة، ومن أنصار «داعش» جراثيم قاتلة!

الأربعاء، 19 أغسطس، 2015

تنازل عن كرامتك واشتهر!

كم من جاهل جرى خلف الشهرة فأدركها، وكم من حاذق أدركته الشهرة فراغ عنها، ولعلّ من المفيد أن نتساءل عن السبب وراء هذا التباين في الموقف من الشهرة: لماذا هي محمودة عند الجاهل، ومذمومة عند الحاذق؟ يبدو لي أن الإجابة عن هذا السؤال على علاقة مباشرة بمفهوم «الكرامة الإنسانية»، والمقصود هنا بالكرامة احترام الإنسان لذاته وعدم امتهانها بأيّ شكل من أشكال الامتهان، وعلى ضوء هذا التعريف سنحاول فيما يلي الإجابة عن السؤال المطروح من خلال الإشارة إلى ثالوث من المفاهيم: الشهرة، والكرامة، والمهارة.
لو تأملنا سيرة المشاهير الكبار عبر التاريخ لوجدنا أنّ أغلبهم كانوا يتمتعون بمهارة فائقة امتازوا بها عن غيرهم، وأمّا الشهرة التي نالوها فلم تكن سوى نتيجة طبيعية لمهاراتهم الفائقة، وغالبا ما يحرص هؤلاء المشاهير على مهاراتهم أكثر من حرصهم على الشهرة التي اكتسبوها بفضل تلك المهارات، بل إن منهم مَن يذهب إلى أبعد من ذلك فيحتقر الشهرة التي من شأنها أحيانا الانتقاص من كرامته، ولعل المثال الأبرز هنا هو آينشتاين، فعندما وصل هذا الفيزيائي العبقري إلى أميركا، أبدى امتعاضه من هوس الشعب الأميركي بالمشاهير وشؤون حياتهم الخاصة، وعندما كثرت عروض الشركات التي انهالت عليه للظهور في إعلان تسويقي لمنتجاتها، سخر من تلك العروض بقوله: «هؤلاء المسوّقون الأغبياء لا يفرّقون بين طالب العلم والعاهرة»!
الشهرة –إذاً– ليست سوى تحصيل حاصل لما يتمتع به الأشخاص الموهوبون من مهارات فائقة، لكن من شأن الشهرة في أغلب الأحيان أن تكون غاية في ذاتها، وهي كذلك فعلا عند من يفتقرون إلى الموهبة ويصرّون مع ذلك على طلب الشهرة، فهؤلاء ينظرون إلى الشهرة بوصفها سلعة قابلة للمقايضة بسلعة أخرى، وغالبا ما تقف الكرامة على الطرف الآخر من المقايضة، والنتيجة الطبيعية هي أنهم يضيفون إلى افتقارهم إلى الموهبة افتقارهم إلى الكرامة، وهم بذلك أشبه بالأقزام في مسابقة «قذف الأقزام» المنتشرة في بعض الدول الغربية، لكن قد نلتمس العذر للأقزام في القبول بالإهانة المتمثلة بقذفهم في الهواء كالكرة لمجرد التسلية، إذْ لم يدفعهم إلى ذلك سوى الفقر والحاجة، لكن ما عذر أولئك الذين لا يخجلون من أن يكونوا موضوعا للسخرية على الملأ لفرط شغفهم بنيل الشهرة؟
ليس أشقّ على عبيد الشهرة من المثابرة على اكتساب مهارة حقيقية، وليس أيسر على نفوسهم من هدر كرامتها، وهنا يكمن السبب في أنّ عدد المشاهير من ذوي الموهبة الحقيقية أقل بكثير من عدد الذين اشتهروا على حساب احترامهم لذواتهم، ولا نذيع سرّا عندما نقول إنّ التفاهة أثمن من الرزانة في ميزان أغلب الجماهير ووسائل الإعلام، ولعلّ خطورة هذا الوضع البائس تتمثل برسالة ضمنية إلى الأجيال الناشئة مفادها أنّ المهارات الحقيقية لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنّ الحماقة هي أقصر الطرق إلى الشهرة.
أخيرا، ينبغي التذكير بالحقيقة التالية، وهي أنّ الأحمق المشهور مشهور، ليس لأنه يستطيع القيام بشيء لا يستطيع غيره القيام به، بل لأنّه على استعداد تام لبيع ما لا يطيق غيره أن يبيعه، فماء الوجه أعزّ على النفوس الأبية من بريق الشهرة، وهذا ما لا يستطيع فهمه أبدا مَن كانت الشهرة غايته!

الاثنين، 17 أغسطس، 2015

استراتيجية «فرّق... تسد»

الكويت بلد التنبؤات السهلة، يكفي أن تعرف الاسم الأخير لمواطن كي تتنبأ بالمحافظة– أو ربما حتى بالمنطقة السكنية– التي يقطنها، ويكفي أن تلقي نظرة سريعة على ديموغرافية أي دائرة انتخابية كي تتنبأ بفرص فوز المرشحين فيها، ويكفي أن تعرف اسم ناد رياضي كي تتنبأ بالمذهب الديني لأغلب مشجعيه، ويكفي أن تعرف اسم وزارة أو مؤسسة حكومية كي تتنبّأ بفرصة كل شريحة اجتماعية في الحصول على وظيفة فيها، ويكفي أن تعرف اسم عائلة كي تتنبأ بما إذا كانت حصتها من النفط تأتي على شكل مناقصة حكومية أم على شكل راتب آخر الشهر.

ما الذي يجعل كل هذه التنبؤات سهلة؟ الإجابة عن هذا السؤال أسهل من التنبؤات نفسها، إنها استراتيجية «فرّق تسد»، وهي قديمة قِدم الحضارة الصينية، كما تحدّث عنها ميكيافيللي بإسهاب في كتابه «فنّ الحرب»، وهي الاستراتيجية ذاتها التي لاقت منذ زمن طويل نجاحا منقطع النظير في هذا البلد الصغير، وقد ساهم في هذا النجاح أمران: النفط وضعف مؤسسات الدولة، وهما أمران مرتبطان، فعندما تضعف مؤسسات الدولة، يكفّ المواطن عن المطالبة بحقوقه ليكتفي بانتظار الهبات.

من ضمن نتائج استراتيجية «فرّق تسد» ما نراه اليوم من مظاهر التفكيك الممنهج والمدروس لشرائح المجتمع الواحد، فسياسة الإسكان مسؤولة عن ترسيخ علاقة بدائية بين الهويات الإثنية والدينية من جهة والإحداثيات الجغرافية من جهة أخرى، وعلى أساس هذه العلاقة ارتكزت سياسة تحديد الدوائر الانتخابية، كما أن سياسة التوظيف لم تبرأ من التمييز بين الشرائح الاجتماعية، وبسبب هذا التمييز تباينت الفرص المتاحة في صعود السلّم الاجتماعي وتفاقمت بذلك الفروق الاجتماعية بين أفراد الشعب الواحد.

إلى جانب النتائج، هناك أيضا عواقب وخيمة تعكس قصر نظر استراتيجية «فرّق تسد»، ذلك أنها استراتيجية تقتصر على شؤون الداخل من دون أدنى اعتبار لشؤون الخارج، فالأحداث الإقليمية المشتعلة من حولنا، والنعرات الطائفية المتفاقمة في محيطنا، لم تكن لتلقى صدى في مجتمعنا لولا طغيان مشروع الحكم على مشروع الدولة، وشتان بين المشروعين، فالأول يفرّق لتسود السلطة، والثاني يجمع ليدوم الوطن!
دعا الكثير من المخلصين إلى تحصين الجبهة الداخلية من خلال تبني الخيار الديمقراطي، فهل ستلقى هذه الدعوة المخلصة استجابة سريعة لحفظ الوطن من شرور أعدائه، أم أنّ «مينيرفا» لا تُرفرف بجناحيها إلا بعد حلول الظلام؟

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

هل تفتخر بأنّك كويتي؟


عنوان هذا المقال عبارة عن سؤال مباشر، لكنّ الإجابة عنه لا تبدو سهلة، وذلك لأسباب متعددة، بعضها على علاقة بالمنطق، وبعضها الآخر على علاقة بالواقع، ولكن قبل أن ننتقل إلى تبيان هذين النوعين من الأسباب لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين: الأولى من باب درء سوء الفهم، والثانية من باب نقد الشوفينية الثقافية، فأمّا النقطة الأولى فهي أنّ الافتخار والحبّ شعوران إنسانيّان غير متلازمين بالضرورة، فكم من أب يحبّ ابنه ولا يملك مع ذلك سببا وجيهاً للافتخار به، وبالمثل، كم من مواطن يعشق تراب وطنه ولا يهتدي إلى سبب مقنع ليفاخر بوطنه على مسرح الأمم المتمدّنة، وأما النقطة الثانية فهي أنّ الفخر عنوان بارز في الأدب العربي، وسِمة مميزة من سمات الثقافة العربية، كما أنّه مرتبط بتمجيد الماضي بقدر ارتباطه بفضح بؤس الحاضر، وهنا إنّما يصدق قول الشاعر:
لئن فخرتَ بآباء لهم شرفٌ
لقد صدقت ولكن بِئس ما ولدوا!  
هل من المنطقي أن يتباهى الأخ الأكبر بمجيئه إلى الحياة قبل مجيء أخيه الأصغر؟ وهل من الحصافة أن نفتخر أمام إخواننا المصريين بأنّ الشمس تشرق على الخليج قبل شروقها على النيل؟ بل هل من المعقول أن يفخر المصريون بأنّ أجدادهم الفراعنة شيّدوا الأهرامات قبل آلاف السنين؟ «لا» هي الإجابة الممكنة منطقيا عن كلّ هذه الأسئلة، ذلك أنّ الافتخار بإنجاز أيّ شيء يستلزم مسؤولية حقيقية عن إنجاز هذا الشيء، فلا أحد يستطيع أن يفتخر بمصادفة عرضية لا ناقة له فيها ولا جمل، وقياسا على هذا فإنّ الكويتي المولود لأب كويتي لا يملك أن يفتخر بكونه كويتيا.
لكن لنتجاوز المنطق ونتحدّث عن الواقع، فأغلب شعوب الأرض تفتخر بانتمائها إلى أوطانها، ولكلّ شعب أسبابه الخاصة، فما هي –إذاً– أسبابنا نحن؟ إذا صرفنا النظر عن الأسباب الساذجة والمتعلقة في مجملها بتلك المصادفة الجغرافية التي وضعت في أيدينا ذهباً أسودَ، فإن الإجابة عن هذا السؤال ليست باليسيرة، ذلك أن الافتخار بالانتماء إلى هذه الأرض الطيبة تشوبه شوائب ليست قليلة، فالديمقراطية التي بدأت منقوصة تمادت في نقصانها، وحرية التعبير التي أصابها مدّ وجزر ما لبثت أن اضمحلّت، والفساد الذي كانت أخباره مقصورة على حاسة السمع أصبح «صوت وصورة»!
بإمكانكم أن ترفعوا شعار «كويتي وأفتخر» لتشجيع ثقافة «البزنس» ولوازمها، لكن التعليم الجاد والثقافة الرزينة والإبداع الحقيقي في انحدار مخيف، ولن تنقذها معارض الألوان الزاهية والإبداعات الورقية، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على نتائج طلاب الكويت في أولمبياد الرياضيات العالمي –مثلا– لنعرف حجم المأساة، ويبدو أنّ النتائج الكارثية دفعت المسؤولين إلى قرار عدم المشاركة في ذلك الأولمبياد منذ سنوات، والوضع مشابه من حيث النتائج الكارثية في أولمبياد الفيزياء والكيمياء وغيرهما.
حبنا لأوطاننا لا يحتاج إلى سبب، لكن فخرنا بها يحتاج إلى أكثر من سبب!

الاثنين، 10 أغسطس، 2015

أفتخر بأنّي (س)

عنوان هذا المقال عبارة عن جملة غير تامة المعنى، ولإتمام المعنى لا بدّ أن نضع كلمة محددة في مكان (س)، وإذا أردنا أن نجمع بين تمام المعنى وتمام العقل، فلا بدّ أيضا أن تكون الكلمة التي نختارها منسجمة منطقيا مع مفهوم «الافتخار»، ولهذا المفهوم معنيان: معنى حرفي ومعنى مجازي، فأما المعنى الحرفي لمفهوم الافتخار فيشير إلى شعور المرء بالسعادة للقيام بإنجاز يستحق الإشادة أو للتحلّي بفضيلة تستحق الإعجاب، وأمّا المعنى المجازي فيشير إلى تأكيد المرء على كرامته من خلال إبراز خصلة فيه لا يملك لها دفعاً ولا يراها مَعيبة كما قد يراها الآخرون. لننظر الآن إلى الجُمل التالية للتحقق من مدى انسجام قيمة (س) في كلّ منها مع مفهوم الافتخار:
1. أفتخر بأنّي ناجح.
2. أفتخر بأنّي مُعاق.
3. أفتخر بأنّي كويتي.
من الواضح أن الجملة (1) لا غبار عليها، فالنجاح بوصفه إنجازاً تهفو إليه النفوس وتسعد به القلوب أمرٌ طبيعيّ، خصوصا عندما يكون موضوع النجاح مرتبطاً بأمر يراه الغالبية من الناس أمراً إيجابيا، كالنجاح في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، كما أنّ الافتخار من حيث معناه الحرفي له ما يُبرّره، إذْ مِن حقّ مَن جدّ واجتهد أن يسعد بقطف ثمار جِدّه واجتهاده، ولهذا السبب بالذات لا يحقّ لأصحاب النجاح المغشوش الافتخار بنجاحهم (بالمناسبة، في إحدى المرّات طرحت سؤالا أخلاقيا مباشرا على الطلّاب في قاعة الدرس على الوجه التالي: هل تشعرون بتأنيب الضمير عندما تتلقون كلمة «مبروك» بعد نجاحكم في مادة تدركون في قرارة أنفسكم أنكم لا تستحقّون النجاح فيها؟ كانت الإجابة مع الأسف: لا!).
ماذا عن الجملة (2)؟ الإعاقة خصلة سلبية اصطلاحاً، لذا فإنّ المعنى الحرفي لمفهوم الافتخار لا يستقيم هنا، فمن غير المنطقي أن يسعد المرء بكونه معاقاً، لكن إذا كان المقصود بالافتخار معناه المجازي، فإنّ الجملة تبدو معقولة، والأشخاص المصابون بإعاقة يثيرون الإعجاب فعلا عندما لا يخجلون من إعاقتهم من جهة، ولا يسمحون للآخرين بممارسة التمييز ضدهم بسبب تلك الإعاقة من جهة أخرى.
إذا عقدنا مقارنة سريعة بين الجملتين (1) و(2)، فإننا نلاحظ وجهين من أوجه الاختلاف بينهما: الوجه الأول يرتبط بمفهوم الافتخار في كلا الجملتين، فهو افتخار حرفي في الأولى، ومجازي في الثانية، وأمّا الوجه الآخر للاختلاف فمرتبط بقيمة (س) في كليهما، فالنجاح يشير إلى غاية مقصودة ومُخطّط لها، في حين أنّ الإعاقة تشير إلى مصادفة عرضية، وهذا ما يجعل المسؤولية عن النجاح مدعاة للسعادة، وعدم المسؤولية عن الإعاقة مدعاة للتحدّي.
تبقى الجملة (3)، وهي جملة تثير الاستغراب حقاً، فإذا كان المقصود بالافتخار معناه الحرفي، فإنّ من غير المفهوم أن يشعر المرء بالسعادة للإنجاز المتمثل بمصادفة الانتماء إلى بقعة جغرافية تقع على خط العرض 29 درجة شمالا وخط الطول 47 درجة شرقا، وإذا كان المقصود بالافتخار معناه المجازي، فإنّ الانتماء إلى الكويت غير معيب في ذاته، ولهذا فهو انتماء لا يثير التحدّي، خصوصا عندما يعيش الكويتي على أرضه وبين أهله، ومن هنا فإني أعبّر صادقا عن استغرابي من شعار «كويتي وأفتخر»، وهو شعار يشير إلى مشروع انطلق قبل سنوات ويشبه في ألوانه الزاهية مكاتب الموظفات في المؤسسات الحكومية، ولعلنا نتطرّق إليه في مقال قادم.

الاثنين، 27 يوليو، 2015

«هذه مشيئة الله يا بُنيّ»!

عنوان هذا المقال يشير إلى الجملة الشهيرة التي طالما ترددت على لسان العجوز في حكاية "السندباد" الشهيرة، وهي جملة تُستخدم لأحد غرضين: إمّا لغرض أخلاقيّ يهدف إلى مواساة مَن أصابه أمرٌ جلل، وإمّا لغرض معرفيّ يهدف إلى تقديم تفسير لظاهرة طبيعية، ومع الاعتراف بأن الغرض الأخلاقي لهذه الجملة فعّال جدّا في طمأنة قلوب المؤمنين بمشيئة الله، فإنّ الغرض المعرفي لا يضيف شيئا إلى عقول المتعطشين لفهم الظواهر الطبيعية، والسبب في ذلك بسيط ومباشر: التفسير الذي يفسّر الظاهرة ونقيضها لا يفسّر أيّا منهما، فعلى سبيل المثال، عندما نستخدم جملة "هذه مشيئة الله" كتفسير لنزول المطر على مدينة الكويت، ثم نستخدم الجملة نفسها لتفسير عدم نزول المطر على مدينة الجهراء، فإن الجملة لا تفسّر في واقع الأمر أيّاً من الظاهرتين.
لنقارن ما سبق بالتفسير العلمي لنزول المطر، وهو تفسير يشير إلى شروط مناخية محددة، إذا توافرت هطل المطر، وقد يقول قائل إن الأمر مشابه لقولنا "إذا شاء الله هطل المطر"، ولكن تنبغي ملاحظة اختلاف جوهري بين الحالتين، فالتفسير العلمي يتيح لنا التنبؤ بهطول المطر بفضل معرفتنا المسبقة بالشروط المناخية المتعلقة بهذه الظاهرة، في حين أنّ التفسير الديني لا يتيح ذلك بسبب عدم معرفتنا بمشيئة الله إلّا بعد حدوث الظاهرة، لا قبل حدوثها! هذا الاختلاف الجوهري بين التفسير العلمي والتفسير الديني هو المسؤول عن حقيقة أنّ الأول قابل للتزييف، في حين أنّ الثاني غير قابل لذلك، ولتوضيح هذه النقطة، دعنا نلقِ نظرة على الاحتمالات التالية:
1- توافرت الشروط المناخية المطلوبة، ثم هطل المطر.
2- توافرت الشروط المناخية المطلوبة، ثم لم يهطل المطر.
3- شاء الله فهطل المطر.
4- شاء الله فلم يهطل المطر.
 التفسير العلمي صحيح في (1) وخاطئ في (2)، في حين أنّ التفسير الديني صحيح في كلتا الحالتين، ذلك أن المشيئة في (3) تعني مشيئة الله في هطول المطر، وتعني في (4) مشيئة الله في عدم هطول المطر.
في البرامج الدينية، تكثر عبارات شَرطية من هذا القبيل "إذا فعلت كذا وكذا (س) من المرات في اليوم، فإن دعاءك مُستجاب"، ومثل هذه العبارات غير قابلة للتزييف، ذلك أنّ الدعوة غير المستجابة لا تشير إلى خلل في هذه الجملة الشرطية، بل إنّ الخلل يكمن في أنّ الداعي لم يقم بالدعاء على الوجه المطلوب، والوجه المطلوب ليس من الممكن معرفته إلاّ بعد أن يكون الدعاء مستجاباً! إنّ الأمر أشبه بعالم يقول "إنّ نظريتي صحيحة رغم كل التجارب التي أثبتت عدم صحتها"، وعندما يُسأل عن نوع التجربة التي يرضى بها لاختبار صحة نظريته، يجيب قائلا: "التجربة الوحيدة المناسبة هي تلك التي تثبت صحة نظريتي"!
لكن ما الضرر في الجمع بين التفسيرين العلمي والديني؟ لا ضرر ولا منفعة، فمن الناحية المعرفية الصرفة، لا يضيف التفسير الديني جديدا إلى الإضافة الابستمولوجية الحقيقية للتفسير العلمي، ولا يبقى لنا في هذه الحالة سوى أنّ نردّد مع "لابلاس" قائلين: لسنا في حاجة إلى تلك الفرضية!

الاثنين، 20 يوليو، 2015

القراءة والحصانة

بالرغم من أنّ مجتمعنا يُعدّ من أعتى المجتمعات الاستهلاكية، فإننا مع ذلك قلّما نستهلك القراءة، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ القراءة أشبه بعادة غريبة على بيئتنا، ذلك أن القيم التي تتطلّبها القراءة تقف على النقيض من القيم التي رسّختها البيئة في نفوسنا، فالقراءة تتطلب صبراً تفضح شوارعنا المرورية فقرنا إليه، والقراءة تتطلّب خلوة تفضح مقاهينا الشعبية تبرّمنا بها، وإذا كنّا أشبه بالإغريق القدماء من حيث التمتّع بفائض الوقت الذي يتيحه لنا الأقنان والخدم، فإنّ الفرق كبير بين مَن استثمروا الوقت لإنتاج الفلسفة ومَن استثمروه لإنتاج الفسفسة، والفسفسة تعني الحماقة الشديدة، والصفة منها "فسفاس"، ولا يكاد يوم يمرّ إلّا ونلتقي بـ"فسفاس" عشرات المرّات في الشارع، أو في العمل، أو حتى في البيت من خلال التلفاز أو الهاتف النقّال، وإذا كانت الحماقة قد أعيت من يداويها، فإنّ لها دواء من دون شك، ودواؤها القراءة الجادة، ففي هذه حصانة عقلية ونفسية من داء الفسفسة الذي انتشر كما النار في هشيم هذا المجتمع الاستهلاكي بامتياز!
تجتاح مجتمعنا بين الحين والآخر حملات للتشجيع على القراءة، وهي تبدو أشبه بحملات الترويج لمنتج جديد، لكنها مع ذلك حملات غالبا ما تطرح السؤال الخطأ من قبيل "لماذا نقرأ؟"، وهو سؤال يفترض ضمنا أننا نقرأ، وواقع الأمر ينافي ذلك، كما أنه سؤال يهدف إلى تبيان "فوائد" القراءة، في حين أنّ مسألة القراءة في بيئتنا غير مرتبطة بجني الفائدة بقدر ارتباطها بتحقيق أقلّ قدر ممكن من الخسائر على مستويي العقل والروح، فعلى سبيل المثال، قد لا ترتبط قراءة "حوارات أفلاطون" بجني الفائدة بقدر ارتباطها بتطهير العقل من الحوارات السخيفة التي تسللّت إلى الأذن عن طريق المصادفة غير السارّة، وقد لا ترتبط قراءة "مدام بوفاري" بجني الفائدة بقدر ارتباطها بتصفية الروح مما لحق بها جرّاء مشاهدة برامج التحليل النفسي والوعظ الديني، بمعنى آخر، القراءة الجادة في بيئتنا ليست ترفاً، بل ضرورة، والضرورة هنا لا تنبع من رغبة طوباوية في النهوض بالمجتمع، بل من حاجة ماسة إلى الحفاظ على الذات، إنها أشبه بقطرة ماء في صحراء قاحلة، وأشبه بكسرة خبز في يوم ذي مسغبة، كما أنّ القراءة الجادة تعصم العقل من السذاجة، وترتقي بالروح عن المادة.  
قد تنجح حملات القراءة الموسمية في تسليط الضوء على أهمية القراءة، ولكن الشيء المؤكد هو أنّ مكتباتنا تشبه مقابرنا في وحشتها، ولهذا التشبيه مدّة صلاحية تنقضي بحلول ذلك اليوم الذي يضاهي فيه عدد مُرتادي المكتبات عدد مُرتادي المساجد، ومن يدري؟ لعلّ عدد الراغبين في حصانة العقل والروح معاً يضاهي يوماً ما عدد الراغبين في العتق من النار، وحينئذ– حينئذ فقط– من غير المستبعد أن يبرز السؤال الجاد والمتعلّق بمدى إمكانية الجمع بين الرغبتين.

الاثنين، 6 يوليو، 2015

التعصّب الديني والسؤال الغائب

من الصعب معرفة ماذا كان يدور في عقل ذلك الشاب الانتحاري حينما شرع في تنفيذ جريمته الخسيسة، لكن– في المقابل– من السهل التكهن بنوع الأسئلة التي لم تخطر له على بال طوال حياته القصيرة، ولعلّ السؤال الأبرز هو: ماذا لو كنتُ مخطئا؟ السؤال بسيط في صياغته، إلّا أنّ مجرّد طرحه يتعارض مع عقلية التعصّب التي من شأنها التمسّك المستميت بآراء صارمة مهما يكن من ثمن، ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا حول هذه النقطة على وجه الخصوص، فالتعصّب لا يقتصر على "الفئة الضالة" كما تصفهم وسائل الإعلام، بل إنه جزء من ثقافة أمّة ما زالت تؤمن بأنها خير أمم الأرض، ولا أقول ذلك من باب جلد الذات، إذْ لم يبقَ في ذواتنا مكان يصلح للجلد، لكني أكتفي بوصف واقع نعيشه ولا نريد أن نراه، الواقع الذي توارثناه جيلا بعد جيل رغم صخب المتغنّين بسماحة "الزمن الجميل"، فالسماحة لا تذهب إلى أبعد من مجرّد التعايش السلمي بين الفُرقاء، لكنها لا تزيل الفُرقة، والفُرقة ثمرة التعصّب، وهذا الأخير يستحيل اجتثاثه من جذوره من دون أن نتجرّأ على مواجهة السؤال الغائب عن حضارتنا طوال تاريخها: ماذا لو كنّا مخطئين من الألف إلى الياء؟
السؤال السابق سؤال افتراضي، وإحدى أهم وظائف الأسئلة الافتراضية هي مساعدتنا على التفكير خارج الصندوق كما يقولون، والتفكير خارج الصندوق بالنسبة إلى المتعصّبين مثل التنفّس خارج الماء بالنسبة إلى الأسماك، ولهذا فإنّ معالجة التطرّف يجب ألا تقتصر على تأليف النفوس وترويض القلوب، بل ينبغي أيضا تحرير العقول مما لحق بها من تلقين وتسليم وتهجين! تعلّمنا منذ نعومة أظفارنا أنّ الإنسان يولد مُسلما بالفطرة، وإنْ نشأ يهوديا أو نصرانيا فإنّ مردّ ذلك إلى أبويه اللذين هوّداه أو نصّراه، لكننا مع ذلك لا نترك أطفالنا وفطرتهم، بل نُؤَسْلمهم إلى أدقّ التفاصيل، فما يحقّ لنا لا يحقّ لغيرنا، وكلمة "غيرنا" هنا لا تشير فقط إلى الديانات الأخرى، بل تشمل أيضا كلّ الفرق المنحرفة عن "الإسلام الصحيح" والتي لم تسلك مثلنا طريق "الفطرة السليمة"!   
ما الذي يبرّر يقيني بأني على صواب؟ وما الذي يجعل ضميري مرتاحا في قصر عضوية "الإسلام الصحيح" على طائفتي دون الطوائف الأخرى؟ ثمّ ما الذي يجعلني واثقا من نفسي إلى هذا الحدّ؟ لا يبدو أنّ الإجابه عن كلّ هذه الأسئلة تكمن في الاستشهاد بالنصوص الدينية، فالطرف الآخر لديه أيضا ما يستشهد به، ولا يكفي القول إنّ استشهادي صحيح واستشهاد خصمي باطل، ذلك أنّ خصمي باستطاعته أيضا أن يلجأ إلى إجابة مماثلة، كما لا يكفي الإحالة إلى الشيخ الفلاني، لأنّ الطرف الآخر سيحيلني بدوره إلى السيد الفلاني! هل نتعارك؟ تعارك غيرُنا وما زالوا يتعاركون، فالمعركة الدينية لا تنتهي إلّا عندما يُقصي طرف الطرف الآخر، والعاطفة الدينية كفيلة باستمرار المعركة حتى تصل إلى هذه النهاية المأساوية، كيف لا وكلّ طرف يدّعي أنّ الله معه وأنّ الملائكة تقاتل إلى جانبه؟ من الواضح أننا لم نرث عن أسلافنا أفكارهم فحسب، بل ورثنا عنهم أيضا الفشل في حلّ نزاعاتنا بطرق سلمية!
لكن أين يكمن موضع النزاع؟ عندما يتخاصم الأطفال على ملكيّة الكرة أثناء اللعب، يأتي الأب الغاضب ليغرز سكينا في بطن الكرة ويئد الفتنة، لكن لسنا في حاجة إلى مثل هذا الحلّ الراديكالي لوأد التعصّب الديني، بل إنّ ما نحتاجه– في الوقت الراهن على الأقل– هو تعلّم الروح الرياضية في تمرير الكرة من طرف إلى آخر مع السماح لأولئك الذين لا يحبون لعب الكرة بالانسحاب من الملعب!

الأربعاء، 13 مايو، 2015

اللغة وحدود المعرفة


يقولون إنّ الإنسان هو سيّد الكائنات، ولست أدري ما مدى اعتراض الكائنات الأخرى على هذه المقولة، لكن إذا كان ما يقولون صحيحا فإنّ سرّ هذه الزعامة يكمن في اللغة، وعندما يتعلّق الأمر باللغة فإنّ أغبى إنسان أمهر من أذكى حيوان، ولا تنحصر أفضال اللغة على الإنسان في كونها مقصورة عليه، بل إنّ لها الفضل أيضا في كلّ شيء مقصور على فصيلة الإنسان، فلسبب ما لم نسمع عن فيل يدين بالمسيحية، أو ثعلب جاء بنظرية، أو قرد كتب سيمفونية، إذ لولا اللغة لما عرف الإنسان الأديان أو العلوم أو الفنون، وهذه كلها أشياء مقصورة على الإنسان وتتطلب درجة عالية من الوعي لا تتيحها إلاّ اللغة، وهناك مَن ذهب إلى أبعد من ذلك ليؤكّد أن اختلاف اللغات يستلزم بالضرورة اختلاف أنماط التفكير، أي أنّ اللغة التي يتحدثها الإنسان تحدّد طريقة تفكيره، وهذا ما يُعرف بفرضية "النسبية اللغوية".
اللغة أيضا هي المسؤولة عن تحديد حجم المعرفة الممكنة لدى الإنسان، ذلك لأنّ اللغة هي التي تحدّد ما يمكن أن يطرحه الإنسان من أسئلة، ولعلّ هذه النقطة هي ما دفعت "تشومسكي" إلى القول إنّ من المستحيل أن ينشغل فأر– مثلا– بسؤال حول الجذر التربيعي للعدد 2، وبالتالي فإنّ من المنطقي أيضا أن نستنتج وجود أسئلة من المستحيل أن يطرحها الإنسان على نفسه، لكن إذا كان ما يقوله "تشومسكي" صحيحا، فإنّ من الضروري ملاحظة ما يترتبّ على هذا القول، وهو أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد المدرك لقصوره المعرفي، ذلك أنه الكائن الوحيد المدرك لوجود أسئلة لا يمكن أن تخطر له على بال.
لكن ماذا عن الأسئلة التي من الممكن أن تخطر على بال الإنسان؟ هي أسئلة لا حصر لها بطبيعة الحال، ولعلّ ظاهرة اللغة من أشد الظواهر الطبيعية إلحاحاً على الفضول العقلي لدى الإنسان، فاللغة في جوهرها– كما يقول أرسطو– صوت ومعنى، وهذه الثنائية تطرح أسئلة عديدة، فعلى سبيل المثال هناك سؤال متعلق بظاهرة الإبهام في اللغة، والمقصود بالإبهام هنا هو تعدد المعنى، والسؤال المطروح هو: ما الذي يجعل جملة مثل "اشتريت السهم" جملة مبهمة؟ قد يقول قائل إنّ معنى الجملة يتعدّد بحسب تعدّد المعنى في مفرداتها، فكلمة "سهم" قد تشير إلى قطعة من الخشب يُرمى بها عن القوس، وقد تشير إلى جزء معيّن في رأس مال شركة ما، وهذا الإبهام اللفظي هو المسؤول عن إبهام الجملة بأكملها، لكن من جهة أخرى، لا يبدو هذا التفسير مقنعا عندما نتأمل جملة مثل "أمي تحبني أكثر منك"، فعلى الرغم من عدم احتواء هذه الجملة على كلمة مبهمة، فإنها مع ذلك تبقى مبهمة، فمعنى هذه الجملة عندما تتوجه بها إلى أبيك يختلف عن معناها عندما تتوجه بها إلى أخيك، وهذا ما نسميه في علم اللغة الإبهام التركيبي، أي الإبهام غير المرتبط بمفردات الجملة بقدر ارتباطه بعلاقة هذه المفردات مع بعضها.  
إلى جانب تعدّد المعاني المرتبطة بكلمة واحدة (أي الإبهام)، هناك أيضا ظاهرة معاكسة، وهي ظاهرة تعدّد الكلمات المرتبطة بمعنى واحد (أي الترادف)، والمشتغلون في الترجمة بين اللغات يعرفون هذه الظاهرة أكثر من غيرهم، فالترجمة ليست سوى محاولة استبدال رموز برموز أخرى مع الاحتفاظ بالمعنى، وهذه عملية شاقة إنْ لم تكن مستحيلة، فإذا كان الترادف الكلّي بين المفردات داخل اللغة الواحدة لا وجود له، فإنّ من الطبيعي أن يتعذّر وجوده أيضا بين المفردات التي تنتمي إلى لغات مختلفة، مما يعني أنّ كلّ نص مترجم من لغة إلى أخرى يتضمّن تشويها قسريّا للمعنى، وهذا هو السبب في الممانعة التاريخية لترجمة الكتب المقدّسة من لغاتها الأصلية إلى لغات أو لهجات أخرى.
 أخيرا، لعلّ من أجمل أفضال اللغة على الإنسان هي منحها إيّاه فرصة أن يكون أكثر مدنيّة، فإذا كان العنف هو الخيار الوحيد المتاح أمام فصائل الحيوان لحسم صراع البقاء، فإنّ اللغة تمنح الإنسان خيارا آخر، إنه خيار الحوار المفضي إلى حلّ سلمي، وبالنظر إلى التاريخ الطويل للحروب عبر التاريخ، قلّما يلجأ الإنسان إلى هذا الخيار الأخير مع الأسف الشديد.

الاثنين، 11 مايو، 2015

التعليم الديني وعلمانية التعليم

الدين دين والعلم علم، واحترام الخط الفاصل بين الاثنين شرط ضروري لإصلاح التعليم، فالدين– في مجتمعاتنا على الأقل– عبارة عن معرفة غير قابلة للنقض أو الشك، في حين أنّ العلم لا يتقدّم إلاّ من خلال إخضاع كل معرفة مكتسبة إلى النقض أو الشك، ومع ذلك فإنّ التدريس الديني في مراحل التعليم كافة لا يقتصر على المناهج المتعلقة بالدين، بل يتعدّاها إلى معظم المناهج الأخرى ومن ضمنها المناهج العلمية الصرفة، بل إنّ جامعاتنا تحوي أقساما توصف بأنها أقسام علمية مثل "قسم التربية الإسلامية" أو "قسم الشريعة الإسلامية"، وهي أقسام لا تشبه الأقسام العلمية في الجامعات العالمية لا من قريب ولا من بعيد، فهي لا تدرّس الدين دراسة علمية ولا تقارن بين الأديان بطريقة موضوعية، بل إنّ جلّ اهتمامها ينصبّ على تدريس تقليديّ يعتمد على تلقين معرفة لا تخضع لشروط البحث العلمي، ومع ذلك تسمى أقساماً علمية!
لا يترتب على ما تقدّم استحالة أن يكون الدين موضوعا للبحث العلمي، ولكن البحث العلمي له شروط غير متوافرة في التدريس الديني المقرّر في مراحل التعليم كلّها، فالبحث العلمي الرصين لا يعترف بسلطة غير سلطة العقل، وهذه الحقيقة كافية لإثبات عدم ملاءمة التدريس الديني التقليدي للبحث العلمي، كما لا يترتب على ما تقدّم أدنى اعتراض على وصف بعض الأقسام بالعلمية لمجرّد أنّ موضوع بحثها غير علمي، فهناك أقسام علمية تُعنى بدراسة الآداب والفنون، ولكنّ الفرق الجوهري هنا هو أنّ الآداب والفنون، على العكس من الدين، لا تضع قيودا على حرية البحث العلمي ولا تتعارض دراستها بالضرورة مع السلطة المطلقة للعقل الإنساني.
لكن ما المشكلة في وجود تدريس ديني جنبا إلى جنب مع التدريس العلمي؟ بمعنى آخر، ما الضرر في عدم احترام عِلمانية التعليم؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال طرح مثال من واقع تجربتي القصيرة في مجال التدريس، فمن حسن حظي أنّي أقوم بتدريس إحدى المواد التي ترتبط ارتباطا وثيقا بعلم المنطق، وهي مادة "علم الدلالة"، وأغلب الطلّاب المقيدين في هذه المادة هم طلاب قسم التربية الإسلامية، ومهما أنس فلن أنسى تلك المحاضرة التي حاولت من خلالها شرح مفهوم "الجملة التحليلية"، حيث قلت إنها جملة صحيحة دائما، مثل جملة "أخي الأكبر أكبر مني"، وهي جملة صحيحة دائما لأنّ صحتها لا تعتمد على مدى توافقها مع معطيات الواقع، بل تعتمد فقط على التحليل المنطقي لمفردات الجملة، وكي أطمئن إلى أنّ الطلاب قد فهموا المقصود بهذا المفهوم، طلبت منهم أن يأتوني بمثال آخر على الجملة التحليلية، فإذا بأحدهم يجيب: "الخمر حرام"!
الجدير بالاهتمام في هذه الواقعة لا يكمن في عجز الطالب عن فهم أحد المصطلحات العلمية، بل يكمن في معرفة السبب وراء هذا العجز، وفي ظني أن السبب يعود إلى التمازج الشديد بين التدريس الديني والتدريس العلمي في مؤسساتنا التعليمية، وهذا التمازج هو المسؤول عن عدم قدرة معظم الطلاب على التفريق بين اليقين الديني واليقين المنطقي، أو بين الدليل الفقهي والدليل العلمي، أو بين الحجة الدينية والحجة العلمية، أو بين المُسلّمات الغيبية والمُسلّمات المنطقية، وغيرها الكثير من الفروق الجوهرية بين ميدان التلقين الديني وميدان البحث العلمي.
علمانية التعليم مجرّد حالة خاصة من علمانية الدولة، وهي لهذا السبب تبقى مجرّد ظاهرة افتراضية في دولة تمزج بين الدين والسياسة، لكن لا ننسى أن التغيير– إلى الأفضل أو إلى الأسوأ– في أي مجتمع يبدأ عادة في قاعة الدرس.

الاثنين، 4 مايو، 2015

تسويق الأيديولوجيا: الصحوة الإسلامية مثالا (4)


إلى جانب تسويق أيديولوجيا "الصحوة" في السبعينيات من خلال ابتداع ظاهرة "الاقتصاد الإسلامي"، ابتُدعت في الفترة نفسها ظاهرة جديدة عُرفت باسم "الإعجاز العلمي"، ونشأة هذه الظاهرة الأخيرة تعود إلى نشر كتاب "الإنجيل والقرآن والعلم"، الكتاب الذي حقّق بفضل البترو-إسلام مبيعات ضخمة بلغت ملايين النسخ وتمت ترجمته إلى أكثر من لغة، وأمّا مؤلفه فهو "موريس بوكاي"، جرّاح فرنسي عمل طبيبا خاصا للملك فيصل بن عبدالعزيز تارة، وللريئس أنور السادات تارة أخرى، وهذه السيرة الموجزة عن هذا الطبيب تكفي للتنبؤ بفحوى القضية الجوهرية في كتابه، وهي أنّ القرآن، على العكس من الإنجيل، سبق العلم الحديث فيما توصل إليه هذا الأخير من اكتشافات، وبطبيعة الحال فإنّ المقصود هنا بالاكتشافات هي تلك التي توصّل إليها العلماء على مدى العصور إلى غاية عام 1976، وهو العام الذي نشر فيه "بوكاي" كتابه، وأمّا الاكتشافات العلمية التي جاءت بعد ذلك التاريخ فقد تصدّى لها زغلول النجّار وغيره من المهتمين بظاهرة "الإعجاز العلمي"!
المتاجرة بالدين تعتمد على الاستثمار في الجهل، ويبدو أنّ "بوكاي" لم يكن الأجنبي الوحيد الذي فطن إلى هذه الحقيقة، فهناك أيضا "كيث مور"، باحث كندي في علم الأجنة تلقّى دعوة لقضاء ثلاثة أعوام في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، والهدف من تلك الدعوة– حسب قوله– هو "مساعدة المسؤولين هناك في تفسير نصوصهم الدينية التي تشير إلى مراحل تطور الجنين"، وساهم مساهمة فعّالة في التعاون مع "باحثين" هناك في نشر "أبحاث علمية" ضمن منشورات الجامعة التي استضافته، والجدير بالذكر هنا– من باب الطرافة على الأقل– أنّ الطبعة الثالثة من كتاب "مور" الشهير والذي حمل عنوان "The Developing Human"، نُشرت بنسختين مختلفتين، نسخة للعالم الغربي لا تتضمن الإشارة إطلاقا إلى "الإعجاز العلمي" حول موضوع الأجنة، ونسخة للعالم الإسلامي تتضمن هذه الإشارة!
لكن من الذي قام بالإضافات المتعلقة بالإعجاز العلمي إلى كتاب "مور" بنسخته الإسلامية؟ لم يكن سوى عبدالمجيد الزنداني، العضو البارز في حركة الإخوان المسلمين في اليمن ومؤسس "الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنّة"، والمسؤول الأول عن الفضيحة الشهيرة والمتمثلة بتجنيد علماء أجانب لدعم ظاهرة "الإعجاز العلمي"، وقد اعترف بعض العلماء الأجانب ممن تورّطوا في تلك الفضيحة باستلام مبالغ مالية وهدايا ثمينة نظير جهودهم، في حين اكتفى البعض الآخر بالقول إنهم كانوا ضحايا عملية احتيال!
أخيرا، تنبغي ملاحظة التشابه بين ظاهرة "الإعجاز العلمي" وظاهرة "الاقتصاد الإسلامي"، ولهذا التشابه أوجه متعددة، فمن حيث الهدف، كلتا الظاهرتين تهدف إلى تسويق أيديولوجيا "الصحوة"، ومن حيث التمويل، حظيت الظاهرتان بدعم البترو-إسلام، ومن حيث الوسيلة، تعتمد الظاهرتان على التحايل في زمن الجهل، ومن حيث المنهج، ترتكز كلتاهما على لَيّ النصوص الدينية بطريقة تضمن توافقها مع علم الاقتصاد من جهة، والعلوم الطبيعية من جهة أخرى.

الاثنين، 27 أبريل، 2015

تسويق الأيديولوجيا (3)


في عام 1976 نوقشت في كلية الحقوق بجامعة القاهرة رسالة دكتوراه حملت عنوان "تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية"، من إعداد سامي حسن حمود، وهو مصرفي أردني اتجه إلى "البحث العلمي" بعد خبرة طويلة في العمل في "البنوك الربوية"، وفي مقدمة الرسالة يُشبّه الباحث دوره في التنقّل بين المذاهب الفقهية بدور "البستاني الذي يقطف من الحديقة وردة من هنا وزهرة من هناك"، والهدف بطبيعة الحال هو التوصل إلى حلّ لمشكلة "تناقض الأعمال المصرفية مع الشريعة الإسلامية"، وأمّا النتيجة العامة التي توّصل إليها الباحث فتشير إلى "أنّ العمل المصرفي الحديث رغم تمازجه الخالص مع الربا قابل إلى أن تُطهّر صورته"، ومن أمثلة هذا "التطهير" ما عدّه الباحث فيما بعد "كشفاً وفّقه الله إليه"، ونعني به "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، أي المرابحة بصورتها المصرفية الحديثة.
يبدو أنّ إشارة الباحث إلى دور البستاني لم تكن مجرّد تشبيه، ذلك أن اختراع المرابحة المصرفية جاء نتيجة خلطة عجيبة بين رأيين فقهيين حول بيع المرابحة في التراث الإسلامي، وقد لاقت هذه الخلطة استجابة سريعة من قبل المصارف والشركات الإسلامية، ونالت مباركة المجاميع الفقهية الكبرى التي تحظى بدعم مباشر من رأس المال النفطي، كما حظيت بتأييد مؤتمرات إسلامية، مثل مؤتمر المصرف الإسلامي الأول الذي عُقد في دبي في 1979 والمؤتمر الثاني الذي عُقد في الكويت في 1983، ثم استمرّ التأييد لهذا "الكشف العظيم" طوال العقود الماضية من قبل فقهاء البترو-إسلام، فالشيخ يوسف القرضاوي كان له دور كبير في التسويق لما يسمى المصارف الإسلامية، سواء من خلال القرارات الصادرة عن مجمع رابطة العالم الإسلامي، أو من خلال الفتاوى والكتب والتصريحات الصحافية، ولا يقتصر الأمر على القرضاوي بل يتعدّاه بشكل عام إلى كلّ فقيه يبحث عن وظيفة في إحدى الهيئات الشرعية التابعة للبنوك، وكلما كان الفقيه إلى التيسير أقرب منه إلى التعسير، زاد حظه في الحصول على وظيفة "مستشار شرعي"!
لكن ما طبيعة هذه "الخلطة العجيبة" التي تُلبس الفائدة الربوية ثوب الحلال؟ في دراسة فقهية أعدّها أحد المتخصصين، نجد اتهاما صريحا للقائلين بجواز المرابحة المصرفية المعمول بها في البنوك الإسلامية، حيث لجأ هؤلاء إلى "التلفيق بين المذاهب، فهم أخذوا قول الإمام الشافعي بجواز المرابحة، وتركوا له شرطه الخيار، وأخذوا من المالكية وغيرهم إلزامهم بالوعد، وتركوا لهم قولهم في المرابحة، فخرجوا بنص فقهي لم يقل به فقيه" (انظر "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، دراسة فقهية، جعفر بن عبدالرحمن قصّاص)، وتنبغي الإشارة هنا إلى تعدّد الدراسات العلمية التي وقفت موقفا ناقدا من المرابحة المصرفية بشكل خاص، ومن "الصناعة المصرفية الإسلامية" بشكل عام، ولا تقتصر تلك الدراسات على ميدان الفقه الإسلامي، بل تتعدّاه إلى دراسات رصينة قام بها باحثون متخصصون في علم الاقتصاد من جهة، وبريئون من شبهة تمويل البترو-إسلام لدراساتهم من جهة أخرى، منهم الباحث الأميركي التركي الأصل "تيمور كوران"، حيث يؤكد في أحد كتبه التي نُقلت إلى العربية حديثا عدم وفاء المصارف الإسلامية بوعودها المتعلقة بتطهير المعاملات البنكية من كل أشكال الفائدة (انظر كتاب "الإسلام والثراء الفاحش"، تيمور كوران).
ظاهرة "الاقتصاد الإسلامي" تستحقّ الدراسة لأكثر من سبب: أولا، هي ظاهرة تعبّر عن نجاح تسويق الأيديولوجيا في مجتمعات تفتقر إلى أدنى مستويات التفكير العلمي بشكل خاص والتفكير النقدي بشكل عام، وثانيا، هي ظاهرة تجسّد الحالة التي يُسخّر فيها الدين لخدمة رأس المال، وثالثا، هي ظاهرة تفضح حجم التدهور الأخلاقي الذي لحق بأمة محشورة بين مطرقة التراث وسندان الحداثة.
يتبع،،،