الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

لماذا نريد حكومة برلمانية منتخبة؟


دستور الكويت مليء بالعجائب، وإحدى هذه العجائب هي مسألة طرح الثقة بالوزراء، إذ كيف يطرح الشعب، من خلال نوّاب البرلمان، الثقة في وزير لم يمنحه الشعب أصلا الثقة في الوصول إلى كرسي الوزارة؟ اعتاد الوزراء منذ اليوم الأول من تسلّمهم الوزارة ترديد عبارة: "نشكر صاحب السمو على هذه الثقة الغالية"، لكن ليس بوسع أي وزير أن يوجه شكره إلى الشعب، فالدستور لا يمنح الشعب الكلمة الأخيرة في تشكيل الوزارة، والحق أنّ الكويت لم تشهد طوال تاريخها السياسي حكومة برلمانية منتخبة، حكومة ديمقراطية شرعية، حكومة تحظى بثقة الشعب وتحسب له ألف حساب! لكن لماذا نريد حكومة برلمانية منتخبة؟
أولاً، هناك سبب يتعلق بقوانين الاحتمال الرياضية، فمن جهة، فرصة حسن اختيار طاقم الوزارة من قبل فرد واحد أقل بكثير من فرصة حسن اختيارها من قبل شعب بأكمله، ومن جهة أخرى، فرصة اختيار رئيس وزراء ناجح من ضمن أفراد أسرة الحكم أقل بكثير من فرصة اختياره من ضمن أفراد الشعب كافة، خصوصا أنّ التاريخ يشهد على حقيقة أن أسرة الحكم قلّما جادت برئيس وزراء يتمتع بالحد الأدنى من الحصافة السياسية!
ثانياً، هناك سبب براغماتي صرف، فبينما تسهل إعادة النظر في رئيس وزراء منتخب من خلال العملية الديمقراطية، قد تتطلب إعادة النظر في رئيس وزراء معيّن خروج الناس إلى الشارع بعد أن يعجز البرلمان عن تحقيق التغيير المنشود، وهذا ما تشهد به الحكومات المتعاقبة لرئيس الوزراء السابق.
ثالثا، هناك سبب يتعلق بطبيعة الصراع السياسي في النظم الديمقراطية، ففي ظلّ التدوال السلمي للسلطة، تتبدّل الأدوار على الدوام بطريقة من شأنها إضفاء الحيوية على الصراع السياسي من جهة، وإتاحة الفرصة للشعب في أن يلعب دورا جوهريا في هذا الصراع من جهة أخرى، لكن في ظل الوضع الحالي، يبقى الصراع السياسي جامدا وبعيدا عن إرادة الشعب، فالأدوار السياسية لا تتبدّل إلا من طرف واحد، فالحكومة هي الحكومة حتى إن اختلفت الأسماء، إنها ببساطة حكومة السلطة!
رابعاً، هناك سبب يتعلّق بطبيعة برنامج الحكومة، ففي ظل الوضع القائم، البرنامج الحكومي (إنْ وُجِد) كان ولا يزال مجرد ردة فعل على طبيعة التشكيل النيابي، فهو برنامج لا يهتم بتحقيق الإنجاز بقدر اهتمامه بالتعامل مع الدور الرقابي لمجلس الأمة، وهو دور– كما ذكرنا سابقا- غير مبرر منطقيا في ظل وجود حكومة غير منتخبة، لكن عند قيام حكومة برلمانية منتخبة، يصبح المعيار متعلقا بشكل مباشر بمدى نجاح الحكومة في تحقيق برنامجها السياسي.
أخيراً، هناك سبب متعلق بمستقبل الكويت واستقرارها في ظل الأوضاع الإقليمية المتغيرة، فالمرحلة الحالية لا تتطلب وجود توازن عادل بين السلطة والشعب فحسب، بل مشاركة حقيقية للشعب في صنع القرار واختيار من يمثله في كلّ من البرلمان ومجلس الوزراء، ولا يضمن وجود مثل هذا التوازن إلا النظام البرلماني الكامل، وهذا تحديدا ما يناضل من أجله الشباب الكويتي الواعي، وليتذكر الجميع أنّ الشباب غير معنيّ باحترام الاتفاق التاريخي على الحد الأدنى من الديمقراطية والمتمثل بدستور 62،  لأن شباب اليوم- بطبيعة الحال- لم يكونوا طرفا في ذلك الاتفاق.
ملاحظة حول افتتاحية جريدة «الجريدة»:
من يقرأ الافتتاحية الأخيرة لجريدة "الجريدة" في تاريخ 12 ديسمبر بعد التشكيل الوزاري، ثم يقارنها بافتتاحيتها في تاريخ 4 ديسمبر بعد التشكيل النيابي، لا يلاحظ وجود تناقض صارخ بين الافتتاحيتين فحسب، بل يشعر بأن الرسالة المراد إيصالها في الافتتاحية الأخيرة هي من قبيل: "حصل خير يا جماعة، وحنّا عيال اليوم"!

الاثنين، 10 ديسمبر، 2012

أراد الشعب... فسقط المرسوم


منذ أن صدر المرسوم الأميري القاضي بتعديل قانون الانتخاب، انقلبت الأوضاع في الكويت رأسا على عقب، بل إن الأمور تزداد سوءا مع الأسف الشديد، فالمظاهرات الشعبية تتفاقم عنفا، والاعتقالات السياسية تزداد عددا، والنعرات الطائفية تتعاظم شراسة، وبالرغم من كلّ ذلك تستمر السلطة في لا مبالاتها إزاء ما يجري، وكأنّ على عينيها غشاوة فهي لا ترى، وكأنّ في مسامعها وقراً فهي لا تسمع، وكأنّ فوق لسانها خرساً فهي لا تتكلم.
إنّ الخيار الأمني لن يزيد الأمور تعقيداً فحسب، بل إنّه يدقّ إسفيناً بين الشعب والنظام، وعلى السلطة أن تعي أنّ للمنازل حُرمتها، وللناس كرامتها، وللشعوب إرادتها، وإلّا فإن رصيدها من احترام هذا الشعب الوفيّ لها لن يزداد إلّا تناقصا.
سخّرت الحكومة الأموال الطائلة لإنجاح المرسوم وحثّ الناخبين على المشاركة في الانتخابات، لكنّ الشعب أراد إسقاط المرسوم ومقاطعة الانتخابات، فكان للشعب ما أراد، فالمرسوم سقط شعبيا بعد المسيرات الشعبية الضخمة التي شهدتها الكويت مؤخرا، والانتخابات الأخيرة سجّلت أقلّ نسبة مشاركة في تاريخ انتخابات مجلس الأمة، وسيأتي اليوم الذي ننتخب فيه من يمثلنا تمثيلا حقيقيا، لا تحت قبة البرلمان فحسب، بل في مجلس الوزراء أيضا، فالشعب أراد، والشعب يفعل ما يريد، شاءت السلطة أم أبت.
كسرتم الصمت الانتخابي فسخرتم أبواقكم الإعلامية لحث الناس على المشاركة في انتخابات غير شرعية، وزوّرتم الحقائق لإنجاح المرسوم رغم الرفض الواضح من قبل أغلبية الشعب الكويتي، لكن هذا الشعب أراد، والشعب يفعل ما يريد، شاءت السلطة أم أبت.
رفعتم شعار "طاعة وليّ الأمر"، وسخرتم منابر المساجد لخدمة أجندتكم السياسية، وحاولتم تخويف الناس من غضب الله وعقابه، وأمرتم مشايخ البلاط فتوالت الفتاوى الدينية الواحدة تلوى الأخرى، لكن الشعب أراد، والشعب يفعل ما يريد، شاءت السلطة أم أبت.
إذا كان حبّكم لاحتكار السلطة شديدا، فإن حبّ هذا الشعب لوطنه أشد، وإذا كان حرصكم على كنز الأموال كبيرا، فإن حرص هذا الشعب على كرامته أكبر، وإذا كانت إرادتكم قوية، فإن إرادة هذا الشعب أقوى، فلا تعاندوا شعبا إذا قال فعل.

ملاحظتان على هامش الانتخابات الأخيرة:
1- يتذاكى البعض– ومنهم، مع الأسف، متخصصون في علم الرياضيّات– من خلال الإصرار على حساب نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة قياسا إلى نسبة المشاركة في الانتخابات قبل الأخيرة، ولتبيان تهافت هذه الحجة، يكفي أن نتخيّل السيناريو التالي: لنفترض أن نسبة المشاركة في الانتخابات قبل الأخيرة هي واحد في المئة فقط، بينما نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة هي نصف في المئة، ففي هذه الحالة ستكون نسبة المشاركة "الفعلية" في الانتخابات الأخيرة- حسب زعم أصحاب هذه الحجة الواهية- هي 50 في المئة، أي أن امتناع حوالي 99.5 في المئة من الناخبين عن التصويت لأي سبب كان لا يثير القلق، فالنصف في المئة في عيون هؤلاء المتذاكين سيساوي 50 في المئة! الحجة واهية لسبب آخر أيضا: لنقلب السيناريو السابق ونفترض أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات قبل الأخيرة هي نصف في المئة فقط، بينما نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة هي واحد في المئة، ففي هذه الحالة ستكون نسبة المشاركة "الفعلية"- حسب زعم أصحاب هذه الحجة الواهية- هي 200 في المئة، فهل سمعتم عن انتخابات لها نسبة مشاركة بهذا الشكل؟ هل ذهب المقترعون إلى صناديق الاقتراع مرتين، مثلا؟!
2- مقاطعة الانتخابات نجحت بامتياز، لكن على التيارات السياسية المقاطِعة أن تنسجم مع نفسها ولا تشارك في الحكومة القادمة بأي شكل من الأشكال، فالمشاركة في هذه الحالة هي انتحار سياسي، كما أنها تكشف عن موقف انتهازي لا أخلاقي.

الاثنين، 26 نوفمبر، 2012

اضحك... فـ «شرّ البليّة ما يُضحك»!


منذ زمن لم أحظَ برغبة حقيقية في الضحك، لكن اليوم تدمع العين من شدة الضحك، و"شرّ البليّة ما يُضحك" كما يقولون! أما البليّة فشرُّها أن الانتخابات القادمة تشبه الدنيا في عين ابن الوردي، فهي "تُخفض العالي وتُعلي من سَفَل"، وأما الضحك فله أسباب ليس من بينها ما يلي:
1- لا تدعو إلى الضحك دعوة تلفزيون الكويت المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات، فهو تلفزيون لا يرقى حتى أن يكون جهازاً إعلامياً للدولة، بل مجرد بوق إعلامي للسلطة.
2- كما لا يدعو إلى الضحك الشعار الطاغي لأغلب المرشحين في الانتخابات القادمة، فشعار "طاعة وليّ الأمر" لا يرفعه إلا المفلس من أي شيء يستطيع تقديمه، والطاعة في هذه الحالة فيها تقاعس عن واجب تقديم- على الأقل- تصورات أولية حول مستقبل البلد، لكن يبدو أن أغلب المرشحين يعتقدون أن من اختصاصات ولي الأمر وضع التصورات المستقبلية، ومن واجبهم هم السمع والطاعة!
3- هل ينبغي الضحك عند معرفة أن هناك شريحة انتخابية ستشارك في الانتخابات القادمة لا لشيء إلا لمقاطعة نواب "الأغلبية" لها؟ إطلاقا، فأفراد هذه الشريحة لا يرون أبعد من أنوفهم، فلو خرجوا إلى المظاهرات لعرفوا من هو المحرك الرئيسي للحراك الشعبي، وهم لا يفكرون إلا بعد أن يملأوا بطونهم، ولو حاولوا التفكير قبل الأكل لتوصلوا إلى حقيقة أن جوع الكرامة أشد وطأة على النفوس من جوع البطون!
4- هل نضحك من كُتّاب السلطة وما يسطرون في صحفنا المحلية؟ ليس من الشهامة في شيء أن نضحك على مثل هؤلاء، فمن باع ضميره ينبغي أن يثير فينا الشفقة، لا السخرية، ومن باع وطنه خليق بنا أن نشمئز منه، لا أن نتهكم عليه، ومن هانت عليه كرامته السياسية أدعى أن نصد عنه، لا أن نلتفت إليه!
5- هناك أمر يستدعي الضحك فعلاً، لكن من الحكمة أن نكتم الضحكات حتى إشعار آخر لضرورات المرحلة الحالية، وهو أمر يشير إلى حقيقة أن اهتمام "المثقفين" بمعرض الكتب وتوقيع كتبهم أشد من اهتمامهم بالانتخابات القادمة! لكن الأزمات تصنع المثقفين، ومثقفونا لا يشعرون بوجود أزمة، لذا من حقهم علينا ألا نعكر عليهم صفو حفلات توقيع الكتب!
ما يثير الضحك فعلاً هو الدعوة إلى ضرورة (لاحظ، ضرورة) احترام الرأي الداعي إلى المشاركة في الانتخابات القادمة، بحجة أن احترام كل (لاحظ، كل) الآراء واجب مهما اختلفنا معها! حسناً، يُحكى أن رجلا عُرِف عنه التسامح الشديد مع من يختلف معهم في الرأي، والمبالغة الشديدة أيضاً في احترام آرائهم رغم رفضه لها، ثم حدث ذات مرة أنْ دخل في نقاش حاد مع شخص آخر، ليقول هذا الأخير: "أنت مجرد حشرة قاريّة"، فما كان من الرجل المتسامح إلا أن يجيب: "أنا أحترم وجهة نظرك، لكني معترض على فكرة أني مجرد حشرة قاريّة، ربما أكون حشرة كما تقول، لكني حتما لست حشرة قاريّة"!
الرأي، أي رأي، لا يكتسب احتراماً لمجرد أنه رأي، بل إن مسألة الاحترام متعلقة بمحتوى هذا الرأي، والرأي الداعي إلى المشاركة في الانتخابات لا يستحق الاحترام، لأن ضريبة هذا الاحترام هو النيل من كرامة المواطن، ولا يدفع هذه الضريبة إلا الذي لا يقدر نفسه حق قدرها!

الاثنين، 19 نوفمبر، 2012

الثورات العربية والأنظمة الخليجية

يبدو أن الثورات العربية قد عززت من غريزة حب البقاء على هرم السلطة عند الأسر الحاكمة الخليجية بحيث أصبحت مكشوفة للجميع، كما لا يمكن فهم سلوك هذه الأسر تجاه الثورات العربية وتداعياتها بعيداً عن حرصها الجامح على بقاء الأوضاع على ما هي عليه.


إذا كانت غريزة حب البقاء على قيد الحياة سمة مشتركة بين الكائنات الحية، فإن غريزة حب البقاء على هرم السلطة سمة مشتركة بين الأنظمة الشمولية، ومن ضمنها الأنظمة السياسية في منطقة الخليج، ويبدو أن الثورات العربية قد عززت من هذه الغريزة عند الأسر الحاكمة الخليجية بحيث أصبحت مكشوفة للجميع، كما لا يمكن فهم سلوك هذه الأسر تجاه الثورات العربية وتداعياتها بعيداً عن حرصها الجامح على بقاء الأوضاع على ما هي عليه.
لننظر– على سبيل المثال– إلى تلك الدعوة التي وجهتها دول الخليج إلى كلّ من الأردن والمغرب في الانضمام إلى المنظومة الخليجية، وهي دعوة لها وظيفتان:
إعلامية، ولوجستية. أمّا الوظيفة الإعلامية فتهدف إلى دعم الحجة التي تقول إنّ الأنظمة الملكية أكثر استقراراً وديمومة من الأنظمة الجمهورية، وبقاء النظام الملكي في الأردن والمغرب من شأنه تعزيز مثل هذه الحجة.
وأمّا الوظيفة اللوجستية فتتمثل بالحصول على الخبرات المغربية والأردنية لتطويع الشعوب الخليجية كلما دعت الحاجة إلى ذلك!
بعد أن اجتاحت الثورات العربية دولاً كبيرة في المنطقة، كانت أمام الأسر الحاكمة الخليجية فرصة ذهبية لإعادة العلاقة مع شعوبها على أسس جديدة، أسس من شأنها ضمان استقرار الأنظمة السياسية مع حفظ كرامة شعوبها، أسس تضمن المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار السياسي مع ضمان الاحترام التقليدي للأسر الحاكمة، أسس تجعل من شعار "مصيرنا واحد" شعاراً مرتبطاً بالشعوب الخليجية في المقام الأول، لا شعاراً مقتصراً على الأسر الحاكمة أولاً وأخيراً!
لكن– مع الأسف الشديد– ضاعت هذه الفرصة الذهبية أو كادت تضيع بعد أن تشبثت الأنظمة الخليجية بغريزة حب البقاء حتى جاء سلوكها السياسي في الآونة الأخيرة معبّراً بوضوح عن تلك الغريزة الأنانية، فإلى جانب الدعوة الخليجية المشبوهة لكل من الأردن والمغرب إلى الانضمام إلى "المصير الخليجي"، قدّمت الدول الخليجية الفاعلة مساعدات مالية ضخمة لكل من البحرين وعمان لضمان استقرار الأوضاع هناك على ما هي عليه، رغم المطالبات الشعبية الواسعة في المزيد من الديمقراطية، كما رفعت الأسر الحاكمة الخليجية شعار الانتقال من التعاون إلى الاتحاد، ثم جاء دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين ليؤكد حقيقة أن التعاون والاتحاد الخليجيين متعلقان فقط بمصير الأسر الحاكمة، لا مصير شعوبها!
بالأمس، لعبت دول الخليج دور الوسيط في اليمن لضمان انتقال سلمي للسلطة لا يهدد استقرار الأنظمة الملكية المجاورة، من دون أدنى اعتبار لآمال الشعب اليمني وتضحياته في سبيل تنظيم البيت اليمني بطريقة تحفظ للشعب هناك كرامته وحريته، واليوم تبعث دول الخليج بالاتفاقية الأمنية الحياة من جديد للأسباب ذاتها، وإنها لمفارقة مؤلمة أن تردد الشعوب الخليجية مراراً وتكراراً أن مصيرها ومصير حكّامها مصير واحد، بينما تصر الأسر الحاكمة الخليجية على أن مصيرها شيء، ومصير شعوبها شيء آخر مختلف تماماً!

الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

الشعب يريد إسقاط المرسوم

ليس مستغرباً أن يكون مِن بين المتحمسين اليوم إلى المشاركة في الانتخابات القادمة مَن انتشى بالأمس طرباً لضرب الناس في ديوان الحربش، فالعامل المشترك بين حماس اليوم ونشوة الأمس يكشف عن عدم قدرة على الإحساس بشعور المهانة، ومن لا يشعر بالمهانة لا ينتصر لكرامته أبداً، ناهيك عن كرامة الآخرين.
 
يطرح البعض- بحسن نية أو بسوئها، لا أدري- موضوع مقاطعة الانتخابات بوصفه مجرد مسألة رأي، وبالتالي على الجميع احترام وجهة النظر التي تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، كما على المقاطعين أيضاً أن يحترموا في المقابل وجهة النظر الأخرى التي تدعو إلى المشاركة في الانتخابات، لكن هل المسألة هي فعلا مجرد مسألة اختلاف بين وجهتي نظر لكل منهما واجب الاحترام؟
 إنّ من يجيب بـ"نعم" عن هذا السؤال لا يعي حقيقة أنّ الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات هي في واقع الأمر دعوة إلى تمسك المواطنين بكرامتهم، وعدم قبول المساس بها من قبل السلطة، ولو استطاع الجميع إدراك هذه الحقيقة لما وُصفت المشاركة في الانتخابات بأنها وجهة نظر جديرة بالاحترام، إذ كيف من الممكن احترام القبول بالذل والمهانة؟
 الطاعة مهانة، والتمرّد كرامة، ففي الأولى تنازل عن إرادة الذات، وفي الأخرى تأكيد لها.
 يتندّر البعض بجملة "نحن جياع كرامة" التي أطلقها الدكتور أحمد الخطيب، لكن أيهما أسمى من الناحية الأخلاقية: أن ينال الجوع من كرامتك فتغضب، أم أن تتخم نفسك بالمهانة فتطمئن؟ القدرة على الإحساس بالمهانة شرط ضروري للدفاع عن الكرامة، لكن يبدو أن هذا الشرط غير متوافر عند أولئك المتندرين بجملة الدكتور الخطيب.
 ليس مستغرباً أن يكون مِن بين المتحمسين اليوم إلى المشاركة في الانتخابات القادمة مَن انتشى بالأمس طرباً لضرب الناس في ديوان الحربش، فالعامل المشترك بين حماس اليوم ونشوة الأمس يكشف عن عدم قدرة على الإحساس بشعور المهانة، ومن لا يشعر بالمهانة لا ينتصر لكرامته أبداً، ناهيك عن كرامة الآخرين. قبِل الناس على مضض طوال عقود من الزمن بدستور يضفي مشروعية على حكومة غير ديمقراطية، حكومة معينة من قِبل الأمير، لا منتخبة من قِبل الشعب، حكومة تم تشكيلها عن طريق الهاتف، لا من خلال صناديق الاقتراع، وعندما ارتفعت الأصوات مطالبة بضرورة إصلاح النظام السياسي وتطويره إلى المزيد من الديمقراطية، جاء ردّ السلطة ليأخذنا خطوة إلى الخلف، خطوة تقودنا إلى وضع سياسي بالغ الخطورة، حيث لا شرعية شعبية لكلّ من البرلمان ومجلس الوزراء.
 نعم، "الشعب يريد إسقاط المرسوم"، شعار رددّه المتظاهرون بالأمس، وسيبقى مرفوعاً ما بقي هذا الشعب حرّاً أبيّاً.
 

الأربعاء، 7 نوفمبر، 2012

كرامة الأوطان

كرامة الأوطان تتجلى في أبهى صورها عندما تقرر الشعوب مصائر أوطانها، حيث الحكومة منتخبة، والدستور مصون، والحرية مكفولة، جاء في «الإنجيل» أنْ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وجاء في «الربيع العربي» أنْ ليس من أجل الخبز وحده تثور الشعوب، وشرارة الثورات بدأت حيث اجتمع الجوع والمهانة في شخص محمد البوعزيزي!


كرامة الوطن من كرامة مواطنيه، وكرامة المواطنين هي حقهم في تقرير مصير وطنهم، وتقرير المصير يحتاج إلى أن تكون للشعوب إرادة سياسية، فمن دون هذه الإرادة تتحول الشعوب إلى قطيع من الأغنام، تأتمر بأمر الراعي، وتنتهي بنهيه.
أن تولّي أمرك لوليّ الأمر معناه أنْ تتنازل عن إرادتك السياسية لوليّ الأمر، وفي التنازل عن الإرادة إخلاء من المسؤولية، لذا فإن وليّ الأمر مسؤول بالقدر الذي تكون أنت فيه غير مسؤول، مما يعني أنّ شعار "طاعة وليّ الأمر" هو في حقيقة الأمر دعوة صريحة إلى نظام الحكم الفردي المطلق، وهو نظام يكون فيه المحكوم غير مسؤول عن أي شيء، بينما يكون فيه الحاكم مسؤولاً عن كل شيء، وهنا يكمن السبب في حقيقة أن الحاكم هو الوحيد القادر على المحافظة على كرامته في أنظمة الحكم الشمولية، ذلك أنه الشخص الوحيد الذي يتمتع بإرادة سياسية.
كرامة الأوطان تتجلى في أبهى صورها عندما تقرر الشعوب مصائر أوطانها، حيث الحكومة منتخبة، والدستور مصون، والحرية مكفولة، جاء في "الإنجيل" أنْ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وجاء في "الربيع العربي" أنْ ليس من أجل الخبز وحده تثور الشعوب، وشرارة الثورات بدأت حيث اجتمع الجوع والمهانة في شخص محمد البوعزيزي!

الاثنين، 5 نوفمبر، 2012

الكويت بين الحكمة والحماقة


إن هذا الشعب الحي أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه شعب يتمتع بقدر كبير من الحكمة، فأمام اتهامات التخوين والعمالة للخارج، ظل هذا الشعب الكريم وفياً للعهد التاريخي الدستوري الذي يجمعه والأسرة الحاكمة، وأمام الخيار الأمني المفرط في استعمال القوة، مازال هذا الشعب يتحلى بقدر من ضبط النفس مثير للإعجاب.

بالرغم من كل ما قيل حول المظاهرات الشعبية العارمة التي تشهدها البلاد حاليا، وبالرغم من الأعمال الفردية المؤسفة التي حدثت هنا وهناك، فإن هذا الشعب الحي أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه شعب يتمتع بقدر كبير من الحكمة، فأمام اتهامات التخوين والعمالة للخارج، ظل هذا الشعب الكريم وفياً للعهد التاريخي الدستوري الذي يجمعه والأسرة الحاكمة، وأمام الخيار الأمني المفرط في استعمال القوة، مازال هذا الشعب يتحلى بقدر من ضبط النفس مثير للإعجاب، وأمام المفردات البذيئة والعنصرية مثل “الغوغاء” و”الهيلق”، رفع الشعب شعار “المسيرة” بدلا من “المظاهرة”، وهو شعار محايد، فالمسيرة قد تكون احتفالية أو احتجاجية، وفي هذا الحياد تأكيد على الطابع السلمي للغضب الشعبي.
لا يضاهي حماقة الحكومة وقواتها الأمنية سوى حماقة أولئك المباركين للنهج القمعي، فمن المؤسف أن يعبّر البعض عن مصالحهم الطائفية من خلال الاصطفاف المعيب مع حكومة قمعية ويتناسون أحداث “مسجد شعبان” والمطالب المشروعة التي تم طرحها آنذاك، بل إنهم تناسوا المعنى العميق لمشاركة الدكتور أحمد الخطيب والأستاذ أحمد الديين وغيرهما من المخلصين في تلك الأحداث ومساندتهم لمطالبها المشروعة.
إن أبغض سمة من سمات النفس الطائفي عند كلا الطرفين، السني والشيعي، هي هذه الانتهازية المبنية على مصلحة الجماعة دون أدنى اعتبار لمغبّة الوقوع في تناقض صارخ، ويكفي عقد مقارنة سريعة بين رؤية كلا الطرفين حول الوضع في البحرين والوضع الداخلي.
من المخجل أيضا أن يجهل الموقعون على البيان المخزي لقيادات المنبر الديمقراطي المعنى العميق لخوض الدكتور الخطيب معترك الانتخابات البرلمانية في دائرة ضمت من بين مناطقها مدينة الجهراء والنجاح فيها. لقد اختزل الموقعون على ذلك البيان المعيب كل تفاصيل القمع البغيض لأهالي صباح الناصر في حادثة الدهس المؤسفة، بل إنهم لم يجدوا ضرورة في الإشارة إلى ذلك القمع لحفظ ماء الوجه على الأقل. إن أبرز سمة من سمات النفس العنصري هي هذه الأنانية المتجردة من الإنسانية، وما الإنسان العنصري إلا مريض نفسي، فالعنصرية تمنحه شعوراً زائفاً بالأهمية من خلال تضخيم الذات على حساب تحجيم الآخر، ذلك أن تضخيم الذات يؤدي تلقائياً إلى تحجيم الآخر، حتى لو جاء هذا التحجيم على شكل قمع سلطوي، أو قهر ممنهج، أو ظلم فاحش.
قد ينجح السيف في إرغام الآخرين على الإذعان لرأي السلطة، لكن السيف في حد ذاته لا يشكل دليلاً على صحة رأي السلطة. عندما وصل الفاشيون إلى الحكم بعد الحرب الأهلية الإسبانية، وقف الأديب الإسباني ميغيل أونامونو مخاطباً جنود الدكتاتور فرانكو: “ربما انتصرتم، لكنكم لن تفلحوا أبدا في إقناعنا بقوة السلاح”.

الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

دستور منحاز ومتناقض


قبل 10 سنوات أو يزيد، كتبت مبدياً رأيي بأن دستور 62 إطار فاشل للعمل السياسي، ولم تزدني السنون إلا إصراراً على هذا الرأي، فهو دستور مليء بالتناقضات، إذ يضع نفسه في منزلة بين منزلتين، لا برلماني ولا رئاسي، مع ميل إلى النظام البرلماني، وهو في هذه الخصلة الوسطية شبيه بما يسمى بـ”الاقتصاد الإسلامي” الذي ليس له وجود إلا في مخيلة من ابتدعوه!

لنبدأ بمقارنة بسيطة بين المادة (71) والمادة (176) من الدستور الكويتي.
المادة (71): “إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله، ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على أن لا تكون مخالفة للدستور…”.
المادة (176): “صلاحيات الأمير المبينة في الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها في فترة النيابة عنه”.
لا أريد من خلال هذه المقارنة الإشارة إلى الجدل العقيم الذي يدور حالياً حول ما إذا كان المرسوم الذي يتعلق بتقليص عدد الأصوات الانتخابية مخالفاً للدستور، لكن أريد فقط الإشارة إلى حقيقة أن الدستور حصّن صلاحيات الأمير من العبث في فترة غيابه، ولم يفعل الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بصلاحيات الشعب، وهذه الحقيقة نتيجة طبيعية لدستور جاء في ظروف لم تكن فيها موازين القوى متكافئة بين السلطة والشعب.
قبل عشر سنوات أو يزيد، كتبت مبدياً رأيي بأن دستور 62 إطار فاشل للعمل السياسي، ولم تزدني السنون إلا إصراراً على هذا الرأي، فهو دستور مليء بالتناقضات.
لن أتحدث هنا عن بعض القوانين والتشريعات التي فيها انتهاك صريح لمواد الدستور، بل سوف أقتصر فقط على مواد الدستور ذاته، فدستور 62 ينتهك نفسه بنفسه!
هذا الدستور يضع نفسه في منزلة بين منزلتين، لا برلماني ولا رئاسي، مع ميل إلى النظام البرلماني، وهو في هذه الخصلة الوسطية شبيه بما يسمى بـ”الاقتصاد الإسلامي” الذي ليس له وجود إلا في مخيلة من ابتدعوه! دستور 62 يقرر في مادته السادسة والخمسين أن تشكيل الحكومة يتم عن طريق التعيين، بينما المادة السادسة تؤكد أن نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، وهذه معادلة مستعصية أشبه باستدلال “جولدباخ” الرياضي!
المادة السادسة من الدستور تقرر أيضا أن السيادة هي لـ”الأمة مصدر السلطات جميعاً”، لكنها تتدارك الأمر من خلال التأكيد أن سيادة الأمة تكون “حسب الوجه المبين بهذا الدستور”، وهذا الاستدراك يفرغ المادة برمتها من مضمونها “الديمقراطي”. قارن ما بين هذه المادة والمواد (51) و(52) و(53) من الدستور وسوف تعرف أين يكمن المصدر الحقيقي للسلطات جميعاً!
آن الأوان إلى الدفع باتجاه النظام البرلماني الكامل، ولن يحدث هذا إلا من خلال اتفاق متبادل بين الشعب والأسرة الحاكمة، فهذه الأسرة تحظى بإجماع عام عليها من قبل أطياف الشعب كافة، وهي ما زالت رغم كل الأحداث المؤسفة تشكل عامل استقرار لهذا الوطن، ولسنا نريد ملكية دستورية على الطريقة البريطانية، بل ملكية دستورية على طريقة مشابهة للنظام في إسبانيا مثلاً، فهناك يتمتع الملك بصلاحيات سياسية تؤمن استقرار البلد دون الإضرار بمفهوم الديمقراطية (أؤكد مرة أخرى، دون الإضرار بمفهوم الديمقراطية).

الاثنين، 22 أكتوبر، 2012

نعم لمقاطعة الانتخابات


لماذا يراد لنا أن نسير في دهاليز العبودية والمهانة بعد أن سار جيراننا أخيراً على طريق الحرية والكرامة؟ للأسرة الحاكمة في الكويت ورقة طالما كانت رابحة، وهي هذا الإجماع الشعبي على شرعيتها التاريخية والدستورية في حكم البلاد، فلماذا هذا الإصرار على إيذاء النفس وتمزيق الورقة الرابحة؟ ما الحكمة في تحدّي إرادة الأمة في زمن لا تعلو إرادة فيه على إرادة الأمة؟
ليس من حق السلطة أن تحدد لأفراد الشعب كيفية اختيار من ينوب عنهم تحت قبة البرلمان، فهذا حق أصيل للشعب وحده، ولست أدري بأي شريعة يكون انتهاك الحقوق ضرورة؟ ثم إننا لم ننعم قط بحكومة ديمقراطية منتخبة، فهل يراد لنا أيضا أن نقبل صاغرين بمجلس أمة غير شرعي؟ لم ننعم قط برئيس ديمقراطي لمجلس الوزراء، فهل يراد لنا أيضا أن نقبل صاغرين برئيس غير شرعي لمجلس الأمة؟
قمع الشعوب ينطوي على مفارقة، فكلما أصرّت الأنظمة الحاكمة على وضع العثرات أمام تحرّر شعوبها، تسارعت وتيرة هذا التحرّر، ذلك أنّ السقوط بفعل التعثر يولّد دائما اندفاعا عنيفا نحو الأمام! القمع أسلوب ناجح على المدى القصير، وأسلوب فاشل على المدى الطويل، فالسلطة التي تستمرئ كسر العظام لا تفلح أبدا في جبر القلوب، ولا أصدق قولا من قول زفر بن الحارث في بيته المشهور:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا
لست أجد طريقة في الدفاع عن كرامة المواطن التي أهدرت مؤخرا سوى من خلال مقاطعة الانتخابات القادمة مقاطعة كاملة، ولست أجد طريقة في التعبير عن سخط المواطن على الأوضاع الراهنة سوى من خلال الخروج إلى الشارع في مظاهرات سلمية.
لا سلطة من دون مسؤولية، ولا مسؤولية من دون حكمة، ولا حكمة من دون تأمل عميق في واقع الأحداث.

الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

في رثاء صديق


وحدهُ الموت تِرياق كل الآلام، فالراغب في الموت راغبٌ عن الألم! مفارقة الألم نهايته وبدايته في آن واحد، فعلى فراش الموت يودع الألم أجساد الأموات ليسكن في قلوب أحبابهم!

أقسى الفجائع تلك التي تأتي مباغِتة، وأشد الآلام تلك التي تتسلّل صامِتة، وأصدق الدموع تلك التي تنهمر خِفية! قاسى “ابن الرومي” الفجيعة بعد أن فقد أحد أبنائه، وتألمت “الخنساء” بصمت بعد أن استشهد أبناؤها الأربعة، وبكى “جرير” في الخفاء بعد أن اختطف الموت زوجته وأم أولاده!
أنْ تفقد إنساناً عزيزاً على قلبك يعني أن تحجز لنفسك مقعداً في قطار الألم، وقطار الألم له محطّات: في المحطّة الأولى، تُنكر وجودك على متن القطار، لأنك تأبى الاعتراف بأحكام القدر، وفي المحطّة الثانية، لا ترى شيئاً من خلف الزجاج، لأن كل الأشياء من حولك أضحت بلا معنى، وفي المحطة الثالثة، لا يصل إلى مسامعك سوى صدى هدير القطار، فأنت منهمك في نشر أوجاعك على حبل الذكريات!
براءة الأطفال لها ما يبررها، فالطفل يجهل أن الموت فراق أبديّ، وبراءة المؤمنين لها ما يبررها، فالمؤمن يحلم دائماً بلقاء جديد، وبراءة المجانين لها ما يبررها، فالمجنون لا يفقه قواعد اللعبة، وما الحياة سوى لعبة، لها بداية ونهاية، وفيها مرح وترح، وتكسوها الأمانة حيناً، ويغشاها الخداع أحيانا كثيرة!
تمر الفصول ويبقى الألم، تهاجر الطيور ويستوطن الألم، تتكرر الألحان ويتجدد الألم! وحدهُ الموت تِرياق كل الآلام، فالراغب في الموت راغبٌ عن الألم! مفارقة الألم نهايته وبدايته في آن واحد، فعلى فراش الموت يودع الألم أجساد الأموات ليسكن في قلوب أحبابهم!
في تجرع مرارة الألم تذكرة للأحياء أنهم مازالوا أحياءً، وهذه هي فضيلة الألم اليتيمة!

الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

اللهجات وأبعادها السياسية والاجتماعية


في أول يوم عمل لي، ذهبت إلى إحدى الإدارات لاستلام هوية العمل، وجدت هناك موظفتين، وبعد حوار قصير بيني وبين الموظفة الأولى، بادرتني الموظفة الأخرى بالسؤال التالي: عفواً، حضرتك كويتي؟ قبل أن أجيب عن سؤالها، بادرتني بالتعليل التالي: لهجتك لا تبدو كويتية! إزاء هذه الملاحظة “العميقة”، سألتها: وكيف تبدو لك لهجتي؟ فأجابت بتردد: لا أدري، ربما هي لهجة بدوية!
حاولت أن أشرح لها ما يتضمنه كلامها من افتراضات ضمنية مغلوطة، فقلت: من الواضح أن كلامك مبنيّ على افتراضين: الأول، هو وجود تضاد بين ما تسمينه “اللهجة الكويتية” واللهجة البدوية، والافتراض الثاني هو أن من المستحيل أن يكون شخص ما كويتياً ويتحدث بلهجة بدوية! إذا قبلنا بصحة هذين الافتراضين، فإن ما يترتب على كلامك هو أنك لست بدوية، لأنك لا تتحدثين بلهجة بدوية، أليس كذلك؟، أجابت الموظفة بثقة تحسد عليها: بكل تأكيد! تابعت حديثي لأقول: لكن لاحظي أن هذا يعني أيضاً أنني لست كويتياً، لأني لا أتحدث “اللهجة الكويتية”، فهل هذا ما أردت قوله؟!
يقول عالم اللغة الاجتماعي، ماكس فاينرايخ: “اللغة هي لهجة مدعومة بقوات مسلحة”! بمعنى أن اللهجة المهيمنة أو السائدة في أي مجتمع تعكس لهجة أولئك المسيطرين على زمام الأمور، سواء من خلال الاقتصاد أو التعليم أو وسائل الإعلام بأشكالها كافة، لكن الهيمنة اللغوية لا تعني الاعتراف بلهجة واحدة فقط وإقصاء بقية اللهجات.
في كل دولة مدنية، هناك سياسة لغوية تضع تصوراً للغات أو اللهجات الرسمية للدولة، مع عدم إغفال رعاية الحكومة للغات واللهجات غير الرسمية، ذلك أن التعدد اللغوي يمنح الدولة بعداً جغرافياً وعمقاً تاريخياً، كما أنه يعكس مقدار التسامح السائد بين أفراد المجتمع الواحد. لكن في الكويت، و في ظل شعار “الوحدة الوطنية”، أصبح مفهوم “الوحدة” يعني توحيد ملامح الإنسان الكويتي على مستوى اللهجة، والملبس، وحتى التفكير!
هل هناك فعلا لهجة كويتية؟ “اللهجة” مفهوم لغوي، و”كويتي” مفهوم سياسي، ومن الخطأ الجمع بين المفهومين من الناحية العلمية، فجغرافيا اللغة شيء وجغرافيا الوطن شيء آخر، ذلك أن الحدود اللغوية بين لهجة وأخرى لا تتطابق بالضرورة مع الحدود السياسية بين دولة وأخرى، والسبب في ذلك بسيط ومباشر، فتاريخ تطور اللغات واللهجات سابق زمنياً لتاريخ تطور الكيانات السياسية، ولو كانت المطابقة بين الحدود اللغوية والحدود السياسية شرطاً أساسيا لقيام أي دولة، لما قامت دول كثيرة، ومن ضمنها الكويت!
ليست هناك لهجة كويتية، بل لهجات متعددة تقع ضمن الحدود السياسية لدولة الكويت، منها لهجات بحرية تشترك في بعض خواصها اللغوية مع اللهجات البحرية على ساحل الخليج، ومنها لهجات صحراوية تشترك في بعض خواصها اللغوية مع لهجات الجزيرة العربية والأقاليم الشمالية. إن هذا التعدد اللغوي، مثل أي تعدد، مدعاة للفخر وخليق بالاعتزاز، لا أن يكون موضوعاً للفرقة والنزاع.
عندما تتحدث، فإن لسانك لا يعبر عن شخصيتك فحسب، بل عن آمال طبقتك الاجتماعية وطموحاتها، وهي آمال وطموحات مشروعة بالقدر الذي تكون فيه آمال الطبقات الاجتماعية الأخرى وطموحاتها مشروعة. هناك- مع الأسف- من يظن أن لسانه هو فقط من يعبّر عن هوية الدولة، وفي هذا الظن إقصاء غير مبرر، وهناك أيضا من يظن أن الانتقال من منطقة سكنية إلى أخرى يستلزم استبدال اللهجة اللغوية بأخرى، وفي هذا الظن استجداء بغيض للقبول الاجتماعي، وتنازل غير مبرر لحقوق طبقة اجتماعية بأكملها!

الأربعاء، 3 أكتوبر، 2012

حول الالتباس في معنى الديمقراطية


ما الذي يجعل مفهوم “الديمقراطية” عصيّا على الفهم بالرغم من وضوح أصله اللغوي، وبالرغم من أنه يحظى بقبول عام بين التيارات السياسية الفاعلة كافة، وبالرغم من أنه من أكثر المفاهيم السياسية شيوعاً بين الناس عامة؟ سألت نفسي هذا السؤال بعد أن قرأت منذ أيام تصريحا لإحدى النائبات الفاضلات تعرب من خلاله عن “استغرابها من اعتقاد الكثير من نوابنا الأفاضل، بكل أسف، أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية”!
إن ما يثير الاستغراب حقا هو أن يخرج مثل هذا التصريح من أكاديمية متخصصة تحديداً في الفلسفة السياسية، فإذا كان معنى الديمقراطية ملتبساً عند أستاذة الفلسفة السياسية، فماذا عسانا أن نقول عن أولئك من غير ذوي الاختصاص، فضلاً عن أولئك من غير المتعلمين؟
الديمقراطية تعني اصطلاحياً حكم الشعب، وتعني عملياً حكم الأغلبية، ذلك أن الشعب هو مجموع أفراده، وفرصة إجماع أفراد الشعب جميعهم على قرار أقل بكثير من فرصة إجماع أغلبهم على القرار نفسه، مما يعني أن الديمقراطية هي عمليا حكم الأغلبية. إذن، ما الذي أثار استغراب النائبة الفاضلة تحديداً؟ لنلق نظرة على معنى الديمقراطية بالنسبة إليها.
تقول النائبة الفاضلة إن “النظام الديمقراطي يقوم بالأساس على حفظ حقوق الأقلية والدفاع عن حقوق وحريات الأفراد بكل أطيافهم…”! لا أدري من أين استدلت أستاذة الفلسفة السياسية على مفهوم الديمقراطية هذا، فليس من بين ثنايا المفهوم أي إشارة إلى حقوق الأقلية أو الدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم، أضف إلى ذلك أن القبول بهذا المفهوم المغلوط للنظام الديمقراطي يتعارض مع حقيقة أن أثينا القديمة شهدت في حقبة من تاريخها نظاماً سياسياً قائما على ديمقراطية مباشرة لا تقيم وزناً للحريات الفردية أو حقوق الأقلية، كما يتعارض أيضاً مع حقيقة أن أوروبا شهدت بين الحربين العالميتين قيام أنظمة دكتاتورية على أساس ديمقراطي.
إن ديمقراطية أي قرار لا تضمن صوابه، فضلاً عن عدالته، لأن القرار الديمقراطي يعتمد فقط على عدد الأصوات، فلو اتخذ ثلاثة أشخاص قراراً بأغلبية عدد الأصوات يقضي بدفن الشخص الثالث حياً، فإن هذا القرار، بالرغم من وحشيته السافرة، قرار ديمقراطي بامتياز! ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة أن الديمقراطية، بالرغم من وصفها بأنها نقيضة لدكتاتورية الفرد، فإنها ليست نقيضة للدكتاتورية بكل أشكالها، فالديمقراطية التي لا يكبح جماحها سوى إرادة الأغلبية ليست سوى وجه آخر من وجوه الدكتاتورية.
سبق أن أشرت في مقال سابق إلى حقيقة أن الديمقراطية مثل الدكتاتورية، فكلاهما يعبر عن طريقة معينة في كيفية اتخاذ القرار، أما صواب القرار ذاته ومدى عدالته فيحددهما الدستور، وعندما لا يحظى الدستور بالقدر الأدنى من الاحترام، فإن مشروعية أي قانون تخضع إلى المزاج الفردي لدكتاتور أو إلى المزاج الجماعي لأغلبية دكتاتورية.
القضايا العادلة لا تُكسب على يديّ محام فاشل، وقضية الدفاع عن الحريات وحقوق الأقليات قضية عادلة بلا شك، لكن الدفاع عنها من خلال مفهوم مغلوط عن الديمقراطية يؤدي حتماً إلى فشلها. كان الأجدر بالنائبة الفاضلة أن تكتفي بالإشارة إلى تفعيل الدستور، لا أن تقدم مفهوماً مغلوطاً عن معنى الديمقراطية، فالدستور لا يحمينا فقط من استبداد السلطة الحاكمة عن طريق ضمان حقوقنا السياسية، بل إنه يحمينا أيضاً من استبداد الأغلبية من خلال ضمان حقوقنا المدنية.
إن أكثر أداة غير ديمقراطية هي الدستور، وهذه مفارقة، ولكنها مفارقة تنطوي على حقيقة مهمة، فالدستور لا يحترم ولا يقر رأي أغلبية تهضم أبسط الحقوق الأساسية لمواطن واحد، فضلاً عن أقلية.

الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

منطق الإشادة بنزاهة القضاء


ما إن أصدرت المحكمة الدستورية قرارها برفض الطعن الحكومي في قانون الدوائر الانتخابية حتى تعالت الأصوات من كل الجهات، المعارضة للحكومة والموالية لها على حد سواء، مشيدة بنزاهة القضاء الكويتي، لكن ما فات هؤلاء وأولئك- مع الأسف الشديد- هو أن هذه الإشادة تنطوي في حقيقة الأمر على تشكيك ضمني في نزاهة القضاء! كي أدلل على صحة هذه الحقيقة لا بد أولاً من تقديم شرح مبسط لحجة منطقية تعرف باسم “رفع التالي” أو modus tollens.
إذا كانت “س” ترمز إلى جملة “اليوم يوم عيد”، وإذا كانت “ص” ترمز إلى جملة “اليوم يوم عطلة”، فإن التقرير الشرطي “إذا س، فإن ص” يرمز إلى جملة “إذا كان اليوم يوم عيد، فإن اليوم يوم عطلة”. إذا سلمنا بصحة هذه الجملة كقانون عام، ثم اكتشفنا أن “ص” غير صحيحة، أي أن “اليوم لم يكن يوم عطلة”، فإن الاستنتاج المنطقي يشير إلى أن “س” غير صحيحة، أي أن “اليوم ليس يوم عيد”.
بمعنى آخر، التقرير الشرطي “إذا كانت س صحيحة، فإن ص أيضا صحيحة” يؤدي منطقيا إلى التقرير الشرطي “إذا كانت ص غير صحيحة، فإن س أيضا غير صحيحة”، ذلك أن كلتا الجملتين متساويتان أو متكافئتان من الناحية المنطقية.
على ضوء هذا المثال، يمكن لنا الآن أن نرى بوضوح السبب في أن الإشادة بنزاهة القضاء في موضوع الدوائر الانتخابية تنطوي في حقيقة الأمر على تشكيك ضمني في نزاهة القضاء، ذلك أن القول إن قرار المحكمة الدستورية الأخير دليل على نزاهة القضاء يشير في واقع الأمر إلى التقرير الشرطي التالي: “إذا كان القضاء نزيها، فإن المحكمة الدستورية سترفض الطعن الحكومي بقانون الدوائر الانتخابية”، مما يعني منطقيا أنه لو جاء قرار المحكمة مؤيداً للطعن الحكومي، فإن النتيجة الحتمية هي أن القضاء لم يكن نزيهاً!
من جهة أخرى، هل قرار المحكمة الدستورية الأخير يبرهن منطقيا على نزاهة القضاء؟ إذا أجاب القارئ عن هذا السؤال بـ”نعم”، فإنه سيرتكب مغالطة منطقية تعرف باسم “تأكيد التالي” أوaffirming the consequent، وهذا ما يتضح من خلال العودة إلى مثالنا السابق، فإذا سلمنا بصحة جملة “إذا كان اليوم يوم عيد، فإن اليوم يوم عطلة”، ثم اكتشفنا أن اليوم هو فعلاً يوم عطلة، فإنه من غير المنطقي أن نستنتج أن اليوم هو يوم عيد أيضاً، لأن أسباب العطلة لا تقتصر فقط على مناسبة العيد! بالمثل، إذا قبلنا بصحة جملة “إذا كان القضاء نزيها، فإن المحكمة الدستورية سترفض الطعن الحكومي بقانون الدوائر الانتخابية”، ثم جاء قرار المحكمة رافضا الطعن الحكومي، فإنه من غير المنطقي أن نصل إلى استنتاج يفيد بنزاهة القضاء، لأنه قد تكون هناك أسباب أخرى أدت إلى خروج قرار المحكمة بهذا الشكل، مثل تفادي ردة فعل الشارع السياسي.
إن نزاهة القضاء لا تقاس بنتائج أحكامه، بل بفحص الآلية التي يصل القضاء من خلالها إلى تلك الأحكام. عندما ندلل على نزاهة القضاء من خلال نتائج أحكامه، فإن المحصلة هي أن نزاهة القضاء تصبح عرضة للتشكيك الضمني أو التصديق اللامنطقي!

الاثنين، 23 يوليو، 2012

بريطانيا العظمى والأسرة الحاكمة (3)

ضمن الوثائق البريطانية، هناك تقرير مطوّل حول الأوضاع الداخلية للإمارات الخليجية، أعدّه مكتب وزير الخارجية البريطاني في 7 يونيو من عام 1957، والفقرة التالية هي من ضمن ما جاء فيه: “عاجلا أو آجلا، ستصبح المطالبات الشعبية بالإصلاح أكثر قوة وإلحاحا بحيث تفرض تغييراً في النظام الأبوي الحالي الذي يسود نظم الحكم في المنطقة، ونأمل أن تتحلّى الأسر الحاكمة بقدر من الشجاعة والحكمة للتوصل إلى رأي معتدل يتيح لها التعامل مع تلك المطالب الشعبية، وبهذه الطريقة ستتمكن من تفويت الفرصة على قوى المعارضة ومنعها من محاولة قلب أنظمة الحكم في المنطقة، وهو احتمال قائم سيستدعي في حالة حدوثه التدخل الفوري من جانبنا، وسيكون الخيار عندها صعبا جدا. ينبغى التذكير أن مقيمنا السياسي في المنطقة يعتقد أن الكويت هي المرشحة الأولى لمثل هذا السيناريو”.   ثم يشرح التقرير كيفية التعامل مع هذه المشكلة في الفقرة التالية: “لا بدّ من تشجيع حكّام الخليج على تأسيس حكمهم على قبول شعبي واسع بقدر الإمكان لضمان بقائهم في سدة الحكم، مع التأكيد طبعا على ضرورة تجنب أي تدخل بريطاني مكشوف في الشؤون الداخلية، كما لا بدّ من اقتناص أي فرصة سانحة في استخدام علاقتنا مع هؤلاء الحكّام باتجاه دفعهم إلى تبني سياسات تضمن كفاءة الحكومة إلى جانب مشاركة شعبية نسبية في شؤون الحكم”. تؤكد الوثائق البريطانية أيضا حقيقة أنّ الكويت قامت فعلا بخطوات عملية في هذا الاتجاه تحت قيادة الشيخ عبدالله السالم، فهناك إشارة إلى دعوة وجّهها الشيخ في عام 1959 إلى رجل القانون الشهير عبدالرزاق السنهوري لزيارة الكويت والمساهمة في تطوير نظامها القانوني ووضع دستور للكويت، كما تشير الوثائق أيضا إلى مباركة البريطانيين لنهج عبدالله السالم في إنشاء “دولة رفاه حديثة” وإتاحة الفرصة في إقامة مجلس تأسيسي، وبالرغم من أهمية مثل هذه الخطوات العملية في استقرار نظام الحكم في الكويت، فإنها لم تكن لتزيل خشية البريطانيين من عدم استقرار الوضع الداخلي بعد انتقال الكويت من الحماية إلى الاستقلال، ففي وثيقة بريطانية مؤرخة بتاريخ 2 أكتوبر من عام 1961، أي بعد استقلال الكويت بأشهر معدودة، هناك قلق بريطاني واضح من عدم استقرار نظام الحكم: “المسار السياسي الوحيد الذي أمام الأمير (الشيخ عبدالله السالم) كي يقلل من التهديدات التي تحيق بالكويت هو أن يتبنّى سياسة من شأنها تعزيز قوة نظام حكمه داخليا، وجعله مقبولا لدى الرأي العام في داخل الكويت وخارجها. بالرغم من أنّ الكويت تحوّلت فعلا إلى دولة رفاه، فإنّ إدارتها لشؤون الدولة مازالت قريبة من الإدارة الإقطاعية، لكنّ الأمير الآن مصمم على تحديث إدارته للبلاد بالتعاون مع بعثة البنك الدولي التي وصلت إلى الكويت مؤخرا. إنّ المحاولات السابقة في إرساء دعائم الديمقراطية لم تسفر عن نتائج ملحوظة، لكن تم الإعلان مؤخرا عن نبأ إقامة انتخابات لمجلس تأسيسي في ديسمبر المقبل”. ثم تنتقل الوثيقة البريطانية إلى مناقشة تأمين الوضع الخارجي للكويت بعد استقلالها، خصوصا تلك المتعلقة بالخطر القومي: “إن سياسة الكويت الاستثمارية في الدول العربية أمر بالغ الأهمية، ففي الوقت الراهن (1961) تتمركز معظم استثمارات الكويت في سوق لندن، والقليل المتبقي منها يذهب إلى أميركا وغرب أوروبا، وأما الدول العربية فلا تستفيد من هذه الاستثمارات إلا بالقدر الضئيل جدا. لطالما كانت هذه الحقيقة محلّ عتب شديد من قبل الأنظمة العربية، ومن الواضح أن السلطات الكويتية تفكر جديا الآن في زيادة حجم استثماراتها في الدول العربية. إن تعزيز مثل هذا البرنامج الاستثماري بأموال كويتية ضخمة من شأنه دعم استقرار الكويت، خصوصا من جهة الجمهورية العربية المتحدة والأردن اللتين هما في حاجة ماسة إلى تمويل خارجي، وبالتالي من شأن هذا البرنامج الاستثماري الحد من خطر المد القومي على الكويت وتقليص التذمر العربي من مصالحنا الاقتصادية والنفطية في الكويت”. إلى جانب الأفكار الوقائية السابقة التي تهدف إلى تأمين انتقال الكويت من الحماية إلى الاستقلال تحت حكم أسرة الصباح، تشير الوثائق البريطانية أيضا إلى خطة توفير قوة عسكرية بريطانية قادرة على ردع أي عدوان خارجي على الكويت، خصوصا في ظل التهديدات العراقية بعد نجاح ثورة عبدالكريم قاسم في 14 يوليو من عام 1958، والمساهمة أيضا في تدريب عناصر الجيش الكويتي بطريقة تضمن صموده لمدة 36 ساعة فقط أمام أي عدوان عراقي محتمل، وهي المدة اللازمة قبل جلب القوة البريطانية المرابطة في البحرين. أخيرا، ينبغي الإشارة إلى أن كل هذه الأفكار الوقائية تحققت على أرض الواقع، وهو أمر لا يكشف فقط عن حجم المنفعة المتبادلة بين أسرة الحكم وبريطانيا، بل يشير أيضا إلى صورة مغايرة عن الشيخ عبدالله السالم، صورة تختلف كثيرا عن تلك التي نجدها في كتب التاريخ المحلية، وسنحاول أن نستكشف ملامح هذه الصورة في مقال قادم تحت عنوان: “عبدالله السالم: الوجه الآخر”.

الأربعاء، 18 يوليو، 2012

بريطانيا العظمى والأسرة الحاكمة (2)


في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، كانت بريطانيا تتعرض لضغوط هائلة للتخلّي عن سياستها الاحتكارية في منطقة الخليج، فمن جهة هناك الولايات المتحدة الأميركية التي لم تكن لترضى بأقل من نصيب الأسد في خيرات الخليج، ومن جهة أخرى هناك المد القومي الذي اجتاح دول المنطقة ولامس قلوب شعوبها، وقد عبّر عن هذه الضغوط الخارجية وزير الخارجية البريطاني آنذاك “سلوين لويد” بقوله: “إذا لم نخط إلى الأمام، فسيجبرنا الآخرون على فعل ذلك”، والخطوة إلى الأمام كانت تعني التفكير المتعمق بمستقبل المنطقة، أي بكيفية الانتقال من مرحلة الحماية البريطانية إلى مرحلة استقلال الإمارات الخليجية، وتكشف الوثائق البريطانية عن انقسام حاد حول هذه النقطة، فبينما كان يرى ممثلا بريطانيا في بغداد وطهران أن الوقت قد حان لمنح الإمارات الخليجية استقلالها من خلال إقامة فدرالية خليجية، كان المقيم البريطاني في البحرين مخالفاً لهذا التوجه، لكن الطرفين اتفقا على أنه إذا كان لا بد من منح هذه الدويلات استقلالها، فعلى بريطانيا أن تحافظ على بقاء هذه الدويلات بطريقة تضمن استمرار التأثير البريطاني وحماية مصالح “حكومة جلالة الملكة”، الأمر الذي يعني- حسب الوثائق البريطانية- حماية هذه الدويلات بعد استقلالها من الأخطار الخارجية، كأن يتم ضمها إلى دول مجاورة مثل العراق والمملكة العربية السعودية، ومن الأخطار الداخلية، كأن تتعرض الأسر الحاكمة إلى محاولات انقلاب تحت تأثير المد القومي.
أمام هذا الاختلاف في الرأي حول مستقبل الإمارات الخليجية، حاول وزير الخارجية “سلوين لويد” أن يقدم رأياً متوازناً، ولعل من المفيد أن أنقل وجهة نظره هنا من الإنكليزية إلى العربية مع مقدار بسيط من التصرف لضرورات الترجمة:
“في رأيي، لا بد أن نتخذ منهجاً وسطاً مع ميل بسيط إلى وجهة نظر المقيم السياسي في البحرين. أنا لست مع فكرة إقامة فدرالية خليجية لأن حكام الخليج أنفسهم ضد هذه الفكرة، كما أني ضد أن تنضم هذه الدويلات بعد استقلالها إلى “معاهدة بغداد” للسبب نفسه، بالإضافة أيضاً إلى أننا لا نريد أن نواجه ردّة فعل في الكويت كتلك التي واجهناها في الأردن في عام 1955. لكن، من جهة أخرى، أعتقد أن علينا أن نكون أكثر واقعية، فالعالم يتغير من حولنا، ولهذا السبب علينا أن نكون مستعدين لإحداث تغييرات في سياستنا في المنطقة بطريقة تتناسب مع حجم التغيرات العالمية”.
كان مستقبل العلاقات البريطانية مع الكويت أكثر إلحاحاً من مستقبل علاقات بريطانيا مع الإمارات الخليجية الأخرى، ففي عام 1957 كانت الكويت تنتج حوالي 54 مليون طن من النفط، أي ثمانية أضعاف حصة كل من البحرين وقطر من إنتاج النفط، وأما ما كانت تسمى آنذاك بـ”دول المعاهدة” (الإمارات العربية المتحدة) فلم تكن منتجة للنفط. كانت حصة الكويت من إنتاج النفط تذهب مناصفة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وأما الإيرادات فكانت توازي 109 ملايين جنيه إسترليني، أي خمسة أضعاف إيرادات النفط في كل من البحرين وقطر.
كانت بريطانيا تخشى من توتر علاقاتها مع الشيخ عبدالله السالم بعد مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر، لكن تبين لها أن خشيتها لم يكن لها ما يبررها، فها هو المقيم البريطاني يؤكد في وثيقة سرية بتاريخ 7 يونيو من عام 1957 ما يلي: “لا يبدو أن مشاركتنا في التدخل في مصر أثرت كثيراً على علاقتنا مع حكام الخليج، وقد قدم حاكم الكويت (الشيخ عبدالله السالم) دليلاً على ذلك من خلال مقابلتنا معه في الآونة الأخيرة، فقد طلب منّا النصيحة حول مسألة توارث الإمارة واستعرضنا معه عدداً من المرشحين في خلافته في الحكم، كما أنه أبدى ارتياحه من طريقة استثمار الأموال الكويتية في لندن”.
كانت بريطانيا تخشى من الفشل في تأمين انتقال الكويت من الحماية إلى الاستقلال، والوثائق البريطانية تكشف عن مجموعة من الأفكار الوقائية لتأمين هذا الانتقال، مثل فكرة إنشاء صندوق كويتي للتنمية العربية لكسب ودّ الحكومات العربية وشعوبها، والحرص على دعم حكم أسرة الصباح من خلال تعزيز صورة الكويت كدولة رفاه لتفويت الفرصة على “البروباغندا القومية” من استمالة قلوب الكويتيين، والسماح بوجود ديمقراطية محدودة من خلال إنشاء مجلس للأمة، وتوفير قوة عسكرية بريطانية قادرة على ردع أي عدوان خارجي على الكويت. سوف نتطرق إلى هذه الأفكار وغيرها في المقال القادم.
يتبع،،،

الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

بريطانيا العظمى والأسرة الحاكمة (1)

لبريطانيا العظمى أسلوبها المعروف في السيطرة على أيّ موقع جغرافي، فهي تبدأ أولاً بتحديد القيمة الاستراتيجية للبلد الذي تنوي السيطرة عليه، ثم تسعى بعد ذلك إلى إقامة علاقة وطيدة مع حاكم ذلك البلد، وقوام هذه العلاقة هو المنفعة المتبادلة بين الطرفين، فالحاكم سيضمن بقاءه في سدّة الحكم بالقدر الذي يتجاوب فيه مع المصالح البريطانية. أغلب البلدان التي دارت حول الفلك البريطاني استجابت لشروط هذه العلاقة، والكويت لم تكن استثناء.
كانت المصالح البريطانية في منطقة الخليج مجرّد مصالح تجارية في الأساس، وهذا ما تكشفه فحوى أولى الاتفاقيات التي وقعتها بريطانيا العظمى مع بعض الأسر الحاكمة في الخليج، فأعمال القرصنة التي اتخذت من ساحل الخليج مركزاً لها كانت تهدّد خط التجارة البحرية بين الهند وأوروبا، ممّا دفع البريطانيين إلى إرسال قوّة عسكرية إلى الساحل الإماراتي لتجفيف منابع القرصنة وحثّ حكّام المناطق المجاورة على التعاون معهم في التصدّي لهذه المشكلة. بعد أن أدركت بريطانيا أن دولاً استعمارية غيرها تهدف إلى بسط نفوذها على منطقة الخليج، تبدّل الطابع التجاري للمصالح البريطانية إلى طابع استراتيجي، فلجأت إلى نوع آخر من الاتفاقيات مع الأسر الحاكمة في المنطقة، وهي اتفاقيات تضمن جميعها بسط نفوذ بريطانيا وحدها على منطقة الخليج، ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقيات التي وقّعها الشيخ مبارك الصباح مع بريطانيا العظمى تصب جميعها في هذا الاتجاه، فعلى سبيل المثال، تضمنت اتفاقية عام 1899 تعهّد الشيخ مبارك “بالالتزام في عدم السماح لأي ممثل عن أي سلطة أو حكومة خارجية بدخول الكويت، أو الإقامة ضمن حدودها، من دون إذن مسبق من طرف الحكومة البريطانية”، كما تضمنت اتفاقية عام 1907 حقّ بريطانيا في رفض فكرة أن تكون الكويت امتداداً لمشروع خط سكة الحديد بين برلين وبغداد، وهو الأمر الذي يكشف حرص بريطانيا على قطع الطريق أمام ألمانيا كي لا تجد موضع قدم لها في منطقة الخليج.
بطبيعة الحال، لم تكن السياسة الاحتكارية التي انتهجتها بريطانيا في الخليج من دون مقابل، فالأسر الحاكمة حصلت على وعود بريطانية بضمان بقائها في السلطة، وبالرغم من أنّ اتفاقية عام 1899 خلت من أيّ تعهّد بريطاني في حماية الكويت أو حكّامها، فإنّ هذه الحماية كانت متوافرة بصورة ضمنية من خلال التعهد الذي قدمه الشيخ مبارك للبريطانيين وإعطائهم مطلق الحرية في إدارة شؤون الكويت الخارجية، وفي مقابل ذلك تعزّز حكم الشيخ مبارك، ففي ظلّ الحماية البريطانية لم يعد يخشى من ردّة فعل الإمبراطورية العثمانية إزاء الطريقة التي وثب بواسطتها إلى السلطة.
بعد اكتشاف النفط في الكويت في العقد الثاني من القرن العشرين، تعزّزت السياسة الاحتكارية البريطانية، وتعزّزت معها الرغبة البريطانية في المحافظة على استمرار الأسرة الحاكمة في البقاء على رأس السلطة في مقابل الامتيازات النفطية المعروفة واحتفاظ الكويت بكميات كبيرة من الجنيه الإسترليني لدعم الاقتصاد البريطاني، بالإضافة أيضا إلى استثمارات هائلة في العاصمة البريطانية بأموال كويتية، ولم يعكّر صفو هذه العلاقة القائمة على المنفعة المتبادلة سوى وصول المد القومي إلى الكويت بعد الثورة الناصريّة في مصر، وهذا ما تؤكده الفقرة التالية التي جاءت في إحدى المراسلات السرية البريطانية ضمن الأرشيف البريطاني:
“ليس لدينا خيار سوى محاولة انتهاج سياسة حذرة في الوقت الراهن. إذا جاءت رياح التغيير إلى هنا (الكويت)، فعلينا أن نبذل كل ما بوسعنا لضمان مصالحنا، مما يجعل لزاما علينا أن نحرص على وقاية الأسرة الحاكمة من رياح التغيير في المنطقة، أو من احتمالية تبنّي الأسرة الحاكمة للأفكار القومية على حساب تقاربها معنا”.
يتبع،،،

الأربعاء، 11 يوليو، 2012

التاريخ لا يعيد إنتاج الملوك


قراءة التاريخ السياسي العالمي تجلب الاكتئاب لذوي الدماء الزرقاء، فعدد الأنظمة الملكية في تناقص عبر التاريخ، وهذه هي سنّة الحياة، فالتاريخ لا يعيد إنتاج الملوك (ربما تكون إسبانيا الاستثناء الوحيد، وأما حالة البحرين فلا تعدو أن تكون مجرّد إعادة صياغة للألقاب)، وهذه الحقيقة ما فتئت تطرح سؤالاً ملحّاً أمام من تبقّى من ملوك العصر الحاضر: كيف يمكن الاستمرار في البقاء على قمة الهرم؟
في أوروبا، كان هناك من الملوك ممن أرادوا البقاء على قمة الهرم بأيّ ثمن، فكان لهم ما أرادوا بعد أن تنازلوا عن السلطة السياسية مع الاحتفاظ بالوجاهة الشكلية، وأمّا أولئك الملوك الذين طغوا واستكبروا، فكان مصيرهم أنْ لفظهم الشعب، وطواهم التاريخ، وصاروا نسياً منسيّا! تلك كانت نتيجة طبيعية لعملية تاريخية بدأت مع زلزال “التنوير الأوروبي” ومازالت مستمرة إلى عصرنا الحاضر، فالعقل الأوروبي شبّ عن الطوق منذ القرن الثامن عشر ولم يعد مستعدّا للخضوع لأيّ سلطة من دون تبرير مقنع، والتبريرات التقليدية لم تعد تنفع، فالحق الإلهي للملوك في الاحتفاظ بالسلطة أصبح مجرّد أسطورة لا تتناسب مع عقل ذي مزاج علماني، وخصال “الفروسية” و”الشهامة” و”الشجاعة”، أي خصال الملوك المؤسسين، ربما وافقت مزاج المجتمعات البدائية التي هي دوماً في حاجة إلى راعٍ يرعاها، لكنها لم تعد تصلح كمبرّرات مقنعة لاعتلاء السلطة في مجتمع مدنيّ حرّ ومتحضّر.
نعم، ربّما أزعجت قراءة تاريخ الأمس ملوك اليوم، لكنهم سيحسنون صنعا لأنفسهم ولشعوبهم لو أنهم تحاملوا على أنفسهم قليلاً وقرؤوا تاريخ الأنظمة الملكية، ولعلّ الأسر الملكيّة في منطقة الشرق الأوسط هي المعنيّة أكثر من غيرها في قراءة هذا التاريخ، ذلك أنّ بقاءها في السلطة هو إلى اللغز أقرب منه إلى أيّ شيء آخر، فهو بقاء يكاد يتحدّى حركة التاريخ!
لننظر، على سبيل المثال، إلى دول الخليج، ولنطرح السؤال التالي: كيف تمكنت الأسر الحاكمة في هذه الدول من الاستمرار في البقاء على هرم السلطة؟ هذا سؤال شائك جدّا، فالإجابة عنه تتطلّب أولاً النظر إلى الظروف الداخلية لكل دولة على حدة، وتتطلّب ثانياً تقسيم الحقبة الزمنية إلى ما قبل اكتشاف النفط وما بعده، وتتطلّب ثالثاً الوقوف على علاقة كل أسرة حاكمة على حدة مع القوى الكبرى التي هيمنت على منطقة الخليج لفترة زمنية طويلة، وبالأخص الإمبراطورية العثمانية وبريطانيا العظمى، لكن بإمكاننا أن نعثر على إجابة جزئية عن هذا السؤال من خلال التركيز على حالة الكويت في محاولة للتعرّف على الظروف الموضوعية التي ساهمت ولا تزال في بقاء الأسرة الحاكمة على قمة هرم الحكم طوال القرون الماضية، وهذا هو موضوعنا في المقال القادم.

الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

الإمارة الدستورية ولغة التخوين


يبدو أن لغة التخوين هي السائدة في الساحة السياسية المحلية، فالمطالبة المشروعة بإمارة دستورية حقيقية لا يُنظر إليها بوصفها خطوة مهمة على طريق الإصلاح السياسي، بل مجرّد مطالبة مشبوهة باغتصاب الحكم من أسياده! لكن من هم أسياد الحكم حسب الدستور؟ المادة (6) من الدستور تنص على أنّ الشعب “مصدر السلطات جميعا”، والشعب هو أنت وأنا، إنه نحن! إذا كان هذا صحيحاً، وهو صحيح من الناحية النظرية على الأقل، فإنّ المنطق لا يقف إلى جانب أصحاب لغة التخوين (وما أكثرهم هذه الأيام!)، ذلك أنّ من يطالبون اليوم بإمارة دستورية حقيقية يمثّلون شريحة كبيرة نسبياً من الشعب، والشعب هو السلطة، ومن يملك السلطة لا يطلبها، فمثلما أنّ فاقد الشيء لا يعطيه، فإنّ مالك الشيء لا يطلبه.
لكن لو نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، أي من ناحية عمليّة محضة، فإن لغة التخوين تبدو منطقية جدّا! إنّ اتهام المطالبين بإمارة دستورية بالسعي إلى انتزاع السلطة يتضمّن افتراضا مفاده أنّ الشعب لا يحكم، وهو افتراض صحيح، فنحن في واقع الأمر لا نحكم إلاّ من خلال البرلمان، وسلطة البرلمان محدودة جدّا إذا ما قيست بسلطة البرلمان في النظم الديمقراطية الحقيقية، بل إنّ الدستور الكويتي نفسه يضفي مشروعية على ضعف سلطة البرلمان من خلال الاستدراك الذي تحتويه المادة (6) من الدستور، والذي يشير إلى أنّ ممارسة الشعب لسلطته يجب أن تكون حسب الوجه المبيّن بالدستور، ولا حاجة إلى تذكير القارئ بالحجم المتواضع للسلطة التي يمنحها الدستور للشعب!
إذا كانت لغة التخوين تستند إلى افتراض صحيح، فهل هذا يعني أنّ أصحابها على صواب؟ السؤال نفسه بصيغة أخرى: إذا كان الشعب لا يحكم، فهل المطالبة بإمارة دستورية خيانة عظمى؟ لنفترض أنّ ثمّة خيانة فعلاً، ولنطرح السؤال البسيط التالي: خيانة بحقّ من تحديداً؟ بحقّ الوطن؟ ما الوطن إلاّ نحن، وبالتالي إذا كان ثمّة خيانة، فلا بدّ أن تكون خيانة بحقّ الذات، لكن هناك فرق شاسع بين خيانة الذات وتطويرها، فالمطالبة بإمارة دستورية حقيقية ليست سوى تطوير لذات الوطن، أي لذواتنا نحن أفراد الشعب! هل هي خيانة بحقّ الأجيال السابقة؟ لكن من تواضعوا على صياغة الدستور أقرّوا هم أنفسهم تطويره إلى المزيد من الحرّيات، والمطالبة بإمارة دستورية حقيقية تنسجم تماماً مع هذا المنحى، ثمّ من منحنا الحقّ في إجبار شباب اليوم على الالتزام باتفاق لم يكونوا أبداً طرفاً فيه؟
إنّ المطالبة بإمارة دستورية حقيقية خطوة مهمة على الطريق الصحيح، لكنها خطوة جبّارة تحتاج إلى المزيد من الجهد لتحقيقها، وهو جهد لا ينبغي أن يكتفي “برفع الشعارات السياسية”، بل يتجاوز ذلك إلى “المبادرة بالدعوة إلى نقاش عام جاد ومسؤول تشترك فيه القوى السياسية والشبابية كافة”، كما أشار زميلنا الفاضل الدكتور بدر الديحاني في مقال له هنا في “الجريدة” تحت عنوان “إمارة دستورية…كيف؟”، فمن يدري؟ ربمّا يتيح مثل هذا النقاش الفرصة أمامنا جميعاً إلى وضع تصوّر عام حول مفاهيم حيوية مثل “الإمارة الدستورية”، و”تداول السلطة”، وخصوصاً مفهوم “المجتمع المدني”، وهو المفهوم الذي يبدو أنّ أغلب التيارات الدينية لم تتمكن من استيعابه بعد!

الاثنين، 7 مايو، 2012

هل أتاك حديث النخبة المثقفة؟

المعرفة مسؤولية، والمثقف يتحلّى- على الأقل- بالقدر الأدنى من المعرفة، لذا فإن المثقف إنسان مسؤول. إذا مارس المثقف دوره في المجتمع بطريقة غير مسؤولة، فإن هذا يدل على أحد أمرين: إمّا أن تكون معرفته ناقصة على غير دراية منه، وإما أن يكون قد تنازل عن مسؤوليته بوعي تام وضمير مرتاح! ما يلي نماذج لبعض مثقفي النخبة في الكويت، وللقارئ حرية تصنيف هذه النماذج إلى صنفين: صنف الجهلة غير الواعين بجهلهم، وصنف العارفين ممن باعوا ضمائرهم للشيطان!
هناك من يحمل لقب “مفكّر كويتي”، بالرغم من أن آراءه الفكرية متناقضة، ومواقفه السياسية متخبطة، لكن هذا كله لا يهم، فالألقاب- كما نعلم- مجانية، بمعنى أنها لا تجبر حامليها على أن يكونوا أهلاً لها! وقف هذا “المفكر الكويتي” يخطب بأهل البحرين، فجاء خطابه طائفياً بامتياز، وملكياً بجدارة، ثم إنه لم يقف عند هذا الحد، بل جعل يؤلّب السلطة السياسية على “الصفويين”، أو “القرامطة الجدد” حسب تعبيره!
هناك أيضاً من حصل على جائزة “أفضل كاتب عربي”، بالرغم من أن أسلوبه في الكتابة أقرب إلى أسلوب العجائز، وأفكاره في مجملها مستوحاة من أحاديث الدواوين، لكن هذا كله لا يهم، فالجوائز من هذا النوع فخرية، بمعنى أن الغرض من منحها لا يختلف عن الغرض من منح شهادات الدكتوراه الفخرية! كتب “أفضل كاتب عربي” مقالاً يدافع فيه عن نائب دخل البرلمان في غفلة من الزمن، نائب أثبت أن التهريج بضاعة مربحة سياسياً، وأن الانحطاط في التفكير والأسلوب والسلوك وسيلة ناجحة لتسلق السلّم الاجتماعي!
هناك أيضا من يحمل شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة أجنبية، وبعد أن أقدم نفر من الجبناء على ضربه بشكل سافر، خرج الآلاف من الناخبين ليعيدوا الاعتبار إلى كرامته الإنسانية من خلال صناديق الاقتراع، ثم ما لبث بعد أن صار نائباً أن جعل العاطفة الدينية في مقام أرقى من الكرامة الإنسانية، مطالباً بإنزال عقوبة الإعدام بحق نفس بشرية، معرباً في الوقت نفسه عن اعتذاره “لخلو قانون الجزاء الكويتي من عقوبة مغلّطة” كعقوبة الإعدام “لمن يتعرض لذات الرسول”!
هناك أيضا من يحمل لقب “داعية إسلامي”، صاحب البرامج التلفزيونية التي طالما امتازت بالتهريج والإثارة، وصاحب المحاضرات الأخلاقية المتطفلة على المجمعات التجارية من جهة، والعابرة للقارات من جهة أخرى! إن فرصة العثور على هذا “الداعية الإسلامي” في المجمعات التجارية، أو على شاشات التلفزيون، أو حتى في “تويتر”، أكبر بكثير من فرصة العثور عليه في قاعات الدرس أو حتى في قسم الدراسات الإسلامية! لكن هذا كلّه لا يهم، فالدعوة إلى الله تستوجب تكبد كل أنواع المشقات، ومن ضمنها مشقتا الشهرة والمال! تخصص هذا “الداعية الإسلامي” في الخطاب العاطفي المفتقر إلى أدنى درجات العقلانية، وكأن بينه وبين العقل ثأراً شخصياً، فجعل يجلب أشباه العلماء ضيوفاً على مائدة برامجه التلفزيونية، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من الأكاذيب الرخيصة باسم العلم الحديث!
هناك أيضا من يحمل لقب “محلل اقتصادي”، بالرغم من أن معظم تحليلاته الاقتصادية مجرد سرقات أدبية صريحة من تقارير “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي”، لكن بوسعنا أن نستثني من تهمة السرقة جهده الواضح في ترجمة تلك التقارير إلى اللغة العربية، وهو جهد شخصي يستحق الشكر في حالة واحدة فقط: عندما يذكر المصادر التي استقى منها “تحليلاته الاقتصادية”، وقلما يفعل! لا يمل هذا “المحلل الاقتصادي” من ترديد اسطوانة أن رواتب العاملين في القطاع الحكومي أنهكت الباب الأول من الميزانية العامة للدولة، من دون أن يكلف نفسه مشقة الوقوف عند التفاصيل، فالشيطان يكمن في التفاصيل كما يقولون!
إذا كانت هذه هي النخبة المثقفة، وإذا كان لكل منهم مرديون، فكيف لا تحظى الخطابات الطائفية والعنصرية واللاإنسانية والرجعية والنيوليبرالية برواج كبير في مجتمعنا الصغير؟!

الجمعة، 27 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (5)


بعد أن انتهينا من الحديث عن البعدين التاريخي والنظري للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني، سنتطرّق الآن إلى البعد العملي لهذه العلاقة، وسيدور الحديث حول مفهوم واحد فقط، وهو ما يسمى بـ”العقلانية العملية”، ولهذا المفهوم– حسب “هاري جنسلر”– ثلاثة أركان: الركن الأول هو التحقق من الوقائع، والركن الثاني هو عنصر الخيال، والركن الأخير هو مبدأ الاتساق. سأوضّح المقصود بكل ركن على حدة مستعينا ببعض الأمثلة.
التحقق من الوقائع يشير إلى أبسط قواعد التفكير النقدي بوجه عام، والتفكير العلمي بوجه خاص، فالفرد الذي يفكّر بطريقة نقدية لا يصدر الأحكام قبل التيقّن من حقيقة الوقائع، ومثله في ذلك مثل العلماء في اختبارهم للفرضيات العلمية من خلال التجربة، وسبق أن أشرنا إلى أنّ الانتقال من مرحلة الفرضية إلى مرحلة التجربة يعبّر عن مسؤولية علمية، لذا فإن التحقق من الوقائع يعبّر أيضا عن مسؤولية الفرد عن الأحكام والآراء التي تصدر عنه.
عنصر الخيال له مظهران: المظهر الأول هو أن يطرح الفرد على نفسه السؤال الافتراضي التالي: ماذا لو كنت في مكان شخص آخر؟ مثلا، ماذا لو كنت، كمواطن كويتي، في مكان أحد الكويتيين “البدون”، أعيش في وسط أحياء فقيرة، وأتعرّض إلى الضرب والترويع والسجن والإهانة، وأكابد مشقة الحياة بشكل يوميّ؟ لاحظ أن هذا أكثر من مجرد اعتراف بالحقائق، فالخيال يجبرك على الإحساس بمعاناة الآخر، وهنا يكمن الشعار الحقيقي لأي مجتمع مدني: حق الآخر، وليس حقك أنت فقط! أما المظهر الثاني لعنصر الخيال فمرتبط بالإجابة عن السؤال الاستباقي التالي: ماذا يترتب على كل قرار أنوي اتخاذه؟ التمعّن في عواقب كل قرار شرط ضروري لسلامة أي قرار، فالإنسان العقلاني لا يتخذ قرارا قبل أن يتخيّل طبيعة ما يترتب على هذا القرار.
مبدأ الاتساق مبدأ منطقي، وهو يشير إلى ضرورة أن تكون الأفكار التي يتبناها الفرد متناسقة مع بعضها بعضا بحيث لا يكون هناك أيّ تعارض فيما بينها، ولهذا المبدأ المنطقي ما يقابله في علم الأخلاق، وهو ما يعرف بـ”القانون الذهبي” الذي ينص على التالي: عامل الناس كما تحب أن تعامل!
بعد هذا التوضيح لمفهوم العقلانية العملية، سنرى الآن مدى ارتباطه بمفهوم المجتمع المدني من خلال الإشارة إلى الهجمة الشرسة التي شنّها بعضهم ضد “ملتقى النهضة”، فمن الواضح أنّ من هاجموا الملتقى فشلوا فشلا ذريعا في كل ركن من أركان العقلانية العملية! لم يتحققوا من الوقائع فسارعوا إلى ترديد أكذوبة أنّ الملتقى أقيم من أجل زعزعة نظام الحكم في دولة مجاورة، ولم يتحلّوا بالخيال فغاب عن أذهانهم أنّ أغلبية اليوم قد تتحول إلى أقلية الغد، وأنّ جلّاد الحاضر قد يستحيل إلى ضحية المستقبل، كما غابت عن أذهانهم أيضا عواقب قرار منع إقامة “ملتقى النهضة”، لتنتهي الأمور إلى عكس ما أرادوا تماما! أخيرا، إنّ من هاجموا الملتقى لم يفلحوا حتى في تطبيق أبسط القواعد الأخلاقية، فهم لم يعامِلوا الآخرين كما يحبوا هم أنفسهم أن يعامَلوا، ذلك أنهم يعتقدون أن من حقهم إقامة الندوات في الفضاء المفتوح، بينما لا يحق لغيرهم أن يقيم ندوة في غرف مغلقة!
أختم حديثي بفقرة ضمن مقال كتبته منذ بضع سنين، وهي فقرة يدور موضوعها حول مفهوم المجتمع المدني:
ليس من العار ألا يكون للمتشرد منزل يؤويه، ولكن العار في الرفض المبدئي لفكرة المنزل! شاءت الأقدار ألا ينتمي مفهوم «المجتمع المدني» إلى ثقافتنا العربية، ولكن لا ينبغي أن تثنينا هذه الحقيقة عن المحاولة في وضع حجر الأساس لمجتمع مدني عربي يعلي من شأن الفرد وكرامته، رغم التقاليد ورغم الطقوس! ربما تطلّب بناء مثل هذا المجتمع مئات السنين، ولكن عدم المحاولة سيتطلب الدهر كله! استغرق بناء كاتدرائية «دوومو» في قلب مدينة «ميلانو» خمسة قرون، فكم من الأجيال أفنت حياتها في تشييد بناء لم تتمكن من مشاهدته، ولكن ها هي «دوومو» تقف اليوم شامخة في سماء «ميلانو»، تذكّر أجيال اليوم بإخلاص أجيال الأمس!

الاثنين، 23 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (4)

بعد أن تحدثنا عن البعد التاريخي للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني، ننتقل الآن إلى الحديث عن البعد النظري لهذه العلاقة، والذي يتجلّى من خلال إعمال العقل في تحليل المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني، وسنقتصر في حديثنا هنا على مفهومين اثنين فقط: مفهوم الحرية، ومفهوم التسامح.
هناك ارتباط وثيق بين مفهومي الحرية والتسامح، ولهذا الارتباط وجهان: الوجه الأول هو أن كلا المفهومين ينطوي على مفارقة، ومن الممكن أن نبين مفارقة التسامح من خلال طرح السؤال التالي: لو كان هناك عشرة أشخاص يعيشون على ظهر جزيرة، تسعة منهم يتحلّون بتسامح مطلق، بينما الشخص العاشر إنسان غير متسامح، فمن منهم لديه فرصة كبيرة في البقاء على قيد الحياة؟ من الواضح أن الشخص غير المتسامح لديه فرصة أكبر من غيره في البقاء على قيد الحياة، فهو الشخص الوحيد الذي بوسعه اللجوء إلى العنف من دون أن يخشى عاقبة هذا العنف من قِبل أشخاص متسامحين بصورة مطلقة، مما يعني أن التسامح المطلق مفهوم متناقض في ذاته، فهو لا يؤدي إلى التعايش السلمي، بل يضمن فقط بقاء الأقوى! من هنا نصل إلى المبدأ المنطقي التالي: لا تسامح مع اللاتسامح، وهذا هو المبدأ الذي تستند إليه الدساتير المدنية في تجريم خطاب الكراهية الذي يهدد إمكانية التعايش بين مواطني البلد الواحد.
نأتي الآن إلى مفارقة الحرية، والتي عبر عنها أفلاطون على لسان سقراط في كتاب “الجمهورية”، حيث يطلب منّا سقراط أن نتخيل وجود مواطنين يتمتعون بكامل حريتهم السياسية، ثم يمارسون هذه الحرية من خلال اختيار دكتاتور حاكماً عليهم! هذا لم يعد مجرد افتراض، فالتاريخ أثبت واقعية هذا الافتراض عندما وصل موسوليني وهتلر إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع! على ضوء هذه المفارقة، لم يعد السؤال هو: ماذا لو وصل دكتاتور إلى السلطة؟ بل إن السؤال أضحى على النحو التالي: كيف نحمي أنفسنا عندما يصل الدكتاتور إلى السلطة، لأنه سيصل عاجلاً أو آجلاً! هنا تحديداً يأتي دور أفراد المجتمع المدني من خلال محاولة بناء مؤسسات اجتماعية تضمن أقل قدر ممكن من الضرر الناتج عن وصول دكتاتور إلى السلطة (انظر كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، للفيلسوف النمساوي كارل بوبر).
يتجلى الوجه الآخر للارتباط بين مفهومي التسامح والحرية من خلال علاقة طردية بينهما، فكلما زاد مقدار التسامح عند أفراد المجتمع الواحد، زاد مقدار الحرية التي يتمتعون بها. لكن سبق أن وضحنا حقيقة التناقض الذي يتضمنه مفهوم التسامح المطلق، مما يعني أن هناك حدوداً للتسامح، وبالتالي هناك أيضاً حدود للحرية! نتحدث كثيراً عن ضرورة وجود حدود لحرية التفكير، وحدود لحرية التعبير، وحدود أخرى لغيرهما من أنواع الحريات، لكن السؤال الجوهري غير مرتبط بمعرفة عدد الحدود المقيدة للحرية بأشكالها كافة، بل بمعرفة حجم التسامح الذي نمتلك من أجل تقليص عدد تلك الحدود!
عندما يعيش الفرد وحيداً، فإن بإمكانه أن يفعل ما يحلو له، وهذا هو تعريف الحرية المطلقة، لكن عندما ينتقل الفرد من حالة العيش وحيداً إلى حالة التعايش مع الآخر، فإن هذا الانتقال يستوجب تنازل الفرد عن حريته المطلقة، ذلك أن من المستحيل أن يكون هناك تعايش سلمي في مجتمع يتمتع جميع أفراده بحرية مطلقة، فمثل هذا المجتمع يشير إلى ما يسميه الفلاسفة “الحالة الطبيعية”، أي حالة من الحرب الدائمة بين أفراد المجتمع الواحد! من هنا يشير “مونتيسكيو” إلى حقيقة أن الحرية لا تعني أن تفعل ما يحلو لك، بل أن تفعل ما يجيزه القانون لك، فالقانون يسلب من الأفراد بعضاً من حريتهم في مقابل ضمان حمايتهم من الحالة الطبيعية التي لا بقاء فيها إلا للأقوى!
إن العقل هو المعيار الذي استندنا إليه في تحليل مفاهيم جوهرية بالنسبة إلى المجتمع المدني، ذلك أن العقل هو العامل المشترك بين كل أعضاء فصيلة الإنسان، أما الدين فلا يمكن أن يحل محل العقل كمعيار من هذا النوع، فهناك حسب الموسوعة الأميركية ما يقارب 330 ديناً على وجه الأرض، ومن الصعب الاحتكام إلى نظم أخلاقية بهذا العدد في تحليل المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني، فضلاً عن اتخاذها معياراً لحل النزاعات بين أفراد المجتمع الواحد.

الاثنين، 16 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (3)

من الممكن الحديث عن ثلاثة أبعاد للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني: بُعد تاريخي، وبُعد نظري، وبُعد عملي. سنتناول كل بُعد على حدة لإثبات صحة القضية المحورية التي بين أيدينا، وهي أن التفكير العلمي شرط ضروري لقيام أي مجتمع مدني.
تتضح ملامح البعد التاريخي للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني من خلال تسليط الضوء على العلاقة بين العلم من جهة، والتنوير من جهة أخرى، أو بعبارة أدق، بين الثورة العلمية التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وما يُعرف باسم “عصر العقل” الذي بسط نفوذه على الحياة الثقافية الأوروبية في القرن الثامن عشر.
عندما نتحدث عن ثورة علمية، فإن من الطبيعي أن نتساءل: ثورة علمية على ماذا تحديداً؟ للإجابة عن هذا السؤال، يكفي أن نستعرض- بشكل سريع- إسهامات أبرز رواد تلك الثورة العلمية، وأعني بهم كوبرنيكوس، وجاليليو، وكبلر، ونيوتن. لقد دافع نيكولاس كوبرنيكوس في كتابه الشهير “حول دوران الأجرام السماوية” عن نظام فلكي شمسي المركز، مخالفاً بذلك نظام “بطليموس” أرضي المركز، ثم جاء جاليليو جاليليي ليدافع عن نظام كوبرنيكوس في كتابه “حوار حول نظامين رئيسيين عالميين”، وهو الكتاب الذي هاجم من خلاله أفكار “أرسطو” الفيزيائية، خصوصاً تلك المتعلقة بحركة الأجسام الأرضية، وأما جوهانز كبلر فقد تصدى لأفكار أرسطو الفلكية من خلال ما يعرف باسم قانون كبلر الأول، والذي يشير إلى أن مدار كل كوكب حول الشمس بيضاوي الشكل، لا دائري الشكل كما كان يعتقد أرسطو، وأما إسحق نيوتن فقد دلّل على خطأ فكرة أرسطو حول وجود اختلاف جذري بين حركة الأجسام الأرضية وحركة الأجرام السماوية، وذلك من خلال إثبات وجود علاقة رياضية بين قوانين كبلر وقوانين جاليليو.
نحن نرى، إذن، أن الثورة العلمية كانت في الأساس ثورة على أفكار أرسطو وبطليموس، ولقد كان لتلك الثورة مظهران أساسيان: الأول تقني، والآخر اجتماعي. أما المظهر التقني فيتمثل بأبرز ملامح التفكير العلمي، وأعني بها الملاحظة والفرضية والتجربة، فهذه هي المراحل الثلاث التي يمر بها المنهج العلمي، فالانتقال من الملاحظة إلى الفرضية يعبر عن فضول علمي، كما أن الانتقال من الفرضية إلى التجربة يعبر عن مسؤولية علمية، وأما المظهر الاجتماعي للثورة العلمية فيتمثل فيما يعرف بـ”الشخصية العامة للعلم”، أي أن النتائج التي يتوصل إليها العلم متاحة للجميع، وباستطاعة أي شخص التحقق منها من خلال إعادة التجربة مرة أخرى، وهذا ما يضمن نزاهة العلم، ذلك أن نزاهة العلم لا تعتمد على نزاهة العلماء بقدر اعتمادها على خشيتهم من تهمة عدم النزاهة!
أدت نجاحات الثورة العلمية إلى أمرين مهمين: الأول هو إثبات أهمية العقل كأداة فعالة للتوصل إلى معرفة حقيقية لعالم الطبيعة، والثاني هو التحرر من السلطة العلمية لأرسطو. كان لهذين الأمرين أثر بالغ الأهمية في مفكري عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فإذا كان العقل أداة معرفية فعالة لاكتشاف قوانين الطبيعة، فلماذا لا يكون أيضا أداة معرفية فعالة لاكتشاف قوانين المجتمع؟ وإذا كانت شرعية السلطة العلمية لأرسطو قابلة للنقد والنقض، فلماذا لا تكون شرعية السلطة السياسية للحكام قابلة للنقد والنقض؟!
كان الحكام آنذاك- كما نعلم جميعاً- إما ملوكاً أو رهباناً، لذا فإن الملوك والرهبان هم أول من استشعر خطر أفكار التنوير، واستشعار الخطر هذا كان نقطة البداية للملاحقات السياسية المعروفة، فالفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، مثلا، هرب من باريس إلى إنكلترا بعد أن هاجم في كتابه “العقد الاجتماعي” ما يسمى بالحق الإلهي للملوك في السلطة!
لقد كان استخدام المنهج العقلاني-العلمي في الشأن السياسي-الاجتماعي نقطة الانطلاق للفلسفة السياسية بثوبها الحديث، ولا يمكن فهم عصر التنوير الأوروبي من دون فهم لعصر العلم السابق له، فالثورة العلمية مهدت الطريق أمام مونتسكيو، ولوك، وتوكوفيل، وغيرهم، لبناء الإطار النظري لمجتمعات ديمقراطية مدنية.
يتبع

الخميس، 12 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (2)

مفهوم “التفكير العلمي” ينتمي إلى ميدان فلسفة العلم، ومفهوم “المجتمع المدني” ينتمي إلى ميدان الفلسفة السياسية، وبالرغم من وجود تعريفات كثيرة ومتعددة لكلا المفهومين، سأحاول أن أقدم تعريفاً مبدئياً لكل منهما، وهذا كل ما نحتاجه كمقدمة للموضوع الذي نحن في صدده.
التفكير العلمي الذي أعنيه هو- ببساطة- نوع من التفكير موضوعه العلم. هذا التعريف رديء بلا شك، ذلك أنه تعريف دائري، فالجملة التعريفية احتوت على ما يراد تعريفه، لكن بالإمكان تجاوز هذا القصور في تعريف مفهوم “التفكير العلمي” من خلال الإشارة إلى أهم ملامح هذا النوع من التفكير، وهذا ما أعد بإيضاحه لاحقاً.
المجتمع المدني، حسب التعريف الذي وضعه الفيلسوف الألماني جيرغن هابرماس، يشير إلى فضاء عمومي يحتل حيزاً بين مؤسستين اجتماعيتين: مؤسسة الأسرة، ومؤسسة الدولة. يتخذ هذا الفضاء العمومي أشكالاً مختلفة، مثل جمعيات النفع العام والنوادي الثقافية وحتى الديوانيات، بل إن “ملتقى النهضة” ذاته يعتبر شكلاً من أشكال هذا الفضاء العمومي، فأغلب الذين حضروا إلى استماع محاضرات هذا الملتقى لا تجمعهم روابط أسرية، ولم يأتوا بناءً على رغبة الدولة، بل رغماً عن رغبتها، وهذا هو المقصود بتحديد حدود المجتمع المدني في مكان يقع بين مؤسسة الأسرة ومؤسسة الدولة.
ينبغي أن أشير هنا إلى أن المقصود بمفهوم “الدولة” لا يقتصر فقط على السلطة التنفيذية، بل يتعداه إلى السلطة بأشكالها كافة، بما في ذلك سلطة المال، لذا فإن من الضروري أن تقف جمعيات النفع العام هنا في الكويت على مسافة واحدة من جميع أشكال السلطة، وأن تنأى بنفسها عن شبهة التماهي مع مصالح الطبقة التجارية.
بعد أن أوضحنا المقصود بالتفكير العلمي من جهة، والمجتمع المدني من جهة أخرى، نأتي الآن إلى القضية المحورية للموضوع الذي بين أيدينا. لست أقصد بكلمة “قضية” معناها الشائع، أي شأن من شؤون الحياة، كما لا أقصد بها معناها القانوني، إنما أستخدم كلمة “قضية” بمعناها المنطقي، أي جملة خبرية تحتمل الصواب أو الخطأ، والقضية المحورية (أو الجملة الخبرية) التي سأدافع عن صحتها هنا هي كالتالي: التفكير العلمي شرط ضروري لقيام أي مجتمع مدني.
يتبع

الاثنين، 9 أبريل، 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (1)

هذا المقال هو الجزء الأول من محاضرة بعنوان “التفكير العلمي والمجتمع المدني”، ألقيتها في جمعية الخريجين الكويتية في الخامس والعشرين من شهر مارس الماضي ضمن فعاليات “ملتقى النهضة”:
أود في البداية أن أشير إلى نقطتين لهما علاقة بـ”ملتقى النهضة” وما صاحبه من صخب واحتجاج: أولاً، من العسير جداً أن تعد محاضرة وفي ذهنك جمهور معين، ثم تنتهي إلى إلقائها على جمهور مختلف تماماً! هذا ليس تذمراً، بل مجرد تحذير من حقيقة أن محتوى هذه المحاضرة قد يكون رتيباً بعض الشيء، لذا فإني أُخلي مسؤوليتي عن ذلك، كما أذكر في الوقت نفسه أن محتوى المحاضرة ينبغي ألا يكون موضوعاً للمهاترات السياسية، فهو لم يُكتب لهذا الغرض، وأؤكد أيضاً أني لم أغير شيئاً في محاضرتي، وستكون كما قُدر لها أن تكون.
ثانياً، من الحكمة إحسان الظن بمن هاجموا “ملتقى النهضة”، على الأقل في البعض منهم، فقد ينطوي هذا الهجوم على خوفٍ حقيقي وصادقٍ على تماسك هذا المجتمع الذي نعيش فيه، والخوف لا يجابه بالانفعال والنبرة الحادة، بل بالحوار وطول النفس، ذلك أن الخوف مثل عنصر الفكاهة في أي مزحة، إذا قمت بتحليله بهدوء وبرودة أعصاب، تلاشى من تلقاء نفسه.
لكن إحسان الظن لا يعفينا من طرح سؤال بدهي: لماذا كل هذا الهجوم على ملتقى يدور موضوعه الرئيسي حول مفهوم “المجتمع المدني”؟ المجتمع المدني يشير إلى مفهوم إيجابي، وسنرى لاحقاً من خلال هذه المحاضرة أنه يشير إلى مجتمع حر ومتسامح، فهل نفهم من هذا الهجوم أنه هجوم على الحرية والتسامح؟ إحدى الحجج التي سمعتها ضد الملتقى هي تلك التي تشير إلى الخوف من عملية “غسيل مخ منظمة” للشباب المشاركين في الملتقى! سأصرف النظر عما تتضمنه هذه التهمة من احتقار لعقول الشباب وعدم ثقة بقدرتهم على التفكير، لكني أتساءل: هل الاعتراض هو اعتراض مبدئي على عملية “غسيل المخ”، أم أنه اعتراض على الجهة التي تقوم بعملية “الغسيل”؟ من الواضح أن هناك من يرى أن ما يحق له لا يحق لغيره، وليس أدل على ذلك من مفارقة غفل عنها الكثيرون مع الأسف، ففي مكان قريب جدا من المكان الذي كان مقررا له استضافة فعاليات “ملتقى النهضة”، وفي التوقيت نفسه أيضاً، كانت هناك ندوة عامة التقى من خلالها مشايخ دين مع مرتادي الأسواق التجارية، وكان من بينهم أطفال صغار، ولم نسمع من يحتج على إقامة مثل تلك الندوات التي هي إلى “الأدلجة” والتلقين أقرب منها من أي شيء آخر.
يتبع

السبت، 3 مارس، 2012

الكويت التي في خاطري

صورة الكويت التي في خاطري صورة واقعية، لا مثالية، فهي تشبه إلى حد كبير صورة «أثينا» في القرن الخامس قبل الميلاد، وتختلف كليا عن صورة المدينة الفاضلة كما رسمها «أفلاطون»، والحق أن مدينة «أفلاطون» لم تكن مدينة فاضلة على الإطلاق، فهي مدينة يجيز دستورها العبودية، ويبرر الظلم، ويحتقر المرأة!إن صورة الكويت التي أتمنى رؤيتها هي صورة «أثينا» كما وصفها «بريكليس» في «خطبة التأبين» المشهورة، والتي ألقاها ضمن مراسم تشييع شهداء «أثينا» الذين ضحوا بأرواحهم فداء لمدينتهم.إليك- عزيزي القارئ- مقتطفات من تلك الخطبة العصماء، ترجمتها مع بعض التصرف دون الإخلال بما جاء فيها:«إن نظامنا السياسي ليس محل تنافس مع أنظمة سياسية مجاورة، وبالرغم من أننا نأبى أن ننسخ ما عند جيراننا، فإننا نطمح أن نكون قدوة للجميع! إن نظامنا السياسي يفضل الأغلبية على الأقلية، ولهذا السبب يسمى ديمقراطية، لكن قوانيننا تقف على مسافة واحدة من الجميع، مع الاعتراف بأنها قوانين لا تخلو من عيوب أو نواقص. عندما يمتاز أحدنا عن أقرانه بموهبة أو مهارة محمودة، ندفع به كي يتقدم الصفوف ويخدم الدولة، تكليفاً لا تشريفاً، وإن كان فقيراً معدماً، فلن يقف الفقر حائلاً دون تصدره الصفوف الأولى في القيادة! إن الحرية التي تميز نظامنا السياسي تمتد لتشمل حياة كل مواطن، فنحن لا نشكك في بعضنا بعضا، كما أننا لا نتذمر إنْ اختار أحدنا طريقه الخاص في الحياة، لكن هذه الحرية لا تجعل منّا أناساً خارجين على القانون، فنحن تعلمنا احترام القضاء وأحكامه، ونصرة المظلوم والوقوف إلى جانبه، كما أننا تربينا على مراعاة تلك القوانين غير المكتوبة والتي تستمد شرعيتها من إحساس عميق بما هو حق!».«مدينتنا مفتوحة أمام العالم بأجمعه، فنحن لا نطرد غريباً أبداً! نحن أحرار في أن نعيش كما نريد، كما أننا على أهبة الاستعداد دائماً في مواجهة أي خطر. نعشق الجمال من دون أن ننغمس في البذخ واللذات، ونشحذ عقولنا من دون أن ينال ذلك من إرادتنا. لا ننظر إلى الفقير بعين الاحتقار، لكننا نعتبر القبول بالفقر أمراً مخزياً! إن المواطن الصالح لا يهمل الشأن العام حين ينصرف إلى شؤونه الخاصة، فأولئك المشغولون بشؤونهم الخاصة ليسوا عديمي الأذى، بل عديمي الفائدة، وبالرغم من أن القلة القليلة فقط هي القادرة على رسم سياسات الدولة، فإننا جميعاً قادرون على تقييم هذه السياسات ونقدها! إننا لا نرى في الجدل السياسي عقبة على طريق تطوير نظامنا الديمقراطي، بل نرى فيه خطوة أولية لا غنى عنها لاتخاذ قرارات حكيمة! نحن نؤمن بأن السعادة ثمرة الحرية، والحرية ثمرة البسالة، لهذا فإننا لا نتخاذل عندما تدق الحرب طبولها، فمن أجل هذا كله إنما استشهد أبطالنا في ساحة المعركة، ومن أجلهم إنما نقف اليوم إجلالاً لمقامهم، وننحني إكباراً لتضحياتهم!».

الخميس، 23 فبراير، 2012

متى نقلب الهرم؟

المجتمع الديمقراطي المدني أشبه بهرم مقلوب، يرتكز على الفرد وتتربّع على قمته روح الجماعة، فعلى الصعيد الاجتماعي يحتفظ الفرد بخصوصيته التي يعبّر عنها من خلال طريقة تفكيره وأسلوب حياته، وعلى الصعيد السياسي يبحث الفرد عمّن يشاطره الأفكار والطموحات من خلال الانخراط في العمل الجماعي.هذا الهرم المقلوب يقف معتدلاً في مجتمعنا غير الديمقراطي وغير المدني، فعلى المستوى الاجتماعي تتوارى شخصية الفرد تحت عباءة الجماعة، وعلى المستوى السياسي تطغى الفردية الفجّة والأنانية المفرطة.لعل في هذا التباين تفسيراً لقوة التنظيمات السياسية في المجتمعات المدنية من جهة، وهشاشتها في مجتمعنا غير المدني من جهة أخرى، فالتنظيم السياسي المبني على قناعة كل عضو من أعضائه في الانضمام إليه هو إلى التماسك أقرب منه إلى التصدع والانفراط، وهذه القناعة لا تتشكّل على الوجه السليم إلّا في ظل مجتمع مفتوح يحترم خصوصية الفرد، ويمنحه فضاءً واسعاً من حرية التفكير وتطوير الذات.هذا الفضاء الواسع من الحرية الفردية غير متوافر في المجتمعات المحافظة، حيث يظل الفرد محكوماً بالتبعية لقيم القبيلة والأصل والمذهب، وهي تبعيّة يسهل استثمارها لتحقيق طموحات سياسية فردية.سبق أن أشرت في مقال سابق إلى وجه من وجوه التشابه بين العالم الطبيعي من جهة والمجتمعات المحافظة من جهة أخرى، فمثلما أن الطبيعة تعمل على توريث الجينات من جيل إلى جيل، فإن المجتمع المحافظ يضمن توريث السلوك من جيل إلى جيل، لكن هذا التشابه يقف عند هذا الحد، ذلك أن الطفرة الجينية تؤدي إلى تجديد في شكل الطبيعة، بينما النزعة الفردية تنطوي على تهديد لثوابت المجتمع المحافظ!بعبارة أخرى، الطفرة الجينية تتحدى النسخة الطبيعية المورّثة، ومع ذلك تبتسم الطبيعة مفسحة المجال للتجديد والتنوع، والنزعة الفردية تقاوم نسخة السلوك الاجتماعي الوراثي، لكن المجتمع المحافظ يكفهر ويتجهم ويعتبر ذلك تمرداً!لكن ماذا لو اتخذت الطبيعة من المجتمع المحافظ قدوة لها؟ ماذا لو حاربت الطبيعة كل طفرة جديدة في السلم الوراثي؟ الجواب العلمي عن هذا السؤال بسيط ومباشر، وهو أن فرصة وجودنا على هذا الكوكب ستكون مستحيلة.على ضوء ما تقدم، يصبح من المنطقي القول إن فرصة وجود تنظيمات سياسية مدنية متماسكة في مجتمع محافظ تكاد تكون مستحيلة، ذلك أن الشرط الأساسي لقيام مثل هذه التنظيمات غير متوافر، فمن دون وجود أفراد قادرين على التفكير والتعبير والاختيار، سيظل العمل السياسي محكوماً بالتبعية، سواء كانت هذه التبعية لأشخاص من ذوي الطموح السياسي المتّسم بالأنانية، أو لأحزاب دينية رجعية.

منكم الأمراء ومنّا الوزراء

في شهر يوليو الماضي، وضمن ندوة بعنوان “نحو الإصلاح الدستوري”، أشار عضو التيار التقدمي الكويتي الأستاذ أحمد الديين إلى حقيقة أن الوقت قد حان “لإيجاد إمارة دستورية بمعنى الكلمة التي نحترمها جميعاً، وتؤكد أن الإمارة في ذرية مبارك الصباح”، معرباً عن أمله في أن يكون شعار المرحلة هو: “منكم الأمراء يا آل الصباح ومنّا الوزراء”، ومؤكداً في الوقت نفسه حقيقة أن “ميزان القوى في الوقت الحالي في حالة من التوازن بحيث لا القوى الشعبية والوطنية قادرة على أن تتجه نحو اتجاه الإصلاح الديمقراطي ولا السلطة قادرة على أن تعيدنا إلى الوراء”، وحالة التوازن هذه، في رأي الأستاذ الديين “لا يمكن أن تستمر طويلاً بهذا الاتجاه ولا بد من أن تحسم بطريقة أو بأخرى”.سبق أن أشرت في مقال سابق إلى أن الأرض باتت خصبة لتطوير نظامنا السياسي من خلال توسيع المشاركة الشعبية في السلطة، لكن يبدو لي أن القوى الشعبية والوطنية غير مؤهلة لمواكبة المرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة العربية في الوقت الراهن، فبالرغم من مرور خمسين عاماً على صدور الدستور، مازالت تلك القوى عاجزة عن تجاوز “دستور الحد الأدنى” إلى دستور أكثر ديمقراطية، ومازال العمل السياسي مفتقراً إلى التنظيم وموغلاً في الفردية، ومازالت حياتنا السياسية برمّتها مختزلة في مجلس الأمة وأعضائه.عصفت بالمنطقة العربية رياح التغيير فأدركت مؤسسة الحكم خطورة الوضع، ثم ترجمت هذا الإدراك على أرض الواقع من خلال التأكيد على التمسك بدستور 62، والتخلّي عن خيار التلويح بالحل غير الدستوري، والنجاح في إجراء انتخابات برلمانية وصفها المراقبون بأنها نزيهة. لكن في المقابل، ما مدى استيعاب القوى السياسية للواقع العربي الجديد؟ أمام إصرار “الشيوخ” على عدم التنازل عن مواقع القيادة في السلطة التنفيذية، سارعت أهم الكتل النيابية إلى مباركة هذا النهج غير الديمقراطي من خلال التفاوض على حقائب وزارية خارج نطاق وزارات السيادة!شهدت المنطقة العربية ولا تزال حراكا شعبياً أطاح بحكومات غير شعبية، ثم وصل صدى هذا الحراك إلى هنا فأثبت الشعب الكويتي أنه شعب حيّ وعلى قدر المسؤولية، فلم يأخذه الحماس لما لا تحمد عقباه، لكنه أصر على ممارسة حقه المشروع في إسقاط حكومة فاشلة وتشكيل مجلس جديد. لكن في المقابل، ما مدى استيعاب القوى السياسية للحراك الشعبي؟ بوسعنا القول إن البداية لا تبدو مشجعة، فالتركيز على تعديل المادة الثانية من الدستور طغى على أولويات الإصلاح الدستوري الشامل، وبدلاً من الرفض المطلق للحق الدستوري الذي يتيح للوزراء غير المنتخبين التصويت داخل المجلس، اكتفى نواب المعارضة بالدعوة إلى عدم تصويت أعضاء الحكومة القادمة على انتخابات رئاسة المجلس!أخيراً، ينبغي الاعتراف بأن شعار “منكم الأمراء ومنّا الوزراء” لا يلقى قبولاً واسعاً لدى الكثير من أفراد الشعب الكويتي، ولهذه الحقيقة أسباب لا مجال لذكرها الآن، لكن ينبغي الاعتراف أيضا بأن تحقيق مثل هذا الشعار سيؤدي حتماً، من بين أمور أخرى، إلى تقليص مساحة الصراع بين أفراد الأسرة واقتصاره فقط على موضوع الإمارة، وفي هذا حفظ لمكانة الأسرة واستقرار لهذا للبلد.

لا للمشاركة في الحكومة الجديدة

بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، اتخذت أهم التيارات السياسية قراراً بعدم المشاركة في الحكومة الجديدة، وهو بلا شك قرار صائب له مبرراته المنطقية، كما يشير أيضاً إلى قراءة صحيحة للظروف الموضوعية التي حددت ملامح الانتخابات الأخيرة، خصوصاً تلك المتعلقة بالحراك الشعبي الذي هو جزء لا يتجزأ من حراك شعوب المنطقة العربية.هناك فرق كبير بين خيار المشاركة في الحكومة وخيار تشكيلها. الخيار الأول متاح منذ مدة طويلة، لكنه لم يعد يعبر عن التطلعات الشعبية المشروعة في المرحلة الحالية، بينما الخيار الثاني غير متاح في الوقت الراهن، لكنه بات استحقاقاً سياسياً تفرضه الظروف الموضوعية للتطور السياسي في الكويت. إن قبول التيارات السياسية المعارضة بالحد الأدنى من المشاركة في السلطة التنفيذية لا ينسجم مع نتائج الانتخابات الأخيرة فحسب، بل إنه يقف حائلاً دون الانتقال التدريجي المشروع إلى النظام البرلماني الديمقراطي.قبل أيام، شنّت إحدى الصحف المحلية هجوماً على قرار بعض التيارات السياسية الامتناع عن المشاركة في الحكومة الجديدة، واصفة ذلك القرار بالقرار السلبي، ومتهمة تلك التيارات بـ”تضييع فرصة الإنقاذ” الوطني، بل إن الصحيفة ذاتها ذهبت إلى حد القول “إن جابر المبارك يكون انتحارياً إذا شكل حكومة في هذه الأجواء”، والسبب في ذلك حسب زعم الصحيفة هو أن الحكومة في هذه الحالة ستكون “مكشوفة”!إذا صرفنا النظر عن هذا التهويل غير المبرر من قِبل الصحيفة، فإن مثل هذا الرأي يتضمن مغالطة من جانب، وقصر نظر سياسي من جانب آخر، أما المغالطة فتتمثل بافتراض أن تعاون التيارات السياسية مع الحكومة الجديدة غير ممكن من دون المشاركة فيها، ولعل هذا الافتراض المغلوط بدوره يشير إلى سوء نية في جدية الممتنعين عن المشاركة في تحقيق الإصلاح السياسي، وأما قصر النظر السياسي فيتمثل بعدم إدراك أهمية رفض الكتل النيابية الرئيسة المشاركة في التشكيل الحكومي الجديد، خصوصاً في الوقت الراهن، ففي ظل وجود مبدأ التضامن الوزاري داخل المجلس، ستؤدي المشاركة في الحكومة إلى تصدع الكتل النيابية وبالتالي فقدان الكثير من شعبيتها، وفي ظل النهج التقليدي لمؤسسة الحكم في الاستئثار بمقعد رئاسة الوزراء بالإضافة أيضاً إلى وزارات السيادة، فإن مشاركة التيارات السياسية في الحكومة الجديدة ليست سوى مباركة ضمنية لمثل هذا النهج غير الديمقراطي.

السبت، 11 فبراير، 2012

الكويت وخريف الدكتاتوريات العربية

لا أدري من المسؤول عن إطلاق مصطلح “الربيع العربي” لوصف الثورات العربية التي هزّتولا تزال عروش بعض الأنظمة الشمولية في المنطقة، لكن في ظني أن هذا المصطلح يتضمّنحكماً سابقاً لأوانه على مجريات الأحداث في المنطقة، فمثلما أن فصل الربيع لا يحلّبمجرد انقشاع الغيوم وانكسار شدة البرودة، فإن “الربيع العربي” لا يحين بمجرد سقوطالدكتاتوريات والدعوة إلى انتخابات عامة، الربيع عملية بناء في الأساس، لا عمليةهدم، وما تشهده المنطقة العربية حالياً هو بداية أفول الأنظمة الشمولية، أو خريفالدكتاتوريات العربية إن جاز التعبير.عندما تتحول العملية الديمقراطية إلى عقداجتماعي يرتضيه الجميع بدافع المسؤولية التاريخية وبعيداً عن المصالح الآنيةالضيقة، وعندما يكون الرأي العام العربي حاضراً بقوة في كل قرار تتخذه الجامعةالعربية، عندها فقط يمكن الحديث عن “ربيع عربي”، لكن بعيداً عن المصطلحات ومدىدقتها، أريد من خلال هذا المقال إلقاء الضوء على بعض تداعيات الثورات العربية علىنظامنا السياسي في الكويت.هناك حجة تكررت كثيراً في الأشهر الماضية، خصوصاً فيبعض افتتاحيات صحفنا المحلية، ومفادها أننا في الكويت بمنأى عن “الربيع العربي”، أوأننا لا نحتاج إلى مثل هذا الربيع، وذلك لأننا ننعم بربيع ديمقراطي منذ عقود منالزمن! أتفهم جيداً هذا الخوف من التغيير من قِبل أناسٍ لطالما استفادوا من بقاءالأوضاع على ما هي عليه، لكن لا أحسب أصحاب هذه الحجة غافلين عن أوجه التشابهالصارخة بين الثورات العربية والحراك الشعبي الذي شهدته الكويت في الآونةالأخيرة.أولاً، هناك العنصر الشبابي ودوره الكبير في شحن الرأي العام وتقديمالتضحيات البطولية التي تستحق الإعجاب والإكبار. ثانياً، هناك الشعارات السياسيةالتي انصهرت جميعها في كلمة “اِرحل”! ثالثاً، هناك الحراك الشعبي العارم الذي أدىولا يزال إلى الإطاحة بأفراد لا يعبرون عن الإرادة الشعبية.في كتاب “المجتمعالمفتوح وأعداؤه”، يقسّم “كارل بوبر” الحكومات إلى نوعين: حكومات نستطيع التخلصمنها من دون إراقة للدماء وذلك من خلال صناديق الاقتراع، وهذه تسمى حكوماتديمقراطية، وحكومات لا نستطيع التخلص منها إلا بواسطة ثورات ناجحة، وهذه تسمىحكومات دكتاتورية. على ضوء هذا التقسيم، يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: إلى أيالنوعين من الحكومات تنتمي حكومة “ناصر المحمد” التي أسقطها الشعب في ساحة الإرادة؟لا يمكن وصف تلك الحكومة بالحكومة الديمقراطية، لأننا ببساطة لم نستطع التخلص منهاعن طريق صناديق الاقتراع! لاحظ أن هذه الحقيقة تقطع الطريق أمام كل محاولة لإيجادنقاط اختلاف جوهرية بين الثورات العربية والحراك الشعبي المحلي، فالقول بأننا أقدمعهداً بالديمقراطية من دول الربيع العربي لا يجدي نفعاً، فالنظام السياسي الذي لايتيح لأفراد الشعب الحق في التخلص من حكومته عن طريق صناديق الاقتراع لا يمكن وصفهبأنه نظام ديمقراطي، والحق أنّنا لم ننعم بحكومة ديمقراطية منذ نشأة الكويت إلىيومنا هذا.الكويت ليست بمنأى عن الثورات العربية وتداعياتها، ولا يمكن فهمالحراك الشعبي الذي أسقط حكومة “ناصر المحمد” بعيداً عن تلك الثورات، كما لا يمكنفهم قرار السلطة في تخفيف شدة الاحتقان السياسي بعيداً عن مجريات الأحداث فيالمنطقة.أخيراً، إذا كان هناك من يرى في تشكيلة المجلس القادم أرضاً خصبةلتعديل المادة الثانية من الدستور، فإن قراءة نتائج الانتخابات في سياق الحراكالشعبي الذي أملى تلك النتائج بامتياز تشير إلى رؤية مغايرة: إن الأرض باتت خصبةحقاً، ليس لتعديل المادة الثانية من الدستور، بل لتطوير نظامنا السياسي من خلالتوسيع المشاركة الشعبية في السلطة.

آن للمجلس أن يقول كلمته

بعد أن قال الشعب كلمته، جاء دور مجلس الأمة كي يقول كلمته، ذلك أن أمام أعضاءالبرلمان مسؤوليات جساماً لا مناص من مواجهتها، لعل من أهمها تحويل شعار “محاربةالفساد” إلى أجندة محددة وقابلة للتطبيق، وأول خطوة جادة على هذا الطريق هي إعادةالنظر في مؤسسات الدولة لتقييم مدى نجاحها في أداء وظائفها المختلفة.هناك- علىسبيل المثال لا الحصر- حاجة ماسة إلى ضمان استقلال القضاء، وتفعيل دور ديوانالمحاسبة، وتعزيز الجانب الإنساني لدى أفراد قوات الشرطة، فقد تحتاج هذه وغيرها منالمسائل الشائكة إلى تشريعات جديدة، بل قد يقتضي الأمر إعادة النظر في بعض أحكامالدستور نفسه، لكن الأمر المؤكد هو أن قدرة مجلس الأمة على إصلاح مؤسسات الدولةمرهون بقدرته على إصلاح نفسه، فهيبة المجلس نالها الكثير من الضربات المتلاحقة فيالسنوات الأخيرة، ولم يعد مقبولا تذكية الصراع النيابي-النيابي على حساب الصراعالنيابي-الحكومي. إن مجلس الأمة يحمل على عاتقه مشروع بناء دولة مدنية متقدمة، لامشروع حرب أهلية متخلفة!إلى جانب إعادة النظر في مؤسسات الدولة، ينبغي لأعضاءالمجلس ممن يمثلون الطبقة الوسطى أن يحرصوا على تأكيد مبدأ العدالة الاجتماعيةوالتوزيع العادل للثروة، فهذا الحرص له ما يبرره في ظل التوصيات التي تضمنها تقريراللجنة الاستشارية الاقتصادية، وستثبت الشهور القادمة أن معركة الخصخصة لم تضعأوزارها بعد كما قد يظن البعض!لا يخفى على أحد أن عدداً غير قليل من أعضاءالمجلس مدين في وصوله إلى كرسي البرلمان للحراك الشعبي العارم الذي شهدته الكويت فيالآونة الأخيرة، وهذه الحقيقة تضع كثيراً من نوّاب الأمة أمام مسؤوليتهم التاريخيةفي تعزيز قوة هذا الحراك الشعبي من خلال سن التشريعات الكفيلة بضمان حق التظاهرالسلمي، ليس للمواطنين فقط، بل لغير محددي الجنسية وللوافدين كذلك، فلغة العنف لمتعد مقبولة لدى المواطن العربي بعد أن حلّ خريف الدكتاتوريات العربية، وأسلوب العنفلا يستقيم مع حلم بناء مجتمع مدني منفتح ومتسامح.أخيرا، إن الشعب القادر علىالإطاحة بحكومة لهو قادر أيضا على تشكيل حكومة، وهذا بالضبط ما ينبغي أن يحرص علىتحقيقه كل عضو جاء إلى المجلس عن طريق ساحة الإرادة، فلم يخرج الناس إلى الشوارعلتنفيذ أجندات ضيقة لأحزاب سياسية معينة، وبالرغم من مشاركة أحزاب إسلامية فيالحراك الشعبي، لم تكن الشعارات الإسلامية هي الطاغية، لذا فإن الدعوات التي نسمعهاالآن حول الانقضاض على المادة الثانية من الدستور ليست سوى انقلاب على أهداف الحراكالشعبي وتشتيت لقوته ونسف لمقوماته.