الاثنين، 23 أبريل 2012

التفكير العلمي والمجتمع المدني (4)

بعد أن تحدثنا عن البعد التاريخي للعلاقة بين التفكير العلمي والمجتمع المدني، ننتقل الآن إلى الحديث عن البعد النظري لهذه العلاقة، والذي يتجلّى من خلال إعمال العقل في تحليل المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني، وسنقتصر في حديثنا هنا على مفهومين اثنين فقط: مفهوم الحرية، ومفهوم التسامح.
هناك ارتباط وثيق بين مفهومي الحرية والتسامح، ولهذا الارتباط وجهان: الوجه الأول هو أن كلا المفهومين ينطوي على مفارقة، ومن الممكن أن نبين مفارقة التسامح من خلال طرح السؤال التالي: لو كان هناك عشرة أشخاص يعيشون على ظهر جزيرة، تسعة منهم يتحلّون بتسامح مطلق، بينما الشخص العاشر إنسان غير متسامح، فمن منهم لديه فرصة كبيرة في البقاء على قيد الحياة؟ من الواضح أن الشخص غير المتسامح لديه فرصة أكبر من غيره في البقاء على قيد الحياة، فهو الشخص الوحيد الذي بوسعه اللجوء إلى العنف من دون أن يخشى عاقبة هذا العنف من قِبل أشخاص متسامحين بصورة مطلقة، مما يعني أن التسامح المطلق مفهوم متناقض في ذاته، فهو لا يؤدي إلى التعايش السلمي، بل يضمن فقط بقاء الأقوى! من هنا نصل إلى المبدأ المنطقي التالي: لا تسامح مع اللاتسامح، وهذا هو المبدأ الذي تستند إليه الدساتير المدنية في تجريم خطاب الكراهية الذي يهدد إمكانية التعايش بين مواطني البلد الواحد.
نأتي الآن إلى مفارقة الحرية، والتي عبر عنها أفلاطون على لسان سقراط في كتاب “الجمهورية”، حيث يطلب منّا سقراط أن نتخيل وجود مواطنين يتمتعون بكامل حريتهم السياسية، ثم يمارسون هذه الحرية من خلال اختيار دكتاتور حاكماً عليهم! هذا لم يعد مجرد افتراض، فالتاريخ أثبت واقعية هذا الافتراض عندما وصل موسوليني وهتلر إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع! على ضوء هذه المفارقة، لم يعد السؤال هو: ماذا لو وصل دكتاتور إلى السلطة؟ بل إن السؤال أضحى على النحو التالي: كيف نحمي أنفسنا عندما يصل الدكتاتور إلى السلطة، لأنه سيصل عاجلاً أو آجلاً! هنا تحديداً يأتي دور أفراد المجتمع المدني من خلال محاولة بناء مؤسسات اجتماعية تضمن أقل قدر ممكن من الضرر الناتج عن وصول دكتاتور إلى السلطة (انظر كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، للفيلسوف النمساوي كارل بوبر).
يتجلى الوجه الآخر للارتباط بين مفهومي التسامح والحرية من خلال علاقة طردية بينهما، فكلما زاد مقدار التسامح عند أفراد المجتمع الواحد، زاد مقدار الحرية التي يتمتعون بها. لكن سبق أن وضحنا حقيقة التناقض الذي يتضمنه مفهوم التسامح المطلق، مما يعني أن هناك حدوداً للتسامح، وبالتالي هناك أيضاً حدود للحرية! نتحدث كثيراً عن ضرورة وجود حدود لحرية التفكير، وحدود لحرية التعبير، وحدود أخرى لغيرهما من أنواع الحريات، لكن السؤال الجوهري غير مرتبط بمعرفة عدد الحدود المقيدة للحرية بأشكالها كافة، بل بمعرفة حجم التسامح الذي نمتلك من أجل تقليص عدد تلك الحدود!
عندما يعيش الفرد وحيداً، فإن بإمكانه أن يفعل ما يحلو له، وهذا هو تعريف الحرية المطلقة، لكن عندما ينتقل الفرد من حالة العيش وحيداً إلى حالة التعايش مع الآخر، فإن هذا الانتقال يستوجب تنازل الفرد عن حريته المطلقة، ذلك أن من المستحيل أن يكون هناك تعايش سلمي في مجتمع يتمتع جميع أفراده بحرية مطلقة، فمثل هذا المجتمع يشير إلى ما يسميه الفلاسفة “الحالة الطبيعية”، أي حالة من الحرب الدائمة بين أفراد المجتمع الواحد! من هنا يشير “مونتيسكيو” إلى حقيقة أن الحرية لا تعني أن تفعل ما يحلو لك، بل أن تفعل ما يجيزه القانون لك، فالقانون يسلب من الأفراد بعضاً من حريتهم في مقابل ضمان حمايتهم من الحالة الطبيعية التي لا بقاء فيها إلا للأقوى!
إن العقل هو المعيار الذي استندنا إليه في تحليل مفاهيم جوهرية بالنسبة إلى المجتمع المدني، ذلك أن العقل هو العامل المشترك بين كل أعضاء فصيلة الإنسان، أما الدين فلا يمكن أن يحل محل العقل كمعيار من هذا النوع، فهناك حسب الموسوعة الأميركية ما يقارب 330 ديناً على وجه الأرض، ومن الصعب الاحتكام إلى نظم أخلاقية بهذا العدد في تحليل المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني، فضلاً عن اتخاذها معياراً لحل النزاعات بين أفراد المجتمع الواحد.

ليست هناك تعليقات: