الأربعاء، 26 أغسطس، 2009

عصر التنوير في إسبانيا-4

بعد هذا العرض الموجز لبعض ملامح عصر التنوير في إسباينا، يصبح من العسير القول بوجود حركة تنوير حقيقية في تلك الفترة من تاريخ إسبانيا، ففي ظل التدخل الدائم للكنيسة في شؤون الدولة والحياة العامة، وفي ظل حراسة محاكم التفتيش الدائمة لحدود الدولة من 'خطر' التنوير، لم يكن من الممكن أن تمتد النزعة العقلية الأوروبية إلى ما وراء جبال البيرينيس الإسبانية. يؤكد الباحث والبروفيسور الإسباني 'آلبورغ' أن 'السبب وراء الكثير من المصائب اللاحقة التي أعاقت تطور إسبانيا يكمن في حقيقة أننا لم ننعم بقرن ثامن عشر حقيقي'.
لكن لماذا نجحت الكنيسة في صد موجة التنوير في إسبانيا بالذات؟ لعل الإجابة تكمن في طبيعة العلاقة التاريخية بين الكنيسة والدولة في إسبانيا، ومن المهم هنا التعرف على جذور هذه العلاقة من خلال النظر إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه وإلى الظروف الموضوعية التي ساهمت في تطورها.
يرجع تاريخ العلاقة بين الكنيسة والدولة في إسبانيا إلى أواخر القرن الرابع الميلادي، فمنذ ذلك التاريخ أصبحت المسيحية دينا رسميا لإسبانيا، ويرجع الفضل في ذلك إلى الإمبراطور الروماني 'تيودوسيو'. في عام 1808، صدر أول دستور إسباني، والمعروف باسم 'قانون بايونا'، وفيه تم توثيق العلاقة التاريخية بين المسيحية ونظام الدولة، فالمادة الأولى من ذلك الدستور نصّت على أن الدين الكاثوليكي هو 'دين الملك والأمة، ولن يُسمح بوجود دين آخر غير هذا الدين'! حافظت الدساتير اللاحقة على هذه العلاقة الوثيقة بين 'الدين الكاثوليكي الأوحد' ونظام الدولة، لكن مع قيام الجمهورية الثانية في إسبانيا وإرسال الملك ألفونسو الثالث عشر إلى المنفى، صدر دستور 1931 الذي نصّ في مادته الثالثة على أن 'الدولة الإسبانية ليس لها دين رسمي'، ولكن هذا الطلاق الأول والأخير بين الدين والدولة في إسبانيا لم يدم سوى بضعة أعوام فقط، ليعود بعدها الدين المسيحي بقوة إلى الحياة السياسية الإسبانية عبر بوابة الحرب الأهلية، وهي حرب انتصر فيها الدكتاتور 'فرانكو' وأنصاره من رجال الكنيسة.
بعد رحيل الدكتاتور وعودة الملكية إلى إسبانيا، صدر دستور 1978 المعمول به حالياً، وعلى الرغم من تأكيد هذا الدستور على قيم الديمقراطية والحرية والمساواة، فإنه لم يستطع أن يتخلص من هذه العلاقة الوثيقة بين المسيحية ونظام الدولة. لنقرأ، على سبيل المثال، ماذا تقول الفقرة 3 من المادة 16 من الدستور الإسباني:
'لا يجوز لأي معتقد ديني أن يكتسب صفة تشريعية. السلطة التشريعية، (ممثلة في الشعب)، تأخذ في الاعتبار المعتقدات الدينية للمجتمع الإسباني وتحافظ على علاقة تعاون مع الكنيسة الكاثوليكية والمعتقدات الأخرى'.
لا تخلو هذه الصيغة من إشكالية، فهي تدل بوضوح على عدم استناد قوانين الدولة إلى تعاليم الدين، لكنها تشير مع ذلك إلى التمسك بالعلاقة التاريخية بين الكنيسة الكاثوليكية والنظام السياسي، وهو أمر يفتح الباب على مصراعيه أمام تداخل المصالح بين رجال الكنيسة ورجال الدولة، فالدعم المادي للكنيسة من قبل السلطة السياسية، والتأثير الديني على بعض التشريعات البرلمانية، وتدخل رجال الكنيسة بالعملية التربوية، ومحاولاتهم المستمرة في التأثير على نتائج الانتخابات الإسبانية، كلها أمور يمكن إدراجها ضمن محافظة الدولة 'على علاقة تعاون مع الكنيسة الكاثوليكية'!
لعلّي لا أبالغ إن قلت إني لا أجد اختلافاً كبيراً بين هذه المادة من الدستور الإسباني وتلك المادة التي تحدد طبيعة العلاقة بين الشريعة الإسلامية ونظام الدولة في أغلب الدساتير العربية، ووجه التشابه هنا يشير إلى الفشل الذريع في تحديد هوية الدولة بصورة واضحة، بدلاً من محاولة التوفيق بين قوانين وضعية من جانب وقوانين ميتافيزيقية من جانب آخر. هذا الفشل في تحديد هوية الدولة هو المسؤول عن هذا التدخل المستمر لرجال الكنيسة في الشأن السياسي الإسباني، وهو المسؤول أيضاً عن تلاشي الخط الفاصل بين الدين والدولة في معظم الأقطار العربية.
المراجع الرئيسة
- كتابHistoria Literaria de Espana en el siglo xviii، للكاتب 'أغيلار بنيال'، مدريد، 1996.
- كتابHistoria de la literatura espanola، للكاتب 'خي إل ألبورغ'، مدريد، 1992.
- كتاب The Enlightenment World، لمجموعة من المؤلفين، لندن، 2007.

الاثنين، 17 أغسطس، 2009

عصر التنوير في إسبانيا- 3

لا تخلو من سخرية تلك الكلمات التي جاءت في مقدمة كتاب Cartas Marruecas (رسائل مغربية)، من تأليف «كدالسو»، أحد أشهر أدباء القرن الثامن عشر في إسبانيا. كتب هذا الأديب يقول: «لقد تشجعت كثيرا في نشر رسائلي هذه، لا سيما أنها لا تتطرق إلى الدين أو الملك»! هذه الكلمات تكشف عن وجود رقابة ذاتية كنتيجة منطقية للقمع الذي عاناه الكتّاب والأدباء الإسبان طوال تلك الفترة، ولقد ساهم هذا القمع في تدهور أغلب الأجناس الأدبية مثل الشعر والمسرح والرواية.
في ما يتعلق بالشعر، كانت الرقابة تتمحور حول ثلاثة أمور رئيسة: الإباحية، والسخرية، والعيوب المتعلقة بالأسلوب. بالنسبة للشعر الإباحي، لم تسمح الرقابة بنشر هذا اللون من الشعر طوال فترة القرن الثامن عشر، فأشعار مثل «حديقة فينوس» أو «قبلات الحب» كانت توصف من قبل الرقابة بأنها أشعار «غير مفيدة وغير لائقة بالنسبة إلى أدبنا، فضلا عن كونها غير أخلاقية بشكل فاضح». أما الشعر الساخر فقد استطاع تجاوز الخطوط الحمراء بفضل ما يعرف بـPliegos de cordel، وهي عبارة عن أوراق سميكة ومثبّتة بحبل في منتصفها، وبالرغم من كونها مطبوعات غير رسمية، فإن سهولة تداولها ساهمت في تجاوز مقص الرقيب وانتشارها بين عامة الناس.
الجدير بالذكر أن جريدة «الرقيب» الإسبانية قامت بنشر قصيدتين فيهما سخرية مبطّنة من علاقة الملك بالسلطة الدينية، وأدّى ذلك إلى إيقاف الجريدة لبعض الوقت! بالنسبة للعيوب المتعلقة بالأسلوب، كانت أحكام الرقابة في معظمها أحكاما اعتباطية، ففي عام 1769 منعت الرقابة قصيدة «حكم أبولو» لأنها، حسب رأي الرقابة، «تفتقد الى القوة الشعرية وخالية من الحس الحماسي»! في بعض الأحيان، قد توثر أيديولوجية الرقيب في حكمه على أسلوب القصيدة، ويمكن أن ندلل على ذلك من خلال تلك الحالة التي منعت الرقابة فيها «أشعار مقدسة» للماركيز «دي بلاثيوس»، و جاء المنع ملخّصا في جملة واحدة: «حين يتعلق الأمر بقضية في قمة السمو والقداسة، فإن الخطأ لا يغتفر، والمحاكاة غير مسموح بها»!
إذا كانت هذه هي حال الشعر مع الرقابة، فإن من الطبيعي جدا أن يتضاعف حجم الرقابة حين يتعلق الأمر بالمسرح، فمن جهة هناك عرض حي، ومن جهة أخرى هناك جمهور، وفي تلاقي هذين العنصرين تكمن الخطورة! على خشبة المسرح، كان من الضروري احترام كلّ من: الدين، والملك، والقوانين، والذوق الرفيع، والأخلاق، والعادات والتقاليد الحميدة، وقواعد أرسطو المسرحية! من ضمن الإجراءات المتعسفة التي قاسى منها المسرح تلك التي تتعلق بالحصول على ترخيص لعرض أي مسرحية، إذ كان لا بد من الحصول على ستة تواقيع لمسؤولين عدة، من بينهم اثنان من رجال الدين!
هناك أسباب عديدة لمنع بعض العروض المسرحية أو مقاطع منها، فعلى سبيل المثال، عندما عرضت مسرحية «سانشو غارثيا»، لم يستطع الجمهور سماع البيت الشعري الذي يقول: «أشك في أن السماء ترعى الإنسان»، وذلك لتعارضه مع تعاليم الدين. قامت الرقابة أيضا، ولأسباب أخلاقية هذه المرّة، بشطب مشهد كامل من إحدى المسرحيات لأنه تضمّن وجود امرأة حامل، وجاء تعليق الرقابة على إجراء المنع مختصرا كالعادة: «مثل هذه القضايا لا علاقة لها بالمسرح»! في عام 1794، اشتد الجدل بين أعضاء الرقابة حول مدى أخلاقية عرض مشهد من مشاهد الانتحار على خشبة المسرح، فبينما أصرّ بعضهم على عدم جواز عرض المشهد لتعارضه مع تعاليم الدين، ذهب البعض الآخر إلى القول بأهمية عرض مثل هذه المشاهد «كي يتعظ الناس ويحمدوا خالقهم على نعمة الإيمان»! رجحت كفة الرأي الأول وتم منع عرض المشهد!
«لاراكيل» مسرحية شعرية تتألف من 2300 بيت، منعت الرقابة منها 735 بيتاً لأسباب سياسية. الأبيات الشعرية الممنوعة تدور في مجملها حول ضعف شخصية أحد الملوك وعدم قدرته على إدارة شؤون الدولة! لا يخلو المنع في بعض الأحيان من أسباب تتعلق بضعف الأسلوب، أو الإخلال بمفهوم الذوق العام، أو حتى أمور شكلية ونظرية مثل عدم التقيد بتعاليم أرسطو المسرحية! يرى أرسطو في كتابه Poetica أن من المستحسن في العمل الأدبي أن يحتوي على أحداث «قابلة للتصديق»، وكان لهذا الرأي صدى كبير بين الكلاسيكيين الجدد في القرن الثامن عشر، ومن ضمنهم الأديب الإسباني «دييث غونثالث»، الذي انفجر غاضبا عند قراءته مسرحية كان البطل فيها يحلم بصوت مسموع، ذلك أنه من المستحيل، حسب رأيه، أن يأتي الحلم في سياق منطقي ومحكم!
ليس هناك جنس من بين الأجناس الأدبية أكثر شمولية من جنس الرواية، ولعل هذه الحقيقة تفسر السبب وراء القرار الصادر في 27 مايو من عام 1799 من قبل مجلس الشورى في إقليم قشتالة، والذي يقضي بحظر طباعة الروايات بشكل عام! لا شك في أن الأحداث التي نجمت عن الثورة الفرنسية كانت وراء ذلك الحكم الجائر بحق الرواية، ومن المؤسف أن يلجأ بعض الكتّاب الإسبان إلى تملّق أعضاء محاكم التفتيش كي يسمحوا لهم على الأقل بترجمة بعض الروايات الأجنبية! فعلى سبيل المثال، في مقدمة الطبعة الإسبانية لـ«Pamela Andrews»، يؤكد مترجم الكتاب أنه «بهذا العمل يقدم خدمات جليلة للعادات والتقاليد الإسبانية الحميدة»، بينما يصرح مترجم آخر بأن «هذا العمل الرائع يساعد على تصحيح العادات السيئة للشعب الإسباني»! على الرغم من كل هذا القدر من الإذلال والمهانة، لم تتوقف الرقابة عن عملها فحظرت نشر العديد من الروايات الأجنبية لأنها «مليئة بالعشق والغزل، ومن شأن ذلك الإضرار بأخلاق الشباب، خصوصا الآنسات، فقد اعتدن قراءة هذا النوع من الروايات»!
(يتبع،،،)

الأربعاء، 12 أغسطس، 2009

عصر التنوير في إسبانيا- 2

في كتاب «مدخل إلى القرن الثامن عشر»، يتحدث الباحث الإسباني «فرانسيسكو أغيلار» عن وجود رقابة ثنائية كانت سائدة طوال فترة القرن الثامن عشر حتى صدور دستور عام 1812، وإعلان الحريات الذي قام على أنقاض النظام القديم (للمرة الأولى في تاريخ إسبانيا، نصّت المادة 131 من ذلك الدستور بشكل واضح وصريح على حرية النشر والتعبير). كانت تلك الرقابة الثنائية عبارة عن رقابة مدنية وأخرى دينية، لكن من المهم التأكيد هنا على أن الأساس الذي بني عليه هذا التقسيم الثنائي يتعلق بنوع السلطة التي تنتمي إليها كل رقابة على حدة؛ فثمة رقابة مدنية تُمارس من قبل السلطة السياسية من جهة، ورقابة دينية منوطة بمحاكم التفتيش من جهة أخرى. لذا فإن صفة «الثنائية» تشير الى مصدر الرقابة، لا إلى موضوعها، الأمر الذي يفسر حظر الكثير من الكتب التي تنتقد الدين من قبل رقابة مدنية ليست لها علاقة إطلاقا مع أي مؤسسة دينية.
في عام 1752، أصدر مجلس الشورى في إقليم قشتالة، وهو عبارة عن هيئة مدنية، قانونا يقضي بإنزال أقسى العقوبة بحق كل من يقوم بطباعة كتاب من دون ترخيص مسبق. هذه العقوبة تتلخص في فرض غرامة مالية والنفي لمدة 6 سنوات بالنسبة لصاحب المطبعة، والنفي إلى الأبد بالنسبة لصاحب المكتبة، وأما المؤلف ففي حال تعرضه بالنقد للكنيسة أو العرش، فيمكن أن يعتبر نفسه محظوظا جدا إن نجا من عقوبة الإعدام! في التاسع عشر من يونيو من عام 1756، بعث القاضي «خوان كورلير»، وهو الشخص المسؤول عن صدور القانون السالف الذكر، برسالة الى إدارة رقابة المطبوعات يحث من خلالها العاملين هناك على ضرورة أخذ الحيطة والحذر في عملهم الرقابي، داعيا إياهم أن «ينتبهوا لإصرار أعداء الدين ومكرهم في نشر أفكارهم الشريرة ودس السم بكل حذر من خلال دعوتهم الناس إلى المجون»! في الفترة ما بين 1746 و1800، امتنعت الأكاديمية الملكية للتاريخ عن نشر 392 كتاباً من أصل 930 مؤلفاً، أي بنسبة تقدر بحوالي %42، و في الفترة نفسها أيضا، بعثت رابطة الأطباء في مدريد بتقرير الى مجلس الشورى بإقليم قشتالة جاء فيه: «لا يكفي أن يحتوي كتاب ما على حقائق كي نسمح بنشره، بل يجب أيضا أن يحتوي على حقائق مفيدة للقرّاء ولا تتعارض مع قيم الدين وقوانين للدولة».
على ضوء ما تقدم، يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: إذا كان هذا الحس الديني المتشدد صادرا عن رقابة مدنية لا تخضع إطلاقا لأي مؤسسة دينية، فماذا بقي، إذن، لمحاكم التفتيش ورقابتها الدينية؟ في واقع الأمر، كانت محاكم التفتيش أشبه ما تكون بـ«حرس الحدود»، خصوصا الحدود مع فرنسا، ذلك أن دورها الرقابي اقتصر على منع دخول الكتب الأجنبية المحظورة إلى الأراضي الإسبانية، ففي الأعوام 1707 و1747 و1790، قامت محاكم التفتيش، أو «العمل المقدس» كما كانت تسمى في ذلك الوقت، بنشر «فهرس الكتب الممنوعة»، وقد كان للكتب الفرنسية نصيب الأسد في ذلك الفهرس، وعلى الأخص كتب «فولتير»، والذي كان يعد من ألد أعداء رجال الدين الإسبان!
لم تكتف محاكم التفتيش بدورها في مراقبة الكتب الأجنبية، بل جعلت تضيّق الخناق على بعض الكتاب والمفكرين الإسبان ممن تشك في توجهاتهم الأيديولوجية، ولقد بلغ الأمر بهؤلاء الكتاب والمفكرين الى حد اللجوء إلى الملك واستئذانه كي يقوم بنفيهم خارج إسبانيا، هربا بجلودهم مما يلاقونه من ذل وتعذيب على أيدي رجال الكنيسة! في عام 1790، أي بعد سنة واحدة فقط من قيام الثورة الفرنسية، كشفت محاكم التفتيش، التي كانت في تلك الفترة على علاقة حميمية مع السلطة السياسية، عن الهدف من دورها الرقابي بكل صراحة ووضوح، وذلك حين أصدرت بيانا تؤكد فيه عزمها على الدفاع «عن النظام السياسي - الاجتماعي القائم»، والجدير بالذكر أن البيان لم يتطرق إلى موضوع حماية الأخلاق كما جرت العادة، ويعد ذلك سابقة في تاريخ محاكم التفتيش الإسبانية.
يتبع،،،

الاثنين، 10 أغسطس، 2009

عصر التنوير في إسبانيا - 1

اعتلى «آل بوربون» عرش إسبانيا في مطلع القرن الثامن عشر، وكان لهذا التغيير الجذري في الحياة السياسية انعكاسات بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل إسبانيا في العصور اللاحقة. أول هذه الانعكاسات وأهمها هو تبني بعض المفكرين الإسبان أفكار حركة التنوير ومفاهيمها التي اجتاحت أوروبا تحت مسميات مختلفة: lumieres في فرنسا، enlightenment في إنكلترا، aufklarung في البلاد الجرمانية، illuminismo في إيطاليا، luzes في البرتغال، وأخيرا، في مطلع القرن الثامن عشر، ilustracion في إسبانيا.
في عام 1687، أعرب أحد المفكرين الإسبان عن استيائه الشديد من تأخر وصول موجة التنوير الى إسبانيا، حيث كتب يقول: «إنه لمن المؤسف، بل من المخجل أيضا، أن يقدّر لنا نحن الإسبان، كما لو كنا إحدى قبائل الهنود الحمر، أن نكون آخر من يعلم عن أخبار التنوير التي انتشرت في كل بقاع أوروبا». لكن المشكلة الحقيقية، حسب رأي بعض النقاد، لم تكن في هذا التأخير، بل في رفض المجتمع الإسباني آنذاك لتبني مبادئ هذه الحركة السياسية الفلسفية الثقافية التي حمل رايتها موسوعيو فرنسا في تلك الحقبة. لم تكن رياح التغيير، التي كانت تهب في بعض الأحيان من رأس السلطة، كافية لزعزعة القيم التقليدية لمجتمع مفرط في كاثوليكيته كالمجتمع الإسباني في ذلك الوقت، كما أن الأفكار الجديدة المتمثلة بحركة التنوير كانت تعتبر أفكارا دخيلة تغذيها قوى استعمارية أجنبية، خصوصا تلك الأفكار القادمة من «باريس»! (انظر كتاب The Enlightenment World ، صفحة 415).
في كتاب «تاريخ الأدب الإسباني»، يشير البروفيسور Alborg الى انعدام فضيلة التسامح في تلك الحقبة من تاريخ إسبانيا، حيث يقول: «كان أدنى اعتراض أو نقد يوجه ضد أي من ثوابت المجتمع الإسباني يتم تصنيفه وبشكل مباشر على أنه جريمة في حق الوطن وخروج على الدين». هذه الثوابت التي يتحدث عنها Alborg تتلخص في ثلاثة أصناف من السلطة: السلطة السياسية ممثلة بالملك، والسلطة الدينية ممثلة بالكنيسة، والسلطة الاجتماعية ممثلة بالعادات والتقاليد.
في ظل هذا الوضع المتأزّم، لم تكن هناك سوى أعداد يسيرة جدا من متبني حركة التنوير الأوروبية في إسبانيا. كانت هذه الأقلية من الكتّاب والمفكرين الإسبان، أو فئة «المستنيرين»، عاجزة تماما عن التأثير في الرأي العام لمصلحة أفكارها وطموحاتها، وحتى عندما سنحت الفرصة في منتصف القرن الثامن عشر لهذه الأقلية وتحالفت رسميا مع «كارلوس الثالث»، لم تستطع أن تنجز سوى نسبة ضئيلة جدا من برنامجها الإصلاحي. أحد الأسباب الرئيسة لهذا الفشل الذريع يكمن في عدم جدية العرش في تلبية متطلبات حركة التنوير وتشكيكه كذلك في نوايا فئة المستنيرين وأهدافها، لاسيما بعد أحداث عام 1789 وبزوغ نجم الثورة الفرنسية. كانت السلطة السياسية آنذاك، ممثلة بالملك والوزراء المعينين، تعقد التحالفات تارة مع رجال الدين، وتارة مع الإصلاحيين العلمانيين، بينما ظلت الكنيسة محافظة على مكانتها كمؤثر قوي في توجيه الرأي العام وتحريضه ضد حركة الإصلاح! من الواضح أن رجال الدين اختاروا السير في اتجاهين متضادين، بينما اعتقد الإصلاحيون أن مصباحهم السحري يكمن فقط في قمة الهرم! بعد أحداث عام 1789 وفض التحالف الحكومي-الإصلاحي، كتب أحد وزراء الملك «كارلوس الرابع» إلى سفير إسبانيا في «فرساي» يقول: «يقال إن عصر التنوير هذا قد ثقّف الإنسان وجعله عالما بحقوقه، لكني أعتقد أنه سلب من الإنسان أيضا الراحة والطمأنينة»! ثم يسخر في آخر الرسالة من حركة التنوير قائلا: «نحن هنا في إسبانيا لسنا في حاجة الى إضاءة زائدة عن الحد»!
لكن ينبغي التذكير بحقيقة مهمة، وهي أن العداء لموجة التنوير لم يكن مقتصرا فقط على رجال الدين، ففي فرنسا ذاتها كانت هناك نخبة من المثقفين تقف في وجه التنوير لأسباب مغايرة. على سبيل المثال، لم تكن رومانسية «روسو» سوى ردة فعل عنيفة ضد النزعة العقلية، و هو أمر نراه بوضوح من خلال كتابه الشهير عن «اللا مساواة»، والذي يدعو فيه إلى العودة إلى حياة الإنسان البدائي ونبذ عقلية الإنسان المدني. عندما بعث «روسو» بنسخة من كتابه إلى «فولتير»، جاء رد هذا الأخير مغلفا بسخرية لا يجيدها إلا «فولتير» نفسه، ففي الثلاثين من أغسطس من عام 1755، بعث «فولتير» برسالة إلى «روسو» يقول فيها: «إن من يقرأ كتابك تعتريه رغبة عنيفة في المشي على أربع»!
يتبع،،،

الأربعاء، 5 أغسطس، 2009

ماذا لو كنتُ مخطئاً؟

'الدوغما' هي الإيمان المطلق بصحة رأي معين، بينما التعصّب هو الدفاع المستميت عن صحة رأي بأي ثمن. هناك، إذن، اختلاف طفيف بين مفهومي 'الدوغما' والتعصب، فالأول يعبّر عن موقف، والثاني يعبّر عن ممارسة. إذا قبلنا بصحة هذين التعريفين، فإن بوسعنا أن نصل إلى الاستنتاج التالي: 'الدوغما' شرط أساسي لوجود التعصب، فمن دون 'دوغما' لا يوجد تعصب، ذلك أن من غير المعقول أن تدافع بشراسة عن رأي لا تؤمن بصحته! إذا كان هذا صحيحاً، فإن مكافحة التعصب في أي نظام تعليمي لابد أن تعتمد على سياسة تعليمية قائمة على نبذ التفكير 'الدوغماتي'. بمعنى آخر أكثر تحديداً، إذا أردنا تطهير نفوس الطلاب من التعصب بجميع أشكاله، فلابد أولا من تطهير عقولهم من الميل اللانقدي إلى الإيمان المطلق بصحة آراء معينة، ومن ضمنها تلك الآراء التي يعتبرها البعض آراء مقدسة.
لو نظرنا إلى سياسة التعليم على أرض الواقع، لوجدنا أنها سياسة متناقضة، فهي من جهة تكافح التفكير 'الدوغماتي' والمتعصب من خلال مناهج العلوم الطبيعية، لكنها تعزز، من جهة أخرى، 'الدوغما' والتعصب من خلال مناهج التربية الدينية والوطنية. كي نقف على حقيقة هذه السياسة المتناقضة لنظامنا التعليمي، دعنا نر ما هو أثر تدريس هذه المناهج الدراسية المختلفة على عقول الطلاب.
في مناهج العلوم الطبيعية، نقدّم إلى الطلّاب حقائق علمية كثيرة، لكننا لا نطالبهم بالقبول المسبق بصحة هذه الحقائق، بل نلفت انتباههم إلى وجود أدلة عقلية أو مادية تدعم صحة كل حقيقة علمية، ثم نتيح لهم التحقق من ذلك بواسطة إجراء التجارب العلمية. هنا يبرز الدور الحيوي لمفهوم 'التجربة العلمية' في مكافحة التفكير 'الدوغماتي' والمتعصب، فالتجربة ليس لها قيمة إذا لم يكن لديك استعداد في قبول نتائجها، مهما جاءت متعارضة مع ما تؤمن به. بمعنى آخر، نستعين بإجراء التجارب العلمية لأننا نتوقع أن تقودنا هذه التجارب إلى نتيجة معينة، لكن إذا لم يكن لدينا استعداد لتغيير قناعتنا مهما كانت نتائج التجربة العلمية، فإن فكرة إجراء التجربة تفقد أي معنى لها! إن أبرز ما يميّز المناهج العلمية هو أنها تربي في نفوس الطلاب فضيلة الشك وعدم القبول بصحة أي رأي من دون وجود دليل عقلي أو مادي، وهذا بالضبط ما يفتقر إليه التفكير 'الدوغماتي' والمتعصّب!
لو انتقلنا الآن إلى مناهج التربية الدينية، فسنجد أن الصورة معكوسة بشكل صارخ، فنحن نقدم إلى الطلاب مجموعة من 'الحقائق' غير العلمية، ثم نتوقع منهم القبول المسبق بصحتها، والجدير بالذكر أن بعض هذه الحقائق مستوفٍ لشروط إجراء التجرية العلمية، وبالرغم من ذلك لا يتم إخضاعها للتجربة للتحقق من مدى صحتها، فهي تُقدم بوصفها حقائق ثابتة غير قابلة للشك! ما يزيد الطين بلّة هو تشويه مفهوم 'الدليل العلمي'، فمعنى هذا المفهوم في هذه المناهج لا يشير إلى علاقة رياضية أو تجربة مخبرية، بل إلى نصوص دينية! لو سألت طالباً عن مدى صحة 'حقيقة علمية' وردت في نص ديني، فأغلب الظن أنه سينظر إليك باستغراب وربما اعتقد أنك أحمق، لكن ليس من العدل أن نلوم هذا الطالب، فهذا النوع من المناهج جعله يعتقد أن ورود هذه الحقيقة العلمية في نص ديني يكفي لإثبات صحتها!
الدين يعبّر عن حاجة روحية يراها البعض ضرورية، لكنه ليس مصدراً للمعرفة العلمية، لذا لست أدعو إلى إلغاء المناهج الدينية، بل إلى إعادة النظر في طريقة تدريس مثل هذه المناهج. هناك، مع الأسف، حرص شديد على تلقين االطالب كيف يجيب عن أي سؤال، لكن سيكون من المفيد لنا جميعا أن ندفعه إلى أن يطرح على نفسه سؤالاً واحدا فقط: ماذا لو كنتُ مخطئاً؟ فهذا هو السؤال الغائب عن عقل كل إنسان متعصب!

الاثنين، 3 أغسطس، 2009

سر الحديقة

هي حديقة من دون مزارع يعتني بها، تخضرّ حينا، وتصفرّ أحيانا كثيرة، ولكنها استطاعت على مر السنين أن تحتفظ بهويتها كحديقة! إلى جانب بعض الأشجار والأعشاب المتناثرة هنا وهناك، تقطن الحديقة مستعمرتان من النمل، مستعمرة في شرق الحديقة، ومستعمرة في غربها· العلاقة بين النمل الشرقي والنمل الغربي ظلت متذبذبة لسنوات عديدة، وأغلب ما يميز هذه العلاقة هو هذا التنافس الشرس للحصول على خيرات الحديقة، ولكن ميزان القوة بدأ يميل شيئا فشيئا لصالح المستعمرة الغربية، والسبب في ذلك يعود إلى تغير طاريء في طريقة تفكير النمل الغربي تجاه الحديقة ومحاولة فهمها!
ما سر الحديقة؟ هل هناك مزارع يرعاها؟ لماذا تتقلب الحديقة بين الاخضرار والاصفرار، وهل هناك قوانين تتحكم بشكل الحديقة، أم أن مصير الحديقة مرهون بإرادة مزارع مجهول، يصرّف أمورها كيفما شاء؟ هذه بعض الأسئلة التي أقلقت النمل الغربي، الذي وجد نفسه أمام احتمالين: إذا كان للحديقة مزارع، فمن العبث محاولة فهم القوانين التي تنظم الحديقة، ومن غير المجدي دراسة نظام يعتمد على مزاجية مزارع! لكن ماذا لو لم يكن هناك مزارع؟ في هذه الحالة تصبح عملية فهم القوانين المنظمة للحديقة منطقية، وكلما فهمنا هذه القوانين، زادت فرصة استثمارها لصالحنا! على هذا النحو راح يفكر النمل الغربي، ومنذ هذه اللحظة الحاسمة بدأ ميزان القوة يميل إلى جهة الغرب!
في الوقت الذي سادت فيه ثورة في التفكير في الجهة الغربية من الحديقة، ظل النمل الشرقي متمسكا بالطريقة البدائية في التفكير، فاخضرار الحديقة يعود إلى رضا المزارع وكرمه، واصفرارها يرجع إلى عضب المزارع وسخطه! هذا النمط من التفكير قاد النمل الشرقي إلى معرفة متى يغضب المزارع ومتى يرضى، وكيف السبيل إلى اجتناب غضبه والظفر برضوانه! كنيتجة حتمية، نشأت طقوس متعددة في مستعمرة النمل الشرقي، وكلما ازداد الحرص على التمسك بهذه الطقوس، ابتعد النمل الشرقي عن فهم "سر الحديقة"!
المحصلة النهائية هي أن النمل الغربي نجح تدريجيا في اكتشاف سر الحديقة، واستطاع التنبؤ بدقة متناهية بموسم ازدهار الحديقة وموسم اندثارها، بل لقد تمكن أيضا من إخضاع الحديقة لاحتياجاته من الطعام، ثم راح يبيع المخزون الفائض عن الحاجة لمستعمرة النمل الشرقي! رغم كل ذلك، مازال النمل الشرقي يكابر بكل حماقة، ويعاند بكل سذاجة، رافضا تفسير النمل الغربي لسر الحديقة، ومتمسكا بطقوس أكل الدهر عليها وشرب!
سر الحديقة يكمن في داخلها، هكذا يعتقد النمل الغربي، أما النمل الشرقي فكان ولا يزال يؤمن بأن هذا السر يقبع في مكان ما خارج أسوار الحديقة! هذا هو السبب الرئيس في تفوق النمل الغربي على نظيره الشرقي!

التعصب الديني والمناهج الدراسية

أليس صحيحاً أن بعض النواب مدينون للاستقطاب الطائفي في وصولهم إلى البرلمان؟ هذه ليست تهمة، بل حقيقة يصعب تجاهلها، وهناك اختبار بسيط للتحقق من صحتها بأن يحاول هؤلاء النواب، مثلاً، خوض الانتخابات في دوائر انتخابية أخرى!


في الأيام القليلة الماضية، كان منهج التربية الإسلامية موضوعاً ساخناً على الساحة السياسية في الكويت، ويبدو أن النزاع مازال على أشده بين فريقين، فمن جهة هناك من يطالب بالإبقاء على المنهج من دون حذف أو تعديل، ومن جهة أخرى هناك من يطالب بحذف بعض النصوص التي لا تدعو إلى التسامح واحترام الآخر. مشكلة هذا النزاع تكمن في حقيقة أنه نزاع عقيم ومن دون فائدة، والسبب في ذلك بسيط ومباشر: سيبقى التعصب الديني قائماً بصرف النظر عن هوية من ستكون له اليد الطولى في تحديد منهج التربية الإسلامية، لأن طريقة معالجة المشكلة لا تمس منها سوى القشور، لا الجذور!
إن من السذاجة الاعتقاد بأن تغيير منهج دراسي سيدفع الطلاب إلى التسامح واحترام المذاهب المغايرة، فلو لم يسمع الطلاب عبارات التكفير في المدراس، فإنهم حتماً سيسمعونها في المساجد والحسينيات وحتى في الجلسات الأسرية المغلقة، ذلك أن جذور التعصب الديني تمتد إلى خارج أسوار المدرسة، كما أن التعصب الطائفي يبلغ من العمر أكثر من 1400 سنة، و لم يكن له أن يبقى حيّا كل هذه القرون من الزمن لولا حرص كلا الطرفين على أن 'تبقى حزازات النفس كما هي'!
هناك مظاهر عديدة لهذا الحرص المشترك بين الطرفين على إبقاء الصراع الطائفي حيّاً، أبسطها نجده في نوعية اختيار أسماء المواليد الجدد، ومن السهل ملاحظة تنامي الإصرار عند الطرف السني على اختيار أسماء مثل 'عمر' أو 'عثمان' لمجرد استفزاز الطرف الشيعي، بينما يتحاشى هذا الأخير اختيار هذا النوع من الأسماء وكأنها 'تابو'! هنا أستذكر التصريح الذي أدلى به النائب الفاضل حسن جوهر لـ'الجريدة'، مؤكداً أن 'مناهجنا كان عليها لغط كبير، وهي لا تدعو إلى التسامح واحترام المعتقدات والمذاهب الإسلامية الأخرى، وتحوي أموراً غير مقبولة لدى بعض الشرائح في المجتمع'. لا غبار على تصريح النائب الفاضل، لكن إذا فشل الطرفان في التسامح حتى على مستوى اختيار أسماء أطفالهم، فكيف نتوقع منهما التسامح في أمور أكثر تعقيداً؟ كيف يشيع التسامح بين الطلاب بينما تفضح أسماؤهم مدى تعصّب آبائهم؟ ثم هل هي مصادفة، مثلاً، أن يكون 'حسن' هو الاسم الأول للنائب الفاضل، أو أن تكون كنيته هي 'أبو مهدي'؟
من جانب آخر، أليس صحيحاً أن بعض النواب، ومنهم النائب جوهر، مدينون لهذا الاستقطاب الطائفي في وصولهم إلى البرلمان؟ هذه ليست تهمة، بل حقيقة يصعب تجاهلها، وهناك اختبار بسيط للتحقق من صحتها: ليحاول هؤلاء النواب، مثلا، خوض الانتخابات في دوائر انتخابية أخرى، ولو فعلوا لاكتشفوا إلى أي مدى هم مدينون للتعصب الطائفي في تحقيق طموحاتهم السياسية، ولعل وصول النائب الفاضل فيصل الدويسان إلى البرلمان يكشف عن أحدث الطرق في استخدام التجاذب الطائفي واستثماره بشكل براغماتي! لاحظ أن الشعارات الانتخابية التي تدعو إلى روح المودة والإخاء بين المذاهب الإسلامية تندرج أيضا تحت بند استثمار التجاذب الطائفي!
في السياق نفسه، طالب النائب حسن جوهر بأن 'يتم تدريس الثقافة الإسلامية العامة دون الخوض في التفاصيل والخلافات المذهبية'. يبدو أن النائب الفاضل تناسى أنه أكاديمي قبل أن يكون سياسياً، إذ كان من الأجدر به أن يقدّم حلّا يستأصل بواسطته جذور المشكلة، بدلا من الاكتفاء برفع الأذى عن الشريحة الانتخابية التي يمثلها!
في المقال القادم، سأحاول أن أبيِّن أين تكمن جذور التعصب الديني في مناهجنا الدراسية، وأن أدلل أيضاً على أن وجود مثل هذا التعصب ليس سوى نتيجة منطقية لنظام تعليمي قائم على أسس متناقضة.