الاثنين، 31 أغسطس، 2015

«لا تسامح مع اللاتسامح»


عنوان هذا المقال يشير إلى مبدأ معروف في ميدان النظرية السياسية، ومثل أغلب المبادئ والمفاهيم النظرية، عادة ما يكون عُرضة للتشويه وسوء التطبيق، وسنحاول من خلال ما يلي تسليط الضوء على هذا المبدأ للتعرّف على وظيفته، ومدى أهميته، وحدود تطبيقه على أرض الواقع.

لكلّ فرد الحقّ في الدفاع عن نفسه، وبالمثل، لكلّ مجتمع الحقّ في الدفاع عن استقراره، وأحد أهم مظاهر هذا الاستقرار هو التعايش السلمي بين فئات المجتمع الواحد، بحيث لا تحجب فئة حقّ الوجود عن فئة أخرى، ووظيفة مبدأ "لا تسامح مع اللاتسامح" هي ضمان هذا التعايش السلمي في حدّه الأدنى، والمبدأ يرتكز على أرضية منطقية صلبة، ذلك أنّ الإخلال به يعني التسامح المطلق مع فئة اجتماعية غير متسامحة، وبالتالي اقتصار حقّ الوجود على هذه الفئة بعينها بعد أن قضى التسامح غير المحدود للفئات الاجتماعية الأخرى على وجودها!
مفهوم "التسامح المطلق" ينطوي على تناقض، وهو بذلك شبيه بمفهوم "الحرية المطلقة"، فمثلما أنّ الحرية المطلقة تفضي إلى قانون الغاب بحيث يكون البقاء للأقوى، فإنّ التسامح المطلق يخلق مجتمعاً يكون البقاء فيه مقتصرا على أشدّ الفئات الاجتماعية تطرّفاً، وهنا تحديدا تكمن أهمية مبدأ "لا تسامح مع اللاتسامح"، فهو بمنزلة الضريبة التي يتعيّن دفعها لضمان التعايش السلمي في مجتمع واحد، والضريبة هنا تكمن في ضرورة أن يتنازل المجتمع المتسامح عن جزء من تسامحه في سبيل الحفاظ على استقراره.
سبق أن أشرنا إلى التشابه بين حق الفرد في الدفاع عن نفسه وحق المجتمع في الدفاع عن استقراره، ولهذا التشابه وجه آخر من حيث حدود تطبيق كلا النوعين من الحقوق، فإذا كان القانون يمنح الفرد حق الدفاع عن نفسه، فإنّ القانون يتطلّب أيضا إثبات حجة الدفاع عن النفس، وبالمثل، إذا كان مبدأ "لا تسامح مع اللاتسامح" يمنح المجتمع الحق في عدم التسامح مع فئة اجتماعية غير متسامحة، فإنّ هذا المبدأ يتطلّب أيضا إثبات عدم تسامح تلك الفئة مع فكرة التعايش السلمي، ولهذا ينبغي تطبيق هذا المبدأ في أضيق الحدود، إذ لا يجوز التوسع في استخدامه كذريعة لإخضاع فئات اجتماعية أو سياسية غير مرغوب في وجودها.
الشعارات التي تدعو إلى أيديولوجية فاشية، أو مذهبية دينية، أو عنصرية عرقية، كلها شعارت تنطوي على كراهية الآخر ونبذه، وهي بذلك تقوّض استقرار المجتمع وتهدّد التعايش السلمي بين مكوّناته، وإزاء هذه الشعارات غير المتسامحة لا ينبغي التسامح أبدا.  

الاثنين، 24 أغسطس، 2015

كم عمر «داعش»؟


حاول أن تربط بين تنظيم «داعش» والتراث الإسلامي فستلقى على الفور ردة فعل من معسكرين متناقضين: معسكر يميني يرى في نشأة هذا التنظيم مؤامرة على الأمة الإسلامية وتشويهاً لدينها، ومعسكر يساري يرى أن بروز هذا التنظيم ليس سوى نتيجة طبيعية للظروف الموضوعية التي تحكم الحقبة التاريخية الحالية! إذا أعدت الكرّة وربطت بين «داعش» والتراث الإسلامي فإنّ ردة الفعل هذه المرة ستكون أكثر قسوة، فالمعسكر اليميني سيتهمك بأنك متحامل على الدين وكاره له، والمعسكر اليساري سيتهمك بالسطحية والتعالي على الواقع الاجتماعي! من الواضح أنّ العامل المشترك هنا بين هذين المعسكرين المتناقضين هو نفي مسؤولية التراث الإسلامي عن نشأة «داعش»، أو على الأقل، عدم اعتبار هذا التراث عاملا مؤثرا في نشأة هذا التنظيم الإجرامي.

في مقال بعنوان «لغز الإعلام وخلافة داعش»، كتب الدكتور إبراهيم البيومي يقول: «ليس أمامنا فرصة للشك في أنّ هذا التنظيم صناعة أجنبية لنشر الفوضى في بلاد المسلمين، ولطعن الإسلام في أصوله الكبرى»! هذا الرأي المستند إلى نظرية المؤامرة تتبنّاه الأغلبية فيما يبدو، واستناد أيّ رأي إلى نظرية المؤامرة لا يجعل منه رأيا خاطئا بالضرورة، كما أن تبنّي أغلبية لأيّ رأي لا يجعل منه رأيا صحيحا بالضرورة، لكن إذا سلّمنا جدلا بأنّ «داعش» صناعة أجنبية تهدف إلى الطعن في الدين، فإنّ هذا معناه أننا نتحدث هنا عن «داعش» بوصفه تنظيما سياسيا، لكن ماذا عن «داعش» بوصفه أيديولوجية دينية؟ هل النصوص التي يتلوها جلادو «داعش» قبل قطع رؤوس ضحاياهم صناعة أجنبية؟ وهل حماس الآلاف من الشباب المسلمين للانضمام في صفوف هذا التنظيم الدموي صناعة أجنبية؟ وهل من المعقول أن يطعن «الإسلام في أصوله الكبرى» مَن كانوا مؤمنين إيمانا عميقا بتلك الأصول؟ من السهل اتهام أنصار «داعش» بأنّ إسلامهم «منحرف»، لكن ألم يكن من السهل أيضا على أنصار «داعش» اتهام خصومهم من المسلمين بأن إسلامهم «غير مكتمل»؟
قبل أسبوع أو يزيد، كتب الزميل د. بدر الديحاني على حسابه في «تويتر» يقول: «تجار الدين مجرد أدوات تستخدم لتبرير وضع سيئ وإشغال الناس بقضايا هامشية، ومن السذاجة التركيز على الأدوات بدلا من محركها كما يفعل بعض دعاة التنوير»، وقبل الزميل الديحاني كتب زميلنا الأستاذ حسن العيسى هنا في «الجريدة» مقالا بعنوان «قمع + فساد = داعش»، معنّفا من خلاله «الليبراليين» بسبب تفسيراتهم السطحية لنشأة الإرهاب الداعشي «بنهج نخبوي متعال عن واقع مجتمعاتهم»، ومؤكدا في المقابل «على أن الفساد زائد القمع ينتج داعش ودواعش من دون نهاية»، ومستشهدا في الوقت نفسه بعبارة للكاتب المعروف «روبرت فيسك» يقول فيها: «عندما تعذب شعبك كثيراً، فستملأ جراثيم داعش جروح هذا الشعب»!
لنسلّم– مجددّا– بأنّ كلّ ما ذكره الزميلان صحيح ولا غبار عليه، لكن– بالرغم من ذلك- تبقى هناك أسئلة مشروعة لا يبدو أنّ الزميلين معنيان بها، منها على سبيل المثال لا الحصر: قد يكون تجّار الدين أدوات في يد السلطان، لكن ما الذي يجعل التجارة بالدين أداة ناجحة في يد السلطة؟ وقد تملأ «جراثيم داعش» الفراغ الذي خلّفه الفساد والقمع معاً، لكن من أين جاءت هذه «الجراثيم»؟ وعلى ماذا كانت تقتات قبل أن تملأ هذا الفراغ؟
يبدو لي أنّ بعض المحاولات الرامية إلى فكّ الارتباط بين الإجرام الداعشي والتراث الديني تنطوي على استخفاف بقوّة الأفكار وأثرها على سلوك الإنسان ومصير الشعوب، ولعلّ من المفارقة أنّ «ماركس» نفسه لم يمنعه منهجه المادي في تفسير التاريخ البشري من الإيمان بقوة الأفكار وتأثيرها على سلوك الإنسان، حيث كتب مشبّها الأفكار بـ«الشياطين التي لا يستطيع الإنسان التغلّب عليها إلا من خلال الخضوع لها»! أضف إلى ذلك أنّ من الصعب تخيّل قيام الثورة البلشفية قبل ظهور أفكار ماركس، ومن الصعب كذلك تفسير قصر الفترة الزمنية بينهما من دون الاعتراف بسطوة الأفكار وأثرها على مجرى التاريخ.
أخيرا، ينبغي الاعتراف بأنّ «داعش» ليس سوى نسخة متطرفة لأصل موجود فعلا، وإذا كان عمره كتنظيم سياسي لا يتجاوز بضع سنوات، فإنّ عمره كأيديولوجية دينية يعود إلى مئات السنين من الخصومة مع العقل البشري، وهي الخصومة ذاتها التي جعلت من الدين تجارة رابحة، ومن أنصار «داعش» جراثيم قاتلة!

الأربعاء، 19 أغسطس، 2015

تنازل عن كرامتك واشتهر!

كم من جاهل جرى خلف الشهرة فأدركها، وكم من حاذق أدركته الشهرة فراغ عنها، ولعلّ من المفيد أن نتساءل عن السبب وراء هذا التباين في الموقف من الشهرة: لماذا هي محمودة عند الجاهل، ومذمومة عند الحاذق؟ يبدو لي أن الإجابة عن هذا السؤال على علاقة مباشرة بمفهوم «الكرامة الإنسانية»، والمقصود هنا بالكرامة احترام الإنسان لذاته وعدم امتهانها بأيّ شكل من أشكال الامتهان، وعلى ضوء هذا التعريف سنحاول فيما يلي الإجابة عن السؤال المطروح من خلال الإشارة إلى ثالوث من المفاهيم: الشهرة، والكرامة، والمهارة.
لو تأملنا سيرة المشاهير الكبار عبر التاريخ لوجدنا أنّ أغلبهم كانوا يتمتعون بمهارة فائقة امتازوا بها عن غيرهم، وأمّا الشهرة التي نالوها فلم تكن سوى نتيجة طبيعية لمهاراتهم الفائقة، وغالبا ما يحرص هؤلاء المشاهير على مهاراتهم أكثر من حرصهم على الشهرة التي اكتسبوها بفضل تلك المهارات، بل إن منهم مَن يذهب إلى أبعد من ذلك فيحتقر الشهرة التي من شأنها أحيانا الانتقاص من كرامته، ولعل المثال الأبرز هنا هو آينشتاين، فعندما وصل هذا الفيزيائي العبقري إلى أميركا، أبدى امتعاضه من هوس الشعب الأميركي بالمشاهير وشؤون حياتهم الخاصة، وعندما كثرت عروض الشركات التي انهالت عليه للظهور في إعلان تسويقي لمنتجاتها، سخر من تلك العروض بقوله: «هؤلاء المسوّقون الأغبياء لا يفرّقون بين طالب العلم والعاهرة»!
الشهرة –إذاً– ليست سوى تحصيل حاصل لما يتمتع به الأشخاص الموهوبون من مهارات فائقة، لكن من شأن الشهرة في أغلب الأحيان أن تكون غاية في ذاتها، وهي كذلك فعلا عند من يفتقرون إلى الموهبة ويصرّون مع ذلك على طلب الشهرة، فهؤلاء ينظرون إلى الشهرة بوصفها سلعة قابلة للمقايضة بسلعة أخرى، وغالبا ما تقف الكرامة على الطرف الآخر من المقايضة، والنتيجة الطبيعية هي أنهم يضيفون إلى افتقارهم إلى الموهبة افتقارهم إلى الكرامة، وهم بذلك أشبه بالأقزام في مسابقة «قذف الأقزام» المنتشرة في بعض الدول الغربية، لكن قد نلتمس العذر للأقزام في القبول بالإهانة المتمثلة بقذفهم في الهواء كالكرة لمجرد التسلية، إذْ لم يدفعهم إلى ذلك سوى الفقر والحاجة، لكن ما عذر أولئك الذين لا يخجلون من أن يكونوا موضوعا للسخرية على الملأ لفرط شغفهم بنيل الشهرة؟
ليس أشقّ على عبيد الشهرة من المثابرة على اكتساب مهارة حقيقية، وليس أيسر على نفوسهم من هدر كرامتها، وهنا يكمن السبب في أنّ عدد المشاهير من ذوي الموهبة الحقيقية أقل بكثير من عدد الذين اشتهروا على حساب احترامهم لذواتهم، ولا نذيع سرّا عندما نقول إنّ التفاهة أثمن من الرزانة في ميزان أغلب الجماهير ووسائل الإعلام، ولعلّ خطورة هذا الوضع البائس تتمثل برسالة ضمنية إلى الأجيال الناشئة مفادها أنّ المهارات الحقيقية لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنّ الحماقة هي أقصر الطرق إلى الشهرة.
أخيرا، ينبغي التذكير بالحقيقة التالية، وهي أنّ الأحمق المشهور مشهور، ليس لأنه يستطيع القيام بشيء لا يستطيع غيره القيام به، بل لأنّه على استعداد تام لبيع ما لا يطيق غيره أن يبيعه، فماء الوجه أعزّ على النفوس الأبية من بريق الشهرة، وهذا ما لا يستطيع فهمه أبدا مَن كانت الشهرة غايته!

الاثنين، 17 أغسطس، 2015

استراتيجية «فرّق... تسد»

الكويت بلد التنبؤات السهلة، يكفي أن تعرف الاسم الأخير لمواطن كي تتنبأ بالمحافظة– أو ربما حتى بالمنطقة السكنية– التي يقطنها، ويكفي أن تلقي نظرة سريعة على ديموغرافية أي دائرة انتخابية كي تتنبأ بفرص فوز المرشحين فيها، ويكفي أن تعرف اسم ناد رياضي كي تتنبأ بالمذهب الديني لأغلب مشجعيه، ويكفي أن تعرف اسم وزارة أو مؤسسة حكومية كي تتنبّأ بفرصة كل شريحة اجتماعية في الحصول على وظيفة فيها، ويكفي أن تعرف اسم عائلة كي تتنبأ بما إذا كانت حصتها من النفط تأتي على شكل مناقصة حكومية أم على شكل راتب آخر الشهر.

ما الذي يجعل كل هذه التنبؤات سهلة؟ الإجابة عن هذا السؤال أسهل من التنبؤات نفسها، إنها استراتيجية «فرّق تسد»، وهي قديمة قِدم الحضارة الصينية، كما تحدّث عنها ميكيافيللي بإسهاب في كتابه «فنّ الحرب»، وهي الاستراتيجية ذاتها التي لاقت منذ زمن طويل نجاحا منقطع النظير في هذا البلد الصغير، وقد ساهم في هذا النجاح أمران: النفط وضعف مؤسسات الدولة، وهما أمران مرتبطان، فعندما تضعف مؤسسات الدولة، يكفّ المواطن عن المطالبة بحقوقه ليكتفي بانتظار الهبات.

من ضمن نتائج استراتيجية «فرّق تسد» ما نراه اليوم من مظاهر التفكيك الممنهج والمدروس لشرائح المجتمع الواحد، فسياسة الإسكان مسؤولة عن ترسيخ علاقة بدائية بين الهويات الإثنية والدينية من جهة والإحداثيات الجغرافية من جهة أخرى، وعلى أساس هذه العلاقة ارتكزت سياسة تحديد الدوائر الانتخابية، كما أن سياسة التوظيف لم تبرأ من التمييز بين الشرائح الاجتماعية، وبسبب هذا التمييز تباينت الفرص المتاحة في صعود السلّم الاجتماعي وتفاقمت بذلك الفروق الاجتماعية بين أفراد الشعب الواحد.

إلى جانب النتائج، هناك أيضا عواقب وخيمة تعكس قصر نظر استراتيجية «فرّق تسد»، ذلك أنها استراتيجية تقتصر على شؤون الداخل من دون أدنى اعتبار لشؤون الخارج، فالأحداث الإقليمية المشتعلة من حولنا، والنعرات الطائفية المتفاقمة في محيطنا، لم تكن لتلقى صدى في مجتمعنا لولا طغيان مشروع الحكم على مشروع الدولة، وشتان بين المشروعين، فالأول يفرّق لتسود السلطة، والثاني يجمع ليدوم الوطن!
دعا الكثير من المخلصين إلى تحصين الجبهة الداخلية من خلال تبني الخيار الديمقراطي، فهل ستلقى هذه الدعوة المخلصة استجابة سريعة لحفظ الوطن من شرور أعدائه، أم أنّ «مينيرفا» لا تُرفرف بجناحيها إلا بعد حلول الظلام؟

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

هل تفتخر بأنّك كويتي؟


عنوان هذا المقال عبارة عن سؤال مباشر، لكنّ الإجابة عنه لا تبدو سهلة، وذلك لأسباب متعددة، بعضها على علاقة بالمنطق، وبعضها الآخر على علاقة بالواقع، ولكن قبل أن ننتقل إلى تبيان هذين النوعين من الأسباب لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين: الأولى من باب درء سوء الفهم، والثانية من باب نقد الشوفينية الثقافية، فأمّا النقطة الأولى فهي أنّ الافتخار والحبّ شعوران إنسانيّان غير متلازمين بالضرورة، فكم من أب يحبّ ابنه ولا يملك مع ذلك سببا وجيهاً للافتخار به، وبالمثل، كم من مواطن يعشق تراب وطنه ولا يهتدي إلى سبب مقنع ليفاخر بوطنه على مسرح الأمم المتمدّنة، وأما النقطة الثانية فهي أنّ الفخر عنوان بارز في الأدب العربي، وسِمة مميزة من سمات الثقافة العربية، كما أنّه مرتبط بتمجيد الماضي بقدر ارتباطه بفضح بؤس الحاضر، وهنا إنّما يصدق قول الشاعر:
لئن فخرتَ بآباء لهم شرفٌ
لقد صدقت ولكن بِئس ما ولدوا!  
هل من المنطقي أن يتباهى الأخ الأكبر بمجيئه إلى الحياة قبل مجيء أخيه الأصغر؟ وهل من الحصافة أن نفتخر أمام إخواننا المصريين بأنّ الشمس تشرق على الخليج قبل شروقها على النيل؟ بل هل من المعقول أن يفخر المصريون بأنّ أجدادهم الفراعنة شيّدوا الأهرامات قبل آلاف السنين؟ «لا» هي الإجابة الممكنة منطقيا عن كلّ هذه الأسئلة، ذلك أنّ الافتخار بإنجاز أيّ شيء يستلزم مسؤولية حقيقية عن إنجاز هذا الشيء، فلا أحد يستطيع أن يفتخر بمصادفة عرضية لا ناقة له فيها ولا جمل، وقياسا على هذا فإنّ الكويتي المولود لأب كويتي لا يملك أن يفتخر بكونه كويتيا.
لكن لنتجاوز المنطق ونتحدّث عن الواقع، فأغلب شعوب الأرض تفتخر بانتمائها إلى أوطانها، ولكلّ شعب أسبابه الخاصة، فما هي –إذاً– أسبابنا نحن؟ إذا صرفنا النظر عن الأسباب الساذجة والمتعلقة في مجملها بتلك المصادفة الجغرافية التي وضعت في أيدينا ذهباً أسودَ، فإن الإجابة عن هذا السؤال ليست باليسيرة، ذلك أن الافتخار بالانتماء إلى هذه الأرض الطيبة تشوبه شوائب ليست قليلة، فالديمقراطية التي بدأت منقوصة تمادت في نقصانها، وحرية التعبير التي أصابها مدّ وجزر ما لبثت أن اضمحلّت، والفساد الذي كانت أخباره مقصورة على حاسة السمع أصبح «صوت وصورة»!
بإمكانكم أن ترفعوا شعار «كويتي وأفتخر» لتشجيع ثقافة «البزنس» ولوازمها، لكن التعليم الجاد والثقافة الرزينة والإبداع الحقيقي في انحدار مخيف، ولن تنقذها معارض الألوان الزاهية والإبداعات الورقية، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على نتائج طلاب الكويت في أولمبياد الرياضيات العالمي –مثلا– لنعرف حجم المأساة، ويبدو أنّ النتائج الكارثية دفعت المسؤولين إلى قرار عدم المشاركة في ذلك الأولمبياد منذ سنوات، والوضع مشابه من حيث النتائج الكارثية في أولمبياد الفيزياء والكيمياء وغيرهما.
حبنا لأوطاننا لا يحتاج إلى سبب، لكن فخرنا بها يحتاج إلى أكثر من سبب!

الاثنين، 10 أغسطس، 2015

أفتخر بأنّي (س)

عنوان هذا المقال عبارة عن جملة غير تامة المعنى، ولإتمام المعنى لا بدّ أن نضع كلمة محددة في مكان (س)، وإذا أردنا أن نجمع بين تمام المعنى وتمام العقل، فلا بدّ أيضا أن تكون الكلمة التي نختارها منسجمة منطقيا مع مفهوم «الافتخار»، ولهذا المفهوم معنيان: معنى حرفي ومعنى مجازي، فأما المعنى الحرفي لمفهوم الافتخار فيشير إلى شعور المرء بالسعادة للقيام بإنجاز يستحق الإشادة أو للتحلّي بفضيلة تستحق الإعجاب، وأمّا المعنى المجازي فيشير إلى تأكيد المرء على كرامته من خلال إبراز خصلة فيه لا يملك لها دفعاً ولا يراها مَعيبة كما قد يراها الآخرون. لننظر الآن إلى الجُمل التالية للتحقق من مدى انسجام قيمة (س) في كلّ منها مع مفهوم الافتخار:
1. أفتخر بأنّي ناجح.
2. أفتخر بأنّي مُعاق.
3. أفتخر بأنّي كويتي.
من الواضح أن الجملة (1) لا غبار عليها، فالنجاح بوصفه إنجازاً تهفو إليه النفوس وتسعد به القلوب أمرٌ طبيعيّ، خصوصا عندما يكون موضوع النجاح مرتبطاً بأمر يراه الغالبية من الناس أمراً إيجابيا، كالنجاح في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، كما أنّ الافتخار من حيث معناه الحرفي له ما يُبرّره، إذْ مِن حقّ مَن جدّ واجتهد أن يسعد بقطف ثمار جِدّه واجتهاده، ولهذا السبب بالذات لا يحقّ لأصحاب النجاح المغشوش الافتخار بنجاحهم (بالمناسبة، في إحدى المرّات طرحت سؤالا أخلاقيا مباشرا على الطلّاب في قاعة الدرس على الوجه التالي: هل تشعرون بتأنيب الضمير عندما تتلقون كلمة «مبروك» بعد نجاحكم في مادة تدركون في قرارة أنفسكم أنكم لا تستحقّون النجاح فيها؟ كانت الإجابة مع الأسف: لا!).
ماذا عن الجملة (2)؟ الإعاقة خصلة سلبية اصطلاحاً، لذا فإنّ المعنى الحرفي لمفهوم الافتخار لا يستقيم هنا، فمن غير المنطقي أن يسعد المرء بكونه معاقاً، لكن إذا كان المقصود بالافتخار معناه المجازي، فإنّ الجملة تبدو معقولة، والأشخاص المصابون بإعاقة يثيرون الإعجاب فعلا عندما لا يخجلون من إعاقتهم من جهة، ولا يسمحون للآخرين بممارسة التمييز ضدهم بسبب تلك الإعاقة من جهة أخرى.
إذا عقدنا مقارنة سريعة بين الجملتين (1) و(2)، فإننا نلاحظ وجهين من أوجه الاختلاف بينهما: الوجه الأول يرتبط بمفهوم الافتخار في كلا الجملتين، فهو افتخار حرفي في الأولى، ومجازي في الثانية، وأمّا الوجه الآخر للاختلاف فمرتبط بقيمة (س) في كليهما، فالنجاح يشير إلى غاية مقصودة ومُخطّط لها، في حين أنّ الإعاقة تشير إلى مصادفة عرضية، وهذا ما يجعل المسؤولية عن النجاح مدعاة للسعادة، وعدم المسؤولية عن الإعاقة مدعاة للتحدّي.
تبقى الجملة (3)، وهي جملة تثير الاستغراب حقاً، فإذا كان المقصود بالافتخار معناه الحرفي، فإنّ من غير المفهوم أن يشعر المرء بالسعادة للإنجاز المتمثل بمصادفة الانتماء إلى بقعة جغرافية تقع على خط العرض 29 درجة شمالا وخط الطول 47 درجة شرقا، وإذا كان المقصود بالافتخار معناه المجازي، فإنّ الانتماء إلى الكويت غير معيب في ذاته، ولهذا فهو انتماء لا يثير التحدّي، خصوصا عندما يعيش الكويتي على أرضه وبين أهله، ومن هنا فإني أعبّر صادقا عن استغرابي من شعار «كويتي وأفتخر»، وهو شعار يشير إلى مشروع انطلق قبل سنوات ويشبه في ألوانه الزاهية مكاتب الموظفات في المؤسسات الحكومية، ولعلنا نتطرّق إليه في مقال قادم.