الاثنين، 27 أبريل، 2015

تسويق الأيديولوجيا (3)


في عام 1976 نوقشت في كلية الحقوق بجامعة القاهرة رسالة دكتوراه حملت عنوان "تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية"، من إعداد سامي حسن حمود، وهو مصرفي أردني اتجه إلى "البحث العلمي" بعد خبرة طويلة في العمل في "البنوك الربوية"، وفي مقدمة الرسالة يُشبّه الباحث دوره في التنقّل بين المذاهب الفقهية بدور "البستاني الذي يقطف من الحديقة وردة من هنا وزهرة من هناك"، والهدف بطبيعة الحال هو التوصل إلى حلّ لمشكلة "تناقض الأعمال المصرفية مع الشريعة الإسلامية"، وأمّا النتيجة العامة التي توّصل إليها الباحث فتشير إلى "أنّ العمل المصرفي الحديث رغم تمازجه الخالص مع الربا قابل إلى أن تُطهّر صورته"، ومن أمثلة هذا "التطهير" ما عدّه الباحث فيما بعد "كشفاً وفّقه الله إليه"، ونعني به "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، أي المرابحة بصورتها المصرفية الحديثة.
يبدو أنّ إشارة الباحث إلى دور البستاني لم تكن مجرّد تشبيه، ذلك أن اختراع المرابحة المصرفية جاء نتيجة خلطة عجيبة بين رأيين فقهيين حول بيع المرابحة في التراث الإسلامي، وقد لاقت هذه الخلطة استجابة سريعة من قبل المصارف والشركات الإسلامية، ونالت مباركة المجاميع الفقهية الكبرى التي تحظى بدعم مباشر من رأس المال النفطي، كما حظيت بتأييد مؤتمرات إسلامية، مثل مؤتمر المصرف الإسلامي الأول الذي عُقد في دبي في 1979 والمؤتمر الثاني الذي عُقد في الكويت في 1983، ثم استمرّ التأييد لهذا "الكشف العظيم" طوال العقود الماضية من قبل فقهاء البترو-إسلام، فالشيخ يوسف القرضاوي كان له دور كبير في التسويق لما يسمى المصارف الإسلامية، سواء من خلال القرارات الصادرة عن مجمع رابطة العالم الإسلامي، أو من خلال الفتاوى والكتب والتصريحات الصحافية، ولا يقتصر الأمر على القرضاوي بل يتعدّاه بشكل عام إلى كلّ فقيه يبحث عن وظيفة في إحدى الهيئات الشرعية التابعة للبنوك، وكلما كان الفقيه إلى التيسير أقرب منه إلى التعسير، زاد حظه في الحصول على وظيفة "مستشار شرعي"!
لكن ما طبيعة هذه "الخلطة العجيبة" التي تُلبس الفائدة الربوية ثوب الحلال؟ في دراسة فقهية أعدّها أحد المتخصصين، نجد اتهاما صريحا للقائلين بجواز المرابحة المصرفية المعمول بها في البنوك الإسلامية، حيث لجأ هؤلاء إلى "التلفيق بين المذاهب، فهم أخذوا قول الإمام الشافعي بجواز المرابحة، وتركوا له شرطه الخيار، وأخذوا من المالكية وغيرهم إلزامهم بالوعد، وتركوا لهم قولهم في المرابحة، فخرجوا بنص فقهي لم يقل به فقيه" (انظر "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، دراسة فقهية، جعفر بن عبدالرحمن قصّاص)، وتنبغي الإشارة هنا إلى تعدّد الدراسات العلمية التي وقفت موقفا ناقدا من المرابحة المصرفية بشكل خاص، ومن "الصناعة المصرفية الإسلامية" بشكل عام، ولا تقتصر تلك الدراسات على ميدان الفقه الإسلامي، بل تتعدّاه إلى دراسات رصينة قام بها باحثون متخصصون في علم الاقتصاد من جهة، وبريئون من شبهة تمويل البترو-إسلام لدراساتهم من جهة أخرى، منهم الباحث الأميركي التركي الأصل "تيمور كوران"، حيث يؤكد في أحد كتبه التي نُقلت إلى العربية حديثا عدم وفاء المصارف الإسلامية بوعودها المتعلقة بتطهير المعاملات البنكية من كل أشكال الفائدة (انظر كتاب "الإسلام والثراء الفاحش"، تيمور كوران).
ظاهرة "الاقتصاد الإسلامي" تستحقّ الدراسة لأكثر من سبب: أولا، هي ظاهرة تعبّر عن نجاح تسويق الأيديولوجيا في مجتمعات تفتقر إلى أدنى مستويات التفكير العلمي بشكل خاص والتفكير النقدي بشكل عام، وثانيا، هي ظاهرة تجسّد الحالة التي يُسخّر فيها الدين لخدمة رأس المال، وثالثا، هي ظاهرة تفضح حجم التدهور الأخلاقي الذي لحق بأمة محشورة بين مطرقة التراث وسندان الحداثة.
يتبع،،،

الأربعاء، 22 أبريل، 2015

تسويق الأيديولوجيا: الصحوة الإسلامية مثالاً (2)

لا يمكن أن نفهم فكرة "الاقتصاد الإسلامي" من دون أن نضعها في سياق إشكالية الهوية الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين، ذلك أنّ الحاجة إلى إثبات التمايز في نمط الاقتصاد عن الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي لم تكن سوى حالة خاصة من الحاجة إلى إثبات التمايز في الهوية عن "الغرب المسيحي" و"الشرق المُلحد"، وهذا ما نراه واضحا جليا في كتابات المفكر الإسلامي الشهير "أبو الأعلى المودودي"، مؤسس "الجماعة الإسلامية" في الهند قبل التقسيم، والأب الروحي للتيار الإسلامي في باكستان منذ انفصالها عن الهند، وأحد أبرز مُلهمي أقطاب "الصحوة" في العالم العربي من أمثال سيد قطب ومحمد باقر الصدر، ولعلّنا لا ننأى عن الصواب إذا قلنا إنّ المودودي سبق حسن البنّا في الدعوة إلى فاشية إسلامية، فهذا الأخير بدأ في عام 1928 بداية متواضعة اقتصرت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمّا المودودي فكان شعار المجلة التي أسسها في عام 1932: "احملوا أيها المسلمون دعوة القرآن وانهضوا، وحلّقوا فوق العالم"!
إذا كانت فكرة "الاقتصاد الإسلامي" تخدم محاولات النهوض بالبعث الإسلامي وإحياء أيديولوجية مستقلة، فإنّ تطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع من شأنه تسويق تلك الأيديولوجية، والتطبيق بدأ فعليا في منتصف السبعينيات مع قيام مصرف دبي الإسلامي وبنك فيصل الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية، والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ "تأسيس" ما يسمى بالمصارف أو البنوك الإسلامية ينطوي على حقيقة من جهة، وادّعاء من جهة أخرى، فأمّا الحقيقة فهي أنّ تراثنا الإسلامي لم يعرف المصارف طوال تاريخه، وأمّا الادّعاء فيشير إلى أنّ البنك الإسلامي يختلف اختلافاً جوهرياً عن البنك التقليدي، وجوهر الاختلاف يدور في مجمله حول مفهوم "الربا"، ولعلّ أوّل مَن انتقد هذا المفهوم هو أرسطو في كتابه الشهير "السياسة"، حيث كتب يقول إنّ المال في أصل نشأته كان مجرّد وسيلة لتبادل السلع، ولذا ينبغي أن يُستعمل في الشراء فقط، لا أن يُستعمل بهدف الإقراض وجني أرباح من وراء هذا الهدف، وقد استعان بعض فقهاء المسلمين وفلاسفتهم من أمثال ابن رشد والغزالي بحجج مشابهة لحجة أرسطو في حرمة الربا إلى جانب استعانتهم بالحجج الشرعية المعروفة، وقلّدهم في ذلك الفلاسفة المدرسيون الذين يحرّم دينهم المسيحي الربا أيضا (مع الأخذ بالاعتبار الاختلاف البسيط حول مفهوم الربا في المسيحية والإسلام).
كيف استطاعت البنوك الإسلامية التعامل مع حُرمة الربا؟ هذا سؤال غير بريء، وقبل أن نجيب عنه، ينبغي أولا استعراض واحدة من أبرز المعاملات المالية في المصارف الإسلامية، ونعني بها "المرابحة"، والفقهاء المحدثون يفرّقون بين المرابحة الفقهية القديمة والمرابحة البنكية الحديثة، ويُبيّن أتباع الشيخ محمد علي فركوس الفوارق الجوهرية بين هذين النوعين من المرابحة على النحو التالي:
"أولا: من حيث العقد: فالمرابحة الفقهية تنعقد مرة واحدة في مجلس العقد، أما المرابحة البنكية فتتم على مرحلتين: مواعد ثمّ معاقدة، ومن جهة أخرى فإن المرابحة الفقهية تشتمل على طرفين (بائع ومشترٍ)، بينما المرابحة البنكية فثلاثية الأطراف: (العميل وهو الآمر بالشراء، والبنك، والبائع المالك للسلعة).
ثانيا: من حيث السلعة: فهي في المرابحة الفقهية حاضرة يمتلكها البائع، وتكون في المرابحة البنكية غائبة ولا يمتلكها البنك، كما أن البائع في المرابحة الفقهية يشتري السلعة لنفسه سواء للانتفاع أو للمتاجرة، وفي المرابحة البنكية لا يشتريها البنك إلا لبيعها.
ثالثا: من حيث الثمن: فهو في المرابحة الفقهية معلوم، وفي الأخرى حال المواعدة مجهول عند بنوك دون أخرى، ومع ذلك يلزم الآمر بالشراء بوعده.
رابعا: من حيث الربح: فهو في المرابحة الفقهية مقابل الجهد والوقت والمخاطر، وفي المرابحة البنكية نظير التأجيل". (المصدر: http://ferkous.com/home/?q=rodoud-13)
ثمّ يورد أتباع الشيخ فركوس مجموعة من المؤاخذات الشرعية على المرابحة البنكية، منها تعاقد البنك والعميل على سلعة لا يملكها أيّ منهما، وعقد بيعتين في بيعة واحدة، وغيرها من المخالفات الشرعية التي لا تعنينا في هذا المقام، وإنما ما يعنينا هو المصدر الذي خرج منه مفهوم "المرابحة البنكية" وغيرها من المعاملات المصرفية، بغرض الوقوف على حقيقة "الاقتصاد الإسلامي" الذي يبدو أنه ما زال مقتصرا على القطاع المصرفي.         يتبع،،،

الاثنين، 20 أبريل، 2015

تسويق الأيديولوجيا: الصحوة الإسلامية مثالاً (1)


الأيديولوجيا، بمفهومها الواسع، تشير إلى منظومة من أفكار راسخة وقيم عُليا تمنح الفرد نظرة محدّدة للعالم من حوله وشعوراً بالانتماء إلى كيان اجتماعي، كما أنّها تشكّل أيضا الإطار العام الذي يتفاعل الفرد من خلاله مع محيطه على مستويَيْ التفكير والسلوك معاً، ولهذا فإنّ الأيديولوجيا لها من التأثير السياسي على أمم بأكملها عبر عصور التاريخ ما لا يمكن تجاهله، وبقدر رواج أيديولوجية ما وشيوعها، تزداد فاعليّة أثرها السياسي، ورواج الأيديولوجيا، مثل رواج أيّ شيء آخر، يعتمد في المقام الأول على القدرة على تسويقها، ونريد من خلال هذا المقال أن نلقيَ لمحة إلى "الصحوة الإسلامية" بوصفها أيديولوجية دينية راجت رواجا كبيرا منذ سبعينيات القرن الماضي.

لم تكن "الصحوة الإسلامية" سوى أيديولوجية دينية اختلفت في الشكل واتّحدت في المضمون، فأمّا الشكل فجاء ضمن مُسميّات مثل "النهضة الإسلامية" أو "البعث الإسلامي" أو "الصحوة الإسلامية"، وأمّا المضمون فلم يكن سوى نهج رجعي نتج عن ظروف موضوعية، مثل هزيمة عام 1967 وبداية العدّ التنازلي لانحسار التيّار القومي والعدّ التصاعدي لاتساع المدّ الإسلامي، وأزمة النفط الأولى في عام 1973 وظهور بوادر ما أُطلق عليه "البترو-إسلام" عند بعض الباحثين (ومن ضمنهم مفكرون إسلاميون)، وانحياز العصر الساداتي إلى المعسكر الغربي وما ترتّب على هذا الانحياز من تعزيز تحالف أهم أقطاب قوى الاستبداد في العالم العربي مع التيار الديني، وهو التحالف الذي ساهم تارة في تحقيق مصالح النيوليبرالية الصاعدة في المعسكر الغربي، وساهم تارة أخرى في تسخير الشباب المسلم في خوض حرب بالوكالة عن الغرب ضد التمدّد السوفياتي.
لا يعنينا هنا تحديد التاريخ الفعلي لبداية "الصحوة الإسلامية"، ولا تعنينا مظاهرها الساذجة التي انتشرت على مستوى السلوك الفردي عند أولئك الذين اكتشفوا فجأة أنهم مسلمون، بل إنّ ما يعنينا في هذه العجالة هو الوقوف على نشوء ظاهرتين في فترة السبعينيات، ظاهرة "الاقتصاد الإسلامي" وظاهرة "الإعجاز العلمي"، بوصفهما تجسيدا صارخا لتسويق "الصحوة الإسلامية"، ولعلّ ما يجمع بين هاتين الظاهرتين هو صفة التطفّل التي اتخذت من التحايل وسيلة للسطو على نتاج العقل البشري، ولولا وفرة المال وسِعة الجهل لما كُتب النجاح لذلك التحايل، ولما قُدّر لذلك التطفّل أن يصرف شعوب المنطقة عن مشكلاتها الحقيقية إلى أحلام اليقظة، ولما انشغلنا طوال العقود الأخيرة بما آلت إليه معركة الجمل أكثر من انشغالنا بعواقب انقلاب 28 مُرداد، ولما أصررنا على حثّ الخَلف على اتباع السّلف حتى حَكَم الأمواتُ الأحياءَ!
يتبع،،،

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

العقل والشريعة

الشريعة الإسلامية، مثل كل الشرائع السماوية الأخرى، تقع ضمن ميدان البحث الذي نسميه "القانون”، والقانون ليس علماً بالمعنى الدقيق لكلمة علم، ذلك أنّ الهدف الجوهري لكلّ علم هو اكتشاف قوانين تحكم ظواهر الطبيعة بكل أشكالها، في حين أنّ القانون يتألّف من قواعد متواضعٌ عليها، وبينما يدفع الفضول العلمي العلماء إلى فهم القوانين التي تسيّر الكون، يدفع الواقع العملي أهل القانون إلى سنّ تشريعات تنظم المجتمع.
القانون ليس عِلماً، وبالتالي الشريعة الإسلامية ليست عِلماً أيضا، وبالرغم من أنّ هذا لا يعني نفي أيّ دور للعقل الإنساني في ميدان الشريعة الإسلامية، فإنّ هذا الدور محدود جدّا، ومحدوديّة دور العقل هنا تتمثّل بحقيقة أنّ العقل لا يُستخدم كأداة معرفية في ميدان الشريعة الإسلامية، بل هو مجرّد أداة قياس، ونظراً لأنّ كلّ أداة قياس هي عبارة عن عقد مقارنة بين معطيات ومعيار، فإنّ إعمال العقل في شؤون الشريعة مقتصر بوجه عام على عقد مقارنة بين معطيات الواقع ومعيار النص، وهي مقارنة لا تهدف إلى اكتشاف معرفة جديدة، بل لا تهدف حتى إلى استصدار حُكم جديد، إنّما تقتصر على محاولة توسيع نطاق حُكم قديم ليشمل مُعطى جديداً.
 لنضرب مثالاً كي نوضح ما نعني، فالقياس– كما هو معروف– هو أحد مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن والسنّة والإجماع، وله أركان أربعة هي الأصل (القضية التي ورد فيها نص شرعي) والفرع (القضية التي لم يرد فيها نص شرعي) والعلّة (الوصف المشترك بين الأصل والفرع) وحُكم الأصل (الحُكم الشرعي الذي يتعدّى الأصل إلى الفرع)، وأحد أشهر الأمثلة على القياس عند الأصوليين هو تحريم النبيذ قياسا على تحريم الخمر، فالخمر هنا هو الأصل، والنبيذ هو الفرع، والإسكار هو العلّة المشتركة بينهما، وحُكم الأصل هو الحكم الشرعي الذي ينصّ على تحريم الخمر، وتقتصر وظيفة العقل في هذا المثال على إثبات وجود عامل مشترك بين الخمر والنبيذ، أي علّة الإسكار في كليهما، ليتسنّى بعد ذلك استخراج حُكم الفرع، أي الحُكم بتحريم النبيذ، ومن المعروف أنّ حُكم الفرع ليس من أركان القياس، لكن ما يهمّنا من خلال هذا المثال هو التأكيد على حقيقة أنّ حُكم الفرع لا يُشير إلى حُكم جديد بقدر إشارته إلى توسيع نطاق التحريم لحُكم قديم، فهو حُكم يشير فقط إلى أنّ تحريم الخمر يشمل أيضا تحريم النبيذ.

ماذا عن دور العقل في المصادر الأخرى للتشريع الإسلامي؟ ليس من المنطقي أن يكون للعقل دورٌ أكبر من دوره في القياس، فإذا كانت وظيفة العقل محدودة جدا حتى في القضايا التي لم يرد فيها نص، فلا غرابة أن تكون وظيفته شبه معدومة في القضايا التي ورد فيها نصّ أو حظيت بإجماع، وأمّا الاجتهاد فيراه بعضهم مرادفاً للقياس ويراه البعض الآخر أشمل وأعمّ، ومهما يكن من أمر فإنّ قاعدة "لا مساغ للاجتهاد في مورد النص" كفيلة بتحجيم دور العقل وإخضاعه للنقل.

الاثنين، 6 أبريل، 2015

الضحية رقم واحد

أولى ضحايا الحرب– كما يقولون– هي الحقيقة، لكن ماذا يعني أن تكون الحقيقة ضحية من ضحايا الحرب؟ على العكس من باقي ضحايا الحرب، لا تموت الحقيقة بل تغيب لتظهر من جديد، تظهر بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تخفّ حدّة الاستقطاب بين طرفي الصراع، وبعد أن تتلاشى المصالح التي من أجلها قُرعت طبول الحرب، وأمّا غياب الحقيقة فمعناه هو أنّ الأسئلة المرتبطة بالحرب لها إجابات متناقضة، فالسؤال– مثلا– عن سبب نشوء الحرب تختلف إجابته باختلاف طرفي الصراع، والوسيلة التي يلجأ إليها كلّ طرف لترويج إجابته المفضّلة تسمّى "البروباغندا"، وهي تعبير منمّق عن آفة أخلاقية اسمها "الكذب".
إذا كانت الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب، فما ذلك إلّا لأنّ البروباغندا هي أوّل سلاح يلجأ إليه طرفا الصراع، واللجوء إلى هذا السلاح له ما يُبرّره لأنّ الحرب لابدّ أن يكون لها ما يُبرّرها، وتبرير قيام الحروب أسهل من شرب الماء، فكم من حرب قامت من أجل "ترسيخ الديمقراطية"، أو "محاربة الإرهاب"، أو "المحافظة على الأمن والاستقرار"، وهذه كلّها أهداف نبيلة يقف الطرف الآخر حجر عثرة في طريق تحقيقها، ولو حدث أن تجرّأ فرد على التشكيك في أسباب الحرب وغاياتها المعلنة، فإنّ تهمة الخيانة هي العاقبة التي تليق بكلّ مشكك!
الإنسان الموضوعي يشبه القاضي العادل، فهو لا يصدر حكمه إلّا بعد أن يستمع إلى طرفي النزاع، وعندما تتناقض رواية أحد الطرفين بكل تفاصيلها مع رواية الطرف الآخر، فإن الحقيقة عادة ما تقف على نقطة وسط بين الروايتين، ولكنّ اكتشاف الحقيقة يتطلّب أولاً إخلاصاً في طلبها، ويتطلّب ثانياً جُهداً في الوصول إليها، ويتطلّب ثالثاً حياداً في التعامل معها، وهذه كلّها متطلّبات صعبة في زمن الحرب، حيث تقضي سخونة العواطف على برودة الإخلاص، وحيث تقف البروباغندا عائقا أمام الحصول على المعلومة الموثوقة، وحيث تأبى المصالح إلّا أن ينحاز المرء لطرف ضدّ آخر.

حُبّ الحقيقة ليس صفة فطرية في فصيلة الإنسان، في حين أنّ قابلية التصديق توشك أن تكون كذلك، ولعلّ سرّ نجاح البروباغندا في زمن الحروب وانتشارها على نطاق واسع يكمن هنا، فعندما يكون الشك رذيلة والتصديق فضيلة، وعندما يكون التفكير مشقّة والتسليم مسرّة، وعندما يكون معيار الصواب مرتبطاً بهوية أطراف الصراع، فإنّ الحقيقة هي الضحية رقم واحد.

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

دكتور طائفي

هناك تناقض اصطلاحي في عنوان هذا المقال، يُشبه إلى حدّ كبير التناقض الاصطلاحي في قولنا "مُربّع دائري"، لكن بينما يستحيل العثور على مربّع دائري في هذا الكون الفسيح، يسهل العثور على دكتور طائفيّ في مؤسساتنا التعليمية، ومثل كلّ التناقضات التي تبعث على الدهشة والتساؤل، تطرح ظاهرة "الدكتور الطائفي" سؤالا مُلحّاً: كيف بمن يحمل أعلى الدرجات الأكاديمية أن يكون طائفياً؟ مصدر الإلحاح في هذا السؤال ناتج عن افتراض ضمني مفاده أنّ الدكتوراه والطائفية لا تجتمعان، أو لا ينبغي لهما أن تجتمعا، وهذا المقال محاولة للدفاع عن هذا الافتراض، مع التأكيد بطبيعة الحال على أنّ هناك من الأُمّيين ممن لم تجد الطائفية طريقا لها إلى قلوبهم ونفوسهم.  
كلّ طالب خاض تجربة حقيقية أثناء فترة الدراسة في مرحلة الدكتوراه يدرك جيداً ما تنطوي عليه هذه التجربة من إثراء على الصعيدين الأخلاقي والفكري، فعلى الصعيد الأخلاقي تتأصل عند الدّارس قيم أخلاقية في غاية الأهمية، منها التسامح مع الآراء المغايرة، والاعتراف بالخطأ، والحفاظ على جهود الآخرين، وأمّا على الصعيد الفكري فإنّ الدارس يكتسب مهارات عدّة، لعلّ أهمها مهارة التفكير بطريقة نقدية ومستقلّة، فالقدرة على النقد الموضوعي والجرأة على الاستقلال الفكري خصلتان لا غنى لأي باحث عنهما، في حين أنّ النقد المنحاز والتبعية الفكرية لا يدلّان على حرص الباحث على الوصول إلى الحقيقة، بل يفضحان حرصه على إقناع الآخرين بما يراه حقيقة.
ماذا عن الطائفية؟ هي رذيلة تدفع الفرد إلى أن يكون مجرّد مشجّع في عِراك، ومجرّد مقلّد في نقاش، ومجرّد رقم في عُصبة، ذلك أنّ الثغاء بين القطيع أجمل عند الطائفي من التغريد خارج السرب، والطمأنينة الزائفة أهون عليه من القلق الحقيقي، والاقتداء أحبّ إليه من الإبداع، والتماهي مع المألوف أيسر عنده من الخروج عنه، والتفكير فيما يقرأ أشقّ على عقله من الحفظ لما يسمع، هو مُستضعفٌ إذا انفرد ومُستكبرٌ إذا اجتمع، كما أنه يَحمدُ لغير المنتمين إلى طائفته إنصافهم إيّاها، في حين يُنكر على المحسوبين على طائفته عقوقهم لها!
المربّع الدائري والدائرة المربّعة لا وجود لهما، فالمربّع مربّع والدائرة دائرية، وبالمثل، الدكتور الطائفي لا وجود له في واقع الأمر، فإما أن تكون سنوات البحث الجاد عاصماً للباحث من السقوط في وحل الطائفية، وإمّا أن تكون الطائفية شاهداً على ضياع تلك السنوات هباء منثوراً!