الاثنين، 29 ديسمبر، 2014

شعوب قابلة للاستبدال

أفضل الحكومات أقلّها حُكماً، هذا ما يقوله هنري ديفيد، وبالنظر إلى القبضة الشديدة لحكومتنا غير الرشيدة، فإننا بلا شك أمام واحدة من أسوأ الحكومات في تاريخ الكويت السياسي، ولو أمكن إجراء استطلاع موضوعي حول مدى شعبية النهج الحكومي لعرفت الحكومة قدرها الحقيقي، لكن من حقّ حكومتنا غير الرشيدة ألّا تكترث بتدهور شعبيتها، فالحكومات الديمقراطية هي وحدها من يحفل بالرأي العام لضمان الاستمرار في السلطة، وأمّا حكومتنا فأشبه بالأخ الأكبر، فهي مسؤولة عنّا، ونحن مسؤولون أمامها، كما أنّ بقاءها لا يعتمد على بقائنا إلّا بالقدر الذي يجعل من مفهوم "الحُكم" ممكنا من الناحية المنطقية، ففي نهاية المطاف لا بدّ للحاكم من محكومين، ولا بدّ للأخ الأكبر من أخٍ أصغر.

أجل، ليس بقاؤنا كشعب شرطاً ضروريا لبقاء الحكومة، فالشعوب في دول الخليج قابلة للاستبدال، وقابلية استبدال الشعوب ممكنة لأنّ الوجود القانوني للأفراد مرهون بالإرداة السياسية لحكومات غير ديمقراطية، ففي إحدى دول الخليج، مثلا، تتزامن عملية "التجنيس السياسي" مع سياسة "سحب الجناسي"، وهي السياسة ذاتها التي أضحت أمراً مشروعاً في بلدنا، "بلد الإنسانية"، هذا البلد الذي لم تخجل حكومته من محاولة حلّ قضية "البدون" من خلال فكرة تهجيرهم إلى جزر القمر، وهي فكرة لا تأتي إلاّ من عقلية مؤمنة بإمكانية استبدال الشعوب.

حكوماتنا مثل شوارعنا المزدحمة، فهي من جهة تخلق لديك إحساساً بانّك شخص غير مرغوب بوجوده، وهي من جهة أخرى تدفعك إلى الرغبة في الطيران بعيداً كخيار أوحد! هي أشبه بأقدارٍ عاقت عن أوطار، وفي "مدن الملح" على وجه الخصوص، لطالما عاقت أقدارنا عن أوطارنا، وكما سبق أن كتبت هنا قبل سنوات، قدرنا في الكويت أننا لا نستطيع التمتع في الوقت نفسه بنوعين من الحقوق: حقوق مدنية وحقوق سياسية، ففي فترات التمسّك بالدستور وبالنهج الديمقراطي، تعيش الأقلية تحت وطأة استبداد الأغلبية، فتضيع بذلك حقوق الفرد المدنية، مثل حريات الاعتقاد والتعبير عن الرأي والسلوك الفردي، لكن في المقابل، عندما تنقلب السلطة على الدستور والنهج الديمقراطي، نعود من جديد لنعاني استبداداً من نوع آخر، وأعني به استبداد الأقلية لأغلبية مغلوبة على أمرها، وأول ضحية لهذا الاستبداد هو ضياع أبسط حقوق الفرد السياسية، وأهمها حقّ المشاركة الفاعلة في السلطة.

الخميس، 11 ديسمبر، 2014

محاضرة تشومسكي وفلسفة علم اللغة

محاضرة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بعنوان
تشومسكي وفلسفة علم اللغة
26-نوفمبر-2014

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2014

بلد الإنسانية وسحب الجنسية

الجنسية، بكل أصنافها، وثيقة تشير إلى الوجود القانوني لحاملها، وهذا الوجود لا يحددّ العلاقة بين المواطن والدولة فحسب، بل إنّ له أيضا أبعاداً كثيرة، بعضها ذو طابع اقتصادي، وبعضها الآخر ذو طابع اجتماعي، ولهذا فإنّ قرار سحب الجنسية من مواطن له تبعات خطيرة، ذلك أنّ محو الوجود القانوني للأفراد بمنزلة تعدٍّ سافر على حقوقهم الإنسانية، وأهمها حقّ العيش الكريم.
يردّد الكثيرون أن موضوع الجنسية شأن سياديّ، وهذه طريقة مهذبة للقول إنّ الوجود القانوني للفرد مرهون بمزاج الحكومة، فهي المانحة إذا انتشت، وهي المانعة إذا استطارت، وهذا الفهم القاصر لمفهوم "الجنسية" هو المسؤول عن غضب العنصريين بالأمس مما يسمى كذبا وزوراً بـ"التجنيس العشوائي"، وعن نشوتهم اليوم بإسقاط الجنسية، كما أنه المسؤول أيضا عن سخط الرجعيين بالأمس ممّا يسمى تهكما وانتقاصا بـ"تجنيس الفنّانين والمطربين"، وعن فرحتهم بالأمس أيضا بإسقاط الجنسية عن المخالفين لهم في العقيدة، ممّا يعني أننا حتى لو كنّا في بلد ديمقراطي حقيقي، لما جاء مزاج الحكومة منسجما إلى هذا الحدّ مع مزاج قطاع واسع من الشعب!
إسقاط الجنسية شكل من أشكال العقاب، ولا عقاب من دون محاكمة عادلة، هذا إذا كنّا فعلا نعيش في بلد يحق له أن يفتخر بلقب "مركز إنساني عالمي"، لكن يبدو أنّ الألقاب، مثل مزاج الحكومة، ليست سوى نتاج لضرورات اللحظة الراهنة، ولهذا السبب تحديداً لا يجد الكثيرون تناقضا بين الاحتفاء بهذا اللقب والاصطفاف وراء سياسة إسقاط الجنسية.
أكاد أسمع من يعترض قائلا إن الكثير من الدول المتقدمة دأبت في الآونة الأخيرة على وجه الخصوص إلى إسقاط الجنسية عن مواطنيها ممن انضموا إلى تنظيمات إرهابية، ولكن نصيب هذه الحجة من الرجاحة يساوي نصيب الحجة التي تجعل من قتل مئات الألوف من البشر أمراً مشروعاً لمجرد أن إحدى الدول المتقدمة قد قامت بذلك! ثم إنّ هناك فرقاً كبيراً بين الإرهابي والخصم السياسي، لكن يبدو أن حرية التعبير أضحت وجهاً من وجوه الإرهاب حسب مزاج الحكومة، وفي ظلّ مجلس "الصوت الواحد" لا ينبغي لمزاج الحكومة أن يتعكّر أبداً!
 نعود لنقول ما سبق أن قلنا بالأمس: قد ينجح السيف في إرغام الآخرين على الإذعان لرأي السلطة، لكن السيف في حد ذاته لا يشكل دليلاً على صحة رأي السلطة، وصدق الأديب الإسباني ميغيل أونامونو حين قال: "ربما انتصرتم، لكنكم لن تفلحوا أبدا في إقناعنا بقوة السلاح".

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

الدين والعنف


مع كل موجة عنف يرفع راكبوها شعار الدين، يبرز السؤال المتعلق بمدى ارتباط الدين بالعنف، وأمّا الإجابة عن هذا السؤال فعادة ما يتصدّى لها فريقان من الاعتذاريين، وكلا الفريقين يلجأ إلى الدين: أحدهما لتبرير العنف، والآخر لإدانته، وما يعنينا في هذا المقال هو أقرب هذين الفريقين إلى مدنيّة التعايش، وأبعدهما عن همجيّة "الدواعش".
هناك ممّن لا يملّ من ترديد مقولة إن الدين بريء من العنف، وهي مقولة تتضمن منطقيا فكرة محاكمة الدين، ذلك أنّ الدفاع عن أي قضية يقتضي بالضرورة وجود محاكمة (أي وجود عملية تقييم موضوعية لآراء متنافرة بهدف الوصول إلى الحقيقة)، وأوّل نقطة تسترعي الانتباه حول نوعية هذه المحاكمة هو أن الحُكم فيها يأتي قبل المداولة.
فالدين بريء قبل أي شيء ورغما عن كل شيء، وإذا كانت هذه هي طبيعة الحكم، فلا نملك عندئذ سوى أن نتساءل عن قيمة تلك القائمة الطويلة من الحجج التي يستميت أصحابها كي يبرهنوا على أن الدين بريء من العنف أو الإرهاب. هذا القصور في النزاهة الفكرية سمة من سمات الفكر الاعتذاري، فهو فكر لا يحاول أبدا البحث عن الحقيقة، بل تقتصر مهمته فقط على الدفاع عمّا يراه حقيقة.
هناك أيضا نقطة تتعلق بنوعية الحجج التي تدعم الحُكم بأن "الدين بريء"، فهي حجج تعتمد مبدأ الانتقائية لنصوص دينية تدعو إلى السلم، متجاهلة في الوقت نفسه أنّ من اختار السيف وسيلة للحوار ينتقي أيضا نصوصا دينية، ممّا يعني أنّ المصدر المشترك الذي يستند إليه الطرفان يؤدي إلى قراءات متناقضة، كما أنّ حجج كلا الطرفين لا تتصف بالموضوعية، فمصدر هذه الحجج هو الدين، وهدف هذه الحجج هو الدفاع عن الدين!
لنفترض وجود دين من الأديان لا يحتوي كتابه المقدس على أي جملة تدعو إلى العنف، كما لا تقبل تعاليمه كلّها أي تفسير يدعو إلى العنف، فهل من المنطقي في هذه الحالة أن يلجأ أتباع هذا الدين المسالم إلى العنف باسم الدين؟ وهل من المعقول أن تبرز الحاجة إلى التأكيد على براءة هذا الدين المسالم من العنف؟ أليس من المستحيل منطقيا أن تنشأ حركة شبيهة بـ"داعش" بين أنصار الديانة "اليانية" في الهند، وهي ديانة قائمة على نبذ العنف، ليس ضد الإنسان فحسب، بل ضد كل الكائنات الحية؟!
قد يفسّر مَن في قلوبهم مرض دينهم بصورة مشوهة، لكن المشكلة الجوهرية لا تكمن في التفسير المشوّه، بل في إمكانية وجوده، وسيبقى حلّ هذه المشكلة الجوهرية بعيد المنال ما بقيت أصوات الاعتذاريين مجلجلة ومؤثرة.

الاثنين، 22 سبتمبر، 2014

حول مفهوم الصمت

الكلام حالة خاصة من حالات الظاهرة الفيزيائية التي تسمى "الصوت"، ذلك أنّ كلّ حرف عبارة عن صوت، في حين أنّ العكس غير صحيح، ومن هنا نستنتج أنّ مفهوم الصمت بوصفه غياب الصوت أشمل من مفهوم الصمت بوصفه غياب الكلام، وما يعنينا في هذا المقال هو صمت الإنسان، لا صمت المكان.
تعدّد المعنى لا يقتصر على الكلام، فالصمت أيضا يشير إلى معان متعددة، قد تلجأ الفتاة الشرقية إلى الصمت عند قبولها بعرض الزواج، ولكن الصمت يعني الرفض عند فتيات قبيلة "الإيبو" في نيجيريا، وبالمثل، فقد تشير لحظات الصمت قبل الإجابة عن سؤال إلى الفشل في العثور على إجابة، وقد تدلّ أيضا على التعامل بجديّة مع السؤال المطروح، كما أنّ الصمت حيث يجب الكلام جُبن، في حين أن الكلام حيث يجب الصمت تهوّر وحماقة، ذلك أنّ الصمت هو أضمن طريقة لتفادي زلّة اللسان!
يقول الشاعر الإيراني المعروف "أحمد شاملو": إنّ الصمت يتحدّث بألف لسان"! في إحدى قصص "دويل" الشهيرة، كان الصمت هو المُرشد الذي قاد المحقق الشهير إلى حلّ لغز القضية، فعندما لاحظ "شيرلوك هولمز" عدم نباح الكلب أثناء وقوع الجريمة، علّق قائلاً: "بين ثنايا الصمت أحيانا معلومات كثيرة"! في المقابل، كان الصمت طوق النجاة الذي أنقذ "شهرزاد" من الموت في قصص ألف ليلة وليلة، كما كان الصمت أيضا العقاب الذي فرضه "سكندس" على نفسه بعد أن أفشى سرّاً لأمه أدّى إلى انتحارها!
لمارتن لوثر كينغ عبارة شهيرة، وهي أنّ "بداية النهاية لحياتنا هي عندما نصمت عمّا ينبغي قوله"، لكن في بعض الأحيان، يكون الصمت عنوانا لمقاومة الظلم والطغيان، وهذا ما يبدو جليّاً في "جمهورية الصمت" للمفكر الفرنسي "جان بول سارتر"، ففي معرض وصفه الدقيق لمعاناة الشعب الفرنسي تحت وطأة الاحتلال الألماني، كتب "سارتر" يقول: "نحن مجبرون على الصمت، لكننا نقول (لا) بواسطة صمتنا"!
الصمت رمزٌ للتجاهل عندما يرخص الكلام، والصمت مأوى النفوس العزيزة عندما يشيع النفاق، هو درع في يد الضحية، وسلاح في وجه الجلاد، كما أنه يُخفي بين ثناياه، كما لاحظ "هولمز"، كثيراً من الكلام غير المباح!

الأربعاء، 7 مايو، 2014

المواطن المُذنب والشياطين المُغوون

 يقول المثل الإنكليزي: "لا تستطيع أن تعلّم الكلب العجوز حيلاً جديدة"، والمقصود هنا- من بين مقاصد أخرى- أنّ الشباب أقدر على مراجعة آرائهم وإعادة تقييمها من أؤلئك الذين بلغوا من العمر عِتيّا، وأحد هؤلاء الذين تقدمت بهم السنّ فخانتهم الذاكرة، وممّن إذا أريته الحقّ واضحاً رآه باطلاً، وإذا رفعت الغشاوة عن عينيه غطّاهما بيديه، ما انفكّ يرددّ بإصرار أنّ المواطن هو مصدر الفساد في هذا البلد، و"المواطن" هنا تعني أنا وأنت، لا هذا وذاك ممّن يجلسون في الدرجة الأولى!
حسناً، لنسلّم جدلاً أنّ المواطن مذنبٌ من رأسه إلى أخمص قدميه، لكن لماذا السكوت عمّن أغواه من شياطين المال والجاه؟ هل تابت شياطين المال عن تشجيع عادة الاستهلاك ولعب دور الوسيط بين المواطن والبضائع الأجنبية؟ وهل تورّعت عن قياس مواقفها السياسية بمسطرة المناقصات والعقود التجارية؟ ثمّ هل ارعوت شياطين الجاه عن شراء ولاء المواطن بفتات العائدات النفطية؟ وهل كفّت عن النظر إلى البلد كأنّه "عزبة" توارثتها بمن فيها أباً عن جدّ؟
اطرح هذه الأسئلة كلّها على صاحبنا فلن تجد عنده إلاّ إجابة نافية، ذلك أنه استمرأ الخلط بين الضحية والجلاد حتى كدنا نجهل مَن ضحّى ومَن جَلَد! يفتخر صاحبنا الذي يرى البياض سواداً، والسوادَ بياضاً، بأنه لم يقبض طوال حياته فلساً واحداً من الحكومة، ولكنه يتناسى أنّ ألوف الدنانير التي يجنيها قلمه جاءت من الحكومة عن طريق وسطاء من شياطين المال، فهؤلاء لم يكن ليستمروا في الثراء الفاحش بعد ظهور النفط لولا يد الحكومة السخيّة!
إذا كان ثمة خطأ في نظرية "ماركس"، فلابد أن نعثر عليه بين سطور تاريخ الكويت، ذلك أن التغير في قوى الإنتاج بعد ظهور النفط لم يصاحبه تغيّر في علاقات الإنتاج، فالأفراد الذين كانوا يحددون قواعد اللعبة بقوا كما هم، فمن كان جدّه تاجراً أصبح حفيده صاحب بنك، ومن كان جدّه عاملاً أصبح حفيده مديناً لصاحب البنك، هكذا أرادت السلطة منذ خمسينيات القرن الماضي، فكان لها ما أرادت رغم أنف "ماركس"!

الاثنين، 5 مايو، 2014

حول حرية التعبير وأهميتها

حرية التعبير، على العكس من أغلب حقوق الإنسان الأخرى، ليست مرتبطة بالفرد فحسب، بل هي أيضاً أداة في غاية الأهمية للحفاظ على الديمقراطية، ذلك أنّ التبادل الحرّ للأفكار والمعلومات يضمن أمرين: إتاحة الفرصة أمام الفرد كي يتخذ بشأن السلطة قراراً صائباً، وإتاحة الفرصة أمام الشعب كي يعاقب السلطة عند اتخاذها قراراً خاطئاً. بمعنى آخر أكثر إيجازاً، الشفافية شرط ضروري للوصول إلى حُكم رشيد ومحاسبة عادلة، وكلاهما عماد النظام الديمقراطي.
الديمقراطية تجسيد لإرادة الشعب بكلّ أفراده، لكن ما قيمة الإرادة القابعة تحت ظلمة الجهل؟ إنّ من شأن حريّة التعبير المساهمة في إزاحة ظلمة الجهل من خلال توفير المعلومات الكافية التي تتيح للأفراد الوصول إلى آراء سديدة، وعندما يتعلّق الأمر بشأن عام، فإن توافر المعلومات الكافية حوله واجبٌ يقع على عاتق الحكومات الديمقراطية في المقام الأول، وعلى عاتق وسائل الإعلام في المقام الثاني، فالشفافية في نقل المعلومة هي التي تجعل الحكومة الديمقراطية مسؤولة، والحريّة في نقل المعلومة هي التي تجعل الوسيلة الإعلامية مقروءة.
إذا كان نقل المعلومة واجباً على وسائل الإعلام، فإنّ استقبال هذه المعلومة حقّ لكلّ فرد، ذلك أنّ هناك علاقة وطيدة بين توافر المعلومات الكافية حول قضية عامّة من جهة، وتشكيل رأي عام حول القضية ذاتها من جهة أخرى، وكلّما كان توافر المعلومات كافياً، زادت فرصة خلق رأي عام متوازن وموضوعيّ، ولا يُستثنى من ذلك تلك القضايا المعروضة على القضاء، فالمهمة الأساس للقضاء هي حلّ النزاعات، وحلّ أيّ نزاع بطريقة موضوعية وعادلة يتطلّب توافر المعلومة، لا حجبها، وعندما يتعلّق الأمر بقضية تمسّ الشأن العام، فإنّ حقّ المواطن لا يقلّ عن حقّ القاضي في معرفة كلّ تفاصيل القضية.
في سبعينيات القرن الماضي، توّرطت إحدى شركات الأدوية في فضيحة هزّت المجتمع البريطاني، فقد تسبّب عقار جديد من إنتاجها في تشويه عدد كبير من المواليد الجدد، وعندما نشرت صحيفة "الصنداي تايمز" الخبر، سارعت الحكومة البريطانية آنذاك إلى تهديد الصحيفة بالإغلاق إنْ هي عمدت إلى الاستمرار في نشر تفاصيل القضية، وقد برّرت الحكومة هذا التهديد بقولها إنّ القضية معروضة أمام القضاء، لكن بعد سنوات من المعارك القضائية، انتصرت المحكمة الأوروبية للصحيفة ضد الحكومة البريطانية، وكان مما جاء في الحُكم ما يلي: "القضاء جزء من المجتمع ولا يؤدي مهمته في الفراغ، وإذا كان من واجب القضاء أن يقضي بين المتنازعين حول قضية ما، فإنّ هذا لا يعني عدم حريةّ المجتمع في الخوض في أدق تفاصيل القضية، بل إنّ من واجب وسائل الإعلام أن تمكّن الناس من ذلك، ومن حقّ الناس أن يطّلعوا على كلّ التفاصيل، فحريّة الصحافة هي إحدى أهم ركائز المجتمع الديمقراطي".
أخيراً، حريّة التعبير، مثل كلّ الحريّات، وجودها لا يحتاج إلى تبرير، في حين أنّ قمعها هو الذي في حاجة إلى تبرير. إنّها لا تعني فقط حرية تعبير لأولئك الذين يحملون آراءً تُعجبنا، بل هي أيضا حريّة تعبير لأولئك الذين لا تُعجبنا آراؤهم.

الاثنين، 28 أبريل، 2014

الأرباح خاصة والخسائر عامة

في الكويت، من الصعب أن تقف ضد المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، لكن الأمر الأصعب هو أن تقف ضد المطالبة بتطبيق الخصخصة، إذ يبدو لي أنّ البروباغندا المستمرة منذ سنوات طويلة، والتي تقوم بها وسائل إعلامية تأتمر بأوامر كبار أصحاب رؤوس الأموال، نجحت إلى حدّ كبير في تسويق مفهوم "الخصخصة" وجعله أكثر جاذبية في أذهان العامّة من المواطنين، كما يبدو لي أنّ القطاع الخاص قد نجح فعلا في إقناع الرأي العام بأنّ الخصخصة لم تعد مجرد خيار مطروح بل ضرورة حتمية!

لكن ما الضرورة الحتمية في بيع ممتلكات الدولة وثرواتها، والتي هي ملك لجميع أفراد الشعب، إلى القطاع الخاص؟ ألا تعني عملية البيع هذه بيعاً للمكتسبات الديمقراطية في مزاد علني؟ هل بات تقليص الديمقراطية ضرورة حتميّة؟ أليس انتقال الملكيّة من الأمّة إلى فئة من فئاتها يعني انتقالاً للسلطة من أعضاء البرلمان إلى رجال الأعمال؟ ثمّ ما هذه الازدواجية التي يتعامل بها القطاع الخاص مع دور الدولة في الاقتصاد، فتدخّل الدولة في الاقتصاد محمودٌ في الأزمات، ومنبوذٌ عندما تكون الأمور على ما يُرام؟
الشعار الذي يرفعه كبار أصحاب رؤوس الأموال شعار قديم، فهو شعار يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويشير إلى فكرة انتهازية مفادها أنّ المال العام مستباح في السرّاء والضرّاء، ففي السرّاء يُخَصصُ الرّبح، وفي الضرّاء تُعَمّمُ الخسارة، ولعلّ أحدث مثال على ذلك ما نقرؤه في الفقرة التالية، والتي وردت بالأمس في إحدى الصحف المحلية، ونقلاً عن أحد الاقتصاديين الدّاعين إلى الخصخصة:
"يتعين أن تكون مساهمة الدولة في الشركات في حالة الطوارئ مثلما حدث في أزمة بنك الخليج، حيث تدخلت الهيئة العامة للاستثمار عندما اقتضت الحاجة لإنقاذ البنك من أزمته، ما مثّل جراءة مطلوبة من الدولة، وهو الدور نفسه الذي أدّته الولايات المتحدة في أزمة شركاتها الرئيسة، مثل جنرال موتورز وسيتي بنك، لكن استمرار مساهمة الدولة في الشركات بالأوقات الاعتيادية لا يستقيم مع توجهات الدولة، والمأمول منها في أن يكون تدخلها عند الطوارئ".
لا بدّ من دقّ ناقوس الخطر قبل فوات الأوان، ولا بدّ من التنبيه إلى حقيقة أنّ  الخصخصة ليست سياسة اقتصادية فحسب، بل هي أجندة سياسية تجعل من كلّ نظام ديمقراطيّ (حُكم الأغلبية) نظاماً أوليغراشيّا (حُكم الأقليّة)، ومن أراد الاستزادة حول هذا الموضوع فبوسعه أن يقرأ، على سبيل المثال، كتاب "الثعلب في قنّ الدجاج: كيف تهدّد الخصخصة الديمقراطية"، للمؤلفيْن "سي كان" و"إليزابيث مينخ"، أو كتاب "الخصخصة: من مواطنين إلى زبائن"، للزميل الدكتور بدر الديحاني، والذي سيصدر قريبا عن "مكتبة آفاق".

الاثنين، 21 أبريل، 2014

أبرز سمات الدولة المدنيّة

مدنيّة الدولة تشير إلى شكل من أشكال الحُكم يقوم على تنظيم التعايش بين أفراد المجتمع الواحد بشكل سلميّ، وعلى أساس عقلانيّ، وبطريقة عادلة، ومن هنا فإنّ السلميّة والعقلانيّة والعدالة هي أبرز سمات الدولة المدنية، فالسلميّة هي التي تميّز الدولة المدنيّة عن دولة العسكر، والعقلانية هي التي تميّز الدولة المدنية عن الدولة الدينية، والعدالة هي التي تميّز الدولة المدنية عن الدولة الفئوية.
نبذ العنف هو أحد مظاهر المدنيّة عند الفرد والدولة على حدّ سواء،  فالفرد مدنيّ بالقدر الذي يستطيع فيه حلّ خلافاته مع الآخرين بطريقة سلميّة، والدولة مدنيّة بالقدر الذي تستطيع فيه حلّ خلافاتها مع الدول الأخرى بطريقة سلميّة، وأمّا على المستوى الداخلي، فمدنيّة الدولة تتجلّى بمدى قدرتها على فرض القانون بطريقة هي إلى السّلم أقرب منها إلى العنف، وهنا تحديداً تقف الدولة المدنيّة على النقيض من دولة العسكر، فهذه الأخيرة تسود فيها لغة القوة والبطش والاستبداد، وسيادة السّلطان فيها تتحقّق قسراً لا طواعية.
العقلانية بمفهومها الواسع شرط ضروريّ لبناء الدولة المدنية، فإذا كان ضمان التعايش السلمي بين الأفراد هو الغرض الجوهري من قيام الدولة، فإنّ أنجع أداة لتحقيق هذا الهدف هو العقل الإنساني وما ييتدع من قوانين وضعيّة قابلة للنقد والتعديل، وقابليّة القوانين الوضعية للنقد والتعديل هي التي تجعل من العلمانية إحدى ركائز الدولة المدنيّة، ذلك أنّ انتقال الدين من المحيط العام إلى المحيط الخاص يقطع الطريق أمام التيارات الدينية في استخدام قوانين إلهية لا يملك أحدٌ الحقّ في تعديلها أو تنقيحها، كما أنّ المنهج العقلاني– كما ذكرنا في مقال سابق– يمتاز بالتواضع العقلي الذي يقرّ بأننا لا نعرف مصير آمالنا في المستقبل، لكننا على الأقل نعرف مصير إخفاقاتنا في الماضي، ومن خلال إخفاقات الماضي نتعلّم الوصول شيئا فشيئا إلى خلق مجتمع أفضل، وهنا إنّما يبرز اختلاف جوهريّ بين الدولة المدنية والدولة الدينية، فهذه الأخيرة تتصف بالحكم الشمولي الذي يتعدى الغرض من قيام الدولة إلى الغرض من وجود الإنسان على كوكب الأرض!
العدالة سمة أخرى من سمات المدنيّة، والدولة المدنيّة هي تلك القادرة على التخفيف من حدة التناقضات الطبقية بطريقة عادلة، فإذا كان التتاقض الطبقي نتيجة موضوعية لتطوّر نمط الإنتاج من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى مرحلة فائض القيمة، وإذا كان احتكار فائض قيمة الإنتاج يعني احتكاراً للسلطة السياسية، فإنّ مدنيّة الدولة تقاس بمدى قدرتها على منع استئثار فئة اجتماعية معيّنة بالسلطة والثروة، وهذا بالضبط ما يجعل من الديمقراطية ركيزة أخرى من ركائز الدولة المدنيّة، فالسلطة المستمدّة من الشعب بكلّ فئاته هي السلطة القادرة على ضمان التعايش السلمي والعادل بين أفراد الشعب الواحد.
أخيراً، بقيَ استدراك يُشير إلى ثلاث نقاط، الأولى هي أنّ مدنيّة الدولة تكشف في واقع الأمر عن قصور في مدنيّة بعض مواطنيها، ذلك أنّ الإنسان المدنيّ لا يحتاج إلى سلطة عليا لضمان تعايشه السلمي والعادل مع الآخرين، وأمّا النقطة الثانية فتشير إلى حقيقة أنّ السلطة العليا للدولة لا تكون ديمقراطية إلاّ عندما تكون مؤسسات المجتمع المدني ديمقراطية، أيّ أنّ النظام الديمقراطي الحقيقي هو ذلك النظام الذي يجسّد فيه المجتمع المدني فئاته بأطيافها كافّة، وأمّا النقطة الثالثة والأخيرة فتتعلّق بمفهوم العدالة، فهذا المفهوم ليس مرادفاً لمفهوم "المساواة"، ذلك أنّ المساواة في الظلم ليست عدلاً، مثلما أنّ المساواة في العبودية ليست حريّة، ومن هنا فإنّ الدولة المدنية لا تكتفي  بضمان المساواة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، بل هي تحرص أيضا على أن يكون معيار الحقوق والواجبات مرتبطا فقط بالغرض من وجود الدولة، فحقوق الفرد حقوق لأنّ اكتسابها لا يتعارض مع مبدأ التعايش السلمي والعادل مع الآخرين، وواجبات الفرد واجبات لأنّ الإخلال بها يتعارض مع المبدأ نفسه.

الأربعاء، 2 أبريل، 2014

ثقافة العنف من المحيط إلى الخليج

تتزامن أحيانا بعض الظواهر في المجتمع الذي نعيش فيه، وقد تبدو على السطح متباينة ولا رابط فيما بينها، لكن لو دققنا قليلا فإننا قد نعثر على المحرك الأساسي لكل تلك الظواهر، فمثلاً، قد نقرأ في جريدة ما خبراً عن حادث مروري مروع نتيجة السرعة الجنونية، ثم نقرأ خبراً آخر عن ذهاب مجموعة من الشباب إلى بلد عربيّ تلبية لدعوات الجهاد، ثم نقرأ خبراً ثالثاً عن عراك في مكان عام بين مراهقين بدأ بمشكلة بسيطة وانتهى بجريمة قتل! للوهلة الأولى، قد تبدو هذه المجموعة من الأخبار غير مرتبطة ببعضها بعضاً، لكن بعد طول نظر سنجد أنّ العامل المشترك بينها جميعا يشير إلى الفشل في إدراك قيمة الحياة.
عندما تدفع الأيديولوجية المسيطرة على عقول الناس باتجاه الزهد في الحياة وحب الموت لأي سبب كان، فإن فكرة حب الحياة وإدراك قيمتها تصبح فكرة مستعصية على الفهم. باستطاعتي أن أفهم المصوغات التي تدفع إلى كبت غريزة الجنس في مجتمع محافظ، لكني ما زلت لا أستوعب كيف يحاربون غريزة حب البقاء! لو تصفّحنا مناهج التربية الإسلامية أو استمعنا إلى بعض الخطب الدينية، فلسوف نجد صورة مظلمة عن مفهوم "الحياة الدنيا"، إذ يبدو أن هنالك من هو مشغول بإعداد أبنائنا لمرحلة ما بعد الموت، أما الحياة فليست سوى دار فانية، وعندما تكون الحياة رخيصة إلى هذه الدرجة، كيف لا يسرع المجنون، ويجاهد المخدوع، ويقتل المعتوه؟
من لا يدرك قيمة حياته فلن يكون بمقدوره إدراك قيمة حياة الآخرين، ولست أجد ثقافة تستهين بقيمة الإنسان كتلك التي تمتد من المحيط إلى الخليج، فمشاهد قطع الرؤوس، مثلا، تملأ الفضائيات من دون سابق إنذار، ومن دون أن تثير أدنى تقزز عند الكثير منّا، فنحن قد ألفنا ثقافة العنف منذ نعومة أظفارنا، فالحرب كانت لعبتنا المفضلة عندما كنّا صغارا، والمسدس كان الدمية المحببة إلى قلوبنا، و"دخان البنادق" كان أقرب المسلسلات إلى نفوسنا، ثم يأتي فوق كل ذلك دور المدرسة كي تكرّس ثقافة العنف من دون أدنى إحساس بالمسؤولية، فأغلب قصص العنف التي قرأناها في تراثنا العربي تنتهي عادة بضرب الأعناق، ولا يزال كاتب هذه السطور يذكر على وجه التحديد تلك القصة الشهيرة التي سمعها مع أقرانه من مدرس اللغة العربية، تلك التي تحكي ما دار بين عمرو بن هند وعمرو بن كلثوم، وكيف بدا أستاذنا الفاضل مسروراً من انجذابنا لتلك القصة، الأمر الذي دفعه إلى قراءة المعلّقة على مسامعنا بحماس لا مثيل له، حتى ختمها بهذا البيت: "إذا بلغ الرضيع لنا فطاما، تخرّ له الجبابر ساجدينا". لقد بلغ الحماس بنا نحن- معشر أطفال الأمس- درجة ظن فيها كل واحد منا أنه المقصود بذلك الرضيع الذي تخرّ له الجبابر ساجدينا! ما ضرّ أستاذنا الفاضل لو أنه سرد علينا القصة بروح عصرية؟ ما ضره -مثلاً- لو أنه علّق على تلك القصة الدموية قائلا: "لا شك أن الشاعر مخطئ في قتل خصمه، فلو أنه طالب بالاعتذار أو المعاملة بالمثل، لكان في ذلك حقن لنفس بشرية"؟
يردد كثير من المختصين أننا في حاجة إلى تعليم في الوطن العربي، ولكني أعتقد، وبصدق، أننا أشدّ حاجة إلى عيادات نفسية. نريد طبيبا نفسيا يذكّرنا بأن طفولتنا فقدت براءتها مبكراً، وأن لعبة الحرب لا تكرس سوى العدوانية، وأن دمية المسدس رمز لاغتصاب الحياة، وأن دخان البنادق يعكر سَكينة الطيور! نريد طبيبا نفسيا يذكّرنا بأن القصص التي تنتهي بضرب العنق لا تنمّ إلا عن وحشية واستهتار بحقوق الإنسان، وأن الدفاع عن الوطن يعني في أحيان كثيرة القتل من أجل الوطن! نريد طبيباً نفسياً يقول لنا إن العنف شر مطلق، وإن إزهاق روح المسلم لا يختلف عن إزهاق روح المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو الملحد أو أي روح بشرية.
حياة الإنسان ثمرة ملايين السنين من تاريخ الطبيعة، وإزهاقها يدل على عدم احترام لهذا التاريخ الطويل.

الأربعاء، 26 مارس، 2014

حول التوظيف السياسي للدين

هناك شكلان- على الأقل- للعلاقة المتبادلة بين السياسة والدين: إمّا أن تكون السياسة في خدمة الدين، وإمّا أن يكون الدين في خدمة السياسة. الشكل الأول لهذه العلاقة يستهوي أولئك الذين يشرئبون إلى العالم الآخر، والشكل الثاني يُغري أولئك المنغمسين في العالم السفلي. الفريق الأول يرى الدين غاية، والفريق الثاني يراه وسيلة، لكن ما يجمع بين الفريقين هو الفكرة الداعية إلى ضرورة أن يرتبط الدين بشؤون الحياة كافة، ومن ضمنها تلك المتعلقة بعالم السياسة، ولولا هذه الفكرة الشمولية لما حظيت التيارات الدينية بشعبية عارمة، ولما حظيت البنوك الإسلامية بشعبية مماثلة، ولما حققت كتب الإعجاز العلمي رواجاً بين الناس، بل لما دخلت الفتاوى الدينية إلى دهاليز السياسة.
في التاريخ المصري القديم، كان الفرعون، قبل اتخاذ أي قرار سياسي، يستشير الإله "آمون"، ثم يأتيه الرد على شكل إشارات مبهمة لا يستطيع تفسير معناها إلا الكهنة، فهؤلاء وحدهم من يحق لهم تفسير تلك الإشارت الإلهية، وبذلك انتقلت السلطة السياسية من قصر الفرعون إلى معابد الكهنة، وفي بعض الأحيان، يصل الأمر إلى حد القيام بتقديم رشوة إلى الآلهة للحصول على الجواب المطلوب، وهذا ما يخبرنا به المؤرخ الإغريقي "هيرودوتس" عن معبد "دلفي"، حيث يجيب الإله "أبوللو" بواسطة الوحي عن كل سؤال يُطرح عليه، ولم يكن الوحي سوى امرأة تختبئ وراء ستار، حيث تجيب بما يرغب السائل في سماعه، ثم تأخذ أجر ذلك من ماله، وهنا إنما تكمن الجذور التاريخية لشيوخ السلاطين في عصرنا الحاضر، مع فارق عنصر الحياء بالطبع، فخادمة "أبوللو" مجبرة على الاختباء كي لا ينكشف المستور، بينما لا يجد شيوخ السلاطين حرجاً في الظهور على الفضائيات بكل سُفور!  
بعد الثاني من أغسطس من عام 1990، وبعد أن ناشدت الكويت العالم أجمع كي يهبّ لنجدتها، سمعنا فتاوى دينية تجيز الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، وسمعنا كذلك فتاوى دينية تحرّم طلب العون من "الغرب الكافر"، وكان من الواضح آنذاك أن هذا التضاد في الرأي الديني لم يكن اختلافاً في تفسير الدين، بل كان اختلافاً في توظيف الدين، فالفتاوى المؤيدة للاستعانة بالقوات الأجنبية صدرت من دول مثل السعودية وبقية دول الخليج، بينما جاءت الفتاوى المحرّمة لمثل تلك الاستعانة من دول مثل العراق والأردن وفلسطين والجزائر وتونس، الأمر الذي يعكس تطابقاً بين مضمون الفتوى الدينية من جهة، والتوجه السياسي للبلد الذي خرجت منه الفتوى من جهة أخرى.
اليوم، وبعد ثورات الربيع العربي، ها هي الفتاوى الدينية تعود من جديد لكن بوتيرة متسارعة، وها هم شيوخ السلاطين يظهرون من جديد لكن بصورة أشدّ فجاجة، وفي كلّ فريق سلاطين وأتباعهم من شيوخ الدين، فتارة نسمع أنّ جبريل قد صلّى مع المعتصمين في ميدان "رابعة"، وتارة نسمع أنّ الله قد سخّر لمصرَ "السيسي" يجدّد لها دينها، والغريب أنّ مَن يصدّق الأولى يسخر من الثانية، ومَن يصدّق الثانية يسخر من الأولى!

الاثنين، 24 مارس، 2014

في نقد الخُطب الدينية

تمتاز الخطب الدينية بمؤثرات بلاغية تهدف إلى محاولة تسويق الأيديولوجيا بصورة فنية، وهي محاولة تنطوي على خلط متعمد بين الخطاب الفني والخطاب الأيديولوجي، فإذا كان تذوق الخطاب الفني يستوجب الاهتمام بشكل الخطاب ومضمونه، فإن ما يهمنا في الخطاب الأيديولوجي هو المضمون فقط، فما يحقّ للفنان على خشبة المسرح لا يحقّ للخطيب على المنبر، لكنّ بعض الخطباء– مع الأسف– يأبون إلاّ أن يحاكوا التراجيديا في لجوئهم عادة إلى البكاء الفردي لتحفيز البكاء الجماعي.
كم منّا قادرٌ على إهمال الجانب البلاغي في الخطاب الأيديولوجي والتركيز بدلاً من ذلك على فحوى الخطاب نفسه؟ وكم منّا يدرك أنّ آلية الإقناع مرتبطة فقط بنشاط خلايا الدماغ، ولا علاقة لها إطلاقا بمتانة الأوتار الصوتية؟ إنّ الصراخ والبكاء لا يقنعان، فالأول يصمّ الآذان، والثاني يثير الشفقة، وكلاهما فيه ابتذال ويدلّ على فشل ذريع في العثور على حجة منطقية.
يقف الخطيب على المنبر ليتحدّث في كلّ شيء وعن أي شيء، فالدين لا يعني بالنسبة إليه حالة روحية، بل فكرة شمولية؛ لذا لا يجد الخطيب حرجا في الاعتراض على مهرجان ترفيهي، أو الحديث عن الربيع العربي، أو حتى التطفّل على فيزياء الثقوب السوداء! إنّ استمراء الخوض في كلّ موضوع يفضح ضحالة المعرفة بأي موضوع.
يجد الغالبية منّا في خطبة الجمعة فرصة لتهذيب الروح وتطهير القلب، لكن كم منّا يجد فيها فرصة لإعادة التفكير وطرح الأسئلة؟ لماذا، مثلا، تتشابه خطب الجمعة من حيث الشكل والأسلوب؟ ولماذا يصعب التنبؤ بموضوع خطبة الجمعة من خلال سماع المقدمة، فالمقدمة هي ذاتها في كل خطبة جمعة؟ ولماذا ينفر أغلب الخطباء من مخاطبة عقول المصلين؟ ولماذا يتم انتهاك أبسط قوانين الفيزياء مع نهاية كلّ خطبة جمعة؟ ولماذا الإصرار على أن بعض المسائل الدينية لا يمكن الدفاع عنها بطريقة منطقية، وكأن تاريخنا الإسلامي لم يشهد شيخا في قامة الشيخ "النظّام" المعتزلي، أو فيلسوفا كـ"ابن رشد"؟
لكن طرح الأسئلة يحتاج إلى تفكير، فهل نفكّر فيما نسمع أم أننا منشغلون بالمؤثرات البلاغية التي تمتاز بها الخطب الدينية؟ قبل سنوات مضت، وبعد انقضاء صلاة الجمعة، تحدثت مع أحدهم عن شعوب الأزتيك في المكسيك، وكان الحديث يدور تحديدا حول إيمان تلك الشعوب بفكرة أنّ استمرار سطوع أشعة الشمس مشروط بأكل لحوم البشر، ولهذا السبب احتل الأزتيك المرتبة الأولى من بين كل الشعوب البدائية في تقديم أعداد هائلة من البشر على شكل قرابين للآلهة، ومهما أنس فلن أنسى استياء صاحبي من فكرة أن تكون الأولوية للمعتقد الديني على حساب الرابط الإنساني، لكن لم يخطر في باله قط أنّ القصة التي سمعها للتو من الخطيب حول النبي إبراهيم مع ولده إسماعيل تنطوي على الفكرة ذاتها، بل تذهب إلى أبعد منها!

الأربعاء، 19 مارس، 2014

المسؤولية ثمرة العبودية

ما إنْ يجيء أحدنا إلى الحياة حتى يدخل في فترة حضانة تدوم سنوات طويلة، يخضع خلالها إلى عملية روتينية يسمونها "تربية"، ويستقي منها عددا هائلا من المعلومات عن العالم من حوله، معلومات تلقاها من الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع بمجمله، وكلّما تفانى الطفل في حفظ تلك المعلومات عن ظهر قلب، دنا خطوة إلى الأمام في اتجاه تلك المرحلة التي يسمونها "البلوغ"، وحينئذ- حينئذ فقط- يصبح واحداً منّا، يلبس كما نلبس، و يشرب كما نشرب، ويأكل كما نأكل، والأسوأ من ذلك كلّه، يفكر كما نفكر.
كيف من الممكن أن يشعر الواحد منّا أنّه مسؤول عن تصرفاته إذا لم يُمنح الفرصة في أن يكون حرّا في أفعاله؟ هذا السؤال يفترض ضمنا وجود علاقة بين الحرية والمسؤولية، لكن ما طبيعة هذه العلاقة؟ لا يبدو لي أنها علاقة نابعة من ضرورة منطقية، بل هي على الأرجح تختلف باختلاف الثقافة السائدة في كلّ مجتمع، ولتوضيح هذه النقطة، دعنا نلقِ نظرة على مفهوم المسؤولية أولاً قبل النظر إلى علاقته بمفهوم الحرية.  
مفهوم المسؤولية في ثقافتنا العربية يختلف اختلافا جوهريا عن مفهوم المسؤولية في الثقافة الغربية، فكلمة "مسؤولية" تعني بالإنكليزية responsibility، وبالفرنسية responsabilité، وبالإسبانية responsabilidad، وهذه كلّها كلمات مشتقة من الفعل اللاتيني "respondere"، أي "أجاب"، بينما المصطلح العربي مشتق من الفعل "سأل". هذا اختلاف يستحق أن نتوقف عنده قليلا، إذ إنّ من الواضح أنّ مصطلح "المسؤولية" في الثقافة الغربية يقتصر في أصله اللغوي على فعل ذاتي نابع من داخل الفرد، بينما المصطلح العربي يشير إلى فعل لا ذاتي نابع من خارج الفرد. بمعنى آخر، المسؤولية في الثقافة الغربية لها دلالة مرتبطة بقدرة الفرد على الاستجابة، لكن دلالة المسؤولية لدينا تشير إلى إخضاع الفرد إلى المساءلة (أو "accountability" في اللغة الإنكليزية). على ضوء ما تقدّم، يمكن القول إنّ المسؤولية في الثقافة الغربية مرتبطة بالحرية، بحيث يكون الفرد مسؤولاً بقدر ما هو حرّ في أن يستجيب لأي مؤثر من حوله، بينما المسؤولية في ثقافتنا العربية مرتبطة بالعبودية، بحيث يكون الفرد مسؤولاً بقدر ما هو خانع للأوامر التي تُملى عليه، ولعلّ هذا بالضبط ما يشير إليه تعبير "التحلّي بروح المسؤولية"، أي التفاني في أداء الواجب، ومن هنا فإنّ المسؤولية هي ثمرة العبودية لدينا، بينما هي ضريبة الحرّية عند سوانا.
أخيرا، تبقى الإشارة إلى حقيقة أنّ مفهوم المساواة في تراثنا الإسلامي لا يرتبط بالحرية بقدر ارتباطه بالعبودية، ذلك أنّ المساواة بين الأفراد في الإسلام ليست مساواة في مقدار الحرية بينهم، بل هي مساواة في مقدار العبودية تجاه ربّهم، كما أنها ليست مساواة في الحقوق، بل هي مساواة في الواجبات.

الاثنين، 17 مارس، 2014

وجوهٌ جفّ ماءُ حيائها

ليس لديّ حساب في "تويتر"، وما ينقله لي بعض الأصدقاء حول ما يُقال في ذلك الفضاء الإلكتروني لا يثير دهشتي، لكنّ المثير للدهشة حقاً هو ما لا يُقال، أو لنقل، ما يُقال ضمناً لا مباشرة، ولعلّ آفة النرجسية هي أبرز مظهر من مظاهر هذا الذي يُقال تلميحاً لا تصريحاً في فضاء "تويتر"، ذلك الفضاء الذي يُقاس فيه النجاح بعدد الأتباع، وتُقاس فيه الشهرة بعدد البُلْه من الناس.
ذهب الحياء مع ذهاب ذلك الزمن الذي إذا سمع أحدهم مديحاً يُكال له، احمرّ وجهه خجلاً قبل أن يغيّر مجرى الحديث إلى مجرى آخر، وذهب التواضع مع ذهاب ذلك الزمن الذي إذا سمع المرء مديحاً لا يستحقّه، استاء وغضب، وإذا كيل عليه الثناء بما يستحق، راوغ وأنكر، وصدق الإمام الشافعي حين قال: "أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكبر الناس فضلاً من لا يرى فضله"، كما صدق أحد الحكماء حين قال: "عجبت لمن جرى مجرى البولين كيف يتكبّر"!
أجل، ذهب الحياء وجاءت الصفاقة، وتوارى الكبرياء ليحلّ محلّها الخُيلاء، وما كثرة الرياء في زماننا هذا إلا لكثرة مَن غلا في العُجب والتيه، وما كثرة العُجب والتيه في زماننا هذا إلا لكثرة الوجوه التي جفّ ماء حيائها، لكن يبدو أننا لم نعد نسمي الأشياء بأسمائها، فمثلاً، مفهوم "التبجح" استبدل بمفهوم "تسويق الذات"، كما أنّ هناك من يرى في التواضع علامة ضعف وانكسار!
سأثير اشمئزاز القارئ من خلال المشهد الافتراضي التالي: لنفترض أنّي أجلس في مجلس بين أناس لا أعرف الكثير منهم، ثم أسرّ إليّ أحدهم بإعجابه بما أكتب، فإذا بي ألفت انتباه الجميع كي أطلب منهم الإنصات إلى ما فاتهم من مديح في حقيّ! خليق بمثل هذا المشهد أن يثير اشمئزاز كل إنسان سويّ، لكنه مع ذلك مشهد يتكرّر ليل نهار في فضاء "تويتر" الإلكتروني، فعندما يغرّد أحدهم قائلا: "ما أجمل (س) من الناس وما أحسن ما صنع من أشياء"، يُسارع "س" هذا إلى إعادة التغريدة من دون أدنى قطرة حياء، وكأنه يقول ضمناً: "ما أجملني وما أحسن صنيعي"! بالمناسبة، ماذا لو غرّد أحدهم قائلا: "ما أتعس (س) من الناس وما أقبح ما صنع من أشياء"، فهل يا ترى سيعيد "س" التغريدة؟!
هل يريد القارئ مزيداً من الاشمئزاز؟ هناك من الكتّاب والإعلاميين وغيرهم ممن إذا حضر إلى مكان عام، سارع إلى كتابة تغريدة من هذا القبيل: "أنا موجود حالياً في المكان الفلاني لحضور ندوة حول الموضوع الفلاني"، أو "أنا في طريقي إلى معرض الكتاب"، أو "مازلت مستمتعاً في التجوال في سوق المباركية"! حسناً، لكن ما المطلوب بالضبط عندما يحدّد هؤلاء موقعهم الجغرافي بين الحين والآخر؟ أم أنها مجرّد رسالة ضمنية الغرض منها إتاحة الفرصة أمام المعجبين والمعجبات كي يسارعوا إلى نيل شرف إلقاء التحيّة على صاحب التغريدة؟!  
غرور الإنسان تلقّى ضربة قوية على أيدي "كوبرنيكوس" و"داروين"، فالأرض لم تعد مركز الكون، والإنسان لم يعد نصف إله، لكنّ "الأنا الذاتية" كانت وما زالت مركز الكون في عينيْ كلّ نرجسيّ!

الأربعاء، 12 مارس، 2014

الجهل والمال

لكلّ نعمة نقمة، فأمّا النعمة فمصدرها المصادفة الجغرافية التي وضعت في أيدينا ذهباً أسوَدَ، وأمّا النقمة فمنبعها الجهل الذي لا يزداد إلا تماديا، وليس أشدّ خطراً على وطن من أن يجتمع فيه الجهل والمال، ففي اجتماع هذين بداية السقوط إلى حيث الهاوية، إلى حيث تُدنّس كرامة الإنسان، وتُشوّه قيمة العمل.
أتخم النفطُ جيوبنا بالمال، لكنه لم يزدنا علماً، وصدق القدّيس "أوغريس البنطي" حين قال: "الفقر مع العلم خير من الغنى مع الجهل"، كما صدق الإمام عليّ بن أبي طالب حين قال: "لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل"! إنّ المال في يد الجاهل وسيلة لتحقيق رغباته ونزواته، ولنا أن نتخيّل أيّ نوع من الرغبات تأسر قلب الجاهل، وأيّ صنف من النزوات تملك عليه نفسه وتحدّد مسار حياته، لكن الأخطر من ذلك كلّه هو هذا التدنيس الذي يلحق بكرامة الإنسان من جرّاء عادة الاستهلاك المفرط، فبالنسبة إلى أولئك الذين خفّت عقولهم وثقلت جيوبهم، قيمة الإنسان فيما يملك من أشياء، وفيما يحقق من رغبات!
على الجانب المادي، كاد النفط أن ينقلنا إلى مصاف الدول المتقدمة، لكن على الجانب الأخلاقي، لم نتمكن من تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، فالثراء الفاحش عند القلّة فينا يدلّ على أنّ الفقر يتربّص بالكثرة منّا، كما حرمنا النفط أيضاً من القدرة على تهذيب الجانب الروحي لدى الإنسان الكويتي، فبالرغم من مظاهر التديّن التي تملأ المكان والزمان، مازال الكذب والنفاق سائدين، والجشع والطمع مستمرين، ولا تزال علاقتنا بخدم المنازل تفتقر بشكل عام إلى الحد الأدنى من الإنسانية: نقف والخدم نصلي جنبا إلى جنب، لكن ما إن تنقضي الصلاة حتى نعود من جديد إلى ثنائية الأسياد والعبيد.  
قبل النفط، كانت هناك فرص عمل حقيقية، ثم جاء النفط فأصبحت الوظيفة الحكومية مجرّد معيار يتم من خلاله معرفة حصّة كل مواطن من الثروة النفطية، وهذه نتيجة طبيعية لسياسة سلطة اتخذت من المال وسيلة لبقائها، بدلاً من اتخاذ العلم وسيلة لبقاء الدولة، ثم يأتي من يتذاكى ويقول مراراً وتكراراً إنّ المواطن الكويتي لا يعمل وغير منتج، وكأنّ المطلوب أنّ يخلق المواطن بنفسه عملاً من لا شيء، وأن ينافس النفط في قيمة الإنتاج!
أخيراً، نحن شعبٌ "مستطيعٌ بغيره" كما كان رهين المحبسين يصف نفسه، وكما قلّده في ذلك عميد الأدب العربي، ومع ذلك لم يخرج من بيننا من هو بمنزلة أبي العلاء ولا بقدر طه حسين، ذلك أنّ البيئة التي يمتزج فيها المال بالجهل لا يسودها إلاّ أفراد على شاكلة "مسيو جوردان"، ذلك البرجوازي الصّلف في مسرحية موليير الشهيرة، كما أنّ الأرض التي يتعانق فيها الثراء والغباء تجود بقدر سخيّ من التفاهة والصفاقة، وتنعم بقدر لا بأس به من الهُراء والمِراء.

الثلاثاء، 11 مارس، 2014

الأنظمة الخليجية والهاجس الأمني

في الخليج شعوب تحلم في مستقبل مشرق، وفي الخليج أنظمة تشفق من مستقبل مظلم، فالديمقراطية هاجس شعوب الخليج، والأمن هاجس أنظمتها، ويبدو أن الأمن نقيض الديمقراطية في القاموس الخليجي، خصوصاً بعد أحداث الربيع العربي، ولعلّ تراجع الديمقراطية في الكويت- مثلاً- لا يمكن فهمه بعيداً عن الهاجس الأمني لدى الأنظمة الخليجية، ولهذا الهاجس مؤشرات تدلّ على تفاقمه، ومفارقات تدلّ على تهافته.
المؤشرات الدالة على تفاقم الهاجس الأمني كثيرة، وكلها تصبّ في مصلحة الأمن على حساب الديمقراطية، ومن ضمن هذه المؤشرات الدعوة التي وجهتها دول الخليج إلى كلّ من الأردن والمغرب في الانضمام إلى المنظومة الخليجية، والمساعدات المالية الضخمة لكل من البحرين وعُمان لتعزيز "الأمن والاستقرار"، والاقتراح السعودي بشأن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، ومشروع قانون الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
لا يخلو الهاجس الأمني أيضا من مفارقات تعكس مدى تهافته، فالاتفاقية الأمنية- على سبيل المثال- تفترض وجود حالة من الثقة المتبادلة بين الدول الأطراف، لكن الواقع يشير في حقيقة الأمر إلى العكس من ذلك تماماً، فالحروب الإعلامية التي مازالت مستمرة منذ سنوات بين بعض الدول الأطراف تطورت في الآونة الأخيرة إلى حروب بالوكالة تخوضها مجموعات إرهابية مسلحة على الأراضي السورية، والمواقف الخليجية المتباينة من أحداث مصر أدت أخيراً إلى سحب السفراء وقد تتطور لاحقاً إلى فرض حصار على إحدى الدول الأعضاء.
هذه الحالة من عدم الثقة تكشفها أيضا بنود الاتفاقية الأمنية ذاتها، فبينما تدعو المادة الرابعة من الاتفاقية إلى تعاون الدول الأطراف على تبادل المعلومات والبيانات الشخصية عن مواطنيها، تنص المادة الخامسة من الاتفاقية على أنه "لا يجوز توظيف مواطن أي دولة طرف سبق له العمل في أحد الأجهزة الأمنية لدولته للعمل في جهاز أمني بدولة طرف أخرى إلا بموافقة وزارة الداخلية بدولته"!
بمعنى آخر، تجسس الأنظمة على شعوبها أمر مشروع، بينما تجسس الأنظمة على بعضها بعضا أمر غير مشروع!
أخيراً، المفارقات المؤلمة تتعدى الاتفاقية الأمنية إلى أمور أكثر خطورة، فالتناقضات بين قمة الهرم وقاعه، أي بين الأنظمة وشعوبها، تشير إلى تباين صارخ من حيث الوضع المادي والمستوى التعليمي والفئة العمرية، فعلى قمة الهرم ثراء متزايد وتعليم متواضع وشيخوخة متقدمة، وفي قاع الهرم فقر متفاقم وتعليم متنامٍ وسن يافعة، وهذه هي التناقضات الحقيقية التي تهدد أمن الخليج واستقراره.

الاثنين، 24 فبراير، 2014

الإنسان أولاً... العقل ثانياً

المظاهرة، بوصفها وسيلة احتجاج مشروعة، تعكس حيوية المجتمعات البشرية ومدى تفاعلها مع الأزمات التي تمر بها، كما أنها تشير أيضا إلى الأولوية التي يضفيها كل مجتمع على قضاياه المصيرية. في هذا المقال أريد أن أسلّط الضوء على حقيقة أنّ مفهوم التظاهر لدينا يفتقر إلى الإنسان في المقام الأول، وإلى العقل في المقام الثاني.
كلّنا يذكر خروج المواطنين إلى الشوارع في مسيرات عارمة احتجاجا على مرسوم الصوت الواحد، وكلّنا يعرف مدى القمع الذي تعرّض له بعض المواطنين من جرّاء المشاركة في تلك المظاهرات، وكلّنا أيضا يدرك حجم الغضب الشعبي الناتج عن محاولة السلطة الانتقاص من كرامة المواطن، لكن بالرغم من كل ذلك، تبقى الحقيقة المرّة المتمثلة بالسؤال التالي: أين تلك الأعداد الغفيرة من قضايا تفوق من حيث الأهمية قضية كرامة المواطن، ذلك أنها قضايا تتعلّق بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان؟  
لماذا، مثلا، لم نسمع قط عن مظاهرة شعبية كويتية دفاعا عن حقوق العمالة الأجنبية وتنديدا بظروفها المعيشية المزرية؟ لماذا نقف متفرجين على قمع أجهزة الأمن  لمظاهرات "البدون"؟ لماذا لا ننتفض للأخبار التي نقرؤها في الصحف عن اختطاف أطفال صغار واغتصابهم وقتلهم بدم بارد؟ هل من المعقول أنّ هذه الأمور كلها مجرد أمور تافهة لا تستدعي الخروج إلى الشارع؟ من المؤسف حقا أنّه طبقا للقاعدة السائدة حاليا، كي يخرج المرء إلى الشارع يجب أن تكون هناك قضايا لا تقل أهمية عن رسوم كارتونية أو دوائر انتخابية أو قروض استهلاكية (أشعر بالقرف لمجرد عقد مثل هذه المقارنة)!
في الكويت أيضا، دأب التيار الإسلامي طوال عقود من الزمن على حشد المظاهرات المندّدة بقضايا يقتصر ضحاياها على المسلمين فقط، فالإنسان في قاموس "الإسلام السياسي" هو "الإنسان المسلم"، وأمّا مَن لم يكن الإسلام له ديناً فهو أقلّ آدميّة! كيف من الممكن، مثلا، أنّ نصدّق غضبهم من انتهاك حقوق الإنسان يبنما غضبهم هذا مرهون بهوية هذا الإنسان؟ شهدنا مظاهرات تنتصر لحقوق الإنسان السوري، وهي مظاهرات واجبة من دون أدنى شك، لكن في المقابل لم نسمع حتى عن تنديد أو استنكار لما يتعرّض له الإنسان الأوكراني، مثلا! ليس في الأمر سرّ، فالإنسان السوري المسلم إنسان كامل الآدمية، وأمّا ما عداه فلا يستحقّ حتى أن نلتفت إليه!
في الكويت أيضا، من المستحيل حتى أن نتخيل وجود مظاهرة شعبية أمام مبنى وزارة التربية كاحتجاج على تدني المستوى التعليمي وفقر المناهج الدراسية، ومهما أنس فلن أنسى ما نشرته إحدى الصحف المحليّة قبل سنوات حول اعتصام بعض أولياء الأمور احتجاجا على التقييم المدرسي للطلاب، حيث عبّر جميعهم عن امتعاضهم لهذا التقييم وما ينطوي عليه من ظلم للطالب، لكنّ أحدا لم يتطرق على الإطلاق إلى نوعية المعلومة الدراسية التي تقدم للطلاب ومدى استفادتهم منها، فبالنسبة إلى أولياء الأمور ما يهم هو أن ينجح الطالب، وأما ماذا درس تحديدا فهذا أمر لا يسترعي الانتباه! طبقا لعقلية معظم أولياء الأمور، جميل أن يحصل الطالب على الدرجة الكاملة في مادة الفيزياء، لكن لا يهم معرفة أن شكل الذرة الذي تعلمه في منهج الفيزياء فاقد للصلاحية منذ مئة عام! لا أحد يبدو مكترثا بحقيقة أن مناهجنا الدراسية تقول نصف الحقيقة وتشوه النصف الآخر، حيث يدرس الطالب مادة الأحياء ولا يسمع عن "داروين"، ويدرس مادة التربية الإسلامية ولا يسمع عن "ثورة القرامطة"، ويدرس مادة المنطق ولا يسمع عن "جودل"! ماركس وفرويد مجرد يهود حاقدين، وكوبرنيكوس وداروين مجرد حمقى يدّعون ما لم ينزل الله به من سلطان!

الأربعاء، 19 فبراير، 2014

أعداء الرمزية

إنّ مناصبة العداء للرمزية والتفكير المجرّد في تراثنا الإسلامي بلغت من القوة حداً أصبحنا فيه عاجزين عن رصد الخط الفاصل بين الواقع والخيال. لو حاولت، مثلاً، أن تقرأ قصة على شخص غير متعلم، فإن أول سؤال يتبادر إلى ذهنه بعد سماع القصة هو: متى حدث هذا؟ إنّ مثل هذا السؤال يعكس فقراً في فهم ما تعنيه كلمة "خيال"، وهو فقر ناتج عن مناصبة العداء للرمزية في تراثنا.
هل أتيحت لك الفرصة في مشاهدة رمي الجمرات أثناء أداء مناسك الحج؟ أنت ترى بعض الحجاج يرمون بقسوة واضحة ذلك العمود المشيّد في وسط الدائرة، بل إنّ منهم من يذهب إلى أبعد من ذلك ليخاطب ذلك العمود بكلمات فيها من التهديد والوعيد الكثير! لا عجب ولا غرابة، فهذه النوعية من الحجاج لا ترى الرمز الذي يشير إليه ذلك العمود المشيّد، بل الشيطان ذاته!
إليك مثالا آخر من واقع تجربتي القصيرة في سلك التدريس، فعندما أبدأ حديثي قائلاً: "لنفترض أنّ كذا وكذا"، يأتيني الرد من بعض الطلاب محتجين: "ما الفائدة من افتراض شيء لم يحدث على أرض الواقع؟". هذا سؤال يفضح حجم المأساة التي تعانيها العلوم المجردة في نظامنا التعليمي، مثل الرياضيات والمنطق والفلسفة، فالطالب الذي يجهل أهمية الافتراض يجهل بالضرورة أهمية مثل تلك العلوم. من جهة أخرى، لست أبالغ لو قلت إنّ أغلب الطلاب يواجه مشكلة حقيقية في استيعاب التفكير المجرد، وهو نمط من أنماط التفكير الذي لا يهتم بالتفاصيل بقدر اهتمامه بالعموميات، فعندما تأتي بأمثلة محدّدة لفكرة مجردة، فإن الطالب عادة يتشبّث بالأمثلة وينسى الفكرة، ليكون بذلك مثل الطفل الذي يعرف أنّ تفاحة + تفاحة= تفاحتين، لكنّه يجهل في الوقت نفسه أنّ 1 + 1= 2، وإلاّ ما معنى أن يبدأ طالب إجابته عن سؤال في الاختبار من خلال طرح مثال؟ مثال على ماذا؟ لا أحد يعرف!
لعلّ أبرز مظهر من مظاهر العداء للرمزية في تراثنا الإسلامي هو اعتماد التفسير الحرفي، لا الرمزي، للنصوص الدينية، مع عدم مبالاة بالحقائق العلمية والتفكير المنطقي السليم• لنأخذ- على سبيل المثال- مفهوم "السماء" كما ورد في القرآن، فالمعروف أن المفسرين الأوائل لم يجدوا مشكلة في تحديد هذا المفهوم بـ"السقف" الذي نراه أمام أعيننا، لكن في الوقت الحالي ليس بوسع أي رجل دين يحترم عقله إلا أن يبحث عن تفسير آخر أقل مادية من كلمة "سقف"، ذلك أنّ أبجديات العلم تحتّم علينا أن نبحث عن الرمز الذي تشير إليه كلمة "السماء"، وأن نلغي إلى الأبد التفسير السطحي المباشر لهذه الكلمة، ففي نهاية المطاف، ذلك اللون الأزرق فوق رؤوسنا ليس سوى غاز مليء بالشقوق والفروج، كما أنه ليس في حاجة إلى أعمدة كي يبقى في مكانه، فقانون الجاذبية يكفي لهذا الغرض.
يؤكد الشيخ "صالح الفوزان" بكل ثقة قائلاً إنّ "الأرض ثابتة عكس ما يقوله جهلة الفلكيين اليوم"، ولا أدري ما رأي الفلكيين ممن درسوا علم الفلك الحديث ثم التزموا الصمت أمام هذه الإهانة لهم ولما تعلّموه، لكن ما أدريه هو أنّ "كوبرنيكوس"، لو بُعث من قبره وسمع ما يقوله الفوزان، لظنّ أنه لم يلبث في قبره إلا يوماً أو بعض يوم!

الاثنين، 17 فبراير، 2014

هل تكرّر مصر أخطاءها؟

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير كان من المتأمّل أن تستفيد مصر من دروس الماضي فتعمل على إرساء دولة المؤسسات التي لا تهتمّ بهوية الحاكم بقدر اهتمامها بتحديد كيفيّة الحُكم، أو بعبارة أخرى، لا تلتفت إلى صفات الرئيس بقدر التفاتها إلى حجم السلطة المرتبطة بكرسي الرئاسة، لكن يبدو أنّ قَدرَ مصر هو قَدرُ حُكّامها، فمنذ فجر التاريخ ارتبط اسم مصر بأسماء حُكّامها، كما يبدو أنّ العقل المصري ما زال يعاني عقدة "الزعيم"، فعلى الرغم من التجربة المريرة التي خاضها الشعب المصري تحت وطأة حكم الإخوان المسلمين، لا يزال الشعار القديم جذّابا منذ  هزيمة 1967: "ماتسيبناش يا رّيس"!
من يجب أن يحكم مصر؟ هذا سؤال كارثيّ بكل المقاييس، والإجابات التي يُحيلنا إليها هذا السؤال لا تقلّ عنه كارثيّة، فكلّ من يقرأ "كارل بوبر" يدرك جيدا أن السؤال بصيغته الحالية يدفعنا إلى البحث عن إجابات سلطوية وسطحية، مثل "الأفضل"، أو "الأقوى"، أو "الأذكى"... إلخ، فالسؤال كما نرى يربط بين مصدر الحُكم وأهليّة الحاكم، من دون وجود سبب مقنع لمثل هذا الربط، فإذا كنّا نعتقد أن القوة، مثلاً، هي مصدر الحكم، فإننا سنميل إلى الاعتقاد بأن القوي هو الإنسان المؤهل للحكم، من دون أن نقدم أي نوع من التبرير المنطقي لهذا الربط بين مقدار القوة ومشروعية الحُكم.
لتفادي هذا الخلل المتمثل بالربط غير المنطقي بين مصدر الحكم وهوية الحاكم، يقترح "بوبر" إعادة صياغة السؤال على النحو التالي: كيف يمكن تنظيم مؤسسات الدولة بطريقة تساهم في تقليص الضرر الناتج عن وجود حاكم سيئ في سدة الحكم؟ صياغة السؤال بهذه الطريقة لا تهتم بهوية الحاكم بقدر اهتمامها بتحديد كيفية الحكم، ولعلّ الدستور المصريّ الجديد تدراك هذه النقطة بعد تجربة "مرسي" الفاشلة في الحكم، لكنّ الأمر الذي يبعث على القلق حقّا هو هذه الحالة الراهنة من عدم الانسجام بين مسار الثورة المصرية ومسار الإعلام المصري بشكل عام، فالثورة التي ما فتئت تلفظ  طاغية بعد طاغية أفسحت الطريق لإعلام الفلول الذي يعمل ليل نهار على خلق طاغية جديد.
رغم مرور أكثر من نصف قرن على نشوئها، ما زالت علاقة التصادم التاريخي بين العسكر و"الإخوان" تحتفظ بحيويّتها، وما زالت هذه العلاقة أيضا تقف في وجه كل مشروع إصلاحي حقيقي يهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي مدني على الخريطة العربية، لكن مهما يكن من شيء فإنّ أملنا في مصر وأهلها كبير لا يخالجه أيّ شك، وعسى ألا تكرّر مصر أخطاءها.

الأربعاء، 12 فبراير، 2014

فضيلة العلم

"ريتشارد فاينمان" أشهر من نار على علم، فبالإضافة إلى أن جائزة نوبل شرفت بأن يكون هذا الفيزيائي الفذ واحداً ممن حصلوا عليها، فإنّ محاضراته مازالت معيناً لا ينضب من المعرفة بعد أن قام عدد من تلامذته بنشرها في ثلاثة مجلدات، ولست أتخيّل وجود مكتبة جامعية محترمة لا تحتوي على نسخة من تلك المجلدات التي كُتبت بطريقة سلسة ومثيرة للإعجاب. في إحدى محاضراته المصورة، يشرح "فاينمان" طبيعة قوانين الفيزياء، ثمّ يبيّن الخطوات التي من خلالها يصل العلماء عادة إلى اكتشاف تلك القوانين، فالخطوة الأولى تتمثل في محاولة تخمين قانون استناداً إلى المعطيات الأولية التي تتيحها الملاحظة العلمية، والخطوة الثانية هي محاولة تحديد عدد من النتائج المترتبة على افتراض صحة هذا القانون، وأما الخطوة الأخيرة فهي إجراء التجربة للتحقق من صحة تلك النتائج، فإذا أثبتت التجربة خطأ النتائج، أصبح من الضروري منطقياً أن يكون القانون خاطئاً أيضاً، وأمّا إذا أثبتت التجربة صحة تلك النتائج، فإن من المحتمل منطقياً أن يكون القانون صحيحاً أيضاً.
ثمّ يضيف "فاينمان" عبارة خليقة بأن تُكتب بماء الذهب: "لن يكون بوسعنا أبداً أن نكون على يقين من أننا على صواب، لكن بوسعنا أن نكون على يقين من أننا على خطأ"! لنتوقف قليلاً عند هذه العبارة العميقة التي تشير إلى أهم فضيلة من فضائل العلم، وأعني بها فضيلة التواضع المعرفي، ولهذا النوع من التواضع ملامح يجدر بنا التمعن بها.
أولاً، مفهوم التواضع في نظرية الأخلاق يختلف اختلافاً جوهرياً عن مفهوم التواضع في نظرية المعرفة، فالأول يعبّر عن فضيلة مكتسبة تُمليها أحيانا قواعد التربية، وأما التواضع المعرفي فيشير إلى حتمية منطقية تُمليها دائماً قوانين المنطق، فالمغالطة المنطقية التي تعرف باسم "تأكيد التالي" هي المسؤولة عن حتمية القصور المعرفي بحقيقة الأشياء من حولنا (سبق أن أشرنا إلى هذه المغالطة المنطقية في مقالات سابقة).
ثانياً، القاعدة التي يستند إليها التواضع المعرفي تختلف اختلافاً جوهرياً عن القاعدة الفقهية التي تقرر أن "كلّ ما بُنيَ على باطل فهو باطل"، ولهذا الاختلاف وجهان: الوجه الأول، هو أنّ هذه القاعدة الفقهية مخالفة لقوانين المنطق، ذلك أنّ أيّ مبتدئ في علم المنطق يعلم جيداً أنّ بالإمكان التوصّل إلى استنتاج صحيح قائم على مقدمات خاطئة (مثلا: مقدمة 1: الكويتيون كائنات فضائية، مقدمة 2: الكائنات الفضائية بشر، استنتاج: الكويتيون بشر)، وأمّا الوجه الثاني، فيشير إلى حقيقة أنّ هذه القاعدة الفقهية تستلزم لإثبات صحتها إثبات صحة افتراضها (أي صحة أن البناء باطل)، وهذا النوع من الإثبات المباشر للمقدمات لا يتوافر في أغلب الأحيان عندما يتعلق الأمر بالنظريات العلمية وبمبادئها العامة، فإحدى أهم نتائج "الوضعية المنطقية" هي حقيقة أنّ العلم غير معنيّ بإثبات مبادئه أو افتراضاته العامة، بل هو معنيّ فقط بإثبات ما يترتب على تلك المبادئ أو الافتراضات، فالعلماء – مثلا – لم يحتفوا بالنظرية النسبية العامة لأنهم استطاعوا رؤية تقوّس المكان من حولهم، بل لأنّهم استطاعوا اختبار صحة ما ينتج عن مبدأ تقوّس المكان، مثل انحراف الضوء عن مساره بالقرب من الشمس أثناء فترة الكسوف.
أخيراً، لعلّ أهم ملمح من ملامح فضيلة التواضع المعرفي هو أنها فضيلة تقف على النقيض من نقيصة اليقين الدوغمائي، الأمر الذي يفسّر كثرة استخدام مفردات الشك أو الاحتمال في الكتب العلمية الرصينة (مثل: "يبدو"، "ربما"، "لعلّ"، "على الأرجح"، إلخ)، وكثرة استخدام تعابير اليقين في الكتب غير العلمية بشكل عام، وكتب التراث بشكل خاص (مثل: "ثبت قطعاً"، "إجماع العلماء"، "مما لا شك فيه"، "لا ريب"، إلخ).
فضيلة العلم هي هذا التواضع المعرفي الذي يستجيب له العلماء مجبرين بدافع احترامهم لعقولهم، ونقيصة الدوغما بكل أنواعها هي هذا التعجرف المعرفي الذي يستهوي أولئك الذين يجدون في الجهل مرتعاً لعقولهم، وما أصدق المتنبي حين قال:
"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم".

الأربعاء، 5 فبراير، 2014

آفة الاستقطاب في الموقف من أحداث مصر

بئس الثقافة التي نعيشها هذه الأيام، والتي لم تعد تعني بحثاً مخلصاً عن الحقيقة أينما وُجدت، بل أضحت مجرّد اصطفاف غير مشروط مع أيديولوجية ضد أخرى، وهذا ما نراه واضحا جليّاً منذ أوّل يوم تهاوى فيه "الإخوان المسلمين" عن عرش مصر، فمنذ ذلك الحين أصبح الشأن المصري غير قابل للقسمة على أكثر من اثنين، فإما أن يكون المرء مع "الانقلاب" ضد "الشرعية"، أو أن يكون مع "الإرهاب" ضد "الوطن"، وكأنّ خيار الوقوف مع الثورة ضد "الإخوان" والعسكر معاً أمرٌ مستحيل منطقيّاً، فإمّا أن تكون "إخواني الهوى" فتفوزَ بلقب "المثقف الحقيقي"، وإمّا أن تكون "سيسيّ الهوى" فتظفرَ بلقب "المصري الحقيقي"، لكن إنْ حدّثتك نفسك في الرغبة عن هذا وذاك، إنْ حملتك الجرأة على رفع شعار "لا للإخوان، لا للعسكر"، إنْ أجبرك عقلك على رفض دكتاتورية الفرد ودكتاتورية الجماعة، فأنت حينئذ أحد اثنين: إما أنّك تنتمي إلى طابور "المثقفين المزيّفين"، أو أنّك تنتمي إلى "الخلايا النائمة"!
ترتفع الأصوات هذه الأيام من كلا الطرفين مندّدة بكلّ من تسوّل له نفسه "الوقوف على الحياد بين الضحية والجلاد"، لكن ينبغي التذكير بأنّ ضحيّة اليوم هي ذاتها جلاد الأمس، مثلما أنّ جلاد اليوم هو ذاته ضحيّة الأمس، كما ينبغي التأكيد على حقيقة أنّ الحياد يعني اصطلاحاً عدم اتخاذ أي موقف، كما أنّه يشير ضمنيّاً إلى أنّ الموقف من أحداث مصر لا يقبل القسمة على أكثر من اثنين، وهنا إنمّا تكمن مغالطة مقصودة من طرفي النزاع تهدف إلى كسب أكبر عدد ممكن من المؤيدين، فالذي يرفع شعار "لا للإخوان، لا للعسكر" لا يقف على الحياد، بل يعلن موقفاً ثالثاً أكثر تحضراً، وأرقى مقاماً، وأشدّ نفعاً لمصرَ وأهلها.
أجل، بئس الثقافة التي نعيشها هذه الأيام، والتي لم تعد تعني مسؤولية الوقوف مع الضعيف ضد القويّ، بل أضحت مجرّد ترجيح كفة القريب على البعيد، فالموقف من هذا وذاك لم يعد مرتبطاً بحقيقة الصراع بقدر ارتباطه بهوية طرفيْه، فإن من تهواه النفس يبقى صائباً ولو أخطأ، ومن تبغضه النفس يبقى خاطئاً ولو أصاب!

الاثنين، 3 فبراير، 2014

عقلانية طه حسين ولا عقلانية سيّد قطب

في عام 1938، وضع طه حسين كتابه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر"، وفي عام 1964، وضع سيّد قطب كتابه الشهير "معالم في الطريق". إذا كان لنا أن نقارن بين هذين الكتابين، فإن أبرز وجه من وجوه المقارنة يشير إلى تنافر واضح بين عقلانية طه حسين ولاعقلانية سيّد قطب، وسنتناول من خلال هذا المقال بعض ملامح هذا التنافر الذي ما انفكّ يتجدد في ثقافتنا العربية، وإنْ اتخذ أشكالاً مختلفة.
يبرز أول ملمح من ملامح العقلانية عند طه حسين من خلال تأكيده في مقدمة الكتاب حقيقة أنّ ما يقدمّه للقارئ بشكل عام، وللشباب الجامعي المصري بشكل خاص، لا يعدو أن يكون رأيا خاصا يحتمل الصواب أو الخطأ. يقول العميد: "من يدري! لعل هذا الكتاب كله أو بعضه سيقع موقعاً حسناً من بعض الذين إليهم أمور التعليم، ولعلهم أن يأخذوا ببعض ما فيه من رأي". ثم يتابع: "ومن يدري! لعل هذا الكتاب كله أو بعضه أن يقع موقعاً سيئاً من بعض الناس، ولعلهم أن ينقدوه، وأن يثيروا حوله هذا الجدل الخصب، الذي يجلي وجه الحق في كثير من الأحيان".
في مقابل هذا التواضع العقلي الذي تمليه أبجديات المنهج العقلاني، نجد على الطرف الآخر ادعاءً زائفاً بامتلاك الحقيقة التي لا يشوبها أيّ شك، ذلك أنّ سيّد قطب يزعم في بداية كتابه أنّ "البعث الإسلامي" لا بدّ له من "طليعة" من الشباب المسلم، "ولا بد لهذه الطليعة... من معالم في الطريق"، كما لا بد لهذه المعالم أن تستند إلى التصوّر الإسلامي الذي تصل إليه "الصفوة المختارة"، ولا ريب في أنّ سيّد قطب رأى نفسه واحداً من تلك "الصفوة المختارة"، ذلك أنّه يقدّم إلى تلك الطليعة "معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة"، "ثم تعرف من أين تتلقى... وكيف تتلقى؟"، ثم يختم سيّد قطب مقدمة الكتاب راجياً أن يأتيَ بالمزيد من المعالم في المستقبل "كلما هداني الله إلى معالم هذا الطريق"!
نحن نرى، إذن، أنه بينما يقدّم طه حسين رأيا خاصا حول مستقبل الثقافة في مصر، فإنّ سيّد قطب يقدّم معالم تنير الطريق أمام الأمة الإسلامية برمتها لتصحبها نحو الزعامة أو "تسلّم قيادة البشرية" حسب تعبيره. إزاء هذه الفاشية التي تطمح إلى التفوق والصدارة، وإلى "الخلافة في الأرض"، وإلى احتقار شعوب الأرض "وقهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها"، أقول إزاء هذه الفاشية نرى على الطرف الآخر نظرة تطمح إلى المساواة والعدل بين شعوب الأرض كافة، فطه حسين يؤكد في كتابه سالف الذكر "أنّ نظام المساواة في الحقوق والواجبات... في حياتنا الداخلية هو بعينه النظام الذي يجب أن نقرّه في حياتنا الخارجية"، إذ "يجب أن نمحوَ من أنفسنا أنّ في الأرض شعوباً قد خُلقت لتسودنا، ويجب أن نمحوَ من أنفسنا أنّ في الأرض شعوباً قد خُلقت لنسودها".  
شتّان بين نظرتين تقدّم إحداهما رأياً يحتمل الخطأ حول المستقبل الثقافي لشعب، بينما تقدّم الأخرى خارطة طريق لا تحتمل إلاّ الصواب حول مصير شعوب بأكملها، ولعلّ مردّ هذا التنافر يكمن في طبيعة المنهج الذي تستقي منه كل نظرة على حدة، فمن المعروف أثر الديكارتية في النتاج الفكري لطه حسين، خصوصا فيما يتعلّق بمفهوم "الشك" كأداة معرفية، كما أنّ "ديمقراطية المعرفة" التي نجدها عند ديكارت تقابلها "ديمقراطية التعليم" التي نجدها عند طه حسين، فالأول بدأ كتابه الشهير "خطاب المنهج" قائلا "إنّ العقل أعدل أشياء الكون توزّعا بين الناس"، والثاني جعل من الأخد بأسباب هذا العقل (أي التعليم) متاحاً لكل الناس على حدّ سواء. بالمقابل، نجد في "معالم في الطريق" دعوة إلى تعليم مقيّد بالتصوّر الإسلامي للعالم من حولنا، وهي دعوة لا تريد منّا أن نسمع أو نقرأ إلاّ ما يتوافق مع معتقداتنا، وأمّا المنهج الذي استقى منه سيد قطب أفكاره الفاشية، واهتدى بواسطته إلى المعالم المؤدية إلى طريق الخلاص، فقد أوجزه في جملة واحدة عندما كتب يقول: "إنّ المنهج في الإسلام هو الحقيقة، ولا انفصام بينهما"!