الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

لماذا نريد حكومة برلمانية منتخبة؟


دستور الكويت مليء بالعجائب، وإحدى هذه العجائب هي مسألة طرح الثقة بالوزراء، إذ كيف يطرح الشعب، من خلال نوّاب البرلمان، الثقة في وزير لم يمنحه الشعب أصلا الثقة في الوصول إلى كرسي الوزارة؟ اعتاد الوزراء منذ اليوم الأول من تسلّمهم الوزارة ترديد عبارة: "نشكر صاحب السمو على هذه الثقة الغالية"، لكن ليس بوسع أي وزير أن يوجه شكره إلى الشعب، فالدستور لا يمنح الشعب الكلمة الأخيرة في تشكيل الوزارة، والحق أنّ الكويت لم تشهد طوال تاريخها السياسي حكومة برلمانية منتخبة، حكومة ديمقراطية شرعية، حكومة تحظى بثقة الشعب وتحسب له ألف حساب! لكن لماذا نريد حكومة برلمانية منتخبة؟
أولاً، هناك سبب يتعلق بقوانين الاحتمال الرياضية، فمن جهة، فرصة حسن اختيار طاقم الوزارة من قبل فرد واحد أقل بكثير من فرصة حسن اختيارها من قبل شعب بأكمله، ومن جهة أخرى، فرصة اختيار رئيس وزراء ناجح من ضمن أفراد أسرة الحكم أقل بكثير من فرصة اختياره من ضمن أفراد الشعب كافة، خصوصا أنّ التاريخ يشهد على حقيقة أن أسرة الحكم قلّما جادت برئيس وزراء يتمتع بالحد الأدنى من الحصافة السياسية!
ثانياً، هناك سبب براغماتي صرف، فبينما تسهل إعادة النظر في رئيس وزراء منتخب من خلال العملية الديمقراطية، قد تتطلب إعادة النظر في رئيس وزراء معيّن خروج الناس إلى الشارع بعد أن يعجز البرلمان عن تحقيق التغيير المنشود، وهذا ما تشهد به الحكومات المتعاقبة لرئيس الوزراء السابق.
ثالثا، هناك سبب يتعلق بطبيعة الصراع السياسي في النظم الديمقراطية، ففي ظلّ التدوال السلمي للسلطة، تتبدّل الأدوار على الدوام بطريقة من شأنها إضفاء الحيوية على الصراع السياسي من جهة، وإتاحة الفرصة للشعب في أن يلعب دورا جوهريا في هذا الصراع من جهة أخرى، لكن في ظل الوضع الحالي، يبقى الصراع السياسي جامدا وبعيدا عن إرادة الشعب، فالأدوار السياسية لا تتبدّل إلا من طرف واحد، فالحكومة هي الحكومة حتى إن اختلفت الأسماء، إنها ببساطة حكومة السلطة!
رابعاً، هناك سبب يتعلّق بطبيعة برنامج الحكومة، ففي ظل الوضع القائم، البرنامج الحكومي (إنْ وُجِد) كان ولا يزال مجرد ردة فعل على طبيعة التشكيل النيابي، فهو برنامج لا يهتم بتحقيق الإنجاز بقدر اهتمامه بالتعامل مع الدور الرقابي لمجلس الأمة، وهو دور– كما ذكرنا سابقا- غير مبرر منطقيا في ظل وجود حكومة غير منتخبة، لكن عند قيام حكومة برلمانية منتخبة، يصبح المعيار متعلقا بشكل مباشر بمدى نجاح الحكومة في تحقيق برنامجها السياسي.
أخيراً، هناك سبب متعلق بمستقبل الكويت واستقرارها في ظل الأوضاع الإقليمية المتغيرة، فالمرحلة الحالية لا تتطلب وجود توازن عادل بين السلطة والشعب فحسب، بل مشاركة حقيقية للشعب في صنع القرار واختيار من يمثله في كلّ من البرلمان ومجلس الوزراء، ولا يضمن وجود مثل هذا التوازن إلا النظام البرلماني الكامل، وهذا تحديدا ما يناضل من أجله الشباب الكويتي الواعي، وليتذكر الجميع أنّ الشباب غير معنيّ باحترام الاتفاق التاريخي على الحد الأدنى من الديمقراطية والمتمثل بدستور 62،  لأن شباب اليوم- بطبيعة الحال- لم يكونوا طرفا في ذلك الاتفاق.
ملاحظة حول افتتاحية جريدة «الجريدة»:
من يقرأ الافتتاحية الأخيرة لجريدة "الجريدة" في تاريخ 12 ديسمبر بعد التشكيل الوزاري، ثم يقارنها بافتتاحيتها في تاريخ 4 ديسمبر بعد التشكيل النيابي، لا يلاحظ وجود تناقض صارخ بين الافتتاحيتين فحسب، بل يشعر بأن الرسالة المراد إيصالها في الافتتاحية الأخيرة هي من قبيل: "حصل خير يا جماعة، وحنّا عيال اليوم"!

الاثنين، 10 ديسمبر، 2012

أراد الشعب... فسقط المرسوم


منذ أن صدر المرسوم الأميري القاضي بتعديل قانون الانتخاب، انقلبت الأوضاع في الكويت رأسا على عقب، بل إن الأمور تزداد سوءا مع الأسف الشديد، فالمظاهرات الشعبية تتفاقم عنفا، والاعتقالات السياسية تزداد عددا، والنعرات الطائفية تتعاظم شراسة، وبالرغم من كلّ ذلك تستمر السلطة في لا مبالاتها إزاء ما يجري، وكأنّ على عينيها غشاوة فهي لا ترى، وكأنّ في مسامعها وقراً فهي لا تسمع، وكأنّ فوق لسانها خرساً فهي لا تتكلم.
إنّ الخيار الأمني لن يزيد الأمور تعقيداً فحسب، بل إنّه يدقّ إسفيناً بين الشعب والنظام، وعلى السلطة أن تعي أنّ للمنازل حُرمتها، وللناس كرامتها، وللشعوب إرادتها، وإلّا فإن رصيدها من احترام هذا الشعب الوفيّ لها لن يزداد إلّا تناقصا.
سخّرت الحكومة الأموال الطائلة لإنجاح المرسوم وحثّ الناخبين على المشاركة في الانتخابات، لكنّ الشعب أراد إسقاط المرسوم ومقاطعة الانتخابات، فكان للشعب ما أراد، فالمرسوم سقط شعبيا بعد المسيرات الشعبية الضخمة التي شهدتها الكويت مؤخرا، والانتخابات الأخيرة سجّلت أقلّ نسبة مشاركة في تاريخ انتخابات مجلس الأمة، وسيأتي اليوم الذي ننتخب فيه من يمثلنا تمثيلا حقيقيا، لا تحت قبة البرلمان فحسب، بل في مجلس الوزراء أيضا، فالشعب أراد، والشعب يفعل ما يريد، شاءت السلطة أم أبت.
كسرتم الصمت الانتخابي فسخرتم أبواقكم الإعلامية لحث الناس على المشاركة في انتخابات غير شرعية، وزوّرتم الحقائق لإنجاح المرسوم رغم الرفض الواضح من قبل أغلبية الشعب الكويتي، لكن هذا الشعب أراد، والشعب يفعل ما يريد، شاءت السلطة أم أبت.
رفعتم شعار "طاعة وليّ الأمر"، وسخرتم منابر المساجد لخدمة أجندتكم السياسية، وحاولتم تخويف الناس من غضب الله وعقابه، وأمرتم مشايخ البلاط فتوالت الفتاوى الدينية الواحدة تلوى الأخرى، لكن الشعب أراد، والشعب يفعل ما يريد، شاءت السلطة أم أبت.
إذا كان حبّكم لاحتكار السلطة شديدا، فإن حبّ هذا الشعب لوطنه أشد، وإذا كان حرصكم على كنز الأموال كبيرا، فإن حرص هذا الشعب على كرامته أكبر، وإذا كانت إرادتكم قوية، فإن إرادة هذا الشعب أقوى، فلا تعاندوا شعبا إذا قال فعل.

ملاحظتان على هامش الانتخابات الأخيرة:
1- يتذاكى البعض– ومنهم، مع الأسف، متخصصون في علم الرياضيّات– من خلال الإصرار على حساب نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة قياسا إلى نسبة المشاركة في الانتخابات قبل الأخيرة، ولتبيان تهافت هذه الحجة، يكفي أن نتخيّل السيناريو التالي: لنفترض أن نسبة المشاركة في الانتخابات قبل الأخيرة هي واحد في المئة فقط، بينما نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة هي نصف في المئة، ففي هذه الحالة ستكون نسبة المشاركة "الفعلية" في الانتخابات الأخيرة- حسب زعم أصحاب هذه الحجة الواهية- هي 50 في المئة، أي أن امتناع حوالي 99.5 في المئة من الناخبين عن التصويت لأي سبب كان لا يثير القلق، فالنصف في المئة في عيون هؤلاء المتذاكين سيساوي 50 في المئة! الحجة واهية لسبب آخر أيضا: لنقلب السيناريو السابق ونفترض أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات قبل الأخيرة هي نصف في المئة فقط، بينما نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة هي واحد في المئة، ففي هذه الحالة ستكون نسبة المشاركة "الفعلية"- حسب زعم أصحاب هذه الحجة الواهية- هي 200 في المئة، فهل سمعتم عن انتخابات لها نسبة مشاركة بهذا الشكل؟ هل ذهب المقترعون إلى صناديق الاقتراع مرتين، مثلا؟!
2- مقاطعة الانتخابات نجحت بامتياز، لكن على التيارات السياسية المقاطِعة أن تنسجم مع نفسها ولا تشارك في الحكومة القادمة بأي شكل من الأشكال، فالمشاركة في هذه الحالة هي انتحار سياسي، كما أنها تكشف عن موقف انتهازي لا أخلاقي.