الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

الدين والعنف


مع كل موجة عنف يرفع راكبوها شعار الدين، يبرز السؤال المتعلق بمدى ارتباط الدين بالعنف، وأمّا الإجابة عن هذا السؤال فعادة ما يتصدّى لها فريقان من الاعتذاريين، وكلا الفريقين يلجأ إلى الدين: أحدهما لتبرير العنف، والآخر لإدانته، وما يعنينا في هذا المقال هو أقرب هذين الفريقين إلى مدنيّة التعايش، وأبعدهما عن همجيّة "الدواعش".
هناك ممّن لا يملّ من ترديد مقولة إن الدين بريء من العنف، وهي مقولة تتضمن منطقيا فكرة محاكمة الدين، ذلك أنّ الدفاع عن أي قضية يقتضي بالضرورة وجود محاكمة (أي وجود عملية تقييم موضوعية لآراء متنافرة بهدف الوصول إلى الحقيقة)، وأوّل نقطة تسترعي الانتباه حول نوعية هذه المحاكمة هو أن الحُكم فيها يأتي قبل المداولة.
فالدين بريء قبل أي شيء ورغما عن كل شيء، وإذا كانت هذه هي طبيعة الحكم، فلا نملك عندئذ سوى أن نتساءل عن قيمة تلك القائمة الطويلة من الحجج التي يستميت أصحابها كي يبرهنوا على أن الدين بريء من العنف أو الإرهاب. هذا القصور في النزاهة الفكرية سمة من سمات الفكر الاعتذاري، فهو فكر لا يحاول أبدا البحث عن الحقيقة، بل تقتصر مهمته فقط على الدفاع عمّا يراه حقيقة.
هناك أيضا نقطة تتعلق بنوعية الحجج التي تدعم الحُكم بأن "الدين بريء"، فهي حجج تعتمد مبدأ الانتقائية لنصوص دينية تدعو إلى السلم، متجاهلة في الوقت نفسه أنّ من اختار السيف وسيلة للحوار ينتقي أيضا نصوصا دينية، ممّا يعني أنّ المصدر المشترك الذي يستند إليه الطرفان يؤدي إلى قراءات متناقضة، كما أنّ حجج كلا الطرفين لا تتصف بالموضوعية، فمصدر هذه الحجج هو الدين، وهدف هذه الحجج هو الدفاع عن الدين!
لنفترض وجود دين من الأديان لا يحتوي كتابه المقدس على أي جملة تدعو إلى العنف، كما لا تقبل تعاليمه كلّها أي تفسير يدعو إلى العنف، فهل من المنطقي في هذه الحالة أن يلجأ أتباع هذا الدين المسالم إلى العنف باسم الدين؟ وهل من المعقول أن تبرز الحاجة إلى التأكيد على براءة هذا الدين المسالم من العنف؟ أليس من المستحيل منطقيا أن تنشأ حركة شبيهة بـ"داعش" بين أنصار الديانة "اليانية" في الهند، وهي ديانة قائمة على نبذ العنف، ليس ضد الإنسان فحسب، بل ضد كل الكائنات الحية؟!
قد يفسّر مَن في قلوبهم مرض دينهم بصورة مشوهة، لكن المشكلة الجوهرية لا تكمن في التفسير المشوّه، بل في إمكانية وجوده، وسيبقى حلّ هذه المشكلة الجوهرية بعيد المنال ما بقيت أصوات الاعتذاريين مجلجلة ومؤثرة.

الاثنين، 22 سبتمبر 2014

حول مفهوم الصمت

الكلام حالة خاصة من حالات الظاهرة الفيزيائية التي تسمى "الصوت"، ذلك أنّ كلّ حرف عبارة عن صوت، في حين أنّ العكس غير صحيح، ومن هنا نستنتج أنّ مفهوم الصمت بوصفه غياب الصوت أشمل من مفهوم الصمت بوصفه غياب الكلام، وما يعنينا في هذا المقال هو صمت الإنسان، لا صمت المكان.
تعدّد المعنى لا يقتصر على الكلام، فالصمت أيضا يشير إلى معان متعددة، قد تلجأ الفتاة الشرقية إلى الصمت عند قبولها بعرض الزواج، ولكن الصمت يعني الرفض عند فتيات قبيلة "الإيبو" في نيجيريا، وبالمثل، فقد تشير لحظات الصمت قبل الإجابة عن سؤال إلى الفشل في العثور على إجابة، وقد تدلّ أيضا على التعامل بجديّة مع السؤال المطروح، كما أنّ الصمت حيث يجب الكلام جُبن، في حين أن الكلام حيث يجب الصمت تهوّر وحماقة، ذلك أنّ الصمت هو أضمن طريقة لتفادي زلّة اللسان!
يقول الشاعر الإيراني المعروف "أحمد شاملو": إنّ الصمت يتحدّث بألف لسان"! في إحدى قصص "دويل" الشهيرة، كان الصمت هو المُرشد الذي قاد المحقق الشهير إلى حلّ لغز القضية، فعندما لاحظ "شيرلوك هولمز" عدم نباح الكلب أثناء وقوع الجريمة، علّق قائلاً: "بين ثنايا الصمت أحيانا معلومات كثيرة"! في المقابل، كان الصمت طوق النجاة الذي أنقذ "شهرزاد" من الموت في قصص ألف ليلة وليلة، كما كان الصمت أيضا العقاب الذي فرضه "سكندس" على نفسه بعد أن أفشى سرّاً لأمه أدّى إلى انتحارها!
لمارتن لوثر كينغ عبارة شهيرة، وهي أنّ "بداية النهاية لحياتنا هي عندما نصمت عمّا ينبغي قوله"، لكن في بعض الأحيان، يكون الصمت عنوانا لمقاومة الظلم والطغيان، وهذا ما يبدو جليّاً في "جمهورية الصمت" للمفكر الفرنسي "جان بول سارتر"، ففي معرض وصفه الدقيق لمعاناة الشعب الفرنسي تحت وطأة الاحتلال الألماني، كتب "سارتر" يقول: "نحن مجبرون على الصمت، لكننا نقول (لا) بواسطة صمتنا"!
الصمت رمزٌ للتجاهل عندما يرخص الكلام، والصمت مأوى النفوس العزيزة عندما يشيع النفاق، هو درع في يد الضحية، وسلاح في وجه الجلاد، كما أنه يُخفي بين ثناياه، كما لاحظ "هولمز"، كثيراً من الكلام غير المباح!