الاثنين، 28 أبريل، 2014

الأرباح خاصة والخسائر عامة

في الكويت، من الصعب أن تقف ضد المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، لكن الأمر الأصعب هو أن تقف ضد المطالبة بتطبيق الخصخصة، إذ يبدو لي أنّ البروباغندا المستمرة منذ سنوات طويلة، والتي تقوم بها وسائل إعلامية تأتمر بأوامر كبار أصحاب رؤوس الأموال، نجحت إلى حدّ كبير في تسويق مفهوم "الخصخصة" وجعله أكثر جاذبية في أذهان العامّة من المواطنين، كما يبدو لي أنّ القطاع الخاص قد نجح فعلا في إقناع الرأي العام بأنّ الخصخصة لم تعد مجرد خيار مطروح بل ضرورة حتمية!

لكن ما الضرورة الحتمية في بيع ممتلكات الدولة وثرواتها، والتي هي ملك لجميع أفراد الشعب، إلى القطاع الخاص؟ ألا تعني عملية البيع هذه بيعاً للمكتسبات الديمقراطية في مزاد علني؟ هل بات تقليص الديمقراطية ضرورة حتميّة؟ أليس انتقال الملكيّة من الأمّة إلى فئة من فئاتها يعني انتقالاً للسلطة من أعضاء البرلمان إلى رجال الأعمال؟ ثمّ ما هذه الازدواجية التي يتعامل بها القطاع الخاص مع دور الدولة في الاقتصاد، فتدخّل الدولة في الاقتصاد محمودٌ في الأزمات، ومنبوذٌ عندما تكون الأمور على ما يُرام؟
الشعار الذي يرفعه كبار أصحاب رؤوس الأموال شعار قديم، فهو شعار يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويشير إلى فكرة انتهازية مفادها أنّ المال العام مستباح في السرّاء والضرّاء، ففي السرّاء يُخَصصُ الرّبح، وفي الضرّاء تُعَمّمُ الخسارة، ولعلّ أحدث مثال على ذلك ما نقرؤه في الفقرة التالية، والتي وردت بالأمس في إحدى الصحف المحلية، ونقلاً عن أحد الاقتصاديين الدّاعين إلى الخصخصة:
"يتعين أن تكون مساهمة الدولة في الشركات في حالة الطوارئ مثلما حدث في أزمة بنك الخليج، حيث تدخلت الهيئة العامة للاستثمار عندما اقتضت الحاجة لإنقاذ البنك من أزمته، ما مثّل جراءة مطلوبة من الدولة، وهو الدور نفسه الذي أدّته الولايات المتحدة في أزمة شركاتها الرئيسة، مثل جنرال موتورز وسيتي بنك، لكن استمرار مساهمة الدولة في الشركات بالأوقات الاعتيادية لا يستقيم مع توجهات الدولة، والمأمول منها في أن يكون تدخلها عند الطوارئ".
لا بدّ من دقّ ناقوس الخطر قبل فوات الأوان، ولا بدّ من التنبيه إلى حقيقة أنّ  الخصخصة ليست سياسة اقتصادية فحسب، بل هي أجندة سياسية تجعل من كلّ نظام ديمقراطيّ (حُكم الأغلبية) نظاماً أوليغراشيّا (حُكم الأقليّة)، ومن أراد الاستزادة حول هذا الموضوع فبوسعه أن يقرأ، على سبيل المثال، كتاب "الثعلب في قنّ الدجاج: كيف تهدّد الخصخصة الديمقراطية"، للمؤلفيْن "سي كان" و"إليزابيث مينخ"، أو كتاب "الخصخصة: من مواطنين إلى زبائن"، للزميل الدكتور بدر الديحاني، والذي سيصدر قريبا عن "مكتبة آفاق".

الاثنين، 21 أبريل، 2014

أبرز سمات الدولة المدنيّة

مدنيّة الدولة تشير إلى شكل من أشكال الحُكم يقوم على تنظيم التعايش بين أفراد المجتمع الواحد بشكل سلميّ، وعلى أساس عقلانيّ، وبطريقة عادلة، ومن هنا فإنّ السلميّة والعقلانيّة والعدالة هي أبرز سمات الدولة المدنية، فالسلميّة هي التي تميّز الدولة المدنيّة عن دولة العسكر، والعقلانية هي التي تميّز الدولة المدنية عن الدولة الدينية، والعدالة هي التي تميّز الدولة المدنية عن الدولة الفئوية.
نبذ العنف هو أحد مظاهر المدنيّة عند الفرد والدولة على حدّ سواء،  فالفرد مدنيّ بالقدر الذي يستطيع فيه حلّ خلافاته مع الآخرين بطريقة سلميّة، والدولة مدنيّة بالقدر الذي تستطيع فيه حلّ خلافاتها مع الدول الأخرى بطريقة سلميّة، وأمّا على المستوى الداخلي، فمدنيّة الدولة تتجلّى بمدى قدرتها على فرض القانون بطريقة هي إلى السّلم أقرب منها إلى العنف، وهنا تحديداً تقف الدولة المدنيّة على النقيض من دولة العسكر، فهذه الأخيرة تسود فيها لغة القوة والبطش والاستبداد، وسيادة السّلطان فيها تتحقّق قسراً لا طواعية.
العقلانية بمفهومها الواسع شرط ضروريّ لبناء الدولة المدنية، فإذا كان ضمان التعايش السلمي بين الأفراد هو الغرض الجوهري من قيام الدولة، فإنّ أنجع أداة لتحقيق هذا الهدف هو العقل الإنساني وما ييتدع من قوانين وضعيّة قابلة للنقد والتعديل، وقابليّة القوانين الوضعية للنقد والتعديل هي التي تجعل من العلمانية إحدى ركائز الدولة المدنيّة، ذلك أنّ انتقال الدين من المحيط العام إلى المحيط الخاص يقطع الطريق أمام التيارات الدينية في استخدام قوانين إلهية لا يملك أحدٌ الحقّ في تعديلها أو تنقيحها، كما أنّ المنهج العقلاني– كما ذكرنا في مقال سابق– يمتاز بالتواضع العقلي الذي يقرّ بأننا لا نعرف مصير آمالنا في المستقبل، لكننا على الأقل نعرف مصير إخفاقاتنا في الماضي، ومن خلال إخفاقات الماضي نتعلّم الوصول شيئا فشيئا إلى خلق مجتمع أفضل، وهنا إنّما يبرز اختلاف جوهريّ بين الدولة المدنية والدولة الدينية، فهذه الأخيرة تتصف بالحكم الشمولي الذي يتعدى الغرض من قيام الدولة إلى الغرض من وجود الإنسان على كوكب الأرض!
العدالة سمة أخرى من سمات المدنيّة، والدولة المدنيّة هي تلك القادرة على التخفيف من حدة التناقضات الطبقية بطريقة عادلة، فإذا كان التتاقض الطبقي نتيجة موضوعية لتطوّر نمط الإنتاج من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى مرحلة فائض القيمة، وإذا كان احتكار فائض قيمة الإنتاج يعني احتكاراً للسلطة السياسية، فإنّ مدنيّة الدولة تقاس بمدى قدرتها على منع استئثار فئة اجتماعية معيّنة بالسلطة والثروة، وهذا بالضبط ما يجعل من الديمقراطية ركيزة أخرى من ركائز الدولة المدنيّة، فالسلطة المستمدّة من الشعب بكلّ فئاته هي السلطة القادرة على ضمان التعايش السلمي والعادل بين أفراد الشعب الواحد.
أخيراً، بقيَ استدراك يُشير إلى ثلاث نقاط، الأولى هي أنّ مدنيّة الدولة تكشف في واقع الأمر عن قصور في مدنيّة بعض مواطنيها، ذلك أنّ الإنسان المدنيّ لا يحتاج إلى سلطة عليا لضمان تعايشه السلمي والعادل مع الآخرين، وأمّا النقطة الثانية فتشير إلى حقيقة أنّ السلطة العليا للدولة لا تكون ديمقراطية إلاّ عندما تكون مؤسسات المجتمع المدني ديمقراطية، أيّ أنّ النظام الديمقراطي الحقيقي هو ذلك النظام الذي يجسّد فيه المجتمع المدني فئاته بأطيافها كافّة، وأمّا النقطة الثالثة والأخيرة فتتعلّق بمفهوم العدالة، فهذا المفهوم ليس مرادفاً لمفهوم "المساواة"، ذلك أنّ المساواة في الظلم ليست عدلاً، مثلما أنّ المساواة في العبودية ليست حريّة، ومن هنا فإنّ الدولة المدنية لا تكتفي  بضمان المساواة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، بل هي تحرص أيضا على أن يكون معيار الحقوق والواجبات مرتبطا فقط بالغرض من وجود الدولة، فحقوق الفرد حقوق لأنّ اكتسابها لا يتعارض مع مبدأ التعايش السلمي والعادل مع الآخرين، وواجبات الفرد واجبات لأنّ الإخلال بها يتعارض مع المبدأ نفسه.

الأربعاء، 2 أبريل، 2014

ثقافة العنف من المحيط إلى الخليج

تتزامن أحيانا بعض الظواهر في المجتمع الذي نعيش فيه، وقد تبدو على السطح متباينة ولا رابط فيما بينها، لكن لو دققنا قليلا فإننا قد نعثر على المحرك الأساسي لكل تلك الظواهر، فمثلاً، قد نقرأ في جريدة ما خبراً عن حادث مروري مروع نتيجة السرعة الجنونية، ثم نقرأ خبراً آخر عن ذهاب مجموعة من الشباب إلى بلد عربيّ تلبية لدعوات الجهاد، ثم نقرأ خبراً ثالثاً عن عراك في مكان عام بين مراهقين بدأ بمشكلة بسيطة وانتهى بجريمة قتل! للوهلة الأولى، قد تبدو هذه المجموعة من الأخبار غير مرتبطة ببعضها بعضاً، لكن بعد طول نظر سنجد أنّ العامل المشترك بينها جميعا يشير إلى الفشل في إدراك قيمة الحياة.
عندما تدفع الأيديولوجية المسيطرة على عقول الناس باتجاه الزهد في الحياة وحب الموت لأي سبب كان، فإن فكرة حب الحياة وإدراك قيمتها تصبح فكرة مستعصية على الفهم. باستطاعتي أن أفهم المصوغات التي تدفع إلى كبت غريزة الجنس في مجتمع محافظ، لكني ما زلت لا أستوعب كيف يحاربون غريزة حب البقاء! لو تصفّحنا مناهج التربية الإسلامية أو استمعنا إلى بعض الخطب الدينية، فلسوف نجد صورة مظلمة عن مفهوم "الحياة الدنيا"، إذ يبدو أن هنالك من هو مشغول بإعداد أبنائنا لمرحلة ما بعد الموت، أما الحياة فليست سوى دار فانية، وعندما تكون الحياة رخيصة إلى هذه الدرجة، كيف لا يسرع المجنون، ويجاهد المخدوع، ويقتل المعتوه؟
من لا يدرك قيمة حياته فلن يكون بمقدوره إدراك قيمة حياة الآخرين، ولست أجد ثقافة تستهين بقيمة الإنسان كتلك التي تمتد من المحيط إلى الخليج، فمشاهد قطع الرؤوس، مثلا، تملأ الفضائيات من دون سابق إنذار، ومن دون أن تثير أدنى تقزز عند الكثير منّا، فنحن قد ألفنا ثقافة العنف منذ نعومة أظفارنا، فالحرب كانت لعبتنا المفضلة عندما كنّا صغارا، والمسدس كان الدمية المحببة إلى قلوبنا، و"دخان البنادق" كان أقرب المسلسلات إلى نفوسنا، ثم يأتي فوق كل ذلك دور المدرسة كي تكرّس ثقافة العنف من دون أدنى إحساس بالمسؤولية، فأغلب قصص العنف التي قرأناها في تراثنا العربي تنتهي عادة بضرب الأعناق، ولا يزال كاتب هذه السطور يذكر على وجه التحديد تلك القصة الشهيرة التي سمعها مع أقرانه من مدرس اللغة العربية، تلك التي تحكي ما دار بين عمرو بن هند وعمرو بن كلثوم، وكيف بدا أستاذنا الفاضل مسروراً من انجذابنا لتلك القصة، الأمر الذي دفعه إلى قراءة المعلّقة على مسامعنا بحماس لا مثيل له، حتى ختمها بهذا البيت: "إذا بلغ الرضيع لنا فطاما، تخرّ له الجبابر ساجدينا". لقد بلغ الحماس بنا نحن- معشر أطفال الأمس- درجة ظن فيها كل واحد منا أنه المقصود بذلك الرضيع الذي تخرّ له الجبابر ساجدينا! ما ضرّ أستاذنا الفاضل لو أنه سرد علينا القصة بروح عصرية؟ ما ضره -مثلاً- لو أنه علّق على تلك القصة الدموية قائلا: "لا شك أن الشاعر مخطئ في قتل خصمه، فلو أنه طالب بالاعتذار أو المعاملة بالمثل، لكان في ذلك حقن لنفس بشرية"؟
يردد كثير من المختصين أننا في حاجة إلى تعليم في الوطن العربي، ولكني أعتقد، وبصدق، أننا أشدّ حاجة إلى عيادات نفسية. نريد طبيبا نفسيا يذكّرنا بأن طفولتنا فقدت براءتها مبكراً، وأن لعبة الحرب لا تكرس سوى العدوانية، وأن دمية المسدس رمز لاغتصاب الحياة، وأن دخان البنادق يعكر سَكينة الطيور! نريد طبيبا نفسيا يذكّرنا بأن القصص التي تنتهي بضرب العنق لا تنمّ إلا عن وحشية واستهتار بحقوق الإنسان، وأن الدفاع عن الوطن يعني في أحيان كثيرة القتل من أجل الوطن! نريد طبيباً نفسياً يقول لنا إن العنف شر مطلق، وإن إزهاق روح المسلم لا يختلف عن إزهاق روح المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو الملحد أو أي روح بشرية.
حياة الإنسان ثمرة ملايين السنين من تاريخ الطبيعة، وإزهاقها يدل على عدم احترام لهذا التاريخ الطويل.