الأربعاء، 7 مايو، 2014

المواطن المُذنب والشياطين المُغوون

 يقول المثل الإنكليزي: "لا تستطيع أن تعلّم الكلب العجوز حيلاً جديدة"، والمقصود هنا- من بين مقاصد أخرى- أنّ الشباب أقدر على مراجعة آرائهم وإعادة تقييمها من أؤلئك الذين بلغوا من العمر عِتيّا، وأحد هؤلاء الذين تقدمت بهم السنّ فخانتهم الذاكرة، وممّن إذا أريته الحقّ واضحاً رآه باطلاً، وإذا رفعت الغشاوة عن عينيه غطّاهما بيديه، ما انفكّ يرددّ بإصرار أنّ المواطن هو مصدر الفساد في هذا البلد، و"المواطن" هنا تعني أنا وأنت، لا هذا وذاك ممّن يجلسون في الدرجة الأولى!
حسناً، لنسلّم جدلاً أنّ المواطن مذنبٌ من رأسه إلى أخمص قدميه، لكن لماذا السكوت عمّن أغواه من شياطين المال والجاه؟ هل تابت شياطين المال عن تشجيع عادة الاستهلاك ولعب دور الوسيط بين المواطن والبضائع الأجنبية؟ وهل تورّعت عن قياس مواقفها السياسية بمسطرة المناقصات والعقود التجارية؟ ثمّ هل ارعوت شياطين الجاه عن شراء ولاء المواطن بفتات العائدات النفطية؟ وهل كفّت عن النظر إلى البلد كأنّه "عزبة" توارثتها بمن فيها أباً عن جدّ؟
اطرح هذه الأسئلة كلّها على صاحبنا فلن تجد عنده إلاّ إجابة نافية، ذلك أنه استمرأ الخلط بين الضحية والجلاد حتى كدنا نجهل مَن ضحّى ومَن جَلَد! يفتخر صاحبنا الذي يرى البياض سواداً، والسوادَ بياضاً، بأنه لم يقبض طوال حياته فلساً واحداً من الحكومة، ولكنه يتناسى أنّ ألوف الدنانير التي يجنيها قلمه جاءت من الحكومة عن طريق وسطاء من شياطين المال، فهؤلاء لم يكن ليستمروا في الثراء الفاحش بعد ظهور النفط لولا يد الحكومة السخيّة!
إذا كان ثمة خطأ في نظرية "ماركس"، فلابد أن نعثر عليه بين سطور تاريخ الكويت، ذلك أن التغير في قوى الإنتاج بعد ظهور النفط لم يصاحبه تغيّر في علاقات الإنتاج، فالأفراد الذين كانوا يحددون قواعد اللعبة بقوا كما هم، فمن كان جدّه تاجراً أصبح حفيده صاحب بنك، ومن كان جدّه عاملاً أصبح حفيده مديناً لصاحب البنك، هكذا أرادت السلطة منذ خمسينيات القرن الماضي، فكان لها ما أرادت رغم أنف "ماركس"!

الاثنين، 5 مايو، 2014

حول حرية التعبير وأهميتها

حرية التعبير، على العكس من أغلب حقوق الإنسان الأخرى، ليست مرتبطة بالفرد فحسب، بل هي أيضاً أداة في غاية الأهمية للحفاظ على الديمقراطية، ذلك أنّ التبادل الحرّ للأفكار والمعلومات يضمن أمرين: إتاحة الفرصة أمام الفرد كي يتخذ بشأن السلطة قراراً صائباً، وإتاحة الفرصة أمام الشعب كي يعاقب السلطة عند اتخاذها قراراً خاطئاً. بمعنى آخر أكثر إيجازاً، الشفافية شرط ضروري للوصول إلى حُكم رشيد ومحاسبة عادلة، وكلاهما عماد النظام الديمقراطي.
الديمقراطية تجسيد لإرادة الشعب بكلّ أفراده، لكن ما قيمة الإرادة القابعة تحت ظلمة الجهل؟ إنّ من شأن حريّة التعبير المساهمة في إزاحة ظلمة الجهل من خلال توفير المعلومات الكافية التي تتيح للأفراد الوصول إلى آراء سديدة، وعندما يتعلّق الأمر بشأن عام، فإن توافر المعلومات الكافية حوله واجبٌ يقع على عاتق الحكومات الديمقراطية في المقام الأول، وعلى عاتق وسائل الإعلام في المقام الثاني، فالشفافية في نقل المعلومة هي التي تجعل الحكومة الديمقراطية مسؤولة، والحريّة في نقل المعلومة هي التي تجعل الوسيلة الإعلامية مقروءة.
إذا كان نقل المعلومة واجباً على وسائل الإعلام، فإنّ استقبال هذه المعلومة حقّ لكلّ فرد، ذلك أنّ هناك علاقة وطيدة بين توافر المعلومات الكافية حول قضية عامّة من جهة، وتشكيل رأي عام حول القضية ذاتها من جهة أخرى، وكلّما كان توافر المعلومات كافياً، زادت فرصة خلق رأي عام متوازن وموضوعيّ، ولا يُستثنى من ذلك تلك القضايا المعروضة على القضاء، فالمهمة الأساس للقضاء هي حلّ النزاعات، وحلّ أيّ نزاع بطريقة موضوعية وعادلة يتطلّب توافر المعلومة، لا حجبها، وعندما يتعلّق الأمر بقضية تمسّ الشأن العام، فإنّ حقّ المواطن لا يقلّ عن حقّ القاضي في معرفة كلّ تفاصيل القضية.
في سبعينيات القرن الماضي، توّرطت إحدى شركات الأدوية في فضيحة هزّت المجتمع البريطاني، فقد تسبّب عقار جديد من إنتاجها في تشويه عدد كبير من المواليد الجدد، وعندما نشرت صحيفة "الصنداي تايمز" الخبر، سارعت الحكومة البريطانية آنذاك إلى تهديد الصحيفة بالإغلاق إنْ هي عمدت إلى الاستمرار في نشر تفاصيل القضية، وقد برّرت الحكومة هذا التهديد بقولها إنّ القضية معروضة أمام القضاء، لكن بعد سنوات من المعارك القضائية، انتصرت المحكمة الأوروبية للصحيفة ضد الحكومة البريطانية، وكان مما جاء في الحُكم ما يلي: "القضاء جزء من المجتمع ولا يؤدي مهمته في الفراغ، وإذا كان من واجب القضاء أن يقضي بين المتنازعين حول قضية ما، فإنّ هذا لا يعني عدم حريةّ المجتمع في الخوض في أدق تفاصيل القضية، بل إنّ من واجب وسائل الإعلام أن تمكّن الناس من ذلك، ومن حقّ الناس أن يطّلعوا على كلّ التفاصيل، فحريّة الصحافة هي إحدى أهم ركائز المجتمع الديمقراطي".
أخيراً، حريّة التعبير، مثل كلّ الحريّات، وجودها لا يحتاج إلى تبرير، في حين أنّ قمعها هو الذي في حاجة إلى تبرير. إنّها لا تعني فقط حرية تعبير لأولئك الذين يحملون آراءً تُعجبنا، بل هي أيضا حريّة تعبير لأولئك الذين لا تُعجبنا آراؤهم.