الأربعاء، 19 يونيو، 2013

نعم لمقاطعة الانتخابات ... من جديد!

الأسباب التي دعت إلى مقاطعة الانتخابات الماضية ما زالت قائمة، لذا فإن مبدأ الاتساق يتطلب أن يقاطع الانتخابات القادمة كلّ من قاطعها في السابق، بل إن تلك الأسباب تفاقمت عدداً وتعاظمت خطراً، فنحن الآن أمام التزام أخلاقي إزاء من ضحوا من أجلنا جميعاً، فمنهم من تصدى لبطش القوات الخاصة بأجسادهم العارية، ومنهم من ضحى بحريته ليدخل غياهب السجن، لذا فإن المشاركة في الانتخابات القادمة تعني الاستخفاف بتضحيات الشباب والتفريط بأهدافهم النبيلة.
من السهل وصف أولئك الشباب بالمتهورين والغوغائيين والمغرر بهم، لكن الحقيقة تشير إلى أنهم خاضوا تجربة مريرة وخرجوا منها بدرس مفاده أن الحرية لا تمنح طواعية بل يجب انتزاعها، وهو درس عصيّ على الفهم عند أولئك الذين طأطؤوا رؤوسهم أمام بريق المال وعظمة الجاه.
بالطبع، هناك من يحلو له أنّ يردّد شعار "احترام القانون واجب أخلاقي"، لكن لا يمكن لأي إنسان عقلاني أن يقبل هذا الشعار بهذا الشكل المطلق، فالقانون العادل فقط هو الذي يكون احترامه واجباً أخلاقياً، ولعلّ لنا في سيرة "مارتن لوثر كينغ" أسوة حسنة، فبعد أن قاد هذا البطل المظاهرات التي تحدّت قوانين التمييز العنصري، رفع العنصريون البيض من الشعب الأميركي شعار "احترام القانون واجب أخلاقي"، فما كان من "لوثر" إلاّ أن أجابهم بمقولة "سان أوغستين" الشهيرة: "القانون الظالم ليس بقانون على الإطلاق"!

لكن ما الذي يحدد عدالة القانون وأحكامه؟ العدالة ليست مرتبطة بمضمون الحكم أو بالنتيجة التي يصل إليها القانون، ولو كان الأمر كذلك لأصبح الحكم نفسه عادلاً بالنسبة إلى طرف وظالماً بالنسبة إلى طرف آخر، بل إنه مرتبط بالآلية التي يصل من خلالها القانون إلى أحكامه، ولهذه الآلية شروط تهدف إلى ضمان عدالة الأحكام، من أهمها الاستقلالية في الرأي، والالتزام بحدود الاختصاص، والاتساق في إصدار الأحكام، والشفافية في عرض القضايا محل الخلاف، والأهم من ذلك كله، نيل ثقة الشعب الذي هو مصدر كلّ السلطات.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة على الساحة المحلية أنّ درجة الاحتقان في الشارع الكويتي لم تصل إلى القدر الذي يجبر السلطة على الحوار والتفاوض على صيغة توافقية ترضي جميع الأطراف، ويبدو ألا خيار أمام الشباب الوطني سوى الاستمرار في المطالبة بالإصلاح الشامل من خلال الطرق السلمية كافة. ليس ثمة حلول سحرية، فالطريق طويل وشاق، وهناك من تخاذل فسلك طريقاً آخر، وهناك من تقاعس فتوقف عن المسير، لكن هناك أيضاً من تأبى كرامته إلاّ أن يسير على طريق الحرية إلى آخر مداه!

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

حول مفهوم حرية التعبير


إنّ مفهوم "حرية التعبير" هو الحجر الأساس لأي نظام ديمقراطي، فالتعبير عن إرادة الأغلبية مرهون بتعبير الفرد عن رأيه، وتعبير الفرد عن رأيه مرهون بضمان حرية التعبير، سنحاول من خلال هذا المقال توضيح أهمية هذا المفهوم بالنسبة إلى الفرد والمجتمع على حد سواء.
هناك علاقة وطيدة بين حرية التعبير ونمو شخصية الفرد وتطوير قدراته العقلية، فالتعبير الحر عن الذات هو الذي يسمح بالتمايز بين الأفراد من حيث طبيعة آرائهم وتوجهاتهم ورغباتهم حتى مخاوفهم، وهو الذي يسمح بوجود فرصة لنقاش موضوعي يفضي إلى تلاقح الأفكار واكتشاف حقائق جديدة. عندما تكون هناك مواضيع محرّم الخوض فيها سلفاً، فإن هذا التحريم لن يسلبنا فقط فرصة التطرق لمثل هذه المواضيع، بل إنه يسلبنا أيضاً فرصة إعادة النظر في آرائنا حولها، وبالتالي يسلبنا أيضاً فرصة التطوّر الذاتي والتغيير نحو الأفضل.
نتبجح أحياناً عندما نؤكد أن احترام الصغير للكبير سمة سائدة في مجتمعاتنا المحافظة، لكننا نتغافل عن حقيقة أنّ قدراً كبيراً من هذا الاحترام مبنيّ على مبدأ عدم خوض الصغير في مواضيع قد تثير غضب الكبير! ليس هناك خطأ من دون محاولة، لكن هل من حق الذي لم يحاول شيئاً قط في حياته أن يفتخر بعدم الوقوع في الخطأ؟ بالمثل، ليس هناك اختلاف من دون حرية التعبير، لكن هل من حقنا التبجح باحترام مبنيّ على خوف؟!
عندما نمنح الآخر فرصة التعبير عن ذاته، فإننا في واقع الأمر نمنح أنفسنا فرصة التعرف على حقيقة هذا الآخر، وعندما نسلب هذا الآخر حقه في التعبير، فإننا في واقع الأمر ندفعه إلى أن يكون نسخة طبق الأصل من صورتنا نحن.
تعصف بمنطقتنا العربية رياح التغيير، لكنه تغيير جاء عن طريق العنف، ومثل هذا النوع من التغيير يضمن فقط تغيير شكل الأنظمة السياسية، لكن النسق الفكري والأنماط التقليدية والعادات الاجتماعية ستبقى هي ذاتها ما بقيت حرية التعبير مقيدة، فلا تغيير نحو الأفضل من دون ضمان حرية التعبير، ولا ضمان لحرية التعبير من دون الحد الأدنى من التسامح بين أفراد المجتمع الواحد.