الاثنين، 11 يناير، 2010

المعارضة السياسية بين الأمس واليوم

في مقال تحت عنوان 'لا تخطئوا قراءة الأندلس والعقيلة'، طالب الكاتب أحمد الديين كبار المسؤولين في الدولة بضرورة إدراك الرسائل الضمنية التي عبّر عنها التجمع الجماهيري الحاشد بقيادة عدد من أعضاء البرلمان وممثلين عن التيارات السياسية المختلفة، ومن بين تلك الرسائل التي ذكرها الأستاذ الديين هاتان الرسالتان: الأولى، هي 'أنّ مركز الثقل والحراك السياسي في المجتمع الكويتي انتقل واقعياً إلى المناطق ذات التركيب القبلي، ولم يعد محصوراً في نطاق مدينة الكويت وضواحيها'، والرسالة الثانية هي 'أنّ دستور 1962 رسخ تماماً في ضمير الأمة واستقر بوصفه خطاً أحمر غير قابل للعبث به'. يبدو أن الكاتب الديين يرى في معارضة اليوم امتداداً لمعارضة الأمس، وبالنظر إلى ما قيل في الاحتفال التاريخي الذي أقامته 'دار قرطاس' بمناسبة الذكرى السبعين لأحداث المجلس التشريعي والذكرى السابعة والأربعين لإصدار الدستور، يمكن القول إن هذا الرأي هو السائد بين أوساط المهتمين بالشأن السياسي، لكن ما مدى صحة هذا الرأي؟

معارضة الأمس كانت معارضة الفئة الواحدة، وهي فئة مكونة من طبقة برجوازية على قدر عال من الحس الجماعي بطبيعة مصالحها التجارية وسبل تحقيقها، كما امتازت أيضاً بالقدرة على التنظيم وانتهاز الفرص في المشاركة في صنع القرار السياسي، بدءاً من الاستفادة من دورها في اختيار وريث الإمارة لتأسيس مجلس للشورى في عام 1921، مروراً باستغلال نفوذها الاقتصادي في التفاوض مع الأسرة الحاكمة على مسوّدة دستور 1939، وانتهاء بقبولها القسري للحد الأدنى من الديمقراطية والمتمثل في دستور 1962.

لقد حرصت معارضة الأمس على تأسيس البنية التحتية اللازمة لقيام مجتمع رأسمالي، وذلك من خلال سن التشريعات المتعلقة بتنظيم شؤون الميزانية والقضاء والأمن، وبناء الطرق والمدارس والمستشفيات، ثم عملت بعد ذلك على تنظيم القوانين المرتبطة بالاحتكارات التجارية، وقد نجحت إلى حد كبير في تحقيق مصالح الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، وساهم في هذا النجاح سيطرتها الكاملة على قوى الإنتاج، مما أكسبها قدرة فائقة على التفاوض مع الأسرة الحاكمة حول المشاركة في صنع القرار السياسي.

بعد ظهور النفط وبداية تدفق الإيرادات النفطية، فقدت الطبقة التجارية الكثير من قدرتها التفاوضية مع الأسرة الحاكمة حول شؤون الحكم، فالأدوار تبدّلت بعد أن 'أصبح التجّار مجرد زبائن عند الدولة'، على حد تعبير الدكتور غانم النجّار في مقابلة أجرتها معه الباحثة 'ميري آن تترولت' (انظر بحثها الذي حمل عنوان Autonomy, Necessity, and the Small State، صفحة 578)، ومن مظاهر ضعف القدرة التفاوضية عند الطبقة التجارية تقلّص سقف المطالبة بمشاركة الأسرة الحاكمة في اتخاذ القرار السياسي، ويكفي عقد مقارنة بسيطة بين مسودة دستور 1939 ودستور 1962 للتعرف على حجم التراجع في سقف المطالب السياسية لمعارضة الأمس!

من هنا فإن القول بأن معارضة اليوم ليست سوى امتداد لمعارضة الأمس يفترض وجود تطابق بين مصالح شريحتين اجتماعيتين، إحداها تعتمد على الدولة في الحصول على راتبها الشهري، والآخرى تعتمد على الدولة في الحصول على أكبر عدد ممكن من المناقصات والعقود التجارية، وهو افتراض ينافي الواقع، بل إن ما يجمع هاتين الشريحتين الاجتماعيتين يقتصر تحديداً على هذا الاعتماد السلبي على الدولة، وقد نجحت الأسرة الحاكمة في استغلال موارد النفط في ضم شرائح المجتمع كافة تحت عباءة إرادتها السياسية!

تبقى هناك أسئلة قد نتطرق إليها في مقالات لاحقة، منها على سبيل المثال: هل من الضروري أن تقف معارضة اليوم عند الحد الأدنى من الديمقراطية، خصوصا أنها غير معنية بضعف القدرة التفاوضية لمعارضة الأمس؟ أليس من الحكمة أن تبدأ المعارضة الحالية في تبنّي هدف استراتيجي يتمثل في زيادة سقف المشاركة في القرار السياسي، ثم تعمد بعد ذلك إلى تحقيق هذا الهدف من خلال المطالبة بقوانين تنظم العمل السياسي؟ والأهم من ذلك كله، هل تنجح المعارضة الحالية في توحيد صفوفها من خلال إدراك طبيعة الصراع الطبقي الكامن خلف معظم الخلافات السياسية، أم أنها ستستمر في الانشغال في توافه الأمور؟!

الاثنين، 4 يناير، 2010

حول طبيعة القرار الديمقراطي

القرار الديمقراطي يشير إلى قرار يتم التوصل إليه عن طريق إجراء عملية تصويت ومن ثمّ اعتماد رأي الأغلبية. هذا التعريف البسيط يقودنا إلى طرح تساؤلين حول طبيعة القرار الديمقراطي: أولا، هل ينبغي اتخاذ كل قرار في حياتنا بطريقة ديمقراطية؟ ثانيا، هل من الضروري أن يكون القرار الديمقراطي قرارا صحيحا؟ للإجابة عن مثل هذه التساؤلات، دعنا نلق نظرة على المثال التالي:
أثناء رحلة جوية، يكتشف قائد الطائرة وجود عطل فني، ولكونه إنسانا ديمقراطيا قلبا وقالبا، يلجأ قائد الطائرة إلى الرّكاب مقترحا عليهم التصويت على مصير الرحلة، حيث يطلب منهم أن يختاروا بين أمرين: إما الهبوط الاضطراري، وإما الاستمرار في الرحلة!
هذا المثال الطريف نجده في الأدبيات التي تتناول موضوع النظرية السياسية، ويأتي عادة في سياق التدليل على حقيقة أن القرار الديمقراطي قد لا يتناسب مع كل شؤون الحياة، فهناك أمور لا ينبغي أن تخضع لمبدأ الديمقراطية. لو نظرنا إلى هذا المثال مرّة أخرى، فسنرى بوضوح أن قائد الطائرة ارتكب خطأ فادحا في لجوئه إلى عملية التصويت على مصير الرحلة، ولعل سلوكه الديمقراطي يخفي في طياته فشلا ذريعا في تحمّل المسؤولية!
لكن إلى جانب الفشل في تحمّل المسؤولية، ما الذي يدفع قائد الطائرة إلى عملية التصويت على تقرير مصير الرحلة؟ ربما اعتقد قائد الطائرة أن القرار الذي يتم اتخاذه بطريقة ديمقراطية يكون أقرب إلى الصواب، ولكن هذه مغالطة تعرف باسم «المغالطة الديمقراطية»، ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون القرار الديمقراطي قرارا سليما. لا جدال في أن القرار الديمقراطي كان وراء مقتل «سقراط»، وحرق «برونو»، ووصول «هتلر» و«موسوليني» إلى السلطة، لكن من العسير القول إن مثل هذه الأحداث المؤسفة تعبّر عن قرارات سليمة!
إذا أردنا أن نزيد من فرصة أن يكون القرار الديمقراطي قرارا صائبا، فلا بدّ من ضمان وجود أغلبية واعية ومدركة تماما لطبيعة الموضوع الخاضع لعملية التصويت. لتوضيح هذه النقطة، بإمكاننا أن نجري تعديلا طفيفا على المثال أعلاه، بحيث نفترض أن جميع ركّاب الطائرة عبارة عن أشخاص متخصصين في هندسة الطيران، وفي ظل هذا الافتراض لن يكون بوسعنا إلقاء اللوم على قائد الطائرة لو لجأ إلى عملية التصويت، ذلك أن من المحتمل جدا في هذه الحالة أن يكون رأي الأغلبية من الرّكاب رأيا صائبا!
على ضوء ما تقدّم، يصبح من المنطقي القول إن نجاح الديمقراطية في أي مجتمع بشري يعتمد على أمرين: الأمر الأول، هو اتفاق أفراد المجتمع الواحد على طبيعة المسائل التي من الممكن إخضاعها إلى عملية التصويت واتخاذ قرار ديمقراطي بشأنها، والأمر الثاني، هو العمل على تأسيس أغلبية واعية ومدركة لمبادئ النظام الديمقراطي.
لو نظرنا إلى الممارسة شبه الديمقراطية في الكويت، فسنلاحظ إخفاقا في كلا الأمرين، فعلى الرغم من التزام الحكومة الكويتية بمواثيق دولية تكفل حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، فإن البرلمان الكويتي لم يتورع عن إخضاع مثل هذه الحقوق الأساسية لعملية التصويت، وبالرغم من انخفاض نسبة الأمية في الكويت، فإن الأغلبية العظمى من الشعب مازالت جاهلة بأبسط مبادئ الديمقراطية، ومن المؤسف أن يكون من بينهم كتّاب وأساتذة ومتخصصون في الشأن العام!
ملاحظة هامشية: هناك مبدأ بسيط غاب عن بعض الكتّاب والمتخصصين في الشأن السياسي، ممن تصدوّا للدفاع عن صاحب قناة «السور» بحجة الذود عن حرية التعبير، والمبدأ ينص على التالي: لا تسامح مع اللاتسامح! أخشى أن يكون النفس العنصري وراء عدم قدرة أولئك الكتّاب على التمييز بين خطاب يحمل وجهة نظر، وخطاب مليء بالكراهية والعنصرية والإقصاء لشريحة كبيرة من أفراد المجتمع!