الاثنين، 16 أبريل 2018

إلى "سيف" يأبى إلّا أنْ يسبقَ العذل!

ردّ على "أمين عام حزب الأمة-الكويت"

أشعر بشيء من الغرابة في أنْ أردّ على شخص أقحمَ نفسه عنوة في موضوع لا شأن له به، فأما الموضوع فيشير إلى مقالات كنت قد كتبتها بوصفها قراءة خاصة لكتاب "الحرية أو الطوفان" للدكتور"حاكم المطيري"، وأما الشخص الذي أقحم نفسه عنوة في الموضوع فهو السيد "سيف الهاجري"، الأمين العام لحزب الأمة-الكويت، ويبدو أنّ "الأمين العام" يظنّ أنّ مجرّد انتماء مؤّلف الكتاب إلى حزبه السياسي يجعله تلقائيا أمام مسؤولية الدفاع نيابة عنه، ولو تمهّل قليلا وقرأ ذلك النقد لعرف أنّي أشرت إلى "د. حاكم المطيري" بوصفه مؤلفا للكتاب، لا بوصفه عضوا في "حزب الأمة"، وبوسعي أن أفهم خيار المؤلف عدم الردّ على نقد كتابه لأيّ سبب كانأي ، وهذا من حقّه، وأما ما لا أفهمه فهو أن يُسارع "الأمين العام" إلى الردّ على نقد كتاب لم يكتبه!

لكن هل قام "الأمين العام" فعلا بالردّ على نقدنا لكتاب "د. حاكم"؟ إنّ من يقرأ ما خطّه "الأمين العام" لا يجد فيه مناقشة جادة للمقالات التي سقتها في معرض نقدي للكتاب، بل يجد بدلا من ذلك هجوما هائجا على بعض مقالاتي المنشورة حول مواضيع مختلفة خلال فترة دامت قرابة العشرين عاما، ومع ذلك استقبل "الأمين العام" تلك المقالات وكأنه يقع على اكتشاف جديد، فراح يستعرض ما فيها من خبايا! بل إنّه لم يتورّع حتى عن التدليس وتزييف الحقائق بطريقة مكشوفة حينا، وباعثة على الضحك أحيانا كثيرة.

يعود تاريخ المقالات التي نشرتها في جريدة "الجريدة" حول كتاب "الحرية أو الطوفان" إلى أكثر من عشرة أعوام، وهي المقالات التي قمت بالتنويه إليها في الأسبوع الماضي من خلال حسابي في "تويتر"، وهو الأمر الذي أقوم به بشكل دوري مع جُلّ مقالاتي الأخرى، ولكنّ "الأمين العام لحزب الأمة-الكويت" يتغافل عن هذه الحقيقة ليوهم القارئ بطريقة غير مباشرة أنّني اقتصرت على إعادة تلك المقالات المتعلقة بالكتاب، وهو لهذا السبب يجد في هذه الإعادة مؤامرة لا وجود لها إلّا في مخيلته، فبالنسبة إليه، لم يكن إحياء تلك المقالات في هذه الفترة على وجه الخصوص إلّا كي تكون ضمن "الحرب الإعلامية على كل من واجه مشروع ترامب التغريبي وخاصة أحزاب الأمة في الخليج"! يريد "الأمين العام" بذلك إقناع القارئ أني من ضمن المناصرين لأمريكا وسياساتها في المنطقة!

كلّ ما نشرته من مقالات متاحٌ على موقع "المدونة" الخاص بي، وهي المقالات التي استطاع "الأمين العام" نفسه أن يطلّع عليها بكل حرية، ولكنه جعل ينتقي منها ما يخدم هجومه على كاتب هذه السطور، وكما سنرى لاحقا، بلغ الأمر من التدليس درجة جعلته يقتبس سطرا ثم يُخفي ما بعد السطر، وينتقي فقرة هنا ليتغاضى عن فقرة هناك، بل إنه لا يفرّق بين الواقع والخيال فتجده يقتبس من مقال نُشر على شكل قصة ليجعل منه حقيقة لا يعتريها الشكّ!

لكن ما هي الأفكار التي اكتشفها "الأمين العام لحزب الأمة" في مقالاتي فأثارت كل هذا الهجوم والتشهير بكاتب هذه السطور؟ لا شيء، ذلك أنه لم يناقش أفكارا من الأساس، بل هو انحدر مع الأسف إلى مستوى الهجوم الشخصي وغير الموضوعي، فهو عندما يقرأ عن تجربتي كمترجم أثناء الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق، يستنتج على الفور أنّ كاتب هذا السطور مع احتلال العراق، وهو عندما يقرأ عن تجربتي في اليابان وزيارتي لمعالمها الثقافية والدينية، يستنتج منها أني من أنصار "البوذية الوثنية"، وهو عندما يقرأ قصة لي تدور أحداثها في دير إسبانيّ، أو مقال أتحدّث من خلاله عن نقاش دار بيني وبين بعض أتباع الطوائف المسيحية، يسنتنج من هذا وذاك أنّي، ويا للهول، من أنصار الصليبية ضد الإسلام!

قبل احتلال العراق، وتحديدا في أوائل شهر مارس من عام 2003، اتصلت بي قناة إخبارية إسبانية كانت متواجدة في فندق "شيراتون الكويت" وعرضت عليّ العمل مع القناة لفترة وجيزة كمترجم من العربية إلى الإسبانية لتغطية أخبار الحرب الوشيكة، وقد كنت آملُ حينها أن تُسنح لي الفرصة في دخول العراق، وما ذلك إلا كي أكون قريبا من الحدث الكبير فأُدوّن ملاحظتي حول ما يجري بهدف نشرها لاحقا، وبعد يوم واحد من مباشرة العمل مع القناة الإسبانية، علمت منهم أنهم لن يتمكنوا من دخول العراق في حالة اندلاع الحرب وأنهم سيكتفون بتغطية أحداثها من الكويت، فشعرت بخيبة أمل لم يسعفني بتجاوزها سوى إعلان أرشدني إليه أحد الأصدقاء حول الحاجة إلى مترجمين كويتيين يجيدون اللغة الانكليزية، وعلى الراغبين في ذلك التوجه إلى منطقة "جيوان" العسكرية، ولم أكن وقتها على علم بالجهة التي هي في حاجة للمترجمين، ولكن لا يحتاج المرء إلى ذكاء لمعرفة أن الإعلان مرتبط بالحرب الوشيكة، فسارعت مع أحد الأصدقاء إلى الانضمام إلى عدد تجاوز الثمانين مترجما من الكويتيين، واتضح لنا جميعا عند وصولنا بأننا سنعمل كمترجمين في الجيش البريطاني، ولم أندم قط على خوض تجربة دامت ثلاثة أشهر في العراق، تعرّفت من خلالها على معنى المعاناة الإنسانية وزيف الشعارات السياسية، وشهدت بفضلها صِدق الناس البسطاء ونفاق الدول العظمى، وسعيتُ حتى نجحتُ في أكثر من مناسبة إلى تزييف إفادات أسرى الحرب من خلال الترجمة كي يُطلق سراحهم، وقد دوّنت مشاهداتي هناك يوما بيوم، ونشرت الشيء اليسير منها في جريدة "الجريدة"، وآمل نشر الجزء الأكبر منها في المستقبل.

بالطبع، لا تعني كل هذه التفاصيل شيئا بالنسبة إلى الأمين العام لحزب الأمة، فكلّ ما يحتاجه هو أن يعلم أني عملت كمترجم في الجيش البريطاني كي يسارع إلى كتابة مخطوط عنوانه "د فهد المطيري...من احتلال العراق إلى احتلال الخليج" (أعترف أنّي ضحكت رغما عني عند قراءتي للعنوان، فقد بدا لي الأمر وكأني أمتطي صهوة جوادي وأسير على رأس جيش يحمل راية الصليب!). يعيب عليّ "الأمين العام لحزب الأمة-الكويت" أني لم ألتزم "المنهج النقدي" في نقدي لكتاب "د. حاكم"، وذلك لأني – حسب زعمه – لم أناقش الأفكار التي طرحها الكتاب! لا أعلم ماذا يقصد بالمنهج النقدي، ولعلّه أراد "المنهج العلمي"، كما أنّ ما يزعمه لا يدل فقط على أنه لم يفهم المقالات الأربع التي كتبتها في نقد كتاب "د. حاكم"، بل إنه يدلّ أيضا على أنّه يعيب الآخرين بما ليس فيهم من جهة، وبما يقترفه هو نفسه من جهة أخرى! لقد بذلت جهدي في قراءة الكتاب كاملا رغم إكثار المؤلف من النقل على حساب إعمال العقل، ثم كتبت مقالات أربع دوّنت فيها ملاحظاتي مع اقتباسات من الكتاب أحلت من خلالها القارئ إلى رقم الصفحة في كل اقتباس، وطفت على عدد غير قليل من الأفكار التي طرحها الكتاب فناقشتها الواحدة تلو الأخرى! في المقابل، لا يتورّع "الأمين العام لحزب الأمة-الكويت" عن الإشارة إلى ضرورة الالتزام بالمنهج "النقدي" في الوقت الذي لا يعلم هو، ولا حتى مؤلف الكتاب، معنى "المنهج العلمي"، فأمّا مؤلف الكتاب، فقد ذكرت ما يعيب منهجه العلمي في تلك المقالات الأربع، وأما "الأمين العام" فيكفيه أن أشير إلى حجم التدليس الذي ورّط نفسه به، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تجده وقد أحال القارئ إلى رابط مقالي الأول حول مذكراتي في العراق للدلالة على أني من أنصار "الحرب الصليبية"، ولو كان يتمتع بالحدّ الأدنى من النزاهة العلمية لأشار إلى حقيقة ما كتبت في تلك المذكرات عن نفاق الجنرال البريطاني والبروباغندا التي لجأ إليها ذلك الجنرال لترويج أسطورة "تحرير العراق"، ولكنّ "الأمين العام" ليس في حاجة إلى النزاهة العلمية، لأنّ الإشارة إلى هذه الحقيقة لا تخدم الصورة التي يُراد تسويقها حول كاتب هذه السطور!

في نقله عن تجربتي في زيارة خاصة لليابان كنت قد قمت بها في أواخر العام 2002، يقتبس "الأمين العام" عبارة أشرح من خلالها أحد الطقوس الدينية التي تتضمن قرع جرس ثم تمنّي أمنية واحدة، وقد خضت تلك التجربة بفضول السائح وتمنيت فعلا أمنية واحدة فقط، وبدلا من أن يكشف "الأمين العام" عن فحوى تلك الأمنية التي ذكرتها بعد الفقرة المقتبسة مباشرة، اكتفى بالقول إنها أمنية لم تتحقق! أما فحوى الأمنية فهي أني تمنيت عدم اندلاع الحرب في العراق بعد أن راجت في تلك الأيام احتمال اندلاعها، ولكن، مرة أخرى، الكشف عن فحوى هذه الأمنية لا يخدم الصورة التي يُراد تسويقها حول كاتب هذه السطور، ولذلك لا مناص من أن يضرب "الأمين العام" بالنزاهة الأخلاقية قبل العلمية عرض الحائط ويكتفي باقتباس عبارات خارج سياقها ومنسجمة مع ما يريد تسويقه للقارئ!

لا يقف التدليس عند هذا الحدّ، بل إنّ "الأمين العام لحزب الأمة" يتغاضى عن عشرات المقالات التي كتبتها في نقد مواضيع شتى، مثل النفوذ الأميركي في المنطقة، والاستعمار البريطاني وتحالفه مع بعض الأنظمة العربية ضد شعوبنا، وتشويه الليبرالية الجديدة لقيمة الإنسان، وضرورة نصرة الشعب الفلسطيني وعلى رأسهم "حركة حماس" في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وغيرها الكثير من الموضوعات التي لا يريد الإشارة إليها، لأنها، وللمرة الثالثة، لا تخدم أجندة "حزب الأمة" وأمينه العام في تشويه صورة من يراهم الحزب "أعداء الإسلام"! 

يصفني "الأمين العام" بأني كاتب يساري ليبرالي، وأشك في فهمه لما يصفني به، فوصفي باليساري لا يستقيم مع زعمه بأني مع المشروع الأميركي، وهو مشروع رأسمالي متوحّش، كما أن وصفه لي بالليبرالي لا يستقيم مع مهاجمتي لليبرالية كما يفهمها زُوار السفارة الأميركية في الكويت، لكنّه مع ذلك لا يستقرّ على رأي في وصفي، فقد نسبني تارة إلى اليسار وتارة إلى اليمين، وتارة مع الصليب وتارة مع البوذية!

يصفني "الأمين العام" أيضا بأني من دعاة "التغريب"، أولئك الذين يعانون "أزمة هوية"! أما "التغريب" فلست أتبيّن المعنى المقصود، فإذا كان المقصود هو الاعتماد على وسائل الحضارة الغربية من منتجات ومخترعات، فكلنا "تغريبيون"، وإذا كان المقصود هو الدعوة إلى تبنّي النظام الاقتصادي الرأسمالي، فإنّ "حزب الأمة" والإسلاميين على اختلاف مشاربهم هم "التغريبيون" بعد تبنّيهم لبدعة "الاقتصاد الإسلامي" التي تم التسويق لها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وهي البدعة التي تعكس جرحا حقيقيا في الهوية الإسلامية عند أمة "فازت بكلّ شيء وخسرت كلّ شيء"، أمّة ابتُليت بأناس لا يستطيعون قراءة التاريخ إلّا بمفردات القرون الوسطى، ولا يقبلون من العلم الحديث إلّا منتجاته، لأنهم أعجز من أن يفهموا قوانينه وفلسفته، ولهذا يرى "الأمين العام" أني أستخدم العقل والعلم كذريعة للهجوم على "الإسلام"، والإسلام المقصود هنا هو إسلام "حزب الأمة"، وهو لهذا لا يجد فرقا بين "الإسلام" وبين الأيديلوجية التي يتبنّاها حزبه! 

لا يبدو أن "أمين عام حزب الأمة" قادر على التفريق بين الواقع والخيال، ولست ألومه في ذلك، فقد سبق أن أشرت في مقال قديم إلى مناصبة العداء للرمزية في تراثنا الإسلامي، وهو العداء المسؤول عن هذه الظاهرة التي لا تميز الحدّ الفاصل بين القصة والواقعة، ولهذا عندما يقرأ "الأمين العام" مقالا مكتوبا على شكل قصة حول حديث جرى بين "أنا المتكلّم" وأحد الرهبان، لا يستطيع أن يرى في ذلك قصة من نسج الخيال، بل واقع تُحاك من خلاله مؤامرة على "الإسلام"!

مضت، كما ذكرت، أكثر من عشرة أعوام على تلك المقالات التي كتبتها حول كتاب "الحرية أو الطوفان"، وبدلا من استقبال ردّ علميّ رصين كي يستفيد منه الجميع ومن ضمنهم كاتب هذه السطور، يأتي الردّ بعد كل هذه السنوات بهذا الشكل المعيب ومُذيّلا بتوقيع أمين عام حزب الأمة، السيد "سيف الهاجري"، ومن المؤسف أن يكون له نصيب من اسمه، فقد أبى إلّا أنْ يسبق العذل، فسارع إلى الكتابة قبل التدبّر فيما يكتب.


الأحد، 7 يناير 2018

حول طبيعة المعرفة العلمية


حول طبيعة المعرفة العلمية
فهد راشد المطيري

في منطقتنا العربية، حيث عدد دور العبادة أكبر بكثير من عدد المراكز العلمية، من المستهجن أن نسأل: ما هو الدين؟ لكن من الطبيعي جداً أن نسأل: ما هو العلم؟ لنتأمّل الجمل التالية، حيث ترد الإشارة إلى كلمة "العلم" في كل جملة على حدة:

(1) نأمل أن يصل العلم إلى علاج لهذا المرض. 
(2) لا يخضع ما يسمى العلاج بالطاقة إلى شروط العلم.
(3) تحرص الدولة على دعم العلم.
(4) بإمكان العلم أن يعمّرَ الأرض أو أن يدمّرها!

في (1)، هناك إشارة إلى العلم بوصفه أداة معرفية تنطوي على قدر كبير من الجهد العقلي المُنظّم لحلّ مشكلة ما، في حين أن الإشارة في (2) هي إلى العلم بوصفه معيارا يحدّد ما ينبغي أن يندرج ضمن حصيلة الأفكار المقبولة والمدعومة بأدلة تجريبية. عندما ننتقل إلى (3)، فإن الإشارة هنا متعلقة بالعلم بوصفه مؤسسة اجتماعية لها أفرادها ومبانيها ومجلّاتها الدورية، والعلم بهذا المعنى لا يختلف عن باقي مؤسسات المجتمع المدني. أخيرا، يشير مفهوم العلم في (4) إلى قائمة من التطبيقات التقنية أو ما يعرف بتكنولوجيا العلم، وبذلك تنطوي الإشارة هنا على تطابق بين العلم من جهة، ونتاج هذا العلم من جهة أخرى. على ضوء هذه الاستخدامات المختلفة لكلمة "علم"، أصبح لدينا أربعة معان مختلفة لمفهوم العلم:

(*1) أداة معرفية تتضمن جهدا ذهنيا مُنظّما.
(*2) معيار معرفي يحدد ما هو مقبول من الناحية التجريبية.
(*3) مؤسسة اجتماعية ضمن مؤسسات المجتمع المدني.
(*4) قائمة من التطبيقات التقنية.

من الضروري عدم الخلط بين هذه المعاني المختلفة لمفهوم العلم، ولعلّ أغلب النقد الذي يُوجه للعلم يقع في شرك هذا الخلط، فالقول – مثلا – إنّ العلم جلب الهلاك لملايين الأرواح البشرية ينطوي على خلط بين معنى العلم في (*1) و (*4)، فالعلم بوصفه أداة معرفية مسؤول (ابستمولوجيا) عن إنتاج نوع محدد من المعرفة، في حين أنّ المسؤولية (الأخلاقية) تقع على عاتقنا عند التفكير بأوجه الاستفادة من تلك المعرفة. 

لا تهدف القائمة أعلاه إلى حصر كل المعاني الدالة على مفهوم العلم، بل إنّ الهدف منها يقتصر فقط على التنبيه إلى وجود استخدامات متعددة لهذا المفهوم، كما لا ندّعي هنا أنّ الإحاطة بمعنى أي مفهوم يكفي لتحديد ماهيته، ومفهوم العلم ليس استثناءً من هذه القاعدة.  لهذا، ولكي نتعرّف على ماهية العلم، لا بدّ لنا من التوقف عند هذا النوع من المعرفة والذي نسميه "معرفة علمية".

تكمن إحدى الوسائل للتعرف على طبيعة شيء ما في محاولة تحديد السمات التي يمتاز بها هذا الشيء، وهذه هي الوسيلة التي سنتّخذها هنا للتعرف على طبيعة المعرفة العلمية، حيث سنستعرض بعضا من أهم سمات هذا النوع من المعرفة، متوقّفين عند كل سمة تِباعاً.

أولى سمات المعرفة العلمية هي أنها معرفة تراكمية، أي أنها تزداد من حيث الكم مع مرور الزمن، فلا ريب في أنّ ما يعرفه اللاحقون يفوق بمراحل ما يعرفه السابقون، ولهذا فإنّ من الطبيعي القول إنّ الطلاب البارزين في أي ميدان من ميادين المعرفة العلمية في وقتنا الحاضر يفوقون الخوارزمي وابن الهيثم وجاليليو ونيوتن في درايتهم بعلوم الفيزياء والرياضيات والفلك وغيرها، ومن الملاحظ أنّ النقيض من ذلك ينطبق على المعرفة الدينية ذات الطبيعة التناقصية، حيث كمال المعرفة مرتبط بمدى القرب الزماني من مصدرها، وحيث يفوق ما يعرفه السابقون ما يعرفه اللاحقون، ولعلّ أهمّ ما يميز الطبيعة التراكمية للمعرفة العلمية هو إتاحة الفرصة أمامنا لطرح أسئلة لم يكن من المنطقي أن تخطر في بال السابقين، مثل: هل بلوتو كوكب أم مجرد كويكب؟ أو كم من الوقت يلزم للقضاء على مرض الإيدز؟ أو ما هي الدلائل على وجود ظاهرة الاحتباس الحراري؟

ثاني سمات المعرفة العلمية هي أنها معرفة نسبية، والنسبية هنا لها وجهان، أحدهما متعلق بمدى صحة المعرفة العلمية، والآخر مرتبط بمدى حجم هذه المعرفة، فمن جهة، المعرفة العلمية نسبية، بمعنى أنها ليست يقينية، إذ لا مكان في العلم لليقين المعرفي بصحة أي فكرة، وإنما تزداد درجة الاحتمال مع كل دليل إضافي يدعم صحة الفكرة، ومن دون أن نصل أبداً إلى درجة اليقين،وهذه هي الفكرة التي عبّر عنها الفيزيائي الأميركي الشهير ريتشارد فاينمان بقوله: " "لن يكون بوسعنا أبداً أن نكون على يقين من أننا على صواب، لكن بوسعنا أن نكون على يقين من أننا على خطأ"من جهة أخرى، المعرفة العلمية نسبية، بمعنى أنها ليست تامة، فالعلم يكافح الجهل مع كل زيادة في مقدار التراكم المعرفي، لكن الجهل لا حدود له، وبالتالي من المنطقي أن تظل المعرفة العلمية منقوصة مهما تعاظمت، فالعلماء أبعد ما يكونون عن ادعاء امتلاك الكلمة الأخيرة!

عدم قدرتنا على التقين من صحة أي فكرة لا يعني عدم قدرتنا على تبنّي صحتها، وبالأخص عندما تكون هذه الفكرة مسنودة بأدلة، وهنا تكمن السمة الثالثة للمعرفة العلمية بوصفها معرفة تجريبية، بمعنى أنها معرفة متعلقة بمعطيات الواقع من جهة، وقابلة لاختبار مدى صحتها استناداً إلى نتائج التجربة من جهة أخرى، ومن الضروري هنا أن نتذكر بأن مفهوم التجربة يقتضي منطقيا قدراً من الشك في صحة الفكرة الخاضعة إلى التجربة، وإلاّ لما كان هناك معنى لإجراء التجربة من الأساس، كما أن من الضروري أيضا ملاحظة دور الشك الإيجابي في تعزيز المعرفة العلمية من جانب، والتذكير بنسبيتها من جانب آخر، ذلك أن الشك يقي من فرط السذاجة المتمثلة بقبول صحة فكرة قبل خضوعها للاختبار، ويقي كذلك من فرط الثقة المتمثلة بالتقيّن من صحة فكرة حتى بعد اجتيازها للاختبار.  

السمة الرابعة للمعرفة العلمية تشير إلى كونها معرفة موضوعية، أي أنها معرفة لا ترتكز على أهواء شخصية أو اعتقادات روحية، بل على حقائق ملموسة، والموضوعية بهذا المعنى لا تستمد قوتها من إخلاص العلماء ونزاهتهم عند قيامهم بالبحث العلمي، بل هي مستمدة من طبيعة البحث العلمي نفسه، ذلك أنه بحث يتصف بقدر من الشفافية بحيث يستطيع الجميع التحقق من نتائج التجربة من خلال إعادة إجرائها، وهذا ما يسميه كارل بوبر "الشخصية العامة للعلم"، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذه الخاصية تؤدي دور صمام الأمان ضد القصور الأخلاقي للنفس البشرية في ميدان العلم، فهي أشبه بإنذار لكل باحث، ومفاد هذا الإنذار رسالة تحذير، من قبيل"لا تعبث بنتائج البحث، لأنك ستُكتشف إنْ لم تكن نزيها"!

نأتي أخيرا إلى السمة الخامسة للمعرفة العلمية، وهي أنها معرفة منهجية، وذلك بوصفها نتاج طريقة تتصف بالتنظيم والدقة، وما يجعل هذه الطريقة منظمة هو استفادة العلم من لغة المنطق، وما يجعلها دقيقة هو استفادة العلم من لغة الرياضيات، ولهذا فإن هذه الطريقة هي أفضل الطرق المتاحة لتراكم المعرفة العلمية، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الطريق إلى الحقيقة لا يمرّ إلا من بوابة العلم، ولكنه يعني أن الطريق إلى اختبار مدى صحة هذه الحقيقة لا يمرّ إلا من بوابة العلم، أو كما يقول فيلسوف العلم الأرجنتيني ماريو بُنخي: "العلم لا يحتكر الحقيقة، ولكنه يحتكر الوسائل التي من خلالها نفحص مدى صحة تلك الحقيقة". 

من المعيب ألاّ يتجاوز عدد الكتب المترجمة إلى العربية، والتي تتناول ميدان فلسفة العلم، أصابع اليد الواحدة، ولعلّ هذه الحقيقة المؤلمة تقف وراء ظاهرة سوء الفهم لمبادئ العلم والتوجس من نتائجه، ومهما يكن من أمر فإنّ إحداث ثورة في التفكيرسيبقى بعيد المنال حتى ينال العلمُ منّا ما يستحق من إعجاب وتقدير.