الاثنين، 18 مارس، 2013

حول مفهوم الوطنية


اللغة وسيلة اتصال بين الناس، وغالبا ما يحتوي هذا الاتصال على مفاهيم. إنّ نجاح الاتصال اللغوي مرهون بالقدر الذي تكون فيه المفاهيم واضحة، وخطابنا السياسي مليء بمفاهيم أساسية، لعلّ أهمها هو مفهوم "الوطنية". ما يلي تلخيص لمقالات سابقة حول هذا المفهوم، سبق أن نشرتها في جريدة "الطليعة"، وسأتناول في مقالات قادمة مفاهيم أخرى لا تقلّ أهمية عن مفهوم "الوطنية".
 مفهوم الوطن يشير إلى الارتباط العاطفي للفرد مع بقعة جغرافية، ومفهوم الدولة يحدد الجانب القانوني لهذا الارتباط. لا أميل إلى تحديد وطنية فرد من خلال مدى حبه لوطنه، ذلك أن حبّ الأوطان مثل حبّ الأشخاص، فيه مدّ، وفيه جزر، و في كلتا الحالتين ثمة سبب! كما أني لا أميل إلى قياس وطنية فرد من خلال مسطرة الحقوق والواجبات تجاه الدولة، فعلى الرغم من أن مفهوم الدولة من الناحية النظرية يهدف إلى إيجاد توازن بين الفرد والجماعة، فإنه من الناحية العملية لم ينشأ أساسا إلا لتخليص الفرد من سلطة البابا وإخضاعه من جديد إلى سلطة من نوع آخر، سلطة الملوك والأمراء، لست ضد مفهوم الدولة الحديثة، لكني ضد استخدام هذا المفهوم كمعيار لوطنية الأفراد.
لكن ماذا نعني بمفهوم "الوطنية"؟ لغويا، ياء النسب تشير هنا إلى الانتساب إلى وطن، لكن يبدو أن هذه الدلالة لا تكفي لشرح المعنى المراد من مفهوم الوطنية، مثلا، عندما نقول "إن هذا المنتوج وطني"، فإن دلالة الانتساب تلبي الغرض، لكن عندما نؤكد أن فلانا من الناس وطنيّ، فإن الدلالة هنا أكثر من مجرد انتماء إلى وطن، إذا أردنا أن نضع هذه النقطة بلغة منطقية نقول: انتماء الأفراد إلى وطن يعتبر شرطا ضروريا لكن ليس كافيا لتحقيق مفهوم الوطنية، ومن هنا نستنتج أن هذا المفهوم يرتبط بمجموعة من الاستحقاقات الناتجة عن هذا الانتماء، لكن ما طبيعة هذه الاستحقاقات؟
لعل أهم استحقاق يتبادر إلى ذهن القارئ هو المتعلق بمفهوم الولاء، لكن علينا هنا أن نطرح سؤالا مهما: الولاء لمن تحديدا؟ مفهوم الولاء مرتبط بشكل نظام الحكم، ففي الدول الديمقراطية الولاء للوطن يعني الولاء لأرض وشعب، أما الدول الشمولية فتضيف إلى جانب الأرض والشعب شخصية الحاكم! السبب في هذا الاختلاف واضح ومباشر، ففي النظم الديمقراطية لا ديمومة للأشخاص، أما تحت الحكم المطلق فإن ديمومة الحاكم ترتفع إلى رتبة الوطن والشعب ولا تزول إلا مع زيارة خاطفة من عزرائيل! مفهوم الولاء للوطن حسب النظم الشمولية يفسر أيضا مظاهر أخرى كثيرة، منها على سبيل المثال عادة النواح الجماعي على موت حاكم أو عادة الطرب الجماعي لسماع أغنية وطنية تمجد الحاكم وخصاله.
ماذا عن الولاء لأرض وشعب؟ ولاء الفرد لأرضه مرتبط بحجم المعلومات الموجودة في ذاكرة هذا الفرد حول البقعة الجغرافية التي نشأ عليها، وبقدر ما تكون الذكريات جميلة، بقدر ما يزداد معيار الولاء للأرض، والعكس صحيح. هذا يعني أن الولاء للأرض حالة فردية خاصة، والإصرار على توريث هذا الولاء إلى أجيال لاحقة فيه نفس دكتاتوري غير مبرر، فليس من حق الأب أن يحدد لابنه أين وكيف يقيّم ذكرياته الخاصة! من جانب آخر، ولاء الفرد لشعب مرهون بمدى توافق مبادئ الفرد مع مبادئ الشعب الذي هو جزء منه، والخروج عن الجماعة يعد فضيلة في أحيان كثيرة، فلا أحد، مثلا، يستطيع أن يشكك بوطنية ألماني رفض الارتباط بشعب مهووس بنظرة متعالية وعنصرية جامحة إبّان الحرب العالمية الثانية، القائمون على التعليم يعتقدون أن من واجبهم "غرس" الوطنية في قلوب الآطفال، ويتخذون من التلقين وسيلة لبلوغ هذا الهدف، مما يعني أن عملية الغرس هي مجرد عملية غسيل للمخ! ماذا سيخسر المربون الأفاضل لو كانوا أكثر منطقية في التعامل مع أطفالنا؟ لماذا لا ندع أطفالنا يعبرون بتلقائية الأطفال عن حبهم أو حتى بغضهم لأوطانهم، ونكتفي فقط بأن نطلب منهم أسباب هذا الحب أو البغض؟ لماذا لا نحاور أطفالنا بدلا من تلقينهم دروسا مكررة ومملة وفوق كل ذلك غير منطقية؟ الوطنية عاطفة فردية خاصة، ومثل كل العواطف الإنسانية، لا يمكن فرضها بالقوة!

الاثنين، 11 مارس، 2013

نزاهة القضاء مرّة أخرى

إن دفاع المستشار عن القضاء دفاع مبرر ومشروع أيضاً، لكنه يبقى دفاعاً منقوصاً، فالمستشار اكتفى بالردّ على من يقيسون نزاهة القضاء من خلال نتائج أحكامه، لكنه لم يتطرق على الإطلاق إلى أولئك الذين ينتقدون الآلية التي تُبنى بواسطتها أحكام القضاء، وأبسط الأسئلة المتعلقة بهذه الآلية هي تلك التي تشير إلى مدى استقلالية القضاء الكويتي مالياً وإدارياً عن السلطة التنفيذية.

في حديث له مع "الجريدة" في عددها الصادر يوم أمس، دافع المستشار فيصل المرشد عن القضاء الكويتي، مؤكداً أنه قضاء "يشهد له الأجنبي قبل ابن البلد"، كما انتقد الهجوم الذي يشنه البعض على القضاء، مشيراً إلى حقيقة أن "البعض إذا صدر حكم يضرّه، ذمّ القضاء وقدح فيه، وإذا صدر الحكم لمصلحته، مدح القضاء"!
في مقال سابق، أشرنا إلى حقيقة أن نزاهة القضاء لا تقاس بنتائج أحكامه، بل بفحص الآلية التي يصل القضاء من خلالها إلى تلك الأحكام، ومن هنا فإن دفاع المستشار عن القضاء دفاع مبرر ومشروع أيضاً، لكنه يبقى دفاعاً منقوصاً، فالمستشار اكتفى بالردّ على من يقيسون نزاهة القضاء من خلال نتائج أحكامه، لكنه لم يتطرق على الإطلاق إلى أولئك الذين ينتقدون الآلية التي تُبنى بواسطتها أحكام القضاء، وأبسط الأسئلة المتعلقة بهذه الآلية هي تلك التي تشير إلى مدى استقلالية القضاء الكويتي مالياً وإدارياً عن السلطة التنفيذية.
كان بودّنا أن نسمع من سعادة المستشار رأيه، مثلاً، في المادة (16) من قانون تنظيم القضاء، وهي المادة التي تجعل من وكيل وزارة العدل عضواً في مجلس القضاء الأعلى، أو في المادة (35) من القانون نفسه التي تنص على أن "لوزير العدل حقّ الإشراف على القضاء". هل من شأن مثل هذه القوانين بعث الطمأنينة في قلوب المواطنين حول الآلية التي يصل القضاء من خلالها إلى أحكامه؟ أليس وجود مثل هذه القوانين هو المسؤول المباشر عن صدور أحكام متباينة في قضايا متشابهة؟
يقول المستشار في حديثه إن "القضاء لن يلتفت إلى الأصوات التي تهاجم الأحكام القضائية"، وفي هذا القول إغفال لحقيقة أن ما يوصف بهجوم على القضاء وأحكامه قد يكون في واقع الأمر دفاعاً عنه وعن مكانته، فالمطالبة باستقلالية القضاء هي في حقيقة الأمر مطالبة بأن يكون القاضي المسؤول الأول والأخير عن الأحكام التي يصدرها، لا أن تكون هذه المسؤولية مشتركة بين السلطة القضائية والسلطة والتنفيذية.
أمّا عن القول بأن القضاء الكويتي "يشهد له الأجنبي قبل ابن البلد" فهي حجة تمنيت لو أن المستشار لم يستند إليها في دفاعه عن القضاء، إذ إن شهادة الأجنبي على شيء ليست دليلاً على سلامته، وبالنظر إلى تاريخ المنطقة العربية، فإن شهادة الأجنبي على شيء أدعى إلى التشكيك فيه من التصديق به، خصوصاً إذا كان هذا الأجنبي عبارة عن وفد من وفود وزارة الخارجية الأميركية.