الأربعاء، 26 مارس، 2014

حول التوظيف السياسي للدين

هناك شكلان- على الأقل- للعلاقة المتبادلة بين السياسة والدين: إمّا أن تكون السياسة في خدمة الدين، وإمّا أن يكون الدين في خدمة السياسة. الشكل الأول لهذه العلاقة يستهوي أولئك الذين يشرئبون إلى العالم الآخر، والشكل الثاني يُغري أولئك المنغمسين في العالم السفلي. الفريق الأول يرى الدين غاية، والفريق الثاني يراه وسيلة، لكن ما يجمع بين الفريقين هو الفكرة الداعية إلى ضرورة أن يرتبط الدين بشؤون الحياة كافة، ومن ضمنها تلك المتعلقة بعالم السياسة، ولولا هذه الفكرة الشمولية لما حظيت التيارات الدينية بشعبية عارمة، ولما حظيت البنوك الإسلامية بشعبية مماثلة، ولما حققت كتب الإعجاز العلمي رواجاً بين الناس، بل لما دخلت الفتاوى الدينية إلى دهاليز السياسة.
في التاريخ المصري القديم، كان الفرعون، قبل اتخاذ أي قرار سياسي، يستشير الإله "آمون"، ثم يأتيه الرد على شكل إشارات مبهمة لا يستطيع تفسير معناها إلا الكهنة، فهؤلاء وحدهم من يحق لهم تفسير تلك الإشارت الإلهية، وبذلك انتقلت السلطة السياسية من قصر الفرعون إلى معابد الكهنة، وفي بعض الأحيان، يصل الأمر إلى حد القيام بتقديم رشوة إلى الآلهة للحصول على الجواب المطلوب، وهذا ما يخبرنا به المؤرخ الإغريقي "هيرودوتس" عن معبد "دلفي"، حيث يجيب الإله "أبوللو" بواسطة الوحي عن كل سؤال يُطرح عليه، ولم يكن الوحي سوى امرأة تختبئ وراء ستار، حيث تجيب بما يرغب السائل في سماعه، ثم تأخذ أجر ذلك من ماله، وهنا إنما تكمن الجذور التاريخية لشيوخ السلاطين في عصرنا الحاضر، مع فارق عنصر الحياء بالطبع، فخادمة "أبوللو" مجبرة على الاختباء كي لا ينكشف المستور، بينما لا يجد شيوخ السلاطين حرجاً في الظهور على الفضائيات بكل سُفور!  
بعد الثاني من أغسطس من عام 1990، وبعد أن ناشدت الكويت العالم أجمع كي يهبّ لنجدتها، سمعنا فتاوى دينية تجيز الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، وسمعنا كذلك فتاوى دينية تحرّم طلب العون من "الغرب الكافر"، وكان من الواضح آنذاك أن هذا التضاد في الرأي الديني لم يكن اختلافاً في تفسير الدين، بل كان اختلافاً في توظيف الدين، فالفتاوى المؤيدة للاستعانة بالقوات الأجنبية صدرت من دول مثل السعودية وبقية دول الخليج، بينما جاءت الفتاوى المحرّمة لمثل تلك الاستعانة من دول مثل العراق والأردن وفلسطين والجزائر وتونس، الأمر الذي يعكس تطابقاً بين مضمون الفتوى الدينية من جهة، والتوجه السياسي للبلد الذي خرجت منه الفتوى من جهة أخرى.
اليوم، وبعد ثورات الربيع العربي، ها هي الفتاوى الدينية تعود من جديد لكن بوتيرة متسارعة، وها هم شيوخ السلاطين يظهرون من جديد لكن بصورة أشدّ فجاجة، وفي كلّ فريق سلاطين وأتباعهم من شيوخ الدين، فتارة نسمع أنّ جبريل قد صلّى مع المعتصمين في ميدان "رابعة"، وتارة نسمع أنّ الله قد سخّر لمصرَ "السيسي" يجدّد لها دينها، والغريب أنّ مَن يصدّق الأولى يسخر من الثانية، ومَن يصدّق الثانية يسخر من الأولى!

الاثنين، 24 مارس، 2014

في نقد الخُطب الدينية

تمتاز الخطب الدينية بمؤثرات بلاغية تهدف إلى محاولة تسويق الأيديولوجيا بصورة فنية، وهي محاولة تنطوي على خلط متعمد بين الخطاب الفني والخطاب الأيديولوجي، فإذا كان تذوق الخطاب الفني يستوجب الاهتمام بشكل الخطاب ومضمونه، فإن ما يهمنا في الخطاب الأيديولوجي هو المضمون فقط، فما يحقّ للفنان على خشبة المسرح لا يحقّ للخطيب على المنبر، لكنّ بعض الخطباء– مع الأسف– يأبون إلاّ أن يحاكوا التراجيديا في لجوئهم عادة إلى البكاء الفردي لتحفيز البكاء الجماعي.
كم منّا قادرٌ على إهمال الجانب البلاغي في الخطاب الأيديولوجي والتركيز بدلاً من ذلك على فحوى الخطاب نفسه؟ وكم منّا يدرك أنّ آلية الإقناع مرتبطة فقط بنشاط خلايا الدماغ، ولا علاقة لها إطلاقا بمتانة الأوتار الصوتية؟ إنّ الصراخ والبكاء لا يقنعان، فالأول يصمّ الآذان، والثاني يثير الشفقة، وكلاهما فيه ابتذال ويدلّ على فشل ذريع في العثور على حجة منطقية.
يقف الخطيب على المنبر ليتحدّث في كلّ شيء وعن أي شيء، فالدين لا يعني بالنسبة إليه حالة روحية، بل فكرة شمولية؛ لذا لا يجد الخطيب حرجا في الاعتراض على مهرجان ترفيهي، أو الحديث عن الربيع العربي، أو حتى التطفّل على فيزياء الثقوب السوداء! إنّ استمراء الخوض في كلّ موضوع يفضح ضحالة المعرفة بأي موضوع.
يجد الغالبية منّا في خطبة الجمعة فرصة لتهذيب الروح وتطهير القلب، لكن كم منّا يجد فيها فرصة لإعادة التفكير وطرح الأسئلة؟ لماذا، مثلا، تتشابه خطب الجمعة من حيث الشكل والأسلوب؟ ولماذا يصعب التنبؤ بموضوع خطبة الجمعة من خلال سماع المقدمة، فالمقدمة هي ذاتها في كل خطبة جمعة؟ ولماذا ينفر أغلب الخطباء من مخاطبة عقول المصلين؟ ولماذا يتم انتهاك أبسط قوانين الفيزياء مع نهاية كلّ خطبة جمعة؟ ولماذا الإصرار على أن بعض المسائل الدينية لا يمكن الدفاع عنها بطريقة منطقية، وكأن تاريخنا الإسلامي لم يشهد شيخا في قامة الشيخ "النظّام" المعتزلي، أو فيلسوفا كـ"ابن رشد"؟
لكن طرح الأسئلة يحتاج إلى تفكير، فهل نفكّر فيما نسمع أم أننا منشغلون بالمؤثرات البلاغية التي تمتاز بها الخطب الدينية؟ قبل سنوات مضت، وبعد انقضاء صلاة الجمعة، تحدثت مع أحدهم عن شعوب الأزتيك في المكسيك، وكان الحديث يدور تحديدا حول إيمان تلك الشعوب بفكرة أنّ استمرار سطوع أشعة الشمس مشروط بأكل لحوم البشر، ولهذا السبب احتل الأزتيك المرتبة الأولى من بين كل الشعوب البدائية في تقديم أعداد هائلة من البشر على شكل قرابين للآلهة، ومهما أنس فلن أنسى استياء صاحبي من فكرة أن تكون الأولوية للمعتقد الديني على حساب الرابط الإنساني، لكن لم يخطر في باله قط أنّ القصة التي سمعها للتو من الخطيب حول النبي إبراهيم مع ولده إسماعيل تنطوي على الفكرة ذاتها، بل تذهب إلى أبعد منها!

الأربعاء، 19 مارس، 2014

المسؤولية ثمرة العبودية

ما إنْ يجيء أحدنا إلى الحياة حتى يدخل في فترة حضانة تدوم سنوات طويلة، يخضع خلالها إلى عملية روتينية يسمونها "تربية"، ويستقي منها عددا هائلا من المعلومات عن العالم من حوله، معلومات تلقاها من الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع بمجمله، وكلّما تفانى الطفل في حفظ تلك المعلومات عن ظهر قلب، دنا خطوة إلى الأمام في اتجاه تلك المرحلة التي يسمونها "البلوغ"، وحينئذ- حينئذ فقط- يصبح واحداً منّا، يلبس كما نلبس، و يشرب كما نشرب، ويأكل كما نأكل، والأسوأ من ذلك كلّه، يفكر كما نفكر.
كيف من الممكن أن يشعر الواحد منّا أنّه مسؤول عن تصرفاته إذا لم يُمنح الفرصة في أن يكون حرّا في أفعاله؟ هذا السؤال يفترض ضمنا وجود علاقة بين الحرية والمسؤولية، لكن ما طبيعة هذه العلاقة؟ لا يبدو لي أنها علاقة نابعة من ضرورة منطقية، بل هي على الأرجح تختلف باختلاف الثقافة السائدة في كلّ مجتمع، ولتوضيح هذه النقطة، دعنا نلقِ نظرة على مفهوم المسؤولية أولاً قبل النظر إلى علاقته بمفهوم الحرية.  
مفهوم المسؤولية في ثقافتنا العربية يختلف اختلافا جوهريا عن مفهوم المسؤولية في الثقافة الغربية، فكلمة "مسؤولية" تعني بالإنكليزية responsibility، وبالفرنسية responsabilité، وبالإسبانية responsabilidad، وهذه كلّها كلمات مشتقة من الفعل اللاتيني "respondere"، أي "أجاب"، بينما المصطلح العربي مشتق من الفعل "سأل". هذا اختلاف يستحق أن نتوقف عنده قليلا، إذ إنّ من الواضح أنّ مصطلح "المسؤولية" في الثقافة الغربية يقتصر في أصله اللغوي على فعل ذاتي نابع من داخل الفرد، بينما المصطلح العربي يشير إلى فعل لا ذاتي نابع من خارج الفرد. بمعنى آخر، المسؤولية في الثقافة الغربية لها دلالة مرتبطة بقدرة الفرد على الاستجابة، لكن دلالة المسؤولية لدينا تشير إلى إخضاع الفرد إلى المساءلة (أو "accountability" في اللغة الإنكليزية). على ضوء ما تقدّم، يمكن القول إنّ المسؤولية في الثقافة الغربية مرتبطة بالحرية، بحيث يكون الفرد مسؤولاً بقدر ما هو حرّ في أن يستجيب لأي مؤثر من حوله، بينما المسؤولية في ثقافتنا العربية مرتبطة بالعبودية، بحيث يكون الفرد مسؤولاً بقدر ما هو خانع للأوامر التي تُملى عليه، ولعلّ هذا بالضبط ما يشير إليه تعبير "التحلّي بروح المسؤولية"، أي التفاني في أداء الواجب، ومن هنا فإنّ المسؤولية هي ثمرة العبودية لدينا، بينما هي ضريبة الحرّية عند سوانا.
أخيرا، تبقى الإشارة إلى حقيقة أنّ مفهوم المساواة في تراثنا الإسلامي لا يرتبط بالحرية بقدر ارتباطه بالعبودية، ذلك أنّ المساواة بين الأفراد في الإسلام ليست مساواة في مقدار الحرية بينهم، بل هي مساواة في مقدار العبودية تجاه ربّهم، كما أنها ليست مساواة في الحقوق، بل هي مساواة في الواجبات.

الاثنين، 17 مارس، 2014

وجوهٌ جفّ ماءُ حيائها

ليس لديّ حساب في "تويتر"، وما ينقله لي بعض الأصدقاء حول ما يُقال في ذلك الفضاء الإلكتروني لا يثير دهشتي، لكنّ المثير للدهشة حقاً هو ما لا يُقال، أو لنقل، ما يُقال ضمناً لا مباشرة، ولعلّ آفة النرجسية هي أبرز مظهر من مظاهر هذا الذي يُقال تلميحاً لا تصريحاً في فضاء "تويتر"، ذلك الفضاء الذي يُقاس فيه النجاح بعدد الأتباع، وتُقاس فيه الشهرة بعدد البُلْه من الناس.
ذهب الحياء مع ذهاب ذلك الزمن الذي إذا سمع أحدهم مديحاً يُكال له، احمرّ وجهه خجلاً قبل أن يغيّر مجرى الحديث إلى مجرى آخر، وذهب التواضع مع ذهاب ذلك الزمن الذي إذا سمع المرء مديحاً لا يستحقّه، استاء وغضب، وإذا كيل عليه الثناء بما يستحق، راوغ وأنكر، وصدق الإمام الشافعي حين قال: "أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكبر الناس فضلاً من لا يرى فضله"، كما صدق أحد الحكماء حين قال: "عجبت لمن جرى مجرى البولين كيف يتكبّر"!
أجل، ذهب الحياء وجاءت الصفاقة، وتوارى الكبرياء ليحلّ محلّها الخُيلاء، وما كثرة الرياء في زماننا هذا إلا لكثرة مَن غلا في العُجب والتيه، وما كثرة العُجب والتيه في زماننا هذا إلا لكثرة الوجوه التي جفّ ماء حيائها، لكن يبدو أننا لم نعد نسمي الأشياء بأسمائها، فمثلاً، مفهوم "التبجح" استبدل بمفهوم "تسويق الذات"، كما أنّ هناك من يرى في التواضع علامة ضعف وانكسار!
سأثير اشمئزاز القارئ من خلال المشهد الافتراضي التالي: لنفترض أنّي أجلس في مجلس بين أناس لا أعرف الكثير منهم، ثم أسرّ إليّ أحدهم بإعجابه بما أكتب، فإذا بي ألفت انتباه الجميع كي أطلب منهم الإنصات إلى ما فاتهم من مديح في حقيّ! خليق بمثل هذا المشهد أن يثير اشمئزاز كل إنسان سويّ، لكنه مع ذلك مشهد يتكرّر ليل نهار في فضاء "تويتر" الإلكتروني، فعندما يغرّد أحدهم قائلا: "ما أجمل (س) من الناس وما أحسن ما صنع من أشياء"، يُسارع "س" هذا إلى إعادة التغريدة من دون أدنى قطرة حياء، وكأنه يقول ضمناً: "ما أجملني وما أحسن صنيعي"! بالمناسبة، ماذا لو غرّد أحدهم قائلا: "ما أتعس (س) من الناس وما أقبح ما صنع من أشياء"، فهل يا ترى سيعيد "س" التغريدة؟!
هل يريد القارئ مزيداً من الاشمئزاز؟ هناك من الكتّاب والإعلاميين وغيرهم ممن إذا حضر إلى مكان عام، سارع إلى كتابة تغريدة من هذا القبيل: "أنا موجود حالياً في المكان الفلاني لحضور ندوة حول الموضوع الفلاني"، أو "أنا في طريقي إلى معرض الكتاب"، أو "مازلت مستمتعاً في التجوال في سوق المباركية"! حسناً، لكن ما المطلوب بالضبط عندما يحدّد هؤلاء موقعهم الجغرافي بين الحين والآخر؟ أم أنها مجرّد رسالة ضمنية الغرض منها إتاحة الفرصة أمام المعجبين والمعجبات كي يسارعوا إلى نيل شرف إلقاء التحيّة على صاحب التغريدة؟!  
غرور الإنسان تلقّى ضربة قوية على أيدي "كوبرنيكوس" و"داروين"، فالأرض لم تعد مركز الكون، والإنسان لم يعد نصف إله، لكنّ "الأنا الذاتية" كانت وما زالت مركز الكون في عينيْ كلّ نرجسيّ!

الأربعاء، 12 مارس، 2014

الجهل والمال

لكلّ نعمة نقمة، فأمّا النعمة فمصدرها المصادفة الجغرافية التي وضعت في أيدينا ذهباً أسوَدَ، وأمّا النقمة فمنبعها الجهل الذي لا يزداد إلا تماديا، وليس أشدّ خطراً على وطن من أن يجتمع فيه الجهل والمال، ففي اجتماع هذين بداية السقوط إلى حيث الهاوية، إلى حيث تُدنّس كرامة الإنسان، وتُشوّه قيمة العمل.
أتخم النفطُ جيوبنا بالمال، لكنه لم يزدنا علماً، وصدق القدّيس "أوغريس البنطي" حين قال: "الفقر مع العلم خير من الغنى مع الجهل"، كما صدق الإمام عليّ بن أبي طالب حين قال: "لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل"! إنّ المال في يد الجاهل وسيلة لتحقيق رغباته ونزواته، ولنا أن نتخيّل أيّ نوع من الرغبات تأسر قلب الجاهل، وأيّ صنف من النزوات تملك عليه نفسه وتحدّد مسار حياته، لكن الأخطر من ذلك كلّه هو هذا التدنيس الذي يلحق بكرامة الإنسان من جرّاء عادة الاستهلاك المفرط، فبالنسبة إلى أولئك الذين خفّت عقولهم وثقلت جيوبهم، قيمة الإنسان فيما يملك من أشياء، وفيما يحقق من رغبات!
على الجانب المادي، كاد النفط أن ينقلنا إلى مصاف الدول المتقدمة، لكن على الجانب الأخلاقي، لم نتمكن من تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، فالثراء الفاحش عند القلّة فينا يدلّ على أنّ الفقر يتربّص بالكثرة منّا، كما حرمنا النفط أيضاً من القدرة على تهذيب الجانب الروحي لدى الإنسان الكويتي، فبالرغم من مظاهر التديّن التي تملأ المكان والزمان، مازال الكذب والنفاق سائدين، والجشع والطمع مستمرين، ولا تزال علاقتنا بخدم المنازل تفتقر بشكل عام إلى الحد الأدنى من الإنسانية: نقف والخدم نصلي جنبا إلى جنب، لكن ما إن تنقضي الصلاة حتى نعود من جديد إلى ثنائية الأسياد والعبيد.  
قبل النفط، كانت هناك فرص عمل حقيقية، ثم جاء النفط فأصبحت الوظيفة الحكومية مجرّد معيار يتم من خلاله معرفة حصّة كل مواطن من الثروة النفطية، وهذه نتيجة طبيعية لسياسة سلطة اتخذت من المال وسيلة لبقائها، بدلاً من اتخاذ العلم وسيلة لبقاء الدولة، ثم يأتي من يتذاكى ويقول مراراً وتكراراً إنّ المواطن الكويتي لا يعمل وغير منتج، وكأنّ المطلوب أنّ يخلق المواطن بنفسه عملاً من لا شيء، وأن ينافس النفط في قيمة الإنتاج!
أخيراً، نحن شعبٌ "مستطيعٌ بغيره" كما كان رهين المحبسين يصف نفسه، وكما قلّده في ذلك عميد الأدب العربي، ومع ذلك لم يخرج من بيننا من هو بمنزلة أبي العلاء ولا بقدر طه حسين، ذلك أنّ البيئة التي يمتزج فيها المال بالجهل لا يسودها إلاّ أفراد على شاكلة "مسيو جوردان"، ذلك البرجوازي الصّلف في مسرحية موليير الشهيرة، كما أنّ الأرض التي يتعانق فيها الثراء والغباء تجود بقدر سخيّ من التفاهة والصفاقة، وتنعم بقدر لا بأس به من الهُراء والمِراء.

الثلاثاء، 11 مارس، 2014

الأنظمة الخليجية والهاجس الأمني

في الخليج شعوب تحلم في مستقبل مشرق، وفي الخليج أنظمة تشفق من مستقبل مظلم، فالديمقراطية هاجس شعوب الخليج، والأمن هاجس أنظمتها، ويبدو أن الأمن نقيض الديمقراطية في القاموس الخليجي، خصوصاً بعد أحداث الربيع العربي، ولعلّ تراجع الديمقراطية في الكويت- مثلاً- لا يمكن فهمه بعيداً عن الهاجس الأمني لدى الأنظمة الخليجية، ولهذا الهاجس مؤشرات تدلّ على تفاقمه، ومفارقات تدلّ على تهافته.
المؤشرات الدالة على تفاقم الهاجس الأمني كثيرة، وكلها تصبّ في مصلحة الأمن على حساب الديمقراطية، ومن ضمن هذه المؤشرات الدعوة التي وجهتها دول الخليج إلى كلّ من الأردن والمغرب في الانضمام إلى المنظومة الخليجية، والمساعدات المالية الضخمة لكل من البحرين وعُمان لتعزيز "الأمن والاستقرار"، والاقتراح السعودي بشأن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، ومشروع قانون الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
لا يخلو الهاجس الأمني أيضا من مفارقات تعكس مدى تهافته، فالاتفاقية الأمنية- على سبيل المثال- تفترض وجود حالة من الثقة المتبادلة بين الدول الأطراف، لكن الواقع يشير في حقيقة الأمر إلى العكس من ذلك تماماً، فالحروب الإعلامية التي مازالت مستمرة منذ سنوات بين بعض الدول الأطراف تطورت في الآونة الأخيرة إلى حروب بالوكالة تخوضها مجموعات إرهابية مسلحة على الأراضي السورية، والمواقف الخليجية المتباينة من أحداث مصر أدت أخيراً إلى سحب السفراء وقد تتطور لاحقاً إلى فرض حصار على إحدى الدول الأعضاء.
هذه الحالة من عدم الثقة تكشفها أيضا بنود الاتفاقية الأمنية ذاتها، فبينما تدعو المادة الرابعة من الاتفاقية إلى تعاون الدول الأطراف على تبادل المعلومات والبيانات الشخصية عن مواطنيها، تنص المادة الخامسة من الاتفاقية على أنه "لا يجوز توظيف مواطن أي دولة طرف سبق له العمل في أحد الأجهزة الأمنية لدولته للعمل في جهاز أمني بدولة طرف أخرى إلا بموافقة وزارة الداخلية بدولته"!
بمعنى آخر، تجسس الأنظمة على شعوبها أمر مشروع، بينما تجسس الأنظمة على بعضها بعضا أمر غير مشروع!
أخيراً، المفارقات المؤلمة تتعدى الاتفاقية الأمنية إلى أمور أكثر خطورة، فالتناقضات بين قمة الهرم وقاعه، أي بين الأنظمة وشعوبها، تشير إلى تباين صارخ من حيث الوضع المادي والمستوى التعليمي والفئة العمرية، فعلى قمة الهرم ثراء متزايد وتعليم متواضع وشيخوخة متقدمة، وفي قاع الهرم فقر متفاقم وتعليم متنامٍ وسن يافعة، وهذه هي التناقضات الحقيقية التي تهدد أمن الخليج واستقراره.