الثلاثاء، 28 يونيو، 2016

لو كانوا يعلمون

المعرفة العلمية ذات طبيعة تراكمية، فما يعرفه اللاحقون يفوق بمراحل ما يعرفه السابقون، ولهذا فإنّ من الطبيعي القول إنّ الطلاب البارزين في أي ميدان من ميادين المعرفة في وقتنا الحاضر يفوقون «ابن رشد» و«ابن الهيثم» و«الرازي» و«الخوارزمي» في درايتهم بعلوم الفلسفة والفيزياء والطب والرياضيات، ومن الملاحظ أنّ النقيض من ذلك ينطبق على المعرفة الدينية ذات الطبيعة التناقصية، حيث كمال المعرفة مرتبط بمدى القرب الزماني من مصدرها، وحيث يفوق ما يعرفه السابقون ما يجهله اللاحقون!
لعلّ أهم ما يميز الطبيعة التراكمية للمعرفة العلمية هو إتاحة الفرصة أمامنا لطرح أسئلة لم يكن من المنطقي أن تخطر في بال السابقين، ونريد من خلال هذا المقال تسليط الضوء على أحد هذه الأسئلة، وهو التالي: ما المعارف التي، لو كانت متوافرة في تراثنا الإسلامي، من شأنها تلافي، أو على الأقل، التخفيف من حدة النزاع بين طرفين أو أكثر حول مسألة فكرية؟ على سبيل المثال، ما أثر عدم توافر نسخة عربية لكتاب «السياسة» لأرسطو على الفلسفة الإسلامية في عصر ازدهارها؟ وما أثر عدم دراية المعتزلة باللامتناهيات الرياضية على معاركهم الفكرية مع خصومهم حول مسألة صفات الله؟ 
من سوء حظ الفلسفة الإسلامية أن يحظى كتاب «الجمهورية» لأفلاطون بترجمة عربية في مقابل عدم ترجمة كتاب «السياسة» لأرسطو إلاّ بعد قرون طويلة، ولعلّ أحد أهم الآثار المترتبة على ذلك هو تكريس النزعة الشمولية في الحُكم في مقابل غياب النزعة التعددية، فالديمقراطية التي أسهب أرسطو في تحليلها ظلّت غريبة عن ثقافتنا لقرون طويلة، في حين أن الدكتاتورية التي بشّر بها أفلاطون بدت منسجمة مع تراثنا منذ الوهلة الأولى.
من زاوية أخرى، سار المعتزلة على أثر أرسطو في تبنيهم إحدى البدهيات التي تقول إنّ «الكلّ أكبر من الجزء»، واتخذوا منها أساسا للدفاع المستميت عن قضايا فكرية في مواجهة خصومهم، كمثل قضية «صفات الله»، والمعتزلة وخصومهم معذورون على حدّ سواء في قبولهم بصحة هذه البدهية، فلو خرج علم الرياضيات اللامتناهية في وقت مبكر لعلموا أنّه ليس من الضروري أن يكون الكلّ أكبر من الجزء، بل قد يتساوى الاثنان أحيانا، فعلى سبيل المثال، مجموعة الأعداد الفردية جزء من مجموعة الأعداد الطبيعية (فردية وزوجية)، ومع ذلك فإن كلّ عدد فردي يقابله عدد طبيعي إلى ما لا نهاية، مما يعني أنّ مجموعة الأعداد الفردية تحتوي على عدد من الأرقام مساو لعدد الأرقام في مجموعة الأعداد الطبيعية:
1   3   5   7   9   11   13   15   17 ....
1   2   3   4   5   6    7     8     9 .... 
بطبيعة الحال، ليس بوسعنا سوى أن نلتمس العذر للسابقين في عدم درايتهم بعلوم لاحقة على عصرهم، لكن في المقابل، ليس بوسعنا سوى أن نستنكر حرص اللاحقين على عدم تجاوز معرفة السابقين، فالمتأمل في الأدبيات الدينية الحديثة حول قضايا الفلسفة الإسلامية يُلاحظ فقرا معيبا من حيث الإلمام بالحد الأدنى من العلوم الجديدة، كما أنّ هناك بحوثا ورسائل دكتوراه يُسلّم أصحابها دون تردد بحتمية أنّ يكون «الكلّ أكبر من الجزء»، ومع ذلك تجد مثل هذه الكتابات طريقها إلى الإجازة والنشر، حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا ومعارف علمية معاصرة، فإنّ الإلمام في هذه الحالة يبلغ من الضحالة بحيث ينصبّ التركيز على محاولة إثبات أنّ ما يعرفه اللاحقون لا يتجاوز ما جاء به السابقون، وخير مثال على هذه الحالة المزرية هو ما نجده في تلك الأدبيات التي تُعنى بما يسمى «الإعجاز العلمي»، ولعلّ ذلك كله ينسجم مع طبيعة المعرفة الدينية، كما ذكرنا في بداية هذا المقال، وهو منسجم أيضا مع موقف لا عقلاني من الحضارة الإنسانية، موقف يكاد يكون صبيانيا في إصراره دائما على امتلاك «الكلمة الأخيرة» في كلّ قضية!

الأحد، 26 يونيو، 2016

القانون والمدنية

القانون، بمعناه الواسع، هو اتفاق جماعي على تنظيم الوجود المشترك لمصالح فردية متناقضة، والقانون بهذا المعنى يشير إلى اختراع بشري يطمح إلى ضمان الانتقال بالإنسان من الحالة البربرية إلى الحالة المدنية، وبذلك يكون القانون امتدادا منطقيا للفوارق الطبيعية بين الإنسان والحيوان، مثل العقل واللغة، فقد استغلّ الإنسان هذه الفوارق كي يضيف إليها فارقا آخر، وهو القانون، ولا يسعفنا علم الأنثروبولوجيا في تحديد زمن ظهور فكرة القانون في حياة الشعوب البدائية، ولكن ما نعرفه هو أن الانتقال إلى الحالة المدنية لم يكن انتقالا سَلِساً، فأغلب القوانين البدائية تتضمّن عقوبات وحشية فيها تكريس للحالة البربرية، كما أن بعض القوانين الحديثة تحتوي على بقايا لتلك العقوبات، ومهما يكن من أمر فإنّ ما يعنينا في هذا المقال هو الوقوف على بعض مظاهر العلاقة بين القانون والمدنيّة، ونريد على وجه التحديد إثبات حقيقة أن كليهما لا يقتضي الآخر.
لنفترض أنّ إحدى الدول، ولسبب ما، قررت تعطيل القانون ليوم واحد فقط، بحيث لا يخضع أي سلوك إلى عاقبة القانون مهما بلغ هذا السلوك من وحشية، ولنتساءل في هذه الحالة: هل غياب القانون يعني بالضرورة غياب المدنية؟ لنضع السؤال نفسه بصياغة أخرى: هل وجود المدنية يعني بالضرورة وجود القانون؟ بوسعنا أن نجزم أن تعطيل القانون ليوم واحد فقط سيزيد من نسبة الجريمة في ذلك اليوم تحديدا، ولكن في المقابل، ليس بوسعنا أن نجزم أن الجميع سيطلق العنان للحيوان القابع في جوفه في ذلك اليوم الذي يغيب فيه القانون، فهناك مَن تعصمه إنسانيته وشرفه ونزاهته عن ارتكاب جرائم القتل والسرقة وكلّ ما شأنه التعدي على الآخرين، ولهذا فإن غياب القانون لا يقتضي بالضرورة غياب الحسّ المدني.
هل هناك معنى لوجود إشارة مرورية في جزيرة يقطنها شخص واحد فقط؟ دعنا نفترض أن مثل هذا الشخص فقد عقله وقرّر فعلا الالتزام بقاعدة الوقوف أمام اللون الأحمر لتلك الإشارة تماشيا مع قانون المرور في كل بقاع الأرض، ثم دعنا نتساءل: هل التزام هذا الشخص بقانون المرور يجعل منه تلقائيا إنسانا مدنيّا؟ لا معنى لوجود قانون في جزيرة يسكنها شخص واحد فقط، ولا معنى للحسّ المدني للسبب ذاته، ولكن الاختلاف هنا يكمن في حقيقة أن الوجود النظري للقانون ممكن في جميع الأحوال، في حين أنّ المدنية ذات طبيعة أخلاقية بالضرورة، فهي ليست ممكنة على الإطلاق إلاّ في ظل وجود مجتمع لا يقل عدد أفراده عن اثنين، ولهذا فإن وجود القانون لا يقتضي بالضرورة وجود الحسّ المدني.
المدنية، باختصار، تشير إلى إحساس عميق بكلّ ما هو إنساني وعادل ونزيه في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وهي تستعين بالعقل قبل الاستعانة بالقانون في تنظيم تلك العلاقة، فالقانون لا يضمن عدم وقوع الجريمة، بل يكتفي فقط بجعل فكرة ارتكابها أقلّ جاذبية، في حين أنّ المدنيّة تجعل من مجردّ التفكير في تبرير الإجرام جريمة في حدّ ذاتها.

الأحد، 19 يونيو، 2016

أبعد من المقاطعة وأجدى من المشاركة

لم تكن حقبة عادية تلك السنوات الخمس الماضية من عمر الصراع السياسي في الكويت، فهي حافلة بالأحداث الجسام التي يعرفها الجميع، ومع ذلك لم نشهد حتى هذه اللحظة عملية تقييم جادة لتلك الحقبة، فالتقييم الجاد، لا مجردّ التوثيق، يتيح إمكانية التعرف على إخفاقات الماضي وخيارات الحاضر، وغياب مثل هذا التقييم هو المسؤول عن حالة التّيهان التي نشهدها جميعا في الوضع الراهن، وهو المسؤول أيضا عن انتشار تصورّات مغلوطة على نطاق واسع، لعلّ أبرزها الوهم بحتمية انفراد السلطة بالقرار السياسي، وحصر الصراع السياسي بمقاومة مرسوم "الصوت الواحد"، واقتصار آفاق العمل السياسي على أفق العمل النيابي.
لا نطمح من خلال هذا المقال إلى تقييم ما مضى من أحداث، بل ليس بوسعنا حتى مجرد الإشارة إلى ملامح مثل هذا التقييم، فالجهد المطلوب يتعدّى قدرة الأفراد، ولذلك سنكتفي هنا بافتراض وجود مثل هذا التقييم كي يتسنّى لنا طرح أسئلة من هذا القبيل: ما دور غياب ثقافة المقاومة المدنية في إخفاقات الماضي؟ وما مدى حاجتنا إلى مثل هذه الثقافة في تحديد خيارات الوقت الراهن؟ قبل محاولة الإجابة، لا بدّ لنا أولا من تحديد ما نعنيه بمفهوم "المقاومة المدنية".
المقاومة المدنية هي أحد أنواع العمل السياسي، وهي مقاومة لأنها تأتي استجابة كردّ فعل على انفراد السلطة بالقرار السياسي، وهي مدنيّة لأنها، أولا، جامعة لشرائح المجتمع كافة، ولأنها، ثانيا، مقتصرة في مقاومتها على استخدام الطرق السلمية والابتعاد عن العنف المادي بمختلف أشكاله، ونجاح المقاومة المدنية يعتمد على عوامل عدة، لعلّ أهمها القدرة على توحيد الصفوف، وامتلاك خطط عملية، والالتزام الصارم بسلمية المقاومة.
لا نذيع سرّا عندما نقول إنّ ثقافة المقاومة المدنية شبه معدومة في بلد مثل الكويت، فالعمل السياسي يكاد يكون محصورا في العمل النيابي، وفي اللحظات التاريخية التي يتعرّض فيها العمل النيابي إلى الشلل (كما حدث في النصف الثاني من عقد الثمانينيات أو إبّان فترة الحراك الشعبي في السنوات الماضية)، يبرز القصور الفاضح في ثقافة المقاومة المدنية، حيث يطغى الخطاب الانتخابي-الفئوي على الخطاب المدني-الجامع، وتطغى الخطب الارتجالية الفارغة على الرؤى المدروسة وبعيدة المدى، وتطغى التصرفات العنترية والصبيانية على التحلّي بروح المسؤولية وتوخّي الحذر.
إنّ من شأن تأصيل ثقافة المقاومة المدنية إتاحة الفرصة لنا جميعا في معرفة الخيارت الممكنة في كلّ مرحلة من مراحل الصراع السياسي، كما من شأنها أيضا الإسهام في إدراكنا حقيقة أن مقاومة الانفراد بالسلطة لا تقتصر على مسيرات شعبية بزعامة وجوه نيابية، ولعلّ ما يميّز المقاومة المدنية هو قدرتها على ابتكار أشكال مختلفة من المقاومة السلمية، والتاريخ السياسي العالمي مليء بنماذج ناجحة وخليقة بالإعجاب، كما أنّ قوة المقاومة المدنية تكمن في قدرتها على اتخاذ استراتيجية مناقضة لاستراتيجية السلطة، فإذا كانت السلطة تفرّق لتسود، فإنّ المقاومة المدنية تجمع ليدوم الوطن!
بالرغم من انسداد أفق الإصلاح السياسي، وبالرغم من حالة الإحباط التي يعانيها، مع الأسف، الشباب قبل الشيوخ، فإنّ الظروف الراهنة تبدو ملائمة للبدء بمحاولة إرساء ثقافة المقاومة المدنية، فتدهور الأوضاع في ظل الانفراد بالسلطة يكرّس أسباب المقاومة المدنية، وصورية مجالس "الصوت الواحد" تسهم في إبراز أهمية العمل السياسي خارج نطاق المؤسسات التقليدية، ولجوء الأحزاب الدينية إلى خيار المشاركة يعزز من التأكيد على الوجه المدني لثقافة المقاومة والنأي بالدين عن المكاسب السياسية.
أخيرا، ينبغي التذكير بتلك العبارة الحكيمة المكتوبة على جدار قصر السيف: "لو دامت لغيرك، ما اتصلت إليك"، وهي عبارة تدلّ على حقيقة أنّ الديمومة ليست من سمات الظروف السياسية، وإذا وضعنا هذه الحقيقة في الحسبان فإنّ ما نزرع اليوم من بذور المقاومة المدنية نحصد ثماره غدا، وأهم ثمرة هي تلك التي ستتيح للشعب قدرة تفاوضية من شأنها ضمان المطالب الديمقراطية في مقابل ترجيح توازنات السلطة في المستقبل، وبطبيعة الحال لن تتوافر هذه القدرة التفاوضية في ظلّ استمرار الروح الانهزامية، ولهذا فإنّ المقاومة المدنية تذهب بنا إلى ما هو أبعد من مجرد مقاطعة الانتخابات، وإلى ما هو أجدى من المشاركة فيها.

الخميس، 16 يونيو، 2016

من هم دعاة المشاركة؟

قبل الدخول في موضوع هذا المقال، لا بدّ أولا من توضيح نقطة لتفادي أي التباس محتمل، وهي أنّ هناك فرقا بين أولئك الذين عقدوا النية على المشاركة في الانتخابات القادمة، وأولئك الذين تجاوزا ذلك إلى محاولة حثّ الآخرين أيضا على المشاركة، وموضوع مقالنا هذا يقتصر على هذه الفئة الأخيرة فقط، ولعلّي شخصيا مجبر على هذا التوضيح لما شهدته في الماضي من التباس وقع فيه عدد غير قليل، ومنهم أصدقاء أكنّ لهم كلّ احترام وتقدير، فقد سبق أن كتبت هنا في "الجريدة" في نوفمبر من عام 2012 الفقرة التالية: 
"الرأي، أي رأي، لا يكتسب احتراماً لمجرد أنه رأي، بل إن مسألة الاحترام متعلقة بمحتوى هذا الرأي، والرأي الداعي إلى المشاركة في الانتخابات لا يستحق الاحترام، لأن ضريبة هذا الاحترام هو النيل من كرامة المواطن، ولا يدفع هذه الضريبة إلا الذي لا يقدر نفسه حق قدرها!".
للأسف، وبالرغم من هذه الإشارة الواضحة إلى "الرأي الداعي إلى المشاركة"، يصرّ البعض على أنّ الأمر متعلق بقرار المشاركة، في حين يذهب البعض الآخر إلى حدّ اعتبار الأمر متعلقا بكلّ فرد قرّر المشاركة! ليس بوسعي هنا سوى التذكير بحقيقة يعرفها الجميع، وهي أنّ كلّ كاتب مسؤول عمّا يكتب، لا عن فهم الآخرين لما يكتب، أو بعبارة أخرى أكثر لباقة: الكاتب مسؤول فقط عن الرحلة من المعنى إلى الرمز، لا عن رحلة العودة من الرمز إلى المعنى.
نأتي الآن إلى موضوع المقال لنتساءل: من هم دعاة المشاركة؟ إذا استثنينا الأصوات الصاخبة من ذوي الطموح الفردي للوصول إلى المجلس بأي ثمن، فإن بوسعنا الحديث عن صنفين من دعاة المشاركة، صنف يحلّق خارج فضاء السلطة، وصنف يقبع داخل كنفها، ولا يقتصر الاختلاف بينهما على اختلاف المسافة التي تفصل كلّا منهما عن السلطة، فهناك أيضا اختلاف متعلق بالسبب الذي يدفع كلّا منهما إلى دعوة الآخرين إلى المشاركة، فأحدهما يدعو إلى المشاركة بعد أن يئس من جدوى المقاطعة، والآخر يحذّر من المقاطعة كي يضمن أكبر قدر من المشاركة.
بالرغم من حسن نوايا الصنف الأول، وبالرغم من مكانة بعضهم التي هي محلّ احترام الجميع، فإنّ من الصعب تبرير دعوتهم إلى المشاركة في الانتخابات القادمة، ليس فقط لتهافت أسباب جدوى المشاركة كما ذكرنا في مقال سابق، بل لأنّ دوافع دعوتهم، كما هو واضح، ليست سوى دوافع نفسية، بعضها متعلق باليأس من مقاطعة لم تسفر عن شيء، وبعضها مرتبط بالأمل في مشاركة قد تأتي بشيء، لكن الدوافع النفسية تبقى متعلقة بالفرد من حيث هو فرد، وإذا كان من حقّ اليائس أن يشارك أملا في تحقيق واقع جديد، فليس هناك ما يبرّر دعوته الآخرين إلى المشاركة استنادا إلى حالته النفسية، إلّا إذا كان يظنّ واهماً أنّ الجميع يشاطرونه دوافعه النفسية! بل حتى مع افتراض صحة هذه النقطة الأخيرة، ليس من الضروري أن يتفق الجميع على أنّ الحلّ الوحيد للخروج من فشل المقاطعة هو المشاركة، فالمقاطعة التي تفشل تحتاج إلى إنجاحها، لا إلى وأدها. 
يبقى الصنف الآخر من دعاة المشاركة، أولئك الذين يؤدون دور "الحكيم"، ويقدمون المواعظ إلى مَن تابوا عن مشاكسات الماضي وعادوا إلى "جادة الحق"! أولئك الذين استطاروا غضبا من "لغة العنف" في الساحات والميادين، وطاروا فرحا بأفعال العنف ضد المتظاهرين! أولئك الذين يرون الحكمة في قلوب شَبِمة، والحماقة في عقول متّقدة، والذين لا يخجلون من نفاق السلطة في كلّ مناسبة ومن غير مناسبة، ولا يتورّعون عن الكذب من دون أدنى قطرة حياء، كيف لا وأقصى طموحهم هو أن يرضى أولو نعمتهم عن دورهم الكبير في تدجين ما تبقّى من "المشاكسين"!

الاثنين، 13 يونيو، 2016

مقاطعون بضمائر حيّة ورؤوس شامخة

اكتسح اللون الأزرق الحياة السياسية، تبدو الكويت كأنها سفينة تتلاطمها الأمواج في عُرض البحر، وأمّا اللون البرتقالي فلم يبق من أثره سوى هذا الشحوب على وجه شمس أوشكت على المغيب! أجل، اكتسحت الزرقة حياتنا السياسية حتى طغى التشكيك في جدوى المقاطعة على التشكيك في جدوى المشاركة، كما أضحت البراغماتية الميكيافيلية عنوانا للمرحلة القادمة، ولكنها حتما ليست العنوان الوحيد، فإلى جانب حسابات الربح والخسارة، من المرجّح أن يشهد البرلمان القادم موجات من المعارك الأيديولوجية الفارغة بين يمين متطرّف ويمين آخر لا يقلّ تطرفا عنه، وبذلك ستكون الطائفية الدينية أحد أهم عناوين المرحلة القادمة.
لطالما شهد مجلس الأمة صراعات مذهبية شتى، ولكن الجديد في النزاع الطائفي القادم يتمثّل بأمرين: الأمر الأول، هو وجود مؤشرات على أن أحد أسباب عودة الأحزاب الرجعية إلى المشاركة في الانتخابات القادمة يشير إلى محاولة تلك الأحزاب إلى إعادة التوازن الطائفي بما يتناسب مع الطبيعة الديموغرافية المذهبية في الكويت، وهي محاولة بالغة الخطورة وستلقي بظلالها مبكرا على الحملات الانتخابية للمجلس القادم، وأما الأمر الثاني فيشير إلى حقيقة أن العجز السياسي الذي فرضه مرسوم "الصوت الواحد" على مجلس الأمة سيجعل من الشحن الطائفي بديلا عن مناكفة السلطة، ولعلّ في تجربة البرلمان الحالي مؤشرات على هذه الحقيقة، ولا مناص من ارتفاع شدة الشحن الطائفي مع عودة الأحزاب الرجعية إلى المشاركة.
لا تكمن خطورة الشحن الطائفي على الساحة السياسية في تقويض أركان المجتمع فحسب، بل إنها تتعدّى ذلك إلى صرف الأنظار عن المشكلات الحقيقية التي يعانيها الجميع، ولعلّ أولها الفساد المالي-الإداري الذي سيظلّ المسؤول الأول عنه هو السلطة ومشتقاتها، وفي ظلّ انعدام توافر شروط المحاسبة السياسية الحقيقية، سيشغل اليمين الديني الساحة بنزاع طائفي بغيض، في حين يغتنم اليمين الانتهازي الفرصة في استكمال عملية الاستحواذ على مقدّرات البلد، فلا اليمين الديني يتمتع بالقدر الكافي من الحسّ العقلاني كي ينصرف عن الانشغال بالماضي إلى الانشغال بالحاضر، ولا اليمين الانتهازي يمتلك الحدّ الأدنى من الحسّ الإنساني كي ينصرف عن الانشغال بحاضره إلى الانشغال بمستقبل غيره!
"ما جدوى المقاطعة؟"، يتساءل بعض المشاركين بنبرة ساخرة! إذا كان المقصود بجدوى المقاطعة النجاح في الحدّ من انفراد السلطة بالقرار السياسي، فإنّ الجدوى معدومة في ظلّ اتشاح الكويت باللون الأزرق، لكن إذا كان المقصود بجدوى المقاطعة رفض الانحياز إلى طرف ضد طرف آخر في مسرحية الطائفية السخيفة، ورفض المساهمة في شرعنة عملية نهب خيرات البلد ومدّخرات الأجيال القادمة، فإن الجدوى من مقاطعة الانتخابات كمثل الجدوى من إبقاء الضمائر حيّة، وستبقى كذلك ما بقيت الرؤوس شامخة!

الأربعاء، 8 يونيو، 2016

فنون السياسة

السياسة فنون، أشهرها فنّ الممكن، وأصعبها فنّ المستحيل، وأبشعها فنّ الخضوع، وهي فنّ الممكن فقط عندما يكون الحوار بين الفُرقاء حوار الندّ للندّ، وفي غياب عنصر الندّية ليس للطرف الضعيف سوى أن يتمرّس بفنّ المستحيل أو أن يُمارس فنّ الخضوع، وأمّا الطرف القوي فيكفيه أن يلوّح بعصاه من بعيد! 
هناك، مع الأسف، خلط شائع بين «فنّ الممكن» و«فنّ الخضوع»، فإلى جانب الاختلاف بينهما من حيث مدى توافر عنصر النديّة، لا يستقيم فنّ الممكن إلاّ في ظلّ فضاء سياسي يتيح المناورة بين سقف أعلى للمطالب وحدّ أدنى للتنازلات، في حين أنّ فنّ الخضوع ينمو في بيئة سياسية تشجع المنافسة على بلوغ الحدّ الأعلى من الإذعان، وتتكشّف مظاهر الخلط بين الاثنين من خلال اللغة على وجه الخصوص، كمثل أن نقول مثلا: «من الضروري الاحتكام إلى ميزان العقل والإنصات لصوت الحكمة وإدراك خصوصية الوضع وموازين القوى، فالسياسة هي فنّ الممكن»! وهي عبارة تعني في واقع الأمر: «من الضروري عدم اللعب بالنار وطاعة أولياء الأمور ومعرفة حجمنا الطبيعي، فالسياسة هي فنّ الخضوع»! في قاموس «فنّ الخضوع» قدر كبير من خداع النفس والآخرين، حيث الرضوخ دلالة على القوة، والنفاق دلالة على حبّ الوطن، والتماهي مع الواقع دلالة على بلوغ أرقى درجات الحكمة.
إجادة فنّ الخضوع لها «مزايا» كثيرة أيضا، منها القدرة على الاستمرار بأقل الخسائر المادية (وبأقصى الخسائر المعنوية، لكن هذه لا تعدّ خسائر في قاموس فنّ الخضوع)، ومنها فرصة الصعود السريع على السلّم الاجتماعي، ومنها الاستفادة من حرية التعبير ذات الاتجاه الواحد، وكل هذه المزايا لا تتطلّب سوى مهارة الإكثار من كلمة «نعم» من دون تردد وبأيّ ثمن!
ماذا عن فنّ المستحيل؟ هو فنّ يُجبَرُ على التمرّس به مَن تأبى نفوسهم ممارسة فنّ الخضوع، ولهذا فإنّ «المستحيل» هنا لا يُشير إلى استحالة تحقيق الغايات والطموحات، فهذه قد تكون صعبة المنال لكنها ليست مستحيلة، بل قد تكون مستحيلة الآن لكن ليس إلى الأبد، وإنما المقصود بالاستحالة هو الرفض القاطع للخنوع بكلّ أشكاله، ولهذا فإنّ مَن يُجيدون فنّ المستحيل لا يجيدون الانصياع، فهم يُدركون جيدا أنّ الطريق إلى الحرية لا يمرّ ببوّابة العبودية، كما أنهم لا يجيدون النفاق، فهم يُدركون أيضا أنّ التكيّف مع المصاعب لا يأتي على حساب الكرامة، وأنّ النفوس المنهزمة لا تبني مستقبلا أفضل! 
«ما مُناسبة هذا الحديث؟»، يسألني الرقيب فأجيب: ليس له مناسبة إلّا بالقدر الذي جعل منك رقيبا على ما أكتب، ولك أن تعبث بهذه السطور كما تشاء، لكن اترك لي، أرجوك، ما بين السطور!

الاثنين، 6 يونيو، 2016

حول عدم جدوى المشاركة

ليست مقاطعة الانتخابات مسألة مبدأ، وإنّما المبدأ يشير إلى قضية رفض انفراد السلطة بالقرار السياسي، وبالقياس إلى هذه القضية تحديدا يُمكن تقدير مدى جدوى المقاطعة أو المشاركة، ولهذا فإنّ السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نشارك أو نقاطع هو: هل نحن ضد انفراد السلطة بالقرار السياسي؟ إذا كانت الإجابة هي "نعم"، فإنّ الذين يتطلّعون إلى الانتخابات المقبلة هم المعنيّون بتبرير جدوى المشاركة بدلا من التعذّر بعدم جدوى المقاطعة.
إذا كنا متفقين على المبدأ أعلاه، فإن الهدف من المقاطعة هو نفسه الهدف من المشاركة، ونعني به كسر احتكار السلطة للقرار السياسي، ولذلك فإنّ تكرار الحديث الطويل عن عدم جدوى المقاطعة في تحقيق هذا الهدف يفترض ضمنا جدوى المشاركة في تحقيق الهدف نفسه، ومع ذلك فإنّ أقصى ما يُمكن أن يأتي به دعاة المشاركة حول هذه النقطة هو محاولة انتخاب عدد معقول من المرشحين "السوبر"، وهذا تسطيح معيب لا ينبغي أن يصدر ممن لهم باع طويل في العمل السياسي، فالقضية ليست قضية قوة أشخاص بل متانة مؤسسات، وفي ظل الظروف الراهنة لا معنى للحديث عن مجلس يحظى بإعجاب الشعب في الوقت الذي ندرك فيه جميعا أنّ الأهم هو أن يحظى المجلس بإعجاب السلطة، وخير شاهد على هذه الحقيقة هو تزايد وتيرة حلّ المجلس في السنوات العشر الأخيرة من خلال تفعيل المادة (107) من الدستور.
لا يخفى على دعاة المشاركة انحياز الدستور للسلطة، وهو انحياز جعل استمرار أي مجلس لمدة أربع سنوات مرهوناً بإرادة السلطة وحدها، كما لم ينص الدستور على سقف أعلى لعدد مرات حلّ المجلس خلال فترة زمينة معينة، وأمّا النص على عدم جواز الحلّ للأسباب ذاتها مرة أخرى، فإنّ في اللغة العربية متسعاً لصياغة السبب نفسه بألفاظ مختلفة، وإذا كان هذا هو واقع الحال، فمن حقنا أن نضع علامة استفهام كبيرة على تلك الثقة المفرطة من قِبل البعض في جدوى المشاركة. 
لقد ساهم التفعيل المتعاقب للمادة (107) من الدستور في عدم حاجة السلطة إلى خيار الحلّ غير الدستوري، في حين ساهم مرسوم "الصوت الواحد" في عدم حاجة السلطة حتى إلى خيار الحلّ الدستوري، وبهذا اكتمل الانتقال من مرحلة "الفيتو" ضدّ خيار الشعب إلى مرحلة ضمان انسجام خيار الشعب مع خيار السلطة، الأمر الذي يعني أنّ حالة الانتكاس الحالية وصلت إلى درجة تضاؤل فرصة الإتيان بمجلس يدفع السلطة إلى مجرّد تكبّد مشقة استخدام حق "الفيتو"! إذا كان هذا هو واقع الحال، فإنّ جدوى المشاركة لا تتعدّى ضمان استمرار مجلس صوري آخر لمدة أربع سنوات قادمة.
أخيرا، يحثّ دعاة المشاركة المقاطعين على "عدم ترك المجلس لأتباع السلطة"، وقد نتفهّم ذلك على مضض لو أنّ كلمة "المجلس" بعد صدور مرسوم "الصوت الواحد" تعني ما كانت تعنيه قبل صدور ذلك المرسوم، وأمّا في ظلّ استمرار الوضع القائم فإنّ دعاة المشاركة هم المطالبون بعدم تكريس المجالس الصورية، ثم إنّ التضحيات الجسام التي قدّمها ثُلّة من المقاطعين تتعدّى رفض المرسوم إلى رفض الاستمرار في ثنائية عقيمة بين مجلس قوي ذي عمر قصير ومجلس ضعيف ذي عمر طويل.

الأربعاء، 1 يونيو، 2016

ثلاثة مواقف من الانتخابات القادمة

في مقال سابق، ذكرنا أنّ الأمور تبلغ من السوء بحيث أضحى الحديث عن المقاطعين والمشاركين في انتخابات "الصوت الواحد" مجرّد تحصيل حاصل لموقف كلا الطرفين من انفراد السلطة بالقرار السياسي، ونريد هنا أن نؤكد هذه الحقيقة من خلال الوقوف عند ثلاثة مواقف متباينة من الانتخابات القادمة. 
1- ضد "الصوت الواحد" وضد "المشاركة"
يمتاز هذا الموقف بالاتساق من الناحيتين المنطقية والواقعية، فمن الناحية المنطقية، الاعتراض على مرسوم "الصوت الواحد" يقتضي بالضرورة رفض المشاركة في انتخابات "الصوت الواحد"، ومن الناحية الواقعية، لم يستجد ما من شأنه إزالة أسباب الاعتراض على انفراد السلطة بتعديل النظام الانتخابي، بل إنّ كل المستجدات في موقف السلطة من هذه القضية تحديدا ساهمت في تعزيز أسباب الاعترض سالف الذكر! هناك الكثيرون ممن يعيب على سياسة "المقاطعة" عدم فاعليتها، وقد غاب عن هؤلاء أمران: الأمر الأول، هو أنهم هم أنفسهم من ساهم ويساهم في "عدم فاعلية المقاطعة" بعد أن تخاذلت مواقفهم تجاه الاعتراض على نهج السلطة، وستبقى سياسة المقاطعة غير مؤثرة بالقدر الذي يزداد فيه المتخاذلون تخاذلا، وأما الأمر الثاني فيشير إلى حقيقة أنّ المقاطعة نتيجة لموقف معارض لنهج السلطة أكثر من كونها وسيلة ضغط، فمع استمرار الظروف الراهنة، قد لا يؤدي قرار مقاطعة عدد لامتناه من الانتخابات القادمة إلى أي نتيجة إيجابية، ولكنه مع ذلك لن يكون قرارا متناقضا مع الاعتراض على انفراد السلطة بتعديل النظام الانتخابي، في حين أن قرار المشاركة لمرة واحدة فقط في ظل الظروف الراهنة يضمن استمرار النهج الحالي للسلطة، فضلا عمّا يتضمنه هذا القرار من مباركة هذا النهج وإقرار غير مشروط بالانصياع!
2- مع "الصوت الواحد" ومع "المشاركة"
يمتاز هذا الموقف بالاتساق من الناحية المنطقية، فالتأييد لمرسوم "الصوت الواحد" يقتضي بالضرورة تأييد المشاركة في انتخابات "الصوت الواحد"، ولكن عندما نفحص أسباب اتخاذ مثل هذا الموقف، يتبيّن عندها مدى تناقضه من الناحية الواقعية، فلا الطائفية اضمحلّت بل تفاقمت، ولا الحريات ازدهرت بل تلاشت، ولا الفساد انحسر بل تمادى! بقي أن نضيف أنّ هذا الموقف هو موقف المنضوين تحت لواء السلطة، ليس لأنهم جميعهم مع السلطة بالضرورة، بل لأننا لا نستطيع التفريق بين موقفهم وموقف السلطة!
3- ضد "الصوت الواحد" ومع "المشاركة"
هذا موقف المتناقضين من الناحيتين المنطقية والواقعية، والدفاع عن موقف متناقض بهذا السوء أشبه بالدفاع عن صحة القول بأنّ "الأعزب شخص متزوج" أو "1+1= 3"! ينقسم مناصرو هذا الموقف إلى فريقين من حيث درجة التناقض: فريق كان ولا يزال ضد المرسوم ومع المشاركة، وفريق كان ولا يزال ضد المرسوم لكن مع "استئناف المشاركة"، فأمّا الفريق الأول فمتّسق في تناقضه، وأمّا الفريق الثاني فَيُفضّل التناقض على الاتساق! شعار الفريقين: "المقاطعة لم تأت بنتيجة"، وهو شعار يعكس- كما ذكرنا- خللا في فهم جوهر سياسة "المقاطعة"، فمقاطعة الانتخابات ليست مجرّد وسيلة لإحداث تغيير إيجابي في نهج السلطة، بل هي نتيجة منطقية وواقعية فرضها موقف مبدئي ضد انفراد السلطة بالقرار السياسي، ولهذا فإن هناك فرقا كبيرا بين أن نقول "نحن ضد المشاركة من غير شروط، ولهذا السبب نقاطع"، وأن نقول "لنجرّب المقاطعة لعلها تنجح فنشارك، ولعلها تفشل فنشارك أيضا"!