الأربعاء، 27 أبريل، 2016

إنسان فوق العادة!


هو إنسان فوق العادة من نواحٍ مختلفة، فهو خارق الذكاء وغريب الأطوار، كما أنّ مَن يعرفونه حقّ المعرفة يُكبرون فيه صِدقه الذي يبلغ حدّ السذاجة، ونُبله الذي يُضاهي نبل الفُرسان! تقتحمه العين وتزدريه في ثيابه البالية، ولكنّ له نفسا تعاف ما تزاحم الناس عليه، كيف لا وقد داس بحذائه المتهرئ بريق المال وسحر الشهرة؟ اسمه "غريغوري بريلمان"، وهو رجل روسيّ من أصول يهودية ويبلغ من العمر 49 عاما، يسكن شقة متواضعة مع أمه في مدينة سان بطرسبورغ، وقصته فيها من الدروس ما يجعل عبيد المال والشهرة يتوارون خجلا، هذا مع افتراض قدرتهم على الخجل!
حصل "بريلمان" على درجة الدكتوراه في الرياضيات في أواخر الثمانينيات، ثم قرّر مغادرة روسيا والذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد أن حصل على بعثة مدفوعة الأجر من أحد المراكز البحثية، وقد تركت تجربة العيش في مجتمع غارق في المادية أثرا بالغا في نفسه، فبعد أن مكث هناك بضع سنوات قرر العودة من جديد إلى روسيا، وقد نقل أحد المقربين منه قوله: "في أميركا تستطيع أن تشتري أو تبيع معادلة رياضية"، كما أعرب عن ضجره مما لمسه هناك من حرص علماء الرياضيات على الشهرة والمال أكثر من حرصهم على أخلاقيات البحث العلمي، فالتعاون بين العلماء يكاد يكون معدوما من فرط السرية التي يفرضها كلّ باحث على نفسه خشية أن يسبقه أحد إلى حلّ مسألة رياضية شائكة، ومن ضمن تلك المسائل الرياضية ما يعرف باسم "حدسية بوانكاريه"، وهي مسألة تتعلق بالأشكال المجردة في ميدان الرياضيات المحضة، وقد عجزت أفضل العقول الرياضية عن إثباتها لأكثر من قرن كامل، وهي إحدى المسائل السبع التي قام معهد "كلاي للرياضيات" في عام 2000 برصد جائزة بقيمة مليون دولار لمن يعثر على حلّ لها!
بعد عودة "بريلمان" إلى روسيا في منتصف التسعينيات، وقبل الإعلان عن الجائزة، قرّر الاستقالة من عمله والتفرّغ لمحاولة حلّ "حدسية بوانكاريه"، فأمضى أكثر من سبع سنوات في عزلة شبه تامة إلى أن استطاع العثور على حلّ، وبدلا من إرسال الحلّ إلى مجلة علمية محكّمة للمحافظة على حقوقه المتعلقة بالملكية الفكرية، قام بنشر أوراق الحل التي تجاوزت الستين صفحة على شبكة الإنترنت!
أمضى علماء الرياضيات سنوات للتحقق من صحة نتائج "بريلمان"، وحاول علماء آخرون سرقة تلك النتائج ونسبها إلى أنفسهم بعد إجراء بعض التعديلات عليها، إلى أن أُعلن رسميا عن صحة نتائج "بريلمان" وترشيحه لنيل ميدالية "فيلدز"، وهي بمنزلة جائزة نوبل للعلوم الأخرى، ثم تأتي المفاجأة برفض "بريلمان" الجائزة! سافر أحد علماء الرياضيات المشهورين إلى "سان بطرسبورغ" في محاولة لثني "بريلمان" عن قراره ففشل، وفي احتفال مهيب في مدريد وبحضور ملك إسبانيا السابق، يُذاع اسم "بريلمان" لمنحه الميدالية التي طالما حلُم بها الكثيرون، ولكن لا أثر له بين الحاضرين!
 ثم يعلن معهد "كلاي للرياضيات" الوفاء بوعده بتسليم مبلغ مليون دولار كجائزة لصاحب الحلّ، ولكنّ "بريلمان" يرفض من جديد تسلّم الجائزة كما رفض غيرها العديد من الجوائز، ثم يبعث برسالة إلى القائمين على الجائزة يقول فيها إنّ عالم الرياضيات الأميركي الشهير "ريتشارد هاملتون" أحقّ منه بالجائزة، فلولا استفادته من بحوث هذا الأخير لما استطاع العثور على الحلّ! ثم تنهال العروض عليه للعمل في أرقى الجامعات حول العالم فيرفض، وتتقاطر عليه الصحافة العالمية طمعا في مقابلة واحدة فقط فيرفض، ويُذكر أنه قال لأحد المراسلين من المتطفلين على باب شقته: "أرجوك أن ترحل من هنا، فأنا لست حيوانا معروضا للمشاهدة في حديقة الحيوان، وعملي واهتماماتي ليست من شأنكم"! وأمّا الوسط العلمي فقد نقل أحد أصدقاء "بريلمان" عنه قوله إنّ الكثير من علماء الرياضيات يحرصون على تسويق ذواتهم بأي ثمن، وإزاء مَن حاولوا سرقة جهوده نُقل عنه قوله: "ليس كلّ علماء الرياضيات لصوصا، فأغلبهم يتمتع بالنزاهة، لكنّ معظمهم يتسامح مع اللصوص مع الأسف فيلتزم الصمت"، "بالنسبة إلى الرياضي الذي يعثر على حلّ لمسألة شائكة، ليس هناك اعتراف أجلّ وأشدّ من الإيمان العميق بأنك عثرت على الحلّ المطلوب، وأمّا الجوائز والألقاب فلا مكان لها في نفسي"!
لا يزال "بريلمان" يعيش مع أمه في شقة متواضعة، ويُقال إنه طلّق الرياضيات إلى غير رجعة، ويحسبه مَن لم يفهموه مجنونا، فالمجنون في عصرنا المادي والاستهلاكي هو الذي ينفر من بريق المال ويترفّع عن سحر الشهرة، ومع ذلك يبقى "بريلمان" إنسانا نزيها ومخلصا لمبادئ أسمى من أن يستوعبها عبيد المال والشهرة، وما يراه ذوو النفوس الصاغرة مقدّسا لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون تافها عند ذوي النفوس الأبية!

الثلاثاء، 19 أبريل، 2016

الإضراب بوصفه الحلّ الوحيد


الإضراب سلوك احتجاجي من حيث الشكل، وهو من حيث المضمون يقع في منتصف الطريق بين العصيان المدني والمظاهرة السلمية، فشرعية الإضراب تجعله أقلّ فداحة من العصيان المدني من الناحية القانونية، والقدرة التفاوضية التي يتضمنها الإضراب تجعله أشدّ تأثيرا من المظاهرة السلمية من ناحية تحقيق الأهداف المرجوّة، وبعبارة أخرى، أهمّ ما يمّيز الإضراب عن هذا وذاك هو أنه سلوك احتجاجي يستخدم أدوات النظام القانوني-البيروقراطي للدولة لإحداث ضغط من الخارج على هذا النظام.
عندما تكون السلطة السياسية منحازة إلى مصالح أرباب القطاع الخاص، وعندما لا تقوم مؤسسات الدولة بوظائفها على أكمل وجه، فإنّ لجوء الشرائح العمّالية من موظفين ومهنيين إلى وسائل الضغط من داخل النظام مصيره الفشل المحقق، ولا خيار أمام هذه الشرائح سوى الضغط الخارجي والمتمثل بالإضراب عن العمل، وأغلب المكتسبات العمّالية على مرّ التاريخ جاءت بفضل هذا الضغط الخارجي الذي يرفض الاحتكام إلى منظومة سياسية تتحكّم فيها أطراف تؤدي دور الخصم والحكم معاً.
على ضوء ما تقدّم تبرز أهمية الإضراب العمالي في الكويت، فهي لا تقتصر على الدفاع عن حقوق الموظفين في القطاع النفطي، كما لا تقتصر على الذود عن ثروات الشعب والوقوف ضدّ بيعها إلى أقلية متنفذة، بل إنّ أهمية الإضراب تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال محاولة خلق شكل آخر من أشكال المعارضة السياسية، وهو أمر يأتي في أحلك الظروف بعد أن تمادت الأقلية المتنفذة في إحكام سيطرتها على مؤسسات الدولة.   
بقي أن نقول ما يجب قوله، وهو أن عمّال البترول من المضربين يتعرّضون إلى هجوم يزداد شراسة يوما بعد يوم، وفيه من التخوين والتهديد والتشويه ما يُطاق وما لا يُطاق، ومع ذلك فقد أثبتوا، رجالا ونساء، أنهم أعظم حبّا لوطنهم مما يظن خصومهم، وأشد بأسا وإصرارا ممن يتوعدونهم بعواقب الأمور، وأنقى طُهرا من أن يُطعنوا في أخلاقهم أو أن يلتفتوا إلى اتهامات المرتشين ومن في قلوبهم مرض، وكلّنا أمل في أن يُحسنوا التعامل مع مناورات خصومهم في الأيام القادمة.

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

تجارب ثرية وعقول بائسة


في كلّ بلد شريحة متعلّمة، والكويت ليست استثناء من هذه القاعدة، ومن ضمن كل شريحة متعلمة أفراد سمحت لهم ظروفهم الدراسية في الإقامة لسنوات عدّة في بلدان تمتاز بتوفير بيئة علمية مرموقة من جهة، وبيئة ثقافية متنوعة من جهة أخرى، ومن ضمن هؤلاء الأفراد شخصيات عامة لها حضور في وسائل الإعلام وتأثير في الرأي العام، لكن ما إنْ يفتح أغلب المنتمين إلى هذه الفئة أفواههم حتى تبرز المفارقة التي هي موضوعنا في هذا المقال.
تكمن المفارقة في هذا التناقض بين محتوى حديث الفرد وخلفيته التعليمية والثقافية، ولتبيان وجه هذا التناقض، لا بد لنا أولا من إشارة سريعة إلى بعض القيم الأخلاقية الناتجة عن الاستفادة من تعليم متميز والتفاعل مع ثقافات متعددة، مثل النزاهة الفكرية والتسامح واحترام حقوق الإنسان، ولا نعني بطبيعة الحال أنّ التعليم المتميز والثقافة المرموقة يضمنان إنتاج أفراد يتحلّون بهذه القيم الأخلاقية، ولكن ما نعنيه هو أنّهما يضمنان– على الأقل– إنتاج أفراد يخجلون من المجاهرة في التعدّي على مثل تلك القيم الأخلاقية.
من بين الشخصيات المؤثرة في الوسط السياسي والثقافي، هناك أفراد درسوا في أرقى البيئات العلمية واختلفوا إلى أرحب البيئات الثقافية، ومع ذلك فإنّ سلوكهم اللفظي يشي بأنّ عقولهم لم يكن لها نصيب في تلك التجربة الثرية! منهم مَن يفتقد أبجديّات النزاهة الفكرية فلا يرى في الأيديولوجية المفضلة لديه عيبا أو نقيصة، ومنهم مَن يفتقر إلى الحدّ الأدنى من التسامح فلا يتورّع عن المجاهرة في عنصريته أو طائفيته، ومنهم مَن يعوزه القدر الكافي لفهم الطبيعة البشرية فلا يقيم وزنا للإنسان وحقوقه الطبيعية.
لولا التأثير الكبير الذي يُحدثه هذا النوع من الأفراد على عقول الآلاف من الشباب لما أضعنا وقتنا في الالتفات إليهم، ولولا هذا الصمت المريب عن هذه "النخبة" التي لا يستحي بعض أفرادها من الجهر بالدعوة إلى تصفية الخصوم أو نفيهم لما تجشّمنا عناء الخوض في هذا الموضوع، ولكنّ الأمل معقود بإحياء الروح النقدية بين صفوف الشباب بحيث لا يصدّقون كلّ ما يسمعون ونصف ما يرون.
ليس هذا التناقض على مستوى الأفراد إلاّ انعكاساً لتناقض آخر على مستوى الدولة، فالكويت التي لها باع طويل في إرسال البعثات الدراسية هي نفسها الكويت التي تقاوم الانتقال من مجتمع العشيرة إلى المجتمع المدني، ولا ريب في أنها نجحت إلى حدّ كبير في مقاومتها هذه، وبعض الفضل في هذا النجاح يعود إلى أولئك الذين خاضوا تجارب ثرية وعادوا بعقول بائسة!

الأحد، 3 أبريل، 2016

عفا عنها سيّدي!


قديما قيل إنّ توضيح الواضحات من المستحيلات، ومع ذلك لنجّرب توضيح النقطة التالية، وهي أنّ المسؤولية تكون دائماً بقدر السلطة، ولنبدأ بمثال بسيط: لنفترض وجود مزرعة يملكها شخص واحد ويعمل فيها مجموعة من الفلاحين، وهؤلاء ينقسمون في الغالب إلى فريقين، الفريق الأول عبارة عن أقلية تقع على عاتقها إدارة شؤون المزرعة ورسم سياسة العمل داخلها، والفريق الثاني عبارة عن أكثرية تقع على عاتقها تطبيق تلك السياسة على أرض الواقع، وأمّا المبدأ العام الذي يحكم العمل داخل المزرعة فهو إيمان الجميع بأنّ القرار الأول والأخير حول كيفية سير العمل في المزرعة يعود إلى مالكها، ولنر الآن كيف يتعامل الفلاحون مع مصير المزرعة في السراء والضراء.
 عندما تزدهر المزرعة وتفيض بخيراتها على الجميع، يُسارع الفلاحون إلى نسب الفضل إلى أهله، وهم بذلك محقّون، فالفضل كلّ الفضل في ازدهار المزرعة يعود إلى مالكها، فهو صاحب القرار الأول والأخير، وهذه السلطة المطلقة هي التي تخوّل له أن يكون المسؤول الأول والأخير عن ازدهار المزرعة، وإذا كان الجميع قد ساهموا في هذا النجاح، فإنهم لم يساهموا إلّا على هدي من مالك المزرعة وامتثالا لمشيئته.
لنقلب السيناريو السابق ولنفترض أنّ سوء الطالع كان من نصيب المزرعة التي ساءت أوضاعها واضمحلّت خيراتها، وفي هذه الحالة يسارع فريق الأكثرية من الفلاحين إلى إلقاء اللوم على فريق الأقلية ممن كيلت إليهم إدارة شؤون المزرعة، متهمين إياهم بالفساد أو الإهمال أو غيرهما من التهم التي تشي بمسؤولية الأقلية عن المصير البائس للمزرعة.
كلّ دولة يحكمها دكتاتور هي أشبه بتلك المزرعة، ففي كلتا الحالتين نحن أمام ظاهرة ازدواجية المعايير في التعامل مع المبدأ نفسه، فالدكتاتور مسؤول عن كلّ النجاحات والانتصارات، ولكنه بريء من أيّ فشل أو هزيمة، وهي براءة زائفة بطبيعة الحال، فمقدار السلطة لم يتغيّر في حالتي النجاح والفشل، وبذلك يبقى مقدار المسؤولية ثابتا في كلتا الحالتين.
في إحدى الدول العربية، اعتاد أحد الملوك السابقين الخروج في رحلة صيد مع حاشيته، وكان كلما نجح في إصابة الفريسة، صاح الجميع: "أصابها سيدي"، وكلما فلتت منه، صاح الجميع: "عفا عنها سيدي"! لهذا السلوك المزدوج اسم ظريف في كتب الأدب، وهو "حُسن التأدب مع الملوك"، ولكنه سلوك ينمّ في واقع الأمر عن خوف معيب، فهو تطبيق فعلي لمبدأ "لا تعاند مَن إذا قال فعل"، وهو المبدأ نفسه الذي يقف خلف ازدواجية التعامل مع علاقة مقدار المسؤولية بمقدار السلطة، حيث ينسب الشعبُ النجاحَ إلى الدكتاتور، وينسب الدكتاتورُ الفشلَ إلى شعبه!