الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

حول مفهوم الإعجاز العلمي

في الفلسفة، هناك مبدأ يسمى "مبدأ الإحسان" أو Principle of Charity، وهو مبدأ يحترمه الأكاديميون عادة، ويحتقره الإعلاميون غالبا، والمبدأ باختصار يشير إلى وجوب عرض أي قضية في أبهى صورة ممكنة قبل الشروع في نقدها، والقضية في مقالنا هذا تدور حول مفهوم "الإعجاز العلمي في القرآن"، وما يلي عبارة عن محاولة صادقة في إظهار هذا المفهوم في أبهى صورة قبل الشروع في نقده.
مقدمة 1: القرآن الكريم يشير إلى الآية القرآنية "س"
مقدمة 2: العلم الحديث يشير إلى الحقيقة العلمية "ص"
مقدمة 3: "س" تساوي "ص"
استنتاج وسيط: القرآن الكريم يشير إلى الحقيقة العلمية "ص"
مقدمة 4: القرآن الكريم سابق زمنياً ظهور العلم الحديث
استنتاج عام: للقرآن الكريم السبق في الإشارة إلى الحقيقة العلمية "ص"
الحجة المركّبة السابقة حجة سليمة من الناحية المنطقية، فالمقدمات الثلاث الأولى تؤدي منطقياً إلى الاستنتاج الوسيط، وإضافة المقدمة الرابعة إلى كل ما سبق يؤدي منطقياً إلى الاستنتاج العام، لكن ينبغي التذكير بأن الحجة السليمة من الناحية المنطقية لا تعبّر بالضرورة عن حجة صحيحة من الناحية الواقعية، أي حجة ذات مقدمات متوافقة مع الواقع، ولتوضيح هذه النقطة، دعنا ننظر إلى المثال البسيط التالي:

مقدمة 1: كلّ النمور طيور
مقدمة 2: كلّ الطيور حشرات
استنتاج: كل النمور حشرات
هذه حجة سليمة من الناحية المنطقية، فهي خاضعة إلى قانون التعدّي، لكنها مع ذلك ليست حجة صحيحة من الناحية الواقعية، فمقدماتها لا تتوافق مع الواقع، ومن ذلك كله تتضح الحقيقة التالية، وهي أن الحجة السليمة منطقياً لا تكفي للدفاع عن رأي معين، فلابدّ أيضاً من أن تكون مقدمات هذه الحجة متوافقة مع الواقع.
على ضوء ما تقدّم، بإمكاننا أن نستدل على موطن الخلل في الحجة التي يستند إليها مفهوم "الإعجاز العلمي"، فبالرغم من أنها حجة سليمة من الناحية المنطقية، فإنها ليست كذلك من الناحية الواقعية، ذلك أن المقدمة الثالثة تحديداً تفتقر إلى دليل واقعي، فأنصار "البوكايزم" والمدافعون عن مفهوم "الإعجاز" يكتفون باختيار تفسير واحد من بين تفسيرات أخرى محتملة للآية القرآنية "س" كي تأتي منسجمة مع الحقيقة العلمية "ص"، وعندما يتعذّر العثور على التفسير المطلوب، لا يتورّع أولئك المدافعون عن اختراع تفسير جديد من خلال محاولة تطويع النص بطريقة تتوافق مع الحقائق العلمية!
لهذا المنحى غير العلمي تبعات سلبية، لعلّ أهمها هو خلق حالة من الوهم بإمكان الاستعانة بالنصوص الدينية للتوصل إلى حقائق لم تكتشف بعد، وقد شاءت الأقدار أن يستمع كاتب هذه السطور إلى محاضرة أقامها اتحاد الطلبة السعوديين في إحدى الدول الأجنبية عن "الإعجاز العلمي"، حيث وقف المحاضر يقول بكلّ ثقة إنّ قراءة النص الديني قراءة متأنّية قد تساهم في التنبؤ بحقائق لم يكتشفها العلم الحديث حتى هذه اللحظة! لنفترض جدلا أن هذا الأمر ممكن، لكن ألا يعني ذلك أنه بينما يحتاج الدين إلى العلم لتأكيد صحة تنبؤاته، لا يحتاج هذا الأخير إلى الدين لتأكيد تنبؤاته؟ أضف إلى ذلك ما هو أهم، فالعلم لا يستنكف من احتمالية خطأ تنبؤاته، فهل يليق بالدين أن يوضع في الموقف نفسه؟!
لا قيمة للتنبؤ من دون اختبار مدى صحته من خلال إجراء التجارب العلمية، ولا قيمة لإجراء أيّ تجربة علمية من دون وجود استعداد مبدئي في قبول نتائجها حتى لو جاءت متعارضة مع تطلّعاتنا، وهنا إنّما يكمن السبب في حقيقة أنّ الشكّ مُصلح للعلم، مُفسد للدين!