الأربعاء، 29 مايو، 2013

​عبدالله السالم: الوجه الآخر

الأمير الراحل "عبدالله السالم" معروف بلقب "أبو الدستور" بين أوساط الكويتيين، وأمّا "أمير ويلز" فهو اللقب الذي كان يطلقه على نفسه بين أوساط البريطانيين، ربما للتأكيد على حقه في أن يكون خلفا للشيخ أحمد الجابر في اعتلاء مسند الإمارة. هناك شبه إجماع وطني على الدور الإيجابي للأمير الراحل عبدالله السالم في استقلال الكويت وإرساء الديموقراطية وبناء الدولة الحديثة، لكن أريد من خلال هذا المقال أن أرسم ملامح صورة مغايرة لهذا الأمير، وأما تفاصيل هذه الصورة فقد أتناولها في مقالات لاحقة.

سبق أن أشرنا في مقال سابق إلى حقيقة أنّ استقلال الكويت فرضته ظروف موضوعية معينة في حقبة زمنية محددة، منها على سبيل المثال تضاؤل الهيمنة البريطانية على الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وتعاظم تأثير البروباغندا الناصرية على شعوب دول الخليج، وتزايد الحركات الشعبية العالمية المناهضة للإمبريالية، ولم تكن مثل هذه الظروف الموضوعية تتعلق إطلاقا بهوية من يجلس على عرش الإمارة، ولو كان الفضل في استقلال الكويت يعود بمجمله إلى عبدالله السالم لما أمكن تفسير حقيقة أنّ الاستقلال جاء بعد مضيّ أكثر من عقد من الزمن على تولّيه حكم الإمارة!

إنّ الديموقراطية المنقوصة التي نعيشها اليوم نتيجة طبيعية للسياسة الداخلية التي رسمها البريطانيون وقام بتنفيذها عبدالله السالم، وهي ديموقراطية تصفها المذكرّة التفسيرية لدستور دولة الكويت بأنها"طريق وسط بين النظامين البرلماني والرئاسي"، بمعنى آخر، هي ديموقراطية تهدف إلى إيجاد توازن بين حكم الشعب وحكم الأسرة، بين الديموقراطية والأوتوقراطية، بين حق الاختيار وواجب الطاعة! لعلّما يؤكّد ذلك كلّه هو أنّ المذكرة التفسيرية تشير إلى أنّ الهدف من ذلك التوازن في نظام الحكم هو "الحرص على وحدة الوطن واستقرار الحكم"، مما يعني أنّ هناك افتراضا ضمنيا مفاده أنّ وحدة الوطن واستقرار الحكم صيغتان متناقضتان لا يمكن الجمع بينهما، بل التوفيق فيما بينهما، أو بعبارة أخرى أكثر وضوحا، هناك من يعتقد أنّ الديموقراطية الحقيقية من شأنها الإضرار بوحدة الوطن!

ماذا عن دور عبدالله السالم في بناء الدولة الحديثة؟ إذا كان المقصود بالدولة الحديثة تلك التي تهتمّ ببناء البنى التحتية، ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على الفقر والجهل، فإنّ دور الأمير الراحل عبدالله السالم لا ينكره إلاّ جاحد، لكن إذا كان المقصود بالدولة الحديثة تلك التي تحرص على مبدأ العدالة الاجتماعية، وخلق فرص عمل حقيقية، وتهذيب الجانب الروحي للإنسان، فإنّ دور الأمير الراحل في ذلك كلّه كان سلبيا للغاية، ففي عهده شهدت الكويت أكبر توزيع غير عادل للثروة من خلال سياسة تثمين الأراضي، وبفضله أصبحت الوظيفة الحكومية مجرّد معيار يتم من خلاله معرفة حصّة كل مواطن من الثروة النفطية، وأثناء حكمه إنما بدأت سياسة تشجيع الاستهلاك المحموم الذي لم يبرأ الإنسان الكويتي منه إلى هذه اللحظة.

باختصار، وبالرغم من كل ما قيل حول دوره الإيجابي في استقلال الكويت وإرساء الديموقراطية وبناء الدولة الحديثة، لم يكن الأمير الراحل عبدالله السالم إلى مشروع الدولة أقرب منه إلى مشروع الحكم، بل على العكس من ذلك تماماً.  

الاثنين، 20 مايو، 2013

حول مفهوم الأغلبيّة الصامتة

يحتوي الخطاب السياسي على مفاهيمَ قد تبدو "بريئة" للوهلة الأولى، لكن ما إنْ نُخضع هذه المفاهيم إلى التحليل حتى يتبيّن لنا ما تنطوي عليه من خطورة، ومفهوم "الأغلبية الصامتة" ينتمي إلى هذا النوع من المفاهيم. ما يلي إعادة صياغة لبعض الأفكار الشخصية القديمة حول هذا المفهوم.

المعنى الأصلي لتعبير "الأغلبية الصامتة" يشير إلى "الأموات"، حيث ورد هذا التعبير في إلياذة "هوميروس" في سياق وصف القتلى من الجنود في حرب طروادة. لست أخفي إعجابي الشديد بهذا الوصف الدقيق للأموات، فهم فعلاً أغلبية صامتة، ذلك أنّ عددهم يفوق بكثير عدد الأحياء، وهم أيضا لا ينبسون ببنت شفة! عندما تكون الأغلبية أمواتاً، يسهل علينا نحن الأقليّة من الأحياء الحديث نيابة عنهم، فمهما وضعنا في أفواههم ما لم ينطقوا به، فإننا سنظل مطمئنين إلى استحالة سماع صرخة احتجاج يدوّي صداها أرجاء القبور، وهنا تحديداً يكمن منبع كل سلطة تعتمد على الماضي في حكم الحاضر، وعلى النصوص في حكم الشخوص.
استورد الرئيس الأميركي الأسبق "ريتشارد نيكسون" مصطلح "الأغلبية الصامتة" من عالم الأموات واستثمره في عالم الأحياء، فعندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع احتجاجاً على الحرب في فيتنام، ألقى الرئيس خطاباً يؤكد من خلاله أن الأغلبية الصامتة من الشعب الأميركي تقف إلى جانب استمرار الحرب في فيتنام! تهافت هذه الحجة أوضح من أن يحتاج إلى شرح، فعدم التظاهر ضد استمرار الحرب لا يعني بالضرورة التأييد لاستمرارها، ورغم ذلك مازال الاستشهاد برأي الأغلبية الصامتة حول أي قضية عامة عملة رائجة في عالم السياسة منذ أيام "نيكسون" إلى وقتنا الحاضر.
من الطبيعي وجود أغلبية صامتة في نظام شمولي، فالدكتاتور لا يحب سماع صوت رعيته إلاّ عندما تهتف له، ولكن كيف نبرّر منطقيّاً وجود مثل هذه الأغلبية في نظام ديمقراطي؟ السؤال نفسه بصيغة أخرى: كيف نفسّر صمت الأغلبية في نظام ديمقراطي يقوم على فكرة تجسيد إرادة الأغلبية؟ لا أملك إجابة شافية عن هذا السؤال، ولكن يبدو أن الاستفتاء العام هو الأداة الوحيدة التي يمكن من خلالها اختبار مدى صحة الاستشهاد برأي الأغلبية، ورغم الاعتراف بوجود صعوبة عملية في استخدام هذه الأداة، فإن أحداً لن يتورع عن الحديث نيابة عن الأغلبية الصامتة إنْ هي استمرت في رفضها الخروج عن صمتها.
لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه، ما في ذلك شك، ولكن هل لكل إنسان الحق في عدم التعبير عن رأيه؟ من الصعب أن تكون "لا" هي إجابة القارئ، إلاّ إذا كان محققاً أو وكيل نيابة في دولة قمعية، ولكن إذا كانت الإجابة هي "نعم"، أي إذا كان لي الحق في عدم التعبير عن رأيي، ثم اخترت استخدام هذا الحق، فعندها يصبح من حق الآخرين أيضا الحديث نيابة عني، ففي الحياة الخاصة، يكون الصمت في بعض الأحيان لوناً من ألوان الحكمة، ولكنه في الحياة العامة ليس إلاّ ضرباً من ضروب الانتحار.
عندما تكون هناك دعوة إلى التظاهر حول مسألة تمس الجميع، ثم أختار الجلوس في البيت، فإني بخياري هذا قد وهبت الحق للسلطة السياسية في الحديث نيابة عني، ذلك أن خيار الجلوس في البيت يجعلني تلقائياً في خانة "الأغلبية الصامتة"، وهي أغلبية لا تسكن إلاّ القبور، على حد تعبير "هوميروس".

الاثنين، 13 مايو، 2013

حول مفهوم المدنيّة


كلّ سؤال شائك له إجابة بسيطة، لكنها عادة ما تكون إجابة خاطئة، والسؤال التالي ينتمي إلى هذا النوع من الأسئلة: ماذا يعني أن تكون "مدنيّاً"؟ أن تكون مدنيّاً معناه أن تنتمي إلى مدينة ما، فالمدنيّ هو مَن يسكن المدينة، والقرويّ هو مَن يسكن القرية. هذه الإجابة السطحية تقوم على تعارض جغرافي بين الإنسان المدنيّ والإنسان القرويّ، وهي إجابة خاطئة لأنّ القبول بصحّتها يؤدّي إلى نتائج لا يمكن القبول بصحّتها، فمثلاً، من الصعب أن نسبغ على "جاك السفّاح" صفة "المدنيّة" لمجرّد أنّه كان من قاطني لندن، بينما ننتزع هذه الصفة من الأب "سان مانويل" لمجرّد أنّه كان يعيش في قرية من قرى قشتالة النائية.
لكن لماذا نذهب بعيداً؟ أليس من العسير أيضا أن نطلق صفة "مدنيّ" على مَن يسرق خيرات هذا البلد لمجرد أنّه يقطن داخل أسوار المدينة، بينما ننتزع هذه الصفة عمّن ضحّى بحياته فداء لهذه الأرض لمجرد أنّه يقطن خلف أسوار المدينة؟ أليست ثنائية (حضر - بدو) مظهراً من مظاهر الإجابة السطحية سالفة الذكر؟ أَوَليس صحيحاً أنّ من شأن هذه الثنائية أنْ تجعل من اللصّ نبيلاً، ومن البطل صعلوكاً؟
مدنيّة أيّ فرد لا تحدّدها البقعة الجغرافية التي يعيش عليها، بل تحدّدها قدرة الفرد على التعايش مع مَن يشاطرونه العيش على تلك البقعة، ولهذا التعايش شروط يفرضها مفهوم "المدينة" نفسه، فما يميّز أي مدينة هو احتضانها لأفراد ذوي مشارب مختلفة، وما يميّز هؤلاء الأفراد هو قدرتهم على التعايش رغم اختلافاتهم، ومن هنا فإن إنشاء المدن إنجاز حضاريّ لا يليق إلاّ بفصيلة الإنسان، فالمدينة هي الغابة الوحيدة المسالمة على وجه الأرض، أو هكذا ينبغي أن تكون!
إنّ تعريف مفهوم "المدنيّة" من خلال البعد الجغرافي يجعل من المدنيّة صفة مطلقة، وهي ليست كذلك، بينما تعريف هذا المفهوم من خلال البعد الاجتماعي يجعل من المدنيّة سلوكاً نسبيّاً، وهي كذلك فعلاً، فأنت إنسان مدنيّ بالقدر الذي تنجح فيه في التعايش مع الآخر، والنجاح في أيّ شيء– كما نعلم جميعاً– أمر نسبيّ بالضرورة.
على ضوء ما تقدّم، يُمكن القول إنّ أيّ فعل أو سلوك يُخلّ بمبدأ التعايش مع الآخر لا يمكن أن يكون امتداداً لمفهوم المدنيّة (أي لا يمكن وصفه بفعل أو سلوك مدنيّ)، ابتداء بجرائم القتل والسرقة والاغتصاب، مروراً بالسلوكيّات الأخلاقية المشينة مثل الكذب والغش والخداع، وانتهاء بتصرفات تنم عن رعونة مثل قيادة السيارة بسرعة جنونية! بالمثل، أيّ فعل أو سلوك يعزّز مبدأ التعايش مع الآخر يصبح تلقائيا امتداداً لمفهوم المدنيّة، فالمطالبة باحترام القانون وتطبيقه على الجميع، والتأكيد على مبدأ العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، والتظاهر السلميّ في سبيل إرساء الديمقراطية وتداول السلطة، كلّها ممارسات تدلّ على مدنيّة الدولة ومواطنيها.
بَقيَ أن نشير إلى أنّ التعارض التقليدي بين مفهوم المدنيّة ومفهوم الدين يعود في حقيقة الأمر إلى تعارض حول تحديد طبيعة الأساس الذي يقوم عليه مبدأ التعايش مع الآخر، فالمدنيّة تتخذ من العقل وقوانينه أساساً لتحديد الشروط الملائمة للتعايش بين الأفراد، بينما يتخذ الدين من النص وأحكامه أساساً لتحديد تلك الشروط، وبالرغم من أنّ هذا التعارض ليس مطلقاً، فإنّ هناك نقاط اختلاف كثيرة، فالإنسان المتديّن يرى في تعدّد الزوجات، مثلاً، أمراً مشروعاً لا يخلّ بمبدأ التعايش مع الآخر، بينما يراه الإنسان المدنيّ أمراً مرفوضاً لا يستقيم مع هذا المبدأ.