الاثنين، 21 سبتمبر 2015

أجمل كوكب وأبشع فصيلة


الكوكب الأزرق، هذا هو لقب أشدّ الكواكب صخبا في هذا الكون الفسيح، وهو كوكب يبدو جميلا كلما ابتعدنا عنه، ويبدو قبيحا كلما اقتربنا منه، كما نراه خليقا بالإعجاب عبر قناة «ناشيونال جيوغرافيك»، ومثيرا للاشمئزاز من خلال القنوات الإخبارية، إنه كوكب الأرض، كوكب تسوده أبشع فصيلة حيوانية في تاريخ الطبيعة، إنها فصيلة الإنسان، هذا الكائن الذي يصرّ بغباء على أن يكون أحد الآثار الجانبية لقانون الانتقاء الطبيعي بعد أن كان غاية هذا القانون ومنتهاه.

«نعيش في أفضل العوالم الممكنة»، هذه هي العبارة الشهيرة التي أطلقها الفيلسوف الألماني «لايبنز» في مطلع القرن الثامن عشر، وهي العبارة ذاتها التي دفعت «فولتير» إلى كتابة رواية «كانديد» للسخرية من هذا التفاؤل غير المبرّر، لكن إذا لم تعد عبارة «لايبنز» مقنعة كتفسير لمشكلة الشر في العالم، فهل ينبغي أن نستسلم للعبارة المعاكسة التي تفيد بأننا «نعيش في أسوأ العوالم الممكنة»؟ وإذا كان «فولتير» قد ضاق بمآسي الحروب في عصره، فماذا بوسعنا أن نقول عن زمننا الحاضر؟
عالم متوحش هذا الذي نعيش فيه، عالم يملأ فضاءه صخب الحرب وشبح الفقر وظلام الجهل، وبالرغم من هذا التاريخ الطويل من النظم الأخلاقية والتعاليم الدينية والمواثيق الدولية، تجرّد الإنسان من إنسانيته إلى درجة لم يعد له فيها نصيب من اسمه، فبعد أن سادت «أخلاقيات السوق» وعبادة المادة وشغف الاستهلاك، تبلّد الإحساس بمعاناة الآخر، وأضحت قيمة الإنسان فيما يملك من أشياء.
عالم منافق هذا الذي نعيش فيه، وليس أبشع من نفاق يتخذ من الإنسانية موضوعا له، فالدول العظمى التي ترفع شعار «السلام» من جهة هي ذاتها الدول العظمى التي تبيع السلاح من جهة أخرى، وأوروبا التي استيقظ ضميرها على معاناة اللاجئين بعد نوم طويل هي ذاتها أوروبا التي لا تزال منهمكة في حساب الجدوى الاقتصادية لهؤلاء اللاجئين، ولنا نحن أيضا نصيبنا من النفاق، فالشيعي يتباكى على معاناة الشعب اليمني ويغض الطرف عن معاناة الشعب السوري، في حين يتباكى السني على معاناة الشعب السوري ويغض الطرف عن معاناة الشعب اليمني.
عالم مجنون هذا الذي نعيش فيه، خفت فيه صوت الحكمة خجلاً من ضجيج الحماقة، وتوارى فيه العقل يائساً من مستقبل أبشع فصيلة على أجمل كوكب.

ليست هناك تعليقات: