الاثنين، 21 أكتوبر 2013

أحفاد بطليموس


لنبدأ بحكاية من التراث اليوناني: يُحكى أن بطليموس الأول، الحاكم اليوناني لمصر، حاول جاهداً أن يستوعب علم الهندسة من خلال قراءته لكتاب "العناصر" الذي وضعه الرياضي الشهير إقليدس، وعندما فشل في تحقيق غايته، ذهب إلى إقليدس يسأله عمّا إذا كانت هناك طريقة مختصرة لاستيعاب الكتاب، فأجابه الأخير قائلاً: ليس هناك طريق ملكيّ إلى الهندسة!
إجابة إقليدس حكيمة في معناها، صادقة في محتواها، ومع ذلك لا يبدو أنها تلقى صدى في زمننا الحاضر، فهناك من يعتقد أن بإمكانه أن يتعلم لغة أجنبية في غضون أسبوع واحد، وهناك من يظن أن بوسعه أن يفهم النظرية النسبية عن طريق مشاهدة "يو تيوب"، وهناك من يتخيل أن بمقدوره أن يستوعب الأزمة المالية من خلال متابعة النشرات الإخبارية، بل إن هناك من يتصور واهماً أن الغليون والعثنون هما كل ما يحتاجه المرء كي يصبح طبيباً نفسياً!
لعل أغلب العاملين في السلك الدبلوماسي هم ممن يعتقدون أن "الثقافة الموسوعية" ركن أساسي من أركان شخصية "الدبلوماسي الناجح"، فالمعرفة بالنسبة إلى هؤلاء هي أن "تقطف من كل بستان زهرة"، أي أن توهم محاورك بأن لديك إلماماً بحقول المعرفة كافة، ولا يهم أن تكون هذه المعرفة سطحية، شريطة ألا يكتشف محاورك ذلك، فمثلاً، إذا كان الموضوع يدور حول الفلسفة، ينبغي لك أن تذكر أسماء مثل "أرسطو"، و"هيغل"، وربما أيضا "فتغنشتاين"، لكن إذا تبين لك أن محاورك قد قرأ لهؤلاء، فلا بد من الانتقال إلى موضوع آخر! حسب القاموس الدبلوماسي، شكل المعرفة أهم من عمقها، فمن ذا الذي يهتم بالجذور بعد قطف الزهور؟
هل سمع القارئ بسلسلة Books for Dummies؟ الترجمة الحرفية لهذه السلسلة من المنشورات هي "كتب للأغبياء"، أو "كتب للمبتدئين" حسب الترجمة العربية المؤدّبة! يتناول هذا النوع من المطبوعات مواضيع شتى، فهناك عناوين مثل "الطبخ للأغبياء"، و"الجنس للأغبياء"، و"كرة القدم للأغبياء"، لكن هناك في المقابل عناوين مثل "الفيزياء للأغبياء"، و"الكيمياء للأغبياء"، و"الرياضيات للأغبياء"! لا شك أن معظم العناوين في هذه السلسلة موجهة إلى القراء المبتدئين بصرف النظر عن مستوى ذكائهم، فإذا كان للأغبياء هوس في معرفة تفاصيل الجنس، فإن من غير المعقول أن تثير الفيزياء اهتمامهم! لكن من الصعب أيضا إنكار السبب وراء المبيعات الضخمة لهذه السلسلة من المنشورات، فلولا اعتقاد عدد كبير من القراء بوجود طريق ملكي إلى المعرفة لما حظيت تلك الكتب برواج كبير.
في سورة "الزمر" نقرأ: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"؟ بصرف النظر عن نوع العلم المقصود هنا، فإن هذه الآية عبارة عن سؤال بلاغي، أي سؤال إجابته معروفة، وهي النفي، لكن أحفاد بطليموس الأول (وما أكثرهم) يظنون غير ذلك! كيف لا وقد ظنّ جَدّهم من قبل أن إقليدس الذي أفنى حياته في طلب العلم يُمكن اللحاق به في غضون ساعات!

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

مقال جيّد.