الأربعاء، 29 يوليو 2009

خرافة علم الأنساب

لا تـقلْ أصـلي وفَصلي أبداً
إنما أصـلُ الفَتى ما قد حَصَلْ
قـدْ يسودُ المرءُ من دونِ أبٍ
وبِحسنِ السَّبْكِ قدْ يُنقَى الدَّغّلْ
إنما الـوردُ مـنَ الشَّوكِ وما
يَنبُتُ النَّرجسُ إلا من بَصَلْ
غـيرَ أني أحـمدُ اللهَ عـلى
نسبي إذ بـأبي بكرِ اتَّصلْ
(من لامية ابن الوردي)
لولا هذا الاستدراك في البيت الأخير، لقلت إن الشاعر يقف موقفاً مبدئياً ضد فكرة التفاخر بالأنساب، لكني ألتمس العذر لـِ (ابن الوردي)، فهو من جانب ينتمي إلى عصر بعيد نسبياً، وهو من جانب آخر ينتمي إلى حضارة قائمة على فكرة التفاضل بين نسب وآخر، فالشاعر إذن معذور حينما يذكّرنا بأن موقفه الرافض للتفاخر في الأصل والفصل لا يعني أنه يفتقر إلى أصل أو فصل! على أي حال، من العسير أن نعثر في تراثنا العربي على ثوّار حقيقيين، فأرباب القلم العربي لا يثورون على فكرة اجتماعية متخلفة إلا كي يدافعوا عن فكرة أخرى لا تقل تخلفاً عن سابقتها! بل إننا نجد في عصرنا الحديث مفكراً بحجم الأستاذ لطفي السيد يؤلف كتاباً تحت عنوان (قبائل العرب في مصر)، ويبدو أن ليبرالية الأستاذ الكبير لم تمنعه من أن يستجيب إلى إلحاح أهله من (عرب العقيلات) فيضع كتاباً يغذي غرورهم!
لست ضد هواية تقصّي الأصل ورسم شجرة العائلة، فكل إنسان حر في اختيار هواياته، لكني ضد أن يتعامل الناس مع هذه الهواية على أنها حقيقة مطلقة غير قابلة للشك، كما أني أدين استخدام هذه الهواية كوسيلة لتفضيل مجموعة من البشر على مجموعات أخرى، ولست أرى فيما يسمى بـ «علم الأنساب» أي قيمة علمية حقيقية تجعله مؤهلاً إلى الانضمام إلى بقية فروع العلم الحديث. إن فكرة التفاخر بالأصل والنسب تنطوي على تمييز عنصري بغيض، فلولا افتراض وجود أصول «شريفة» وأخرى «وضيعة»، لفقدت هذه الفكرة قيمتها الاجتماعية! سوف أذهب إلى أبعد من ذلك لأؤكد أن فكرة الافتخار بالأصل لا تُعد فكرة مشروعة، ليس من الناحية الأخلاقية فقط، بل حتى من الناحية المنطقية! كي أدلل على صحة ما أقول، سأقدم نوعين من الحجج، الحجة الأولى تنتمي إلى علم الأحياء، والحجة الثانية تعتمد على أبسط مباديء علم الرياضيات.
هناك شبه إجماع بين علماء الأحياء على حقيقة أن أصل البشر جميعهم ينحدر عن مجموعة صغيرة من الأفارقة، وهي مجموعة نجحت في الهجرة من القارة الأفريقية قبل أكثر من خمسين ألف سنة! إذا كان القاريء يشكك في صحة هذه الحقيقة العلمية، فإني أدعوه إلى إرسال عينة بسيطة من حمض ال DNA الخاص به إلى البروفيسور سبينسر ويلز، المسؤول الأول عن «المشروع الجينوغرافي»، وهو مشروع علمي يهدف إلى رسم خارطة جينية لسكان الأرض جميعهم! لعل هذه الحقيقة العلمية تبين مدى سخافة التمييز العنصري ضد السود على مر التاريخ، ففي نهاية المطاف فالبشر كلهم على سطح هذه الأرض يرجع أصلهم إلى جد أفريقي عاش قبل أكثر من خمسين ألف سنة في شرق أفريقيا! إذا كانت صورة الجد الأفريقي لا تعجب أولئك الذين يمارسون هواية التفاخر بالأنساب، فإني أقترح الرجوع إلى الوراء بضعة آلاف من السنين كي نتعرف على أسلاف هذا الجد الأفريقي، لكني على يقين بأن النتيجة في هذه الحالة لن تعجب الأغلبية، وأكاد أجزم أنهم سيفضلون صورة الجد الأفريقي بدلاً منها! فنظريات العلم تشير إلى أن حامض ال DNA لا يثبت أن البشر جميعهم ينتمون إلى عائلة واحدة فحسب، بل إنه يدلل أيضاً على أن الكائنات الحية جميعها تنتمي إلى العائلة نفسها!
أعلم أن «داروين» وتلامذته لا يحظون بشعبية كبيرة في عالمنا العربي، لذا سأنتقل إلى لغة الأرقام، وهي لغة عالمية يجيدها الجميع تقريبا. لنفرض أن «س» من الناس أراد أن يعرف عدد أسلافه خلال القرون الخمسة السابقة فقط، ولنفرض أن الفارق الزمني بين جيل وآخر يقدر بحوالي 25 سنة، ففي هذه الحالة سيبدأ «س» من العدد 2 في إشارة إلى الجيل الأول المكوّن من أمه وأبيه، ثم يضيف العدد 4 في إشارة إلى الجيل الثاني المكون من جدّين وجدتين، ثم يضيف العدد 8 إلى الجيل الثالث (في حالة كان التزواج من خارج العائلة الواحدة)، وهكذا إلى أن يصل إلى الجيل الواحد والعشرين، وهو الجيل الأخير ضمن فترة القرون الخمسة، وأما النتيجة التي سيحصل عليها «س» فستشير إلى أن عدد أسلافه يصل إلى أكثر من مليوني نسمة (إذا أردنا الدقة، 2 أُس 21 يساوي 2097152)!
إذا كانت فكرة التفاخر بالأصل تنطوي على افتراض مفاده أن حسن السير والسلوك لا يقتصر على الفرد فقط، بل يتعداه إلى أسلافه جميعهم، وإذا كان صاحبنا «س» ينتمي إلى هذا النوع من الأفراد، فإن من المنطقي أن نطالب «س» بإثبات حسن سير وسلوك أكثر من مليوني شخص ينتمون إلى أصله «الراقي» ضمن فترة لا تتجاوز الخمسمئة سنة فقط! هل يستطيع إنسان عاقل أن يدّعي القدرة على إثبات حسن سير وسلوك أكثر من مليوني شخص معظمهم في عداد الموتى؟! بالمناسبة، مَن أراد أن يحذو حذو شاعرنا ابن الوردي ويدّعي الانتساب إلى نسل أبي بكر، فعليه أن يثبت حسن سير وسلوك أكثر من مئة ألف تريليون شخص، وهذا الرقم ينطوي على مفارقة سنتطرق إليها في مقال لاحق!
على ضوء ما تقدم، ما قيمة التفاخر بالأنساب، وما مدى مشروعية «علم» الأنساب من الناحية العلمية؟

ليست هناك تعليقات: