الخميس، 30 يوليو 2009

دور الشيطان في العلم والفلسفة

صورة الشيطان في الأساطير والأديان تشير إلى مخلوق قبيح لا همّ له سوى إغواء الآخرين وإلحاق الضرر بهم. لست أعلم إلى أي مدى يستمتع الشيطان بأداء هذا الدور السلبي، لكني أعلم أن له دوراً إيجابياً في ميادين أخرى مثل العلم والفلسفة. سأحاول من خلال هذا المقال أن أسلط الضوء على هذا الدور الإيجابي «الشيطاني»، لكن قبل الشروع في ذلك، ينبغي لي أولاً أن أوضح الفرق بين التجربة العلمية المخبرية والتجربة العلمية العقلية.
التجربة المخبرية هي الأكثر شيوعاً، وتشمل كل تجربة علمية يمكن إجراؤها في المختبر، ولها دور مهم في فلسفة العلوم، فمن خلالها يمكن اكتشاف قوانين جديدة أو التحقق من صحة بعض النظريات العلمية. أما التجربة العقلية فيتعذر إجراؤها في المختبر، وهي تعتمد على الخيال وتتصف بالتجريد، ولها دور لا يقل أهمية عن التجربة المخبرية في تقدم العلم والفلسفة.
يحدث أحيانا أن يكون الشيطان هو أحد عناصر التجربة العقلية، ويتخذ عادة صورة كائن ذي قدرات فائقة، ولكنها قدرات لا تتعارض إطلاقاً مع قوانين الطبيعة أو المنطق (على العكس من قدرات الشيطان في الأساطير والأديان!)، وأما وظيفته فتنحصر في وضع مجموعة من العقبات الفكرية أمام العلماء والفلاسفة، ليس بهدف إغوائهم وإلحاق الضرر بهم، بل من أجل أن يعيدوا النظر في نظرياتهم العلمية والعمل على تطويرها! لننظر إلى بعض الأمثلة من تاريخ العلوم والفلسفة.
لنفرض أن مدينة الجهراء تبعد عن مدينة الأحمدي مسافة قدرها 100 كم، ولنفرض أني بدأت رحلتي من الجهراء باتجاه مدينة الأحمدي بينما أقود سيارتي بسرعة ثابتة بمعدل 100 كم في الساعة، فمن خلال هذه المعطيات يصبح من السهل التنبؤ بأني سأصل إلى مدينة الأحمدي بعد مرور ساعة كاملة فقط، وعند وصولي أيضاً يمكن لأهالي مدينة الأحمدي التنبؤ بأني كنت في مدينة الجهراء قبل ساعة كاملة فقط! بالقياس إلى هذا المثال التوضيحي، يمكننا الآن أن نفهم التجربة العقلية الشهيرة التي تعرف باسم «شيطان لابلاس»، نسبة إلى العالم الرياضي الشهير «بيير سيمون لابلاس»، فمن خلال هذه التجربة يطلب منا «لابلاس» أن نتخيل وجود شيطان له القدرة على معرفة مكان كل ذرة من ذرات هذا الكون في وقت معين، بالإضافة أيضاً إلى الطاقة الحركية لكل ذرة، ففي هذه الحالة يستطيع هذا الشيطان أن يستخدم قوانين نيوتن لمعرفة ماضي هذا الكون ومستقبله أيضاً! كان «لابلاس» يؤمن إيماناً قوياً بمبدأ الحتمية، لكن تجربته العقلية هذه تعاني قصوراً من الناحيتين العملية والنظرية، وهذا ما أكده بعض العلماء الذين جاؤوا بعده!
ديكارت أيضاً كان على موعد مع الشيطان لإجراء تجربة عقلية من نوع آخر، ففي كتابه «التأملات» يقول ديكارت ما يلي: «سأفترض وجود شيطان شرير له قدرة هائلة تمكنه من خداعي، فهو قادر، مثلاً، على إقناعي بأن السماء والأرض والهواء والألوان والأشكال وكل شيء يحيط بي ما هو إلا من نسج الخيال»! لكن ديكارت يلاحظ الحقيقة التالية: مهما بلغت قدرة هذا الشيطان على خداعي، فإنه لن يستطيع أن يجعلني أشكك بوجودي، لأن الشك في وجودي يتطلب أولاً قدرتي على التفكير، وما دمت أفكر فأنا موجود، وعندما أتوقف عن التفكير فلن يكون هناك دليل على وجودي! من هنا جاءت مقولة ديكارت الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، والتي تشكل المبدأ الأول لفلسفة ديكارت في ميدان نظرية المعرفة.
في المرة القادمة، عندما تتهيأ عزيزي القارئ في كيل الشتائم واللعنات إلى الشيطان في صلواتك، سيكون من الإنصاف أن تتذكر دور الشيطان الإيجابي في تقدم العلم والفلسفة، خصوصاً دوره في بناء التجربة العقلية! أرجو ألا يفهم «عبدة الشيطان» أني أروّج لمعتقدهم السطحي من خلال هذا المقال، فكل ما هنالك هو أني أحبّ أن أنصف الجميع ومن ضمنهم أعدائي، حتى لو كان الشيطان أحدهم!

ليست هناك تعليقات: