الأربعاء، 8 يوليو 2009

الأفكار الجديدة والتقاليد الموروثة

يولد المولود فيدخل في فترة حضانة تدوم سنوات طويلة، يخضع خلالها إلى عملية روتينية يسمونها "تربية"، يستقي من خلالها عددا هائلا من المعلومات عن العالم من حوله و عن مكانه و دوره في هذا العالم، معلومات تلقاها من الأسرة و المدرسة و التلفاز و المجتمع بمجمله، و كلما أثبت الطفل قدرته على الحفظ عن ظهر قلب لكل هذا الكم من المعلومات، كلما دنا خطوة إلى الأمام في اتجاه هذه المرحلة التي يسمونها "البلوغ"!
في المجتمعات البدائية، أن تكون بالغا معناه إضافة واحد إلى المجموع! بمعنى آخر، صك البلوغ هو بمثابة اعتراف المجتمع بأن هذا البالغ الجديد اجتاز مرحلة الطفولة بنجاح، فهو الآن واحد منا، يلبس كما نلبس، و يشرب كما نشرب، و يأكل كما نأكل، و (الأسوأ من ذلك كله) يفكر كما نفكر! المجتمع ذو التفكير البدائي يظن أن حماية مصالح الجماعة مرهون بقدرة هذه الجماعة على خلق قوالب متشابهة من البشر كأعضاء جدد يدينون بالولاء لها! في قاموس هذا النوع من المجتمعات، ليس هناك سلاح أكثر فتكا بمفهوم الجماعة من سلاح الفكرة الفردية الجديدة، و قمع هذه الفكرة هو الطريق الوحيد للنجاة و البقاء على قيد الحياة! عندما يطرح الفرد فكرة جديدة، يرفض المجتمع البدائي هذه الفكرة لسبب بسيط: لأن الفكرة جديدة و ليست مستنسخة!
حسب قوانين الفيزياء الكلاسيكية، عندما تتمكن من معرفة موقع جسم معين و سرعته في هذا الموقع، يصبح من السهل جدا التنبؤ بمسار هذا الجسم في المستقبل، من هنا توصف هذه القوانين بأنها قوانين حتمية· المجتمع بدائي التفكير شبيه بهذا النوع من القوانين، ذلك أن صياغة العقول في قالب واحد تتيح عملية التنبؤ بسلوك هذا المجتمع: حاول معرفة كيف يفكر الأب و ستعرف كيف سيتصرف الابن، و اطلع على موضوع خطبة الجمعة الماضية كي تجد السبب وراء هذا التلفاز المحطم أمام عتبة البيت! في سورة الزخرف، الآية 23، نقرأ: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)· سبب الرفض كما نرى هو التقليد المتوارث، جيلاً بعد جيل، و فكرة الدخول إلى دين جديد، أي الفكرة الجديدة، مرفوضة لأنها لا تنتمي إلى سلسلة الأفكار المتوارثة التي تشكل قوام الوعي الجمعي· الغريب أن هذه الإستراتيجية في الرفض وجدت لها مكانا في التراث الإسلامي فيما بعد، و في مجتمعاتنا العربية في وقتنا الحاضر· حسب القاموس الإسلامي، الفكرة الجديدة تسمى "بدعة"، و حسب قاموس الثقافة العربية، الفكرة الجديدة مرادفة لفكرة الخروج عن العادات و التقاليد الموروثة!
كي نلتمس مدى تهافت هذه الإستراتيجية اللامنطقية في رفض كل ما هو جديد، يكفي فقط أن نلاحظ التناقض الداخلي لمفهوم "التقاليد و الأعراف"· عندما يرفض مجتمع ما الفكرة الجديدة بحجة أنها تمثل خروجا على الأعراف و التقاليد المتوارثة، فإن من حقنا أن نطرح السؤال التالي: أليست تقاليد الزمن الحاضر و أعرافه هي مجرد أفكار جديدة بالنسبة للزمن الماضي؟ مصلح "العرف" أو "التقليد" يشير ضمنيا إلى وجود تاريخ، أي مدة زمنية، ولولا وجود هذا التاريخ لما كان هناك عرف أو تقليد· لكن تاريخية الأعراف و التقاليد تتضمن أيضا فكرة وجود بداية، فليس هناك تاريخ من دون نقطة بداية، و هنا من الطبيعي أن نتساءل: في وقتنا الحاضر، إذا كنا نسمي هذه المنظومة من القوانين الاجتماعية و الأخلاقية أعرافا و تقاليدا، فما هو الاسم الأصلي لهذه القوانين عندما تم تبنيها و العمل بها في الزمن الماضي؟ الإجابة المنطقية هي أن تلك القوانين كانت تدعى "أفكارا جديدة"، و مع مرور الزمن يتحول الجديد إلى قديم، أي إلى أعراف و تقاليد· من ذلك كله نصل إلى الاستنتاج التالي: لولا ولادة فكر جديد لما كان هناك عرف أو تقليد!
لعل استناد الثقافة العربية إلى هذه الحجة المتهافتة للدفاع عن أعرافها و تقاليدها يفسر مدى هشاشة خطوط الدفاع لدى هذه المجتمعات في وجه ما يسمى بـ "الغزو الثقافي"، و ربما فسّر أيضا هذا التناقض العجيب في التعامل مع الجديد، إذ يبدو أن الحداثة في هذه المجتمعات تقتصر على كل ما يتعلق بالمسائل الحسية، أما العقل فهو و الحداثة في خصام مبين! السيارة الجديدة، و الهاتف الجديد، و القميص الجديد، و المنزل الجديد، و المرأة الجديدة··· هذه كلها أمور مقبولة، أما الفكرة الجديدة فهنا إنما يكمن الشر كله!
ماذا عن التراث الإسلامي؟ أليس يستند هو الآخر إلى الحجة نفسها في رفضه لكل جديد أو "بدعة"؟ هذا صحيح، لكنه على الأقل يقف على أرض صلبة من الناحية المنطقية، فهو يقدم لنا افتراضين إذا قبلنا بهما فإننا عندها سنكون مرغمين بقبول الاستنتاج المنبثق عنهما: الأول هو مفهوم "آخر الديانات"، و الثاني هو مفهوم "إقفال باب الاجتهاد"· إذا سلّمت بحقيقة هذين المفهومين، فليس بوسعك عندها سوى القبول بالاستنتاج المنطقي التالي: كل جديد مرفوض، و كل بدعة ضلالة!

ليست هناك تعليقات: